عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٦﴾    [المائدة   آية:٦]
* * * قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6]. إن للنحو أثر كبيرة في استنباط الأحكام الفقهية من أدلة الكتاب والسنة ؛ لأنهما بلسان عربي مبين، مبني على قواعد نحوية وصرفية،يجب على الفقيه حذها، ومعرفة أسرارها، قبل أن يباشر الإفتاء والاجتهاد، قال الرازي : «اعلم أن معرفة اللغة والنحو والتصريف فرض كفاية ؛ لأن معرفة الأحكام الشرعية واجبة بالإجماع، ومعرفة الأحكام دون معرفة أدلتها مستحيل، فلا بد من معرفة أدلتها، والأدلة راجع إلى الكتاب والسنة، وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم، فإذا يتوقف العلم بالأحكام على الأدلة، ومعرفة الأدلة تتوقف على معرفة اللغة والنحو والتصريف، وما يتوقف على الواجب المطلق - وهو مقدور للمكلف . فهو واجب، فإذا معرفه اللغة والنحو والتصريف واجبة» انتهى كلامه. ونظرة إلى اختلاف الآراء في بعض المسائل النحوية اختلفت بعض الأحكام الفقهية، وقد ألف بعض العلماء كتب في هذا الشأن، ومن تلك الكتب کتاب (الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية) لجمال الدين الإسنوي. وفي هذه الآية التي بين أيدينا يرد سؤال هو: هل المرافق والكعبان داخله في الغسل؟ في جوابه قولان : المتأخرون من أصحاب مالك يرون أن المرفق والكعب غير داخلين في وجوب الغسل؛ لأنهم يرجحون أما بعد (إلى) غیر داخل في حكم ما قبلها، كما سبق تفصيله). وجمهور العلماء يرون وجوب إدخالهما في العسل؛ لأنهم يرجحون أن ما بعد إلى داخل في حكم ما قبلها إذا كان من جنسه، المفعول به ، فالتقدير : امسحوا رؤوسكم، أو أن معنى الباء الإلصاق، فالمسح لجميع الرأس، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله. حيث قال في الفتاوى : لو قال: فامسحوا رؤوسكم أو وجوهكم، لم تدل على ما يلتصق بالمسح، فإنك تقول: مسحت رأس فلان، وإن لم يكن بيدك بكل ، فإذا قيل: فامسحوا برؤوسكم وبوجوهكم، ضمن المس معنى الإلصاق، فأفاد أنكم تلصقون نظرات لغوية في القرآن الكريم برؤوسكم وبوجوهكم شيئا بهذا المسح». القول الثاني: قول أبي حنيفة والشافعي وهو أن المجزي هو مس بعض الشعر؛ لأن الماء عندهما للتبعيض، فهي بمعنى (من)، كقوله تعالى : عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ] المطففين : ۲۸] أي : منها، بل قال الشافعي: إنه يجزئ مسح شعرة واحدة . والله أعلم .
  • ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣﴾    [المائدة   آية:١٣]
قوله تعالى : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] المائدة : ۱۳] إن (ما ) في قوله : وفيما نقضهم که زائدة، وجاءت زيادتها لإفادة الحصر، فكأنه قال : ما لعناهم إلا بسبب نقضهم میثاقهم. وتأمل قوله : ويحرفون الكلم عن مواضعه و تجده بيانا لقسوة قلوبهم؛ لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير وحيه والتعبير بالفعل المضارع او يحرفونه يدل على استمرارهم في التحريف، لكن جاء التعبير عن تصيير قلوبهم إلى القسوة قبله، وعن النسيان بعده ، جاء بالماضي: وجعلنا ونسوا ؛ لأنهما قد حصلا، فلا يتجددان، فإذا حصلت القسوة والنسيان فلا يزولان إلا مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : مرقق ومذكر وتدبر قوله : ( ولا تزال تطلع على خائنة منهم فهو من البلاغة بمنزلة لا يمكن أن يبلغها فصیح بليغ مفوه؛ فهو عبر بالفعل المضارع وتزاله الذي يدل على التجدد والاستمرار، ثم أدخل عليه (لا) التي تدل على أن الخيانة سجني فيهم وطبع، فصارت جزءا من مقومات حياتهم، كالطعام والشراب لهم ولغيرهم، فالمعنى : إن الله ما لعن اليهود إلا بسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم منذ عهد رسول الله موسى ، وصير قلوبهم قاسية لا تشعر بذنب، ولا يردعها زاجر، يبدلون کلام الله، ويمتهنون الرذائل، حتى صار من طبعهم امتهان الخيانة دون خوف ولا وجل. والله أكبر ، ما أبلغ كلامه!!!
  • ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ ﴿٥٢﴾    [المائدة   آية:٥٢]
  • ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ﴿٥٣﴾    [المائدة   آية:٥٣]
بعد أن نهى الله المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء قال تعالى : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ المائدة[53:52] ـــــــــــــــــــــــــــــــــ تأملوا قوله تعالى : (يسارعون فيهم حيث قال : ډيسارعون ، ولم يقل: يسرعون ، وقال : فيهم ، ولم يقل : (إليهم)، ولهذا | الأسلوب العظيم فوائد عظيمة : منها : أن (يسارع) التي هي في أصل استعمالاتها تدل على المشاركة ، استعملت ههنا بدلا من (يسرع)؛ للدلالة على مبالغة مرضى القلوب من المسلمين في الإقبال على اليهود والنصاری وموالاتهم، وأنهم يتسابقون إلى ذلك، أما قوله : ويسارعون فيهم بدلا من (يسارعون إليهم) فلان الفعل ويسارعون که ضمن معنى فعل آخر، هو ( يدخلون)؛ ليكون المعنى : يسارعون بالدخول في الكفار والارتماء في أحضانهم، والمبالغة في موالاتهم، والاتصال بهم على وجه أكثر مما سمح به الشرع. ثم تأملوا كيف علل الله سبحانه وتعالى - موالاتهم لهم بقوله : ويقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ، فمرضى القلوب من المسلمين ليسوا بحاجة إلى اليهود والنصارى في وقت الموالاة ، لكن ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم جعلهم يتهافتون عليهم ؛ لعدم توكلهم على الله عز وجل، ورغبة في مساعدتهم إياهم ، وإن تنكير في دائرة ما يدل على هلع هؤلاء المرضى، فهم يحتسبون الكفار لأي دائرة ، من حرب أو فقر أو مرض أو غيرها، وإن كان القريب من المراد هو الحرب إلا أن ما سواها داخل في المعنى؛ لإطلاق كلمة ودائرة . ولأجل ذلك كان رد المولى عز وجل - عليهم حاسمة حيث قال : وعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمره، وهذا وع من الله تعالى لا | يتخلف؛ لأن (عسی) في حق الله تعالی تدل على الوجوب، بعكس ما هي عليه في حق العباد، فهي تدل عندهم على الرجاء، قال أبوعبيدة: عسى الله : هي إيجاب من الله، وهي في القرآن كلها واجبة ، فجاءت على إحدى لغتي العرب ؛ لأن (عسی) في كلامهم رجاء ويقين وقد أنكر ذلك التفريق الراغب الأصفهاني حيث قال: «وكثير منالمفسرين فروا (لعل) و (عسی) في القرآن باللازم، وقالوا: إن الطمع والرجاء لا يصح من الله ، وفي هذا منهم قصور نظر ؛ وذاك أن الله تعالى إذا ذكر ذلك يذكره ليكون الإنسان منه راجية ، لا لأن يكون هو تعالی پر جو . انتهى كلامه. والصحيح قول أبي عبيدة ؛ فإن الله تعالى ما وعد بشيء ب(عسى) إلا تحقق وعده ، ولا يعترض على ذلك بقوله تعالى : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ [التحريم: 5]؛ لأن إبدال الزوجات لرسول الله علق بشرط الطلاق لأمهات المؤمنين، وهذا الشرط قد جاء ب إن) التي تدل على عدم اليقين من تحققه، ومن ثم لم يحصل ما علق عليه ، فتخلف. وعودة على بدء أقول: إن الله تعالى قد أتي في الآية التي بين أيدينا بالفتح معرفة ، وب في أمره منكرة، وقدم الفتح على ذلك الأمر، وهذا الأسلوب الرائع سببه . والله أعلم- أن أول ما يتبادر إلى أذهان المؤمنين من كسر لشوكة أعدائهم يكون بالفتح المعهود لديهم، فبدأ به ، ثم نئی بقوله : وأو أمر من عنده ، وكلمه و أمره عامة تشمل كل ما يخطر على البال ، وما لا يخطر فيه، ثم إن الله تعالى وصف كلمة أمر) بقوله : هو من عنده ، وهذا في غاية الروعة والبيان، فالفتح يكون من الله تعالى، لكنه بأيدي المؤمنين ، أما الآخر فمن عند الله وحده خالصة ، كإرسال الريح على الكفار، والخسف بهم، وإهلاكهم بالطوفان والزلازل والأمراض وغيرها وتأملوا قوله تعالى : فأصبحوا خاسرین تجدوا التعبير بالإصباح على الخسارة غاية في الروعة ؛ فإن من به عله حين تزداد عليه بالليل پر جو الفرج عند الصباح، فإذا انبلج صباحه عن اشتداد لمرضه كانت خيبته أشد وأنکی، فاستعمل مع الإصباح الخسران ، وقرن ذلك بالفاء التي تدل على التعقيب : فأصبحوا خاسرين ؛ لأن الخسران جعل لهم في الوقت الذي كانوا يرجون فيه الفرج . قوله تعالى عن عيسى - عليه السلام - : وتكلم الناس في المهدوكهلا حيث نصب و کهلا ، وهي بعد عاطف مسبوق بمجرور، والسبب أن وكهلا ليست معطوفة على المجرور والمهد ها ، بل هي معطوفة على متعلق الجار والمجرور ( في المهد ، وهو في محل نصب على الحال ، فالتقدير : تكلم الناس کائنا في المهد و کهلا. أما فائدة ذكر التكلم في الكهولة - و هي ما بين الأربع والثلاثين سنة والخمسين . مع أنه ليس بمستغرب تكلم الكهل، وإنما المستغرب تعلم الطفل في المهد ، فالسبب - والله أعلم- أنهم كانوا يقولون: إن من يتكلم في المهد لا يعيش، ولا يمتد به العمر، فكانت المعجزه أعظم حيث خولفت العادة ، فعاش عيسى عليه السلام - وتكلم في حال کهولته ونقل الرازي عن الحسين بن الفضل البجلي: «أن المراد بقوله: و کهلا أن يكون بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان، ويكلم الناس، ويقتل الدجال، قال الحسين بن الفضل : وفي هذه الآية نص في أنه يمكن أن عيسى - عليه الصلاة والسلام . سينزل إلى الأرض» . ومن المعلوم أن عيسى عليه السلام. قد رفع إلى السماء حين كان عمره ثلاثا وثلاثين سنة وستة أشهر، وعلى هذا التقدير فهو ما بلغ الكهولة ، والله أعلم
  • ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿١١﴾    [الأنعام   آية:١١]
  • ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴿٦﴾    [الأنعام   آية:٦]
  • ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿١٣٧﴾    [آل عمران   آية:١٣٧]
قوله تعالى : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الأنعام: 11[ قال في هذه الآية الكريمة : ثم انظروا ، وفي غيرها قال : وانظروا)، ومعلوم أن (ثم) تدل على الترتيب مع التراخي، والفاء تدل على التعقيب ، والسر في ذلك . والله أعلم أن الأمر بالسير في هذه الآية وقع في سياق الحديث عن قرون غابرة؛ إذ قال الله تعالی قبلها : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ[الأنعام: 6]، فلكثرة القرون ، وإيغالها في أزمنة متطاولة، ناسب معه استعمال التي تدل على التراخي والبعد، أما في غيرها من الآيات فلم تذكر فيه القرون، وإنما كرت العبر، كقوله تعالی : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [آل عمران: ۱37] ، ولهذا حسنت الفاء هنا دون الآية الأولى . وقال الخطيب الإسكافي: « إن قوله: سيروا في الأرض فانظروا » يدل على أن السير يؤدي إلى النظر، فيقع بوقوعه، وليس كذلك ثم هو ، ألا ترى أن الفاء وقعت في الجزاء، ولم تقع فيه ثم ه ، فقوله في سورة الأنعام: قل سيروا في الأرض ثم انظروا ه لم يجعل النظر فيه واقعأ عقيب السير، متعلقة وجوده بوجوده ؛ لأنه بعث على سير بعد سير؛ لما تقدم من الآية التي تدل على أنه تعالی حداهم على استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد، وأن يستكثروا من ذلك ؛ ليروا أثرا بعد أثر في ديار بعد دیار ، قد عم أهلها بذمار ... فدعا إلى العلم بذلك بالسير في البلاد و مشاهدة هذه الآثار، وفي ذلك ذهاب ازمنة كثيرة ومدد طويلة، تمنع النظر من ملاصقة السير، كما قال في المواضع الأخر التي دخلتها الفاء؛ لما قصد من معنى التعقيب ، واتصال النظر بالسير؛ إذ ليس في شيء من الأماكن التي استعملت فيها الفاء ما في هذا المكان من البعث على استقراء الديار وتأمل الآثار ، فجعل السير في الأرض في هذا الموضع مأمورة به على حدة ، والنظر بعده مأمورة به على حدة، وسائر الأماكن التي دخلتها الفاء علق فيها وقوع النظر بوقوع السير؛ لأنه لم يتقدم الآية ما يحدو على السير الذي حدا عليه فيما قبل هذه الآية ، فلذلك څصت بومه التي تفيد تراخي المهملة بين الفعلين . والله أعلم
  • ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿٢٥﴾    [الأنعام   آية:٢٥]
  • ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٧﴾    [يونس   آية:٢٧]
قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنعام: ۲۵] (من) اسم موصول يصلح للمفرد والمشي والجمع ، ولذلك قال الله تعالى في هذه الآية : من يستمع إليك ، فجعل صلة (من) فعل الواحد ويستمع، لكنه قال في سورة يونسوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ [يونس: 27] فجعل صلة من فعل الجماعة و يستمعون. وسبب الاختلاف في الأسلوب بين الآيتين اختلاف المراد ب منه ، فآية الأنعام نزلت في نفر قليلين من قریش، هم أبو سفيان والنضر بن الحارث و عتبه وشيبه وأمي وأبي بن خلف، حيث كانوا يستمعون إلى النبي ، وهو يقرأ القرآن ليلا، فيؤذونه، ويرجمونه، ويمنعونه من الصلاة خوفا من أن يسمعه أحد يتأثر به وبدعوته ، فيدخل في الإسلام ، فهم قليلو العدد، فنزلوا منزلة الواحد، فأعيد الضمير على لفظ و منه، أي مفردة . أما قوله : ومنهم من يستمعون إليك فالمراد بو من جميع الكفار الذين يحدث منهم هذا، فيستمعون إلى القرآن الكريم، ولا ينتفعون بسماعه، فيكون حجة عليهم، فكأنهم صم لا يعقلون ما يستمعون إليه، فروعیت کثرة المقصودین، فخوطبوا بما يدل على الجماعة . وههنا تنبيه تحسن الإشارة إليه وهو أن هناك فرقا بين (شمع) واستمع)؛ ففي (استمع) زيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، حيث إن الاستماع فيه قصد وتكلف، فتقول : سمعت بكاء الطفل ؛ لأنه قد يحصل دون قصد ولا إرادة، واستمعت إلى تلاوة القرآن الكريم ؛ لقصد الإرادة فيه والإنصات . واستعمال الاستماع ههنا بحق الكفار ليس للدلالة على قصدهم ذلك، بل لأن المسموع شاق عليهم، فهم يتكلفون سماعه . والله أعلم
  • ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴿٣٨﴾    [الأنعام   آية:٣٨]
قوله تعالى : ) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: ۳۸]. الدابة : هي كل ما يدب على الأرض ، فالدابة غير منفكة عن كونها في الأرض، والطائر : هو كل ما يطير بجناحين، فالطائر غير منفك عن كونه طائرة بجناحيه)، فما فائدة قوله : في الأرض ، وقوله : و يطير بجناحيه ؟. قال الزمخشري: معنى ذلك زيادة التعميم والإحاطة، كأنه قيل : وما من دابة قط في جميع الأرضين السبع، وما من طائر قط في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه، إلا أم أمثالكم، محفوظة أحوالها، غير مهمل أمرها . فإن قلت: فما الغرض في ذكر ذلك ؟ قلت: الدلالة على عظم قدرته، ولطف علمه، وسعة سلطاته ، وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس المتكاثرة الأصناف، وهو حافظ لما لها وما عليها، مهیمن على أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن، وأن المكلفين ليسوا مخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان» .
  • ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٦٠﴾    [الأنعام   آية:٦٠]
  • ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٤٢﴾    [الزمر   آية:٤٢]
  • ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴿٣١﴾    [الإسراء   آية:٣١]
  • ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١٠١﴾    [الأنعام   آية:١٠١]
قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [الأنعام: 60]. إن المتأمل هذه الآية يرى أن الله تعالی خص الوفاة بالليل مع أنها تحدث في الليل والنهار، وأنه خص العمل بالنهار مع أنه يحدث في النهار والليل ، والسر في ذلك . والله أعلم- أن أكثر أعمال الناس تحدث في النهار ، وأما الوفاة ځصت بالليل ؛ لأن كل نفس تنام يعد نومها موتة، كما قال الله تعالى ) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الزمر: 4۲]. قوله تعالى : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» [الأنعام: ۱۰۱]. جعل سبب قتل الأولاد ما يعيش فيه الآباء من الفقر، ولذلك أخبر الله - سبحانه وتعالى - أنه سيرزق الآباء، فقال: ونحن نرزقكم ، ثم ذكر بعدهم رزقه أولادهم، فقال : هو وإياهم ، فكان رزقهم أهم عندهم من رزق أولادهم، فقدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم ؛ لأن الخطاب للفقراء، وكأن السياق يشعر بتشفيع الأولاد في رفع فقر الآباء القاتلين، فكأن قد قيل لهم : إنما ترزقون بهم، فلا تقتلوهم). وجاء الترتيب بخلاف هذا في سورة الإسراء فقال : وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا[الإسراء : ۳۱]، فالخطاب في هذه الآية لأغنياء ؛ لأن الخشية خوف من شيء لم يقع، فهم إن قتلوا أولادهم فذلك بسبب خوفهم من أن تؤدي كثرة الأولاد إلى الفقر، فكان رزق أولادهم هو المطلوب دون رزقهم هم، فهو حاصل قبلا، ولذلك قدم الوعد برزق الأولاد على الوعد برزق الآباء، فقال : ونحن نرزقهم وإياكم . . ولله در القائل : گلوا اليوم من رزق الإله وأبشروا فإن على الرحمن رزقكم غدا وروي أن أعرابية من طيئ كثر عياله، وقل ماله ، ولسان حاله يقول كما قال خالد بن صفوان التميمي: (الثلاثون من العيال في مال أسرع من السوس في الصوف في الصيف)) فقال الأعرابي : سأنتجع خیبر؛ عسى أن يخفف عني ثقل هؤلاء، وكأنه يرى أن (قلة العيال أحد اليسارین)، وخيبر مشهورة بحماها التي يضرب بها المثل ، فيقال: به الوری، وحمی خیبری) ، فلما شارفها الأعرابي قال : قلت لحمى خيبر استعدي هاك عيالي فاجهدي وجدي وباکري بصالب وورد أعانك الله على ذا الجد فلما دخلها ځم، ولحم حمامه، وعاش أيتامه . وقال منصور بن محمد الكريزي :< توكل على الرحمن في كل حاجة أردت فإن الله يقضي ويقدر متى ما يرد ذو العرش أمر بعبده يصبه وما للعبد مايتخير وقد يهلك الإنسان من وجه أمنه وينجو بإذن الله من حيث يحذر>
  • ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴿٤﴾    [الأعراف   آية:٤]
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٦﴾    [المائدة   آية:٦]
  • ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٥٩﴾    [البقرة   آية:٢٥٩]
  • ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿٩٥﴾    [الأنبياء   آية:٩٥]
قوله تعالى : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف: 4] في هذه الآية من البلاغة والبيان ما يعجز عن رسمه يراعة يمسكها بنان، ويقصر عن مداه لسان إنسان؛ فإن قوله : و أهلكناها و مرا به : أردنا إهلاكها؛ بدلیل ورود (فاء) التعقيب بعده، حيث قال : وفجاءها بأسنا ، وهذا مثل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ[المائدة: 6]. والقرية على القول الصحيح - تطلق على المنازل وعلى أهلها، | فإذا أريد بها المنازل عاد عليها الضمير مؤنثة، كقوله تعالى : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ) [البقرة : ۲5۹]، وإذا أريد بها أهل المنازل عاد الضمير عليها مذكرة مجموعة، وقد جمعت الآيه الاثنين، فقال : وأهلكناها فجاءها بأسنا بيانا ، فغلب المنازل على أهلها مع إرادتهما معا؛ لأن طارق القرية ليلا لا يحس إلا بالمنازل ؛ لهجعة أهلها، وتبدو المنازل أيضا كالهاجعة؛ ولذلك لا أرى تأويل وبياتا ه ب (بائتين) كما فعل الزمخشري)، وإنما أرى تأويلها ب (بائنة)؛ لتغليب المنازل على السكان ، وأما في قوله : او هم قائلون فقد أعاد الضمير مذكرة مجموعة؛ لأن القيلولة - وهي نوم نصف النهار - لیست شاملة أكثر أهل القرية، ولا هي جالبة سكونا على القرية، عكس البيات الذي يلف الديار بالسكون حتى تبدو المنازل کالهاجعة أيضا، أما في القيلولة فلا تبدو المنازل كالقائلة ، فسبحان منهذا بيانه وقريب من هذه الآية قول الله تعالی :وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ) [الأنبياء: 95]، فانظر كيف عبر بالإهلاك، وأعاد الضمير مؤنثة؛ لأنه واقع على المنازل وأهلها، لكن الإرجاع جعله خاصة بأهل القرية ؛ لأن المنازل يمكن إعادة إعمارها وسكناها، أما أهلها المهلكون فلا سبيل إلى إرجاعهم إليها. والله أعلم
  • ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ﴿١١٥﴾    [الأعراف   آية:١١٥]
  • ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴿١١٦﴾    [الأعراف   آية:١١٦]
  • ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴿٦٦﴾    [طه   آية:٦٦]
قوله تعالى : ) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ] الأعراف : ۱۱۵]. أكد السحرة جملة الكلام المعبرة عنهم، فقالوا: ونكون نحن الملقين ، فأتوا بضمير الفصل (نحن)، وجعلوا خبر گونه اسما معرفا ب (أل): و الملقين ، ولم يؤكدوا الضمير الراجع إلى موسى عليه السلام، فقالوا: وإما أن تلقيه ولم يقولوا: (إما أن تلقي أنت)، والسر في ذلك . والله أعلم- أن السحرة أحبوا التقدم عليه بإلقاء سحرهم؛ لظنهم أنهم سيأتون بشيء عظيم يسيطرون به على أذهان الحاضرين، ويملكون به عقولهم، مما يتعذر به على موسی. عليه السلام. أن يرفع أثره عنهم، قال الزمخشري: «وقد سوغ لهم موسی عليه السلام ما تراغبوا فيه ازدراء لشأنهم وقلة مبالاة بهم، وثقة بما كانوا بصدده من التأييد السماوي، وأن المعجزة لن يغلبها سحر أبدا. }سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ } [الأعراف: ۱۱6]، أروها بالحيل والشعوذة، | و خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه، كقوله تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى } [طه: 66]» والله أعلم .
  • ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٤٢﴾    [الأعراف   آية:١٤٢]
قوله تعالی : وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف: 142]. معلوم بداهة أن العشر مع الثلاثين تكون أربعين ، فما فائدة قوله: وأربعين ليلة ؟ قيل : إنه لما قال : وثلاثين ميزها بقوله : وليلة ، لكنه لما قال : وأتممناها بعشر ترکها دون تمييز، فاحتمل أن تكون عشرساعات، فيكون المعنى: واعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ساعات، فأزال الإيهام المتوقع بقوله : أربعين ليلة . وقيل : إن فائدة قوله: وأربعين ليلة و هو في الإلباس ؛ لأن العشر) لما أنت بعد الثلاثين) التي هي نص في المواعدة لها الاحتمال أن تكون من غير المواعدة، فأعاد ذكر (الأربعين) نفيا لهذا الاحتمال، وليعلم أن جميع العدد للمواعدة . أما سبب تفريق العدد (الأربعين) بين (الثلاثين) و (العشر)، مع إمكان أن يقول ابتداء: (أربعين ليلة)، وكان قد قالها في سورة البقرة: وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون )، فتقل الزرکشي أن محمد بن علي الخضر الغساني، المعروف بابن عساکر، أجاب في كتابه (التكميل والإفهام)، عن سبب ذلك بأن العشر) إنما صل من أولئك ليتحدد قرب انقضاء المواعدة، ويكونفيه متأهبا مجتمع الرأي، حاضر الذهن ؛ لأنه لو (الأربعين) أولا لكانت متساوية ؛ فإذا جعل (العشر) فيها إماما لها استشعرت الفس رب التمام، وتجدد بذلك عزم لم يتقدم . قال : وهذا شبيه بالتلوم الذي جعله الفقهاء في الآجال المضروبة في الأحكام ، ويفصلونه من أيام الأجل، ولا يجعلونها شيئا واحدة ، ولعلهم استنبطوه من هذا». وقيل : إن الله سبحانه وتعالى أمر موسى عليه السلام ابتداء بالصوم ثلاثين يوما، وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه، فتوك، فأوحى الله إليه : (أما علمت أن خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك) ، فأمره أن يزيد عليه عشرة أيام من ذي الحجة لذلك.
إظهار النتائج من 6641 إلى 6650 من إجمالي 12325 نتيجة.