عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ ﴿٤١﴾    [الحاقة   آية:٤١]
  • ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ﴿٤٢﴾    [الحاقة   آية:٤٢]
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ﴿41﴾ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿42﴾ ﴾[الحاقة: 41, 42]. تأمل كيف ختم الله تعالى الآية الأولى بقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ﴾, وختم الآية الأخرى بقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾, ووجه ذلك: "أن مخالفة القرآن لنظم الشعر ظاهرة وواضحة لا تخفي على أحد, فقول من قال : شعر, عناد وكفر محض, فناسب ختمه بقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ﴾. وأما مخالفته لنظم الكهان وألفاظ السجع فتحتاج إلى تدبر وتذكر؛ لأن كلا منهما نثر, فليست مخالفته لهما في وضوحها لكل أحد كمخالفة الشعر, وإنما تظهر بتدبر ما في القرآن من الفصاحة والبلاغة والبدائع والمعاني الأنيقة, فحسن ختمه بقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾.
  • ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا ﴿١٤﴾    [المزمل   آية:١٤]
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا ﴿14﴾ ﴾[المزمل: 14]. كرر لفظ ﴿الْجِبَالُ ﴾؛ لأنه في مقام التهديد والوعيد, ثم إنه لو أضمر, فقال: (وكانت كثيباً), لكان محتملاً أن يعود الضمير على الأرض, فتكون هي التي أصبحت كثيباً مهيلاً, وهذا غير مراد, فمنعاً لهذا الاحتمال أظهر في موضع الإضمار. والله أعلم.
  • ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴿٦﴾    [الإنسان   آية:٦]
قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴾[الإنسان: 6]. قال:﴿يَشْرَبُ بِهَا ﴾، والمعروف أن (شرب) يتعدى بـ(من), ولكنه ههنا ضمن الفعل(يشرب) معنى: يتلذ, أي: يتلذون بسببها, وقيل: إنه ضمن معنى (يروى), ويؤيده المجيء بفعل يدل على التكثير, وتأكيده بمصدره, حيث قال: ﴿يُفَجِّرُونَهَا ﴾, ثم قال: ﴿تَفْجِيرًا ﴾. فصار معنى الآية – والله أعلم-: عيناً يشرب, ويتلذ بها عباد الله, أو: عيناً يشرب، ويروى بها عباد الله. والله أعلم. قال الزمخشري: " فإن قلت: لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أولاً – يريد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴿5﴾ ﴾[الإنسان: 5]-, وبحرف الإلصاق آخراً؟ -يريد قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ ﴾-, قلت: لأن الكأس مبدأ شربهم, وأول غايته, وأما العين فبها يمزجون شرابهم, فكأن المعنى: يشرب عباد الله بها الخمر, كما تقول: شربت الماء بالعسل".
  • ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ﴿٢٨﴾    [الإنسان   آية:٢٨]
  • ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ﴿١٣٣﴾    [النساء   آية:١٣٣]
قوله تعالى:﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ﴾[الإنسان: 28] سبق القول مرارا: إن (إذا) تستعمل في ما كان متحقق الوقوع، و(إن) تستعمل في ماكان محتمل الوقوع، أو بعيده، لكن اشكل على العلماء استعمال (إذا) في هذه الآية مع مشيئة التبديل، والتبديل غير واقع. وأجيب بأن التبديل هنا يحتمل وجهين: "أحدهما: إعادتهم في الآخرة؛ لأنهم أنكروا البعث. والثاني: إهلاكهم في الدنيا وتبديل أمثالهم، فيكون كقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ﴾[النساء: 133]. فإن كان المراد في الدنيا وجب أن يجعل هذا بمعنى(إن) الشرطية؛ لأن هذا شئ لم يكن، فهي مكان (إن)؛ لأن الشرط يمكن أن يكون وألا يكون، ألا ترى إلى ظهورها في قوله تعالى:﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ ﴾ [النساء: 133], ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾[سبأ: 9]، وإنما جاز لـ(إذا) أن تقع موقع(إن) لما بينهما من التداخل والتشابه" ولست أرى أن (إذا) هنا بمعنى (إن)، بل أراها باقية على معناها الأصلي؛ فيكون ذلك أبلغ في التهديد؛ ليأتي نتيجة لما سبقه من ذكر الخلق وشد الأسر.
  • ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴿٨﴾    [الضحى   آية:٨]
  • ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴿٤٣﴾    [التوبة   آية:٤٣]
قوله تعالى:﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾[الضحى:8] حيث يجعل النحويون هذه الآية الكريمة شاهدا على حذف المفعول به لتناسب الفواصل؛ فالآيات الاولى من تلك السورة مختومة بالألف المقصورة، وكان الأصل في الآية أن يقال: (وما قلاك). والصحيح أن النظم القرآني ليس مبنيا على أسس لفظية فقط، فهذه الآية الكريمة التي بين أيدينا لو تدبرناها لتبين لنا أن الله –سبحانه وتعالى- ذكر الضمير العائد على الرسول صلى الله عليه وسلممن أن يواجه بالقلى، وهو البغض، حتى لو كان ذلك في سياق النفي؛ لما فيه من الطرد والإبعاد وشدة البغض، ومن نعم الله تعالى على الرسول صلى الله عليه وسلمأنه يرفق به إذا عاتبه، ومن ذلك قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴾[التوبة: 43]، تأملوا –رحمني الله وإياكم- كيف قدم الله تعالى عفوه على عتابه لرسوله صلى الله عليه وسلم.  أما التصريح بالمفعول مع التوديع في آية سورة الضحى فلأن التوديع لا محذور فيه، بل أنه لا يكون إلا بين المتحابين، ولذلك صرح الله تعالى بالضمير، فقال: ﴿مَا وَدَّعَكَ ﴾. والله أعلم.
  • وقفات سورة التكاثر

    وقفات السورة: ٣٠٠ وقفات اسم السورة: ٢٥ وقفات الآيات: ٢٧٥
﴿أَلْهَاكُمُالتَّكَاثُرُ (1) حَتَّىزُرْتُمُالْمَقَابِرَ (2) كَلَّاسَوْفَتَعْلَمُونَ (3) ثُمَّكَلَّاسَوْفَتَعْلَمُونَ (4) كَلَّالَوْتَعْلَمُونَعِلْمَالْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّالْجَحِيمَ (6) ثُمَّلَتَرَوُنَّهَاعَيْنَالْيَقِينِ (7) ثُمَّلَتُسْأَلُنَّيَوْمَئِذٍعَنِالنَّعِيمِ (8)﴾[التكاثر: 1-8] هذه السورة العظيمة مؤثرة جدا في كل من ألقى السمع وهو شهيد، تقرع القلوب، وتهزها هزا يعيدها إلى جادة الحق، إذا أراد الله تعالى لأصحابها خيرا في الدارين. ولي في هذه السورة تنبيهات: التنبيه الأول: تأملوا قوله:﴿أَلْهَاكُمُالتَّكَاثُرُ﴾ حيث أسند الله تعالى الإلهاء إلى التكاثر، ومع أن اللاهين هم الكفار، ولهوهم يكون عن الإيمان، أو هم المؤمنون، ولهوهم يكون عن الأزدياد من الصالحات، وإسناد الإلهاء إلى التكاثر أبلغ من قول: (لهوتم بالتكاثر)؛ لأنه في الآية الكريمة السبب الوحيد في الغفلة والبعد عن الإيمان أو الطاعات؛ فكأنه لا سبب غيره، أما لو لم يسند إليه لكان سببا من أسباب كثيرة. ثم تأملوا قوله:﴿التَّكَاثُرُ﴾ فصيغة التفاعل تدل على التفاخر في ذلك والتباهي به، وتدل على فشوهما في المتخاصمين أو في القبائل، فكل قبيلة تفاخر الأخرى حتى تشتغل بذلك عن الإيمان والطاعة، وكل واحد من المتكاثرين همه أن يكاثر صاحبه، ولذلك لو حصلت الكثرة من غير تكاثر لم تضر. ولم يحدد الله المتفاخر به؛ ليعم كل ما يمكن أن يدخل فيه من مال، أو عبيد، أو أولاد، أو مزارع، أو مصانع، أو علوم لا يراد بها وجه الله تعالى، فالإيجاز بالحذف هنا دل على العموم؛ لأن المهم ليس المتكاثر به، بل المهم التكاثر نفسه، وما ينتج عنه من صرف لصاحبه عن الإيمان والطاعة. التنبيه الثاني: في قوله تعالى: ﴿حَتَّىزُرْتُمُالْمَقَابِرَ﴾ سمع أعرابي رجلا يقرأ هذه الأية، فقال: (بعث القوم للقيامة ورب الكعبة)، وقال علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- : (ما زلنا نشك في عذاب القبرحتى نزلت : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴿1﴾ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴿2﴾ ﴾). وقال عمر بن عبد العزيز –رحمه الله- بعد أن قرأ الآية: (ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله، إما إلى جنة إو إلى نار). فالتعبير عن الموت بالزيارة تعبير في غاية البلاغة عن كون الموت مرحلة برزخية، ينتقل بعدها الموتى إلى دار الأخرى، فليست القبور دار استقرار، ولا أهلها باقون فيها، وإنما هم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرون مدة، ثم يرحلون عنها، كما هو شأن الزائر، يرحل ولو بعد حين. فما أجمله من تعبير!!! التنبيه الثالث: قوله: ﴿كَلَّاسَوْفَتَعْلَمُونَ﴾ قيل: إنها تأكيد لقوله قبله ﴿كَلَّاسَوْفَتَعْلَمُونَ﴾ والصحيح أن العلم الأول يكون عند نزول الموت بهم، فيعاينون العذاب، وما بعد ﴿ثُمَّ﴾ مقصود به العلم بعذاب القبر. وذكر ابن القيم –رحمه الله- خمسة أدلة على ذلك، هي: الأول: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل، وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة. الثاني:توسط ﴿ ثُمَّ ﴾ بين العلمين – وهي تفيد الترتيب مع التراخي -، فهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبتين حقيقة زمانا وخطرا. الثالث:أن هذا القول مطابق للواقع؛ فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حيقية ما سيكون عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علما يقينا، فهو فوق العلم الأول. الرابع:أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وغيره من السلف فهموا من الآية أن المقصود بها عذاب القبر. الخامس:أنه ذكر عذاب النار بعده, فقال ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴿5﴾ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴿6﴾ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴿7﴾ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴿8﴾ ﴾ فدل على أن الأول غير مراد به النار. وقيل: إن الأول توعد بما ينالهم في الدنيا، والثاني توعد بما أعد لهم في الآخرة، فليس في السورة تكرار.
  • ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴿١﴾    [الكوثر   آية:١]
  • ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴿٢﴾    [الكوثر   آية:٢]
  • ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٦﴾    [آل عمران   آية:٢٦]
قوله تعالى: ﴿إِنَّاأَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴿1﴾ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴿2﴾ ﴾ [الكوثر: 1، 2] يفرق علماء اللغة بين (أعطى)و(آتى)، فيجعلون الإيتاء أقوى من الإعطاء، ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾[آل عمران: 26]، ويقولون: إن الملك شئ عظيم لا يعطيه الله إلا من له قوة، ولذلك تأمل قوله: ﴿ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾ تجدها قوية دالة على تمكن الملك قبل النزع. إذا عرفت هذا فربما قلت: كيف استعمل في سورة (الكوثر) الإعطاء، فقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾، ولم يقل: (إنا آتيناك الكوثر)؟. فقال الزركشي –رحمه الله- في تعليل ذلك: " لأن النبيصلى الله عليه وسلموأمته يردون على الحوض ورود النازل على الماء، ويرتحلون إلى منازل العز، والأنهار الجارية في الجنان، والحوض للنبي صلى الله عليه وسلموأمته عند عطش الأكباد قبل الوصول إلى المقام الكريم، فقال فيه: ﴿إِنَّاأَعْطَيْنَاكَ﴾؛ لأنه يترك ذلك عن قرب، وينتقل إلى ما هو أعظم منه". والله أعلم. وتأمل قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ﴾ تجده قرن الفعل بالفاء، وقد أفادت معنيين: "أحداهما:جعل الإنعام الكثير سببا للقيام بشكر المنعم وعبادته. وثانيهما:جعله سببا لترك المبالاة بقوله العدو؛ فإن سبب نزول هذه السورة أن العاص بن وائل قال: إن محمداً صنبور، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه السورة". وتأمل كيف أظهر الاسم بعد إضماره، فقال: ﴿لِرَبِّكَ﴾، ولم يقل: (لي)، ولا: (لنا)؛ للتنبيه على أنه تعالى أهل لأن يصلى له؛ لربوبيته، حيث خلق الخلق، وأبدعه، وأنشأه بنعمته، وفيه تعريض بدين العاص بن وائل وأشباهه ممن كانت عبادته ونحره لغير الله. وقال الإمام فخر الدين الرازي عن قوله:﴿ لِرَبِّكَ ﴾ : "فيه حسنان: وردوه على طريق الالتفات التي هي أم من الأمهات، وصرف الكلام عن لفظ المضمر إلى لفظ المظهر، وفيه إظهار لكبرياء شأنه، وإبانة لعزة سلطانه، ومنه أخذ الخلفاء قولهم: يأمرك أمير المؤمنين بكذا. وعن عمر – رضي الله عنه – أنه حين خطب الأزدية إلى أهلها قال لهم: خطب إليكم سيد شباب قريش مروان بن الحكم، وسيد أهل المشرق جرير بن بجلية، ويخطب إليكم أمير المؤمنين على نفسه".
  • ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴿٤﴾    [المسد   آية:٤]
  • ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ﴿٥﴾    [المسد   آية:٥]
  • ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ﴿٢٩﴾    [الإسراء   آية:٢٩]
  • ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٣٣﴾    [سبأ   آية:٣٣]
  • ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٥﴾    [الرعد   آية:٥]
  • ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴿٨﴾    [يس   آية:٨]
  • ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿٧١﴾    [غافر   آية:٧١]
  • ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٣٨﴾    [النساء   آية:١٣٨]
قوله تعالى عن أبي لهب: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴿4﴾ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴿5﴾ ﴾[المسد: 4، 5] فالجيد لفظ لايطلق إلا على المرأة، وبخاصة إذا ذكر الحلي والحسن، وهي موضع الحلية من عنقها، قال الأعشى: يوم أبدت لنا قتيلة عند جيد تليع تزينه الاطواق وقال ابن الرومي: وأحسن من عقد المليحة جيدها وأحسن من سربالها المتجرد وقال كثير بن عبد الرحمن: إذا ما أراد الغزو لم يثن همه حصان عليه عقد در يزينها وقال يزيد بن معاوية: إذا برزت ليلى من الخدر أبرزت لنا مبسما عذبا وجيدا مطوقا وقال الشماخ: دار الفتاة التي كنا نقول لها ياظبية عطلا حسانة الجيد وقال العرجي: أبصرت وجهاً لها في جيده تلع تحت العقود وفي القرطين تشمير وقال البهاء زهير: أبدا أزيد مع الوصال تلهفا كالعقد في جيد المليحة يعلق وقال الحارث بن خالد المخزومي: ومنها علامات بمجرى وشاحها وأخرى تزين الجيد من موضع العقد وقال أمين الدين عبد الرحمن بن علي الموصلي: هويتها طفلة دقت محاسنها فطرفها نرجس والخد تفاح يتيمة الدهر نثر الدر من فمها والعقد في جيدها والوجه مصباح والعنق لفظ عام للرجل والمرأة وغيرهما، وحين يراد الغل والتعذيب يطلق لفظ العنق، كقوله تعالى﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ﴾[الإسراء: 29]، وقوله:﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾[سبأ: 33]، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ﴾[الرعد: 5]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ﴾[يس: 8]، وقوله:﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾[غافر: 71]. والغل والتعذيب هما المرادان في سورة المسد، فكيف جاء التعبير عن ذلك بخلاف الأصل، حيث عبر بالجيد، وليس بالعنق؟ الجواب عن ذلك –والله أعلم- أن النساء مغرمات بالتحلي والحلي، وحينما تبشر المؤمنات بلبس أحسن الحلي يوم القيامة تبشر العوراء أجمل بنت حرب أمرأة أبي لهب بحلي من نوع خاص لا يليق إلا بمثلها، وهو حبل من جهنم، يطوق عنقها، فهذا باب البشارة بالسوء، كقوله تعالى:﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴿138﴾ ﴾[النساء: 138]. قال سعيد بن المسيب –رحمه الله- : "كانت لها قلادة فاخرة من جوهر، فحلفت لتنفقنها في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك عذابا في جسدها يوم القيامة"، وكانت تحمل الغضى والشوك والسعدان، فتطرحها بالليل على طريق النبي صلى الله عليه وسلم، فانظروا كيف جاء الجزاء من جنس العمل: حبل في مقابل حبل، وحلي مقابل حلي، لكن شتان بينهما؛ فلها يوم القيامة حبل طويل من نار تستعر، أو من ليف خشن.
  • ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴿٧٦﴾    [النساء   آية:٧٦]
  • ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴿٤٨﴾    [النمل   آية:٤٨]
  • ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾    [البقرة   آية:٧٥]
  • ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿١٣٤﴾    [النساء   آية:١٣٤]
  • ﴿دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿٩٦﴾    [النساء   آية:٩٦]
  • ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿١﴾    [النساء   آية:١]
  • ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ﴿٢٢﴾    [النساء   آية:٢٢]
  • ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ﴿٣١﴾    [القمر   آية:٣١]
  • ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٣٤﴾    [البقرة   آية:٣٤]
  • ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿١٤٣﴾    [البقرة   آية:١٤٣]
  • ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ﴿١٠٣﴾    [النساء   آية:١٠٣]
  • ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٢٣٢﴾    [البقرة   آية:٢٣٢]
  • ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴿٧﴾    [الإنسان   آية:٧]
  • ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴿٣٦﴾    [الإسراء   آية:٣٦]
  • ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٨٠﴾    [البقرة   آية:٢٨٠]
  • ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿١٩﴾    [المجادلة   آية:١٩]
  • ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿٢٤﴾    [النمل   آية:٢٤]
قوله تعالى : << الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا >>. توطئة : إن المتأمل كتاب الله تعالى يجد فيه (كان) واردة على خمسة معان هي: المعنى الأول: (كان) التي تدل على حصول ما دخلت عليه في الزمن الماضي ثم انقطاعه. وهذا هو الأصل في معانيها، وهي (كان) الناقصة التي ترفع المبتدأ، وتنصب الخبر، مثل قولك : كان المطر نازلا ، فنزول المطر كان في زمن مضى، وانقضى، أما في وقت التكلم فالمطر منقطع، ومنه قوله تعالى : ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) [النمل: 48]، وقوله :أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ المعنى الثاني: (كان) التي تدل على الدوام، وعلى استمرار مضمون خبرها في جميع الأزمنة، فلا يجوز أن تجعل مما حصل مضمون خبرها في الزمن الماضي، ثم انقطع، ولو جاءت بلفظ الماضي فهي ترادف قولك : (لم يزل)، وأكثر ما يكون هذا المعنى في (كان) الداخلة على صفات الله؛ لأن صفاته مستمرة غير منقطعة، ومن هذا النوع قول الله تبارك وتعالى: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء: ۱۳4[، وقوله : (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)[النساء: 96]، وقوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: ۱]؛ فالله كان سميعا بصيرا، وغفورا رحيمة، ورقيبا ، في الزمن الماضي، ولم يزل كذلك، وسیدوم عليه. وقد وردت (كان) الدالة على الدوام في غير صفات الله تعالى، كقوله تعالى : ( وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا )[النساء: ۲۲]، وقوله : ( إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا )[الإنسان : ۲۲]، ومنه قول الشاعر قيس بن الخطيم : وكنت امرءا لا اسمع الدهر ستة أس بها إلا كشفت غطاءها(۱) فقوله : ( الدهر) يدل على إرادته ب(كنت) الدوام . المعنى الثالث: (كان) بمعنی (صار)، أي: تحول من حال إلى حال، كقوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ [القمر: ۳۱]، أي: صاروا کهشيم المحتظر، وقوله: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ » [البقرة: 34]، أي : صار منهم؛ لأنه قبل الأمر بالسجود لم يكن منهم، ومنه قوله تعالى : (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) [البقرة: 143] ف كنت عليها و بمعنى: صرت عليها؛ لأن تحويل القبلة هو الذي حصل فيه الامتحان، ومنه قول الشاعر عمرو بن أحمر: بتيهاء قفر والمطي كائها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها المعنى الرابع: (كان) الدالة على الزمن الحاضر ، كقوله تعالی : إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: ۱۰۳]، وقوله: ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ) [البقرة : ۲۳۲] . المعنى الخامس: (كان) الدالة على الاستقبال، كقوله تعالی : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ) [الإنسان : ۷)، أي سيكون شره مستطيرا، وقوله : وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: 36]، أي : سيسأل عنه . تلك معاني (كان) الداخلة على الجملة الاسمية المكونة مما أصله المبتدأ والخبر . وتستعمل (كان) تامة كغيرها من الأفعال المتصرفة ، فتكون بمعنی (وجد، وحصل)، فترفع فاعلا، ومنها في القرآن الكريم قوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ " [البقرة : ۱۹۳]، وقوله : ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ» [البقرة : ۲۸۰]، أي: إن وجد ذو عسرة. وعودة إلى آية سورة النساء التي هي موضوع النظرة نجد أن كانه فيها تدل على الدوام ؛ فكيد الشيطان ضعيف في كل زمن، ولا يصح أن تبقى (كانه على معناها الأصلي؛ لئلا يكون المعنى : كان كيد الشيطان ضعيفة في الزمن الماضي، أما الآن فهو قوي. وقيل : إن كان هنا بمعنی (صار)، فالتقدير : صار كيد الشيطان ضعيفا بعد الإسلام). والله أعلم. وقد وسوس الشيطان إلى أبي الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، فزين له وه؛ فادعى أن كيد الشيطان ليس ضعيفة؛ وهو الذي قال الله تعالی عنه : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ » المجادلة : ۱۹] وقال : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ » [النمل: ۲4)، فزعم ابن الراوندي أن من يستحوذ عليه وعلى قلبه، ويصده عن دينه، كيف يكون ضعيفة ؟. ومن المعلوم أن ابن الراوندي زندیق خبيث) عارض القرآن الكريم، وطعن فيه ، فرد عليه كثير من العلماء وقد أجاب الفخر الرازي - رحمه الله - عن هذا الاعتراض : «أن المراد بأن كيد الشيطان ضعيف، أنه لا يقدر على أن يضر، وإنما يوسوس، ويدعو فقط، فإن ابع لحقت المضرة، وإلا فحاله على ما كان، فهو بمنزلة فقير يوسوس لغني في دفع ماله إليه، وهو يقدر على الامتناع، فإن دفعه إليه فليس ذلك لقوة كيد الفقير، لكن لضعف رأي المالك».
  • ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴿١٤٥﴾    [النساء   آية:١٤٥]
  • ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١٤٦﴾    [النساء   آية:١٤٦]
  • ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴿٤٦﴾    [غافر   آية:٤٦]
قوله تعالى : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146 ،145] . تأمل هاتين الآيتين العظيمتين تدرك أن الله تعالى جعل المنافقين شرا من شر الكافرين كآل فرعون ؛ لأنه جعلهم في الدرك الأسفل من النار، وجعل أولئك في أشد العذاب حيث قال : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]؛ وذلك أنهم جمعوا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام وأهله، وبسبب أنهم لما كانوا يظهرون الإسلام يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين ، ثم يخبرون الكفار بذلك ، فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين، فلهذا جعل الله عذابهم أزيد من عذاب الكفار، وأغلظ في شروط توبتهم: التوبة، والإصلاح، والاعتصام بالله، وهو أن يكون ممرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله تعالى، لا طلب مصلحة الوقت ؛ لأنه لو كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار لتغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعة ، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله تعالى وسعادة الآخرة والاعتصام بدين الله بقي على هذه الطريقة، ولم يتغير عنها والشرط الرابع : إخلاص الدين لله ، ولم يشترط ذلك على غيرهم؛ لأن المنافقين كانوا قد أفسدوا، وخانوا الله، ولم يخلصوا دينهم لله، بل نافقوا، والنفاق ذنب القلب، والإخلاص توبه، ثم قال الله تعالی : و فأولئك مع المؤمنين ولم يقل: (فأولئك هم المؤمنون)؛ لتكون محصله أمرهم الشهادة الظاهرية لهم بالإيمان فقط. والله أعلم.
إظهار النتائج من 6631 إلى 6640 من إجمالي 12325 نتيجة.