قوله تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
[الأعراف: ۱۵۷].
كيف عرف المعروف والمنكر ب (أل)؟ فهل كل معروف وكل منكر معروفان لدى المتلقين حتی يعرفا بأداة التعريف؟ أم أن المعروف يكو معروفة حين يأمر به الشارع، والمنكر يكون منكرا حين ينهى عنه ؟
الجواب عن ذلك : أن المعروف والمنكر واضحان لكل ذي عقل سليم من المؤمنين والكافرين، فالمعروف هو ما تقبله العقول الراجحة والنفوس السليمه إذا عرض عليها، والمنكر ما ترفضه، وتأباه، وتنفر منه حين يعرض عليها، وكل ما أمر به رسول الله لا تقبله الفطرة النقية، وترضاه، وكل ما نهى عنه - عليه الصلاة والسلام - تنفر منه ، وتأباه .
سئل أعرابي : بم عرفت أن محمدا رسول ؟ فقال : (ما أمر بشيء فقال العقل: ليته نهی عنه، ولانهی عن شيء فقال العقل: ليته
أمر به).
وقال المقوقس ملك مصر: (إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر مزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه)).
ومثل هذا يقال في تعريف الطيبات والخبائث ، فالطيب كان طيبا
قبل أن يحكم بحله ، والخبيث كان خبيثا قبل أن يحرم، وكما ذكر الأعرابي كان تحليل الطيبات وتحريم الخبائث من دلائل نبوته ، ولو لم يكن طيب الطيبات و خبث الخبائث معروفين لدى المخاطبين قبل لما كان ذلك علم من أعلام النبوة التي يحتج بها على أهل الكتاب .
وحين نتأمل كتاب الله تعالى نجد أن الطيبات لم ترد فيه إلا معرفة ، إما ب(أل) أو بالإضافة ؛ لكونها معروفة قبل الحكم عليها، ويستثنى من ذلك الحكم آية واحدة ، هي قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا } [النساء: ۱6۰] فتنكريها . والله أعلم كان بسبب قلتها، وهي المذكور في قوله تعالى : }وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } [الأنعام: 146]
قوله تعالى : (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [التوبة: 3].
إن قلت : لم رفعت کلمه ورسوله و الثانية ؟ فأقول: قيل(1): إن الواو استئنافية، و(رسول): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة، وخبره محذوف تقديره: ورسوله بريء، وحذف الخبر لدلالة ما قبله
وقيل : إن الواو عاطفة، و(رسول): معطوف على الضمير المستتر في بريء ؛ لأنه اسم مشتق يحتمل الضمير، والتقدير : أن الله بريء هو من المشركين ورسوله، وقيل : إنه معطوف على محل اسم وأن ؛ لأن محله قبل دخول أنو الرفع على الابتداء .
وقرأ يعقوب بن إسحاق الحضرمي، وعبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي، وعیسی بن عمر، وزيد بن علي، والحسن البصري، وروحابن عبدالمؤمن الهذلي: {ورسوله و بالنصب ، فتكون الكلمة معطوفة على اسم الجلالة في الله و الواقع اسما لو أن ، وفي القراءتين تكون براءة الله ورسوله من المشركين.
ومما يحسن أن أذكره بهذه المناسبة أنه يروى أن أعرابي قدم في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه - المدينة المنورة ، فقال : من يقرئني شيئا مما أنزل الله تعالی علی رسوله محمد پالا ؟ فأقرأه رجل سورة براءة، فقال فيها: وأن الله بريء من المشركين ورسوله ها بالجر، فقال الأعرابي: أو قد برئ الله من رسوله ؟ إن يكن الله تعالی برىء من رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغت عمر - رضي الله عنه - مقاله الأعرابي، فدعاه ، فقال : يا أعرابي أتبرأ من رسول الله ؟
فقال : يا أمير المؤمنين إني قدمت المدينة، ولا علم لي بالقرآن،فسألت: من يقرئني؟، فأقرأني هذا سورة براءة ، فقال : وأن الله بريء من المشركين ورسوله فقلت : أو قد برئ الله تعالى من رسوله ؟ إن يكن الله تعالی برئ من رسوله فأنا أبرأ منه.
فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي، فقال الأعرابي : كيف هي يا أمير المؤمنين ؟ فقال عمر: أن الله بريء من المشركين ورسوله، فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ من بر الله ورسوله منهم، فأمر عمر حينئذ ألا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة .
فتأمل كيف انقلب المعنى بسبب حركة إعراب يسيرة لا يلقي كثير من الناس اليوم لها بالا ، بل تجدهم يحركون ما يشاءون بما يشاءون .
قوله تعالى : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ » [التوبة: ۸7] .
الكلام في هذه الآية عن أولي الطول الذين استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في القعود، وقالوا كما أخبر الله تعالی عنهم : (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ » [التوبة: 86]، فهم أصحاب قدرة على الجهاد، ولديهم وفرة في المال، وقوة في النفس، لكنهم مالوا إلى الراحة، وأخلدوا إلى
الدعة، وأشفقوا من الحر، وجهلوا أن الراحة الحقة هي في متابعة الرسول و وتحمل تعبها، وأن الاعة الحقة تكون في المسير معه وتحمل مشقته، ولكن هذا النظر البعيد لا يفقهه كثير من الناس، ومنهم هؤلاء المتخلفون ، فاستحقوا أن يوصفوا بأنهم لا يفقهون؛ لأن عقولهم لم ترق بهم إلى التمييز بين الأمرين؛ ولذلك قال الله تعالی قبلها : فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ» [التوبة: ۸1].
وتأملوا - رحمني الله وإياكم - قوله تعالى : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [التوبة: 93]
ففي هذه الآية قال : فهم لا يعلمون ، وفي الآية السابقة قال : و فهم لا يفقهون ، والسبب في ذلك - والله أعلم أن هذه الآية نزلت في قوم لا يعلمون ما أعد الله تعالى لكل ذي عمل خالص لوجهه من الأجر والمثوبة، ذلك الذي عقله الذين أتوا إلى رسول الله ليحملهم معه إلى الجهاد ، فقال لهم : لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ »
[التوبة: 92]
، أما هؤلاء المتخلفون فحالهم تشعر بجهلهم بما أعده الله تعالى للمجاهدين في سبيله من أجر ومثوبة، ولذلك ختم هذه الآية بقوله : ( فهم لايعلمون
وههنا تنبیه تجدر الإشارة إليه، وهو أنه في آية التوبة التي ذكرتها أولا قال : وطبع على قلوبهم ، وفي الثانية قال : وطبع الله على قلوبهم ، فالأولى مبنية للمجهول، والثانية مبنية للمعلوم، والسر في ذلك . والله أعلم أن الآية الأولى بقت بقوله : ( وإذا أنزلت سورة ا ببناء الفعل في أنزله للمجهول، فتاب أن يبنى طبعه للمجهول أيضا.
قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » [التوبة: ۱۱۱].
قدم في هذه الآية الكريمة الأنفس على الأموال ، وإن كان في غيرها من الأبت قدم الأموال على الأنفس كثيرة، والسر في ذلك . والله أعلم كما قال ابن القيم - رحمه الله -: «لأنها هي المشتراة في الحقيقة، وهي مورد العقد، وهي السلعة التي استامها ربها، وطلب شراءها لنفسه، وجعل ثمن هذا العقد رضاه وجه ، فكانت هي المقصودة بعقد الشراء، والأموال تبع لها، فإذا ملكها مشتریها ملك
مالها ؛ فإن العبد وما يملكه لسيده ، ليس له فيه شيء، فالمالك الحق إذا ملك النفس ملك أموالها ومتعلقاتها، فحسن تقديم النفس على المال في هذه الآية ځننا لا مزيد عليه .
قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ[يونس: 43] اجعل صلة من فعل الواحد ينظر مع أن الجملة معطوفة على قوله : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ )
[يونس: 42]
، وكان السياق اللفظي يقضي بأن يقال : (ينظرون)؛ لأنهم كثيرون کالمستمعين، لكن يجاب عن ذلك بأن يقال : إن المستمعين لما | كانوا محجوجين بما يسمعونه من كتاب الله تعالی کانوا هم الأكثرين في الحجاج ، وليس كذلك المنظور إليه ؛ لأن الآيات المرئية بالعين التي أید بها رسولنا لم تكن بكثرة آيات القرآن الكريم التي سمعها
المشركون، ولذا عاد الضمير مفردة على منه مع النظر ، ومجموعة | مع الاستماع .
وتأمل الآيتين تدرك دلالتهما على تفضيل السمع على البصر حين جعل مع الصمم فقدان العقل، فقال : أفانت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلونه، ولم يجعل مع العمى إلا فقدان النظر ، فقال : أفأنت تهدي
العمى ولو كانوا لا يبصرون .
قوله تعالى : (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } [يونس: 48، 49].
هذه الآية شاهد آخر على الفرق بين استعمال وإنه واستعمال وإذا به، فالكفار يستبعدون صدق الرسول والمؤمنين بقيام الساعة ،والفصل بين الخلائق ، ولذلك استعملوا ( إن ) الدالة على استبعاد حصول الشيء، فقالوا: ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين )، ولم يقولوا : (إذا كنتم صادقين)، فكأنهم يقولون لهم: أنتم غير صادقين ، أما عند الله تعالى وعند رسوله وعند المؤمنين فالأمر متحقق الوقوع، ولذلك استعمل وإذا ، فقال : إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون .
وقال الله في الآية الأولى:ضرا ولا نفعا ، ولكنه قال في سورة الأعراف : قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون
ي ، فقدم في سورة (يونس) الضر على النفع، وعكس ذلك في سورة (الأعراف)، والسر في ذلك - والله أعلم - أن ما في سورة
لأعراف من تقديم النفع على الضر جاء في سياق الكلام عن قيام الساعة، وهذا موقف پر جو فيه كل إنسان النفع، ويخشى الضر،ويتمنى فيه تعجيل الثواب، والسلامة من العقاب ؛ لذلك قدم النفع، أما في سورة (يونس) فإنه جاء في سياق الرد على استعجال الكفار عذاب الله تعالى وما يتوعدهم به الرسول من الضر، استهانة منهم وتكذيبا ، فتقديم الضر على النفع لأنه هو المطلوب لمجازاة الكفار، وهو ما يحقق رغبتهم المبنية على الاستهزاء والسخرية . والله أعلم
قوله تعالى : حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: 40].
قال عن السفينة : واحمل فيها و فعدى الفعل ب( في)، لكنه عداه ب (على) في سورة المؤمنون) وفي سورة (غافر)، حيث قال : وعليها وعلى الفلك تحملون ، والأصل في الفعل (حمل) أن يعدی ب (على)، أما قوله : واحمل فيها و فلأن المقصود سفينة نوح عليه السلام، وقد كانت مطبقة مغطاة ، فناسبت التعدية ب(في) الدالة على الظرفية ، أما في آية (المؤمنون) فالمقصود كل سفينة، والمحمولون هم الناس الذين يكونون عادة في أعلاها ، فناسبت التعديه ب(على).
وقيل : إنه قد غلب غير الآدميين في الحديث عن سفينة نوح عليه السلام؛ لأنهم أكثر من الآدميين، وكانت السفينة ثلاث طبقات ، فكانت الحيوانات والحشرات والطيور في الطبقة السفلي من السفينة ، أي في داخلها، وكانت الوسطى للطعام، أما الآدميون ففي أعلاها، كذا ذكر أبو حبان رحمه الله)، فغبت (في) الداله على الظرفية على (على) الدالة على الاستعلاء . والله أعلم.
قوله تعالى : إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ » [یوسف: 4].
إن المتدبر لسورة (يوسف) يبكي قلبه قبل عينه على ما فيها من ابتلاء و امتحان ليوسف و أبيه يعقوب - عليهما السلام - تجرعاهما من أقرب الناس إليهما، ويبهره أسلوب عرض القصة ؛ فهو أسلوب أذهل أهل مكة الذين كانت تعجبهم أقاصيص الروم والفرس حين كان النضر بن الحارث يفاخر بها رسولنا محمدا ، ويقول لقومه : ( أنا - والله - أحسن حديثة من محمد، فهلم أحدكم أحسن من حديثه)، فأنزل الله تعالی علی رسوله * هذه السورة التي حوت أرقى الأساليب، فتأخذ بسويداء القلب؛ لأنها كما قال سيد قطب - رحمه الله - : « تمثل النموذج الكامل لمنهج الإسلام في الأداء الفني للقصة، ذلك الأداء الصادق الرائع بصدقه العميق، وواقعيته السليمة ، المنهج الذي لا يهمل
خلجة بشرية واقعية واحدة، وفي الوقت ذاته لا ينشئ مستنقعا من الوحل، يسميه (الواقعية)، كالمستنقع الذي أنشأته الواقعية الغربية الجاهلية . انتهى كلامه رحمه الله.
وما قرأت هذه السورة يوما إلا أحسست بقلبی یکاد بخرق صدري ما أطلع عليه، وأتفكر فيه من جمال لغوي في آياتها، والسورة جديرة بدراسة الإعجاز القرآني فيها.
وبين أيدينا وقفة تأمل للآية الرابعة من السورة، إذ نعلم أن الكواكب والشمس والقمر غیر عاقلة ، وكان الأنسب في الكلام البشري أن يقال : (رأيتها لي ساجدة)، ولكنه عدل عن ذلك، وأعاد عليها ضمير العاقلين ، وجمع الحال جمع مذكر سالما، فقال : رأيتهم لي ساجدين ؛ لأنه لما وصف النجوم بالطاعة والسجود - وهي من أفعال العقلاء - نزلها منزلتهم؟).
ثم تأملوا تكرار الرؤيا حيث قال: رأيتهم، وذلك ليدل علىحقيقة رؤياه وتيقنه منها، وأنها ليست أضغاث أحلام، كما أن تقديم الجار والمجرور ولي على عامله في ساجدين إنما هو لإظهار العناية والاهتمام بالدلالة على التخصيص، فكأنه قال : رأيتهم ساجدين لي ليس لغيري، ولذلك بادره أبوه قائلا : يا بني لا تقصص رعبا على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ) [يوسف: 5]؛ لعلمه بصدق رؤيا ابنه، وأنه سوف يحسد على فضل الله عليه من أقرب
الناس إليه ؛ لعظم ما أختصه الله به .
وما هو جدير بالإشارة إليه أن اللغة العربية تطلق (الرؤيا) على الأحلام، و ( الرؤية ) على ما يراه المرء ببصره أو بعلمه.
قوله تعالى وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
[يوسف: ۲۳ ] .
(راود) على وزن ( فاعل)، والأصل في هذه الصيغة أن تدل على المشاركة ، والمراودة هي المطالبة برفق مرة تلو مرة ، وهي في هذه الآية إما على معناها الأصلي إذا نظر إلى تكرار المرأة المحاولة معه، وممانعته من ذلك ، كأن المعنى : خادعته عن نفسه، أي : فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه، ويأخذه منه، وهو عبارة عن التحمل لمواقعته إياها »، فصارت المراودة كأنها صادرة من الطرفين ، أو أن المشاركة غير واردة ولا مراد هنا ، فتكون (راود) مثل : سافر، وعان، وعافي، وداین، وباعد، وجاوز، وغيرها مما لا يدل على المشاركة، قال أبو السعود - رحمه الله - : وهي مفاعله من واحد، نحو: مطالبة الدائن، ومماطلة المديون، ومداواة الطبيب، ونظائرها، مما يكون من أحد الجانبين الفعل، ومن الآخر سييه، فإن هذه الأفعال، وإن كانت صادرة
عن أحد الجانبين، لكن لما كانت أسبابها صادرة عن الجانب الآخر جعلت كأنها صادرة عنهما، وهذا باب لطيف المسلك، مبني على اعتبار دقیق ، تحقيقه أن سبب الشيء يقام مقامه، ويطلق عليه اسمه، كما في قولهم: (كما تدين تدان))، أي : كما تجزي جزى ؛ فإن فعل البادئ، وإن لم يكن جزاء لكته لكونه سببا للجزاء، أطلق عليها اسمه، ... وكذلك مراودتها فيما نحن فيه لجمال يوسف عليه السلام ، نزل صدورها عن محالها بمنزلة صدور مسبباتها التي هي تلك الأفعال، فبنى الصيغة على ذلك، وروعي جانب الحقيقة، بأن أسند الفعل إلى الفاعل، وأوقع على صاحب السبب.
وتأملوا - رحمني الله وإياكم - قوله : والتي هو في بيتها و فلم م المرأة، وإنما أتي باسم الموصول، وجعل صلته قوله : و هو في بيتها ، وهذا له فوائد كثيرة : منها إظهار عفة يوسف - عليه السلام - وکمال نزاهته؛ فإن عدم میله إليها، وعدم استجابته لطلبها، مع كونهما في بیت واحد بعيدين عن الشبهة، ومع دوام مشاهدته لمحاسنها، وكونه تحت ملكها، كل أولئك يدل على بلوغه - عليه السلام - أعلى معارج العفة والنزاهة ، قال صاحب كتاب (الفوائد المشوق): «وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن يوسف الصديق من العفاف أعظم ما يكون ؛ فإن الداعي الذي اجتمع في حقه لم يجتمع في حق غيره؛ فإنه لا كان شابا ، والشباب مركب الشهوة، وكان عزبا، ليس عنده ما يعوضه،
وكان غريبة عن أهله ووطنه، والمقيم بين أهله وأصحابه يستحي منهم أن يعلموا به، فيسقط من عيونهم، فإذا تغرب زال هذا المانع، وكان في صورة المملوك، والعبد لا يأنف مما يأنف منه الحر، وكانت المرأة ذات منصب وجمال، والداعي مع ذلك أقوى من داعي من ليس كذلك، وكانت هي المطالبة، فيزول بذلك كلفة تعرض الرجل وطلبه وخوفه من عدم الإجابة ، وزادت مع الطلب الرغبة التامة والمراودة التي يزول معها ظن الامتحان والاختبار لتعلم عفافة من فجوره، وكانت في محل سلطانها وبيتها، بحيث تعرف وقت الإمكان ومكانه الذي لا تناله العيون، وزادت مع ذلك تغليق الأبواب لتأمن هجوم الداخل على بغتة، وأتته بالرغبة والرهبة، ومع هذا كله عف لله، ولم يطعها، وقدم حق الله و حق سيدها على ذلك كله، وهذا أمر لو ابتلي به سواه لم يعلم كيف تكون حاله».
كما أن من فوائد هذا التعبير الدلالة على جرأتها وقوة شكيمتها، بأن سعت إلى فتی ربا في بيتها، وعاش في كنفها ، تطلب منه حراما.
أما قوله تعالى: وعن نفسها فلم يسبق للعرب استعمال هذه الكناية الرائعة عن طلب المواقعة والجماع ، فهو من أساليب التعبير الجديدة في القرآن العظيم، وتعديه الفعل با عنه للدلالة على أن معنى المراودة هنا: محاوله أن يجاوز الفتي عفافه، وتمكينه إياها من نفسه، فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته وحكمه في نفسه .
وأخيرا تأملوا قوله تعالى : ( وغلقت الأبواب ، فالصرفيون يقولون: التضعيف في هذا الفعل للدلالة على تكثير المفعول، أي للدلالة على كثرة الأبواب، ولكني لا أرى ذلك، بل أرى أن المراد أغلقت الأبواب إغلاقا محكما بشدة وقوة تدعوان إلى الطمانينة ، أما تكثير المفعول به - وهو الأبواب ۔ فليس ناشئا عن الفعل، بل هو غير وارد ؛ لأن جمع الباب على الأبواب يدل على القلة؛ ويؤيده أنه قد روي أن أبواب البيت لم تكن تجاوز العشرة - وهو ما تدل عليه جموع الكثرة ، بل كانت سبعة فقط ، ولو كانت أكثر من ذلك لربما قال :بيبان)، وهذا يدل على أن تضعيف الفعل دال على إحكام الفعل، لا على كثرة المفعول . والله أعلم
قوله تعالى : وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }