عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ ﴿١٠٦﴾    [المائدة   آية:١٠٦]
*ما الفرق من الناحية البيانية بين فعل حضر وجاء في القرآن الكريم؟(د.فاضل السامرائى) فعل حضر والحضور في اللغة أولاً يعني الوجود وليس معناه بالضرورة المجيء إلى الشيء (يقال كنت حاضراً إذ كلّمه فلان بمهنى شاهد وموجود وهو نقيض الغياب) ويقال كنت حاضراً مجلسهم، وكنت حاضراً في السوق أي كنت موجوداً فيها. أما المجيء فهو الإنتقال من مكان إلى مكان، فالحضور إذن غير المجيء ، وفي القرآن يقول تعالى (فإذا جاء وعد ربي جعله دكّاء) سورة الكهف بمعنى لم يكن موجوداً وإنما جاء الأمر. وكذلك قوله تعالى (فإذا جاء أمرنا وفار التنور) سورة هود. إذن الحضورة معناه الشهود والحضور والمجيء معناه الإنتقال من مكان إلى مكان. ما الفرق الآن من الناحية البيانية بين قوله تعالى في سورة المائدة: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الآثِمِينَ {106}) وفي سورة المؤمنون (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ {99}) . القرآن الكريم له خصوصيات في التعبير وفي كلمة حضر وجاء لكل منها خصوصية أيضاً. حضور الموت يُستعمل في القرآن الكريم في الأحكام والوصايا كما في آية سورة المائدة وكأن الموت هو من جملة الشهود فالقرآن هنا لا يتحدث عن الموت نفسه أو أحوال الناس في الموت فالكلام هو في الأحكام والوصايا (إن ترك خيراً الوصية) (ووصية يعقوب لأبنائه بعبادة الله الواحد) كما فى سورة البقرة(133). أما مجيء الموت في القرآن فيستعمل في الكلام عن الموت نفسه أو أحوال الناس في الموت كما في آية سورة المؤمنون يريد هذا الذي جاءه الموت أن يرجع ليعمل صالحاً في الدنيا فالكلام إذن يتعلق بالموت نفسه وأحوال الشخص الذي يموت. ويستعمل فعل جاء مع غير كلمة الموت أيضاً كالأجل (فإذا جاء أجلهم) وسكرة الموت (وجاءت سكرة الموت) ولا يستعمل هنا حضر الموت لأن كما أسلفنا حضر الموت تستعمل للكلام عن أحكام ووصايا بوجود الموت حاضراً مع الشهود أما جاء فيستعمل مع فعل الموت إذا كان المراد الكلام عن الموت وأحوال الشخص في الموت
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ ﴿١٠٦﴾    [المائدة   آية:١٠٦]
* (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ (106) المائدة ) و(فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (107) المائدة) ما الفرق بين الخاتمتين؟ الوصية عبادة جليلة وعظيمة ولكننا لا أدري لماذا تساهلنا فيها في هذا العصر مع أننا في هذا العصر أحوج ما نكون إليها. في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن الناس يملكون إلا سيف يوصي به أو مخدة أو قلة ماء ومع هذا يوصي. لذلك الوصية عبادة عظيمة. ولهذا رب العالمين في سورة المائدة يتحدث عن أهمية أن توصي. باختصار شديد هاتان الآيتان في سورة المائدة تتحدثان عن الوصية إذا كنت غريباً إذا كنت في أي مكان ليس معك فيه مسلمين وأنت ستوصي، واحد حضره الموت وليس هناك إلا اثنين نصارى أو صابئة معه فقال لهم يا جماعة أنا فلان أوصي بكذا وكذا، أعطاهم وصيته ومات ولم يكن غير هذان الشاهدان غير المسلمان وأعطاهم أمانات ومال وغيره فأنكروها ثم واحد منهم أسلم وقال فلان الفلاني الذي اشهدنا على الوصية نحن في الحقيقة ما أدينا الشهادة وكان عنده كذا وكذا ونحن سرقناها ونريد إرجاعها فاستثناءً قال تعالى الوصية من غير المسلمين يجوز عليها الشاهدان غير المسلمين إذا لم يكن هناك غيرهما، هذه الحالة والوحيد ولأهمية الوصية استثنى الله شهادة غير المسلم على المسلم للضرورة نظراً لأهمية الوصية. إذا شككتم بشهادة غير المسلمين يقوم شاهدان مسلمان يقسمان بالله أننا سنشهد شهادة جديدة وشهادتنا أعظم من شهادة هؤلاء. الفرق أن الشاهدين غير المسلمين قال (لمن الآثمين) (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ (106) المائدة) والمسلمين قال (لمن الظالمين) (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (107) المائدة). الشاهدان غير المسلمين يقولان (إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ) لأنه ليس عندهما أحكام إسلامية، كل ما فعلوه أنهم أخطأوا بالشهادة فعليهم إثم أنهم لم يضبطوا هذا الشيء وقد يكونوا سرقوه. لكن هؤلاء المسلمان البديلان إذا كذبا على هذه الشهادة الملغاة فهما من الظالمين يوم القيامة (إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) وقطعاً الظالمون أشد جرماً وأشد عقاباً يوم القيامة من الآثمين. هذا الفرق بين من يشهد أول شهادة على أي شيء ثم أخطأ متعمداً أو غير متعمد فهو آثم لكن الشاهدان الآخران يصران على الكذب وعلى الإخفاء فهما من الظالمين. معناه أن العودة في نفس الجريمة أشد جرماً يوم القيامة ممن يجرم أول مرة هذا معنى العود والتكرار وهذا الإصرار على الخطأ.
  • ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿١١٠﴾    [المائدة   آية:١١٠]
آية (110): * ما الفرق بين (بإذن الله) فى سورة آل عمران (49)و(بإذني) فى سورة المائدة(110) ؟ وما الفرق في استعمال الضمير فيها وفيه؟ وما دلالة إستعمال إذ وعدم إستعمالها آل عمران) ؟(د.حسام النعيمى) بإذني وبإذن الله: الكلام كان عن سيدنا عيسى  في الآية الأولى في سورة آل عمران (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)) الكلام على لسان الملائكة ونقل لكلام الملائكة ثم بدأ كلام مريم عليها السلام متجهاً إلى الله سبحانه وتعالى (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (48)) وجيهاً في الدنيا والآخرة ويعلمه، هذا العطف. ما زال الكلام على لسان الملائكة لمريم. وجيهاً ورسولاً إلى بني إسرائيل، رسول بماذا؟ (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49)) يعني عيسى هو سيقول هذا الكلام، إذن الكلام صار يجري على لسان عيسى  (حكاية حال ماضية) في الماضي قال هكذا. العلماء يسمونها حكاية حال ماضية أي في الماضي هذه حاله. فإذن الذي بدأ يتكلم الآن سيدنا عيسى  فقال: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) ما هذه الآية؟ بيان هذه الآية؟ (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49)) بيان هذه الآية (فأنفخ فيه) يعني أنا لأنه يتكلم عن نفسه فقال (فأنفخ). لما ننتقل إلى الآية الأخرى: الكلام هنا من الله سبحانه وتعالى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) المائدة) الكلام معه وليس على لسان عيسىعليه السلام فقال (فَتَنْفُخُ فِيهَا) إذن لما قال هناك (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ) لأن كان يتكلم عن نفسه، أما هنا (تخلق) (فَتَنْفُخُ فِيهَا) الكلام من الله عز وجل إلى عيسى عليه السلام. فيه وفيها: هو خلق لهم بمعنى التكوين أو الصنع أو صنع شيء من مواد أولية كان الله سبحانه وتعالى قد جعلها بين أيدينا، الإيجاد على غير مثال سابق هذا لله سبحانه وتعالى من لا شيء، وتوجده حتى على غير مثال سابق من أشياء خلقها الله عز وجل مثل السيارة والنظارة لكن من مواد أولية خلقها الله سبحانه وتعالى هذه يمكن أن يفعلها الإنسان ما فيها ذرة من إيجاد الإنسان من لا شيء (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (11) لقمان) ماذا أوجدوا من لا شيء؟ أما الإيجاد من أشياء موجودة خلقها الله عز وجل هذا ما قلنا (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) المؤمنون). هو صنع هيئة طير من طين، عندنا هيئة الطير والطين فإذا أريد الإشارة إلى الهيئة قال (فأنفخ فيها) يعني في هذه الهيئة أي في هذه الصورة. هو صنع صورة تشبه الطير فهذه الصورة هي هيئة طير من طين، فإذا أراد أن يشير إلى الهيئة قال أنفخ فيها يعني في هذه الهيئة وإذا أراد أن يشير إلى الطين قال فأنفخ فيه يعني في الطين فمرة نظر إلى الهيئة ومرة نظر إلى الطين الأصل. ولكن يبقى السؤال لماذا هنا نظر إلى الهيئة وهنا نظر إلى الطين؟ نلاحظ هنا (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49)) هذا كلام عيسى عليه السلام (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا) أنفخ في الطين هنا، (فيه) أي في هذا الطين. هيئة الطير من طين فإذا أراد أن يقول إن النفخ صار في الطين يعني ذكر أصل التكوين الذي هو طين حتى يذكرهم أن هذا طين جعلت منه طيراً، عندنا قراءة نافع (فيكون طائراً) يطير أو من الطيور. هنا يريد أن يكلمهم عن معجزة، عن شيء معجز والشيء المعجز إذا قدّمه حالة واحدة تكفي، يأتي بطين يصنع منه كالطير ينفخ فيه فيكون طيراً ويطير، هذه تكفي في الحجة على صدق نبوءته، حالة واحدة تكفي. فلما كان يتحدث عن حاله معهم ذكر حالة واحدة وكان الإشارة إليها بالتذكير (فأنفخ فيه) أي في هذا الطين الموجود بين أيديكم. الآية الأخرى كانت في تعداد نعم الله عز وجل على عيسى  ولذلك جاءت (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) كله اذكر هذا واذكر هذا، نُظِر فيه إلى الهيئة وجاء التأنيث لأن التأنيث أصلح للتعدد. لما تقول لغير العاقل "الشجرات فيها" لما تقول (فيها) يعني متعددة كأن الهيئة صارت أكثر من حالة فهي إذن في مجال بيان تعداد نعم الله سبحانه وتعالى عليه فاختار التأنيث لأن التأنيث أليق مع جمع غير العاقل. تعداد النِعم كثير يعني هو يذكر له نعماً كثيرة: اذكر كذا واذكر كذا (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي). لما قال (فيها) معناه صارت هيئات متعددة لأن الإشارة بضمير المؤنث (فيها) يشير إلى هذا التعدد، فهذا هو الاختيار. هو من حيث اللغة الأصل أنه إذا نظر إلى الهيئة أنّث وإذا نظر إلى الطين ذكّر فمرة نظر إلى الهيئة ومرة نظر إلى الطين. لكن الذي قوّى اختيار النظر إلى الهيئة أن ضمير المؤنث يشار به إلى المتعدد فجاء بضمير المؤنث في موضع تعداد النعم لأن فيه تعداد للنعم فاختير التأنيث. تكرار (إذ): تكررت في آية سورة المائدة ولم تذكر في آية سورة آل عمران لأنه في المائدة كان هناك تعداد لنِعم الله سبحانه وتعالى عليه، أما في آل عمران ما كان هناك نوع من التعداد للنعم وإنما كان نوع من بيان حال عيسى عليه السلام وهو يتكلم فقال (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49)) يعني أنا أفعل هذا وأفعل هذا فلا مجال فيه للتذكير. أما في الآية الأخرى في المائدة كان الله تعالى يذكّره بدأ بكلمة (اذكر) ثم صارت تُقدّر (إذ أيدتك) يعني إذكر إذ أيدتك و(إذ علمتك) يعني اذكر إذ علمتك، إذ أيدتك، إذ تخلق. (إذ) هي لبيان حال الماضي (إذ فعلت كذا) لكن يقدّر فيها اذكر يعني إذ كذا يعني اذكر حين كان كذا. (إذ) هي ظرف للماضي من الزمان بخلاف (إذا) التي هي لما يُستقبل من الزمان. (إذ) لِما مضى من الزمان. فهذا هو الفارق بين الموقعين. *لماذا تكرار (إذ)؟ لما يكرر (إذ) كأنه يكرر (واذكر حين كان هذا الأمر) يعني نوع من التأكيد، اذكر حين كان هذا الأمر، فهو بيان لنعم الله سبحانه وتعالى. *قد يقول قائل العرب تكره التكرار وتكره توالي الأمثال فكيف نفسر هذا التكرار هنا؟(د.حسام النعيمى) هي ليست واحد بعد الأخرى مباشرة لكن بينها وبين الأخرى مجالاً للتأمل (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) المائدة) أي اذكر يا محمد لهؤلاء عندما قال الله سبحانه وتعالى لعيسى ، عندما يتحدث الله عز وجل عن المستقبل يتحدث بصيغة الماضي لأنه واقع في علم الله، هذا الكلام في يوم القيامة لم يقع لكنه في علم الله سبحانه وتعالى واقع (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ) اذكر حين سيقول الله سبحانه وتعالى لعيسى  إلزاماً لقوله بالحجة حتى يعترف أمامهم بأنهم حرّفوا دين الله عز وجل، حرّفوا هذا الشرع (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ) هنا ذكر الفعل ثم بدأ بتفصيل النعمة، ما هذه النعمة؟ قال (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ) أي حين أيدتك بروح القدس، هذه صورة، ثم انتقل إلى صورة أخرى (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) هذه صورة أخرى مستقلة، (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ). التكرار أحياناً فيه معنى التأكيد وبناء كأنها كُتل قائمة بذاتها. ألم يقل الشاعر: ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا هذا تكرار محمود لأن علماء البلاغة يقفون وقفة طويلة عند هذه العبارة الرائعة الرائقة بهذا التكرار. فكل نعمة تستحق أن يوقف عليها وحدها. (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي) هنا لم يقل (وإذ تبرئ) وإنما ربطها مع ما قبلها حتى يكون نوع من التباعد، فالقرآن الكريم يلوّن أو ينوّع في هذا الاستعمال (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ). *لماذا الإختلاف في مناداة الله تعالى لعيسى (يا عيسى) في سورة آل عمران و(يا عيسى إبن مريم) في سورة المائدة؟(د.حسام النعيمى) قال تعالى فى سورة آل عمران:(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55))وفى المائدة: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)) (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)). لا شك لو نظرت في المصحف ستجد أن عيسى  نودي أربع مرات في القرآن الكريم كله. ونحن وقفنا عند هذه المرات الأربع التي نودي فيها فوجدناه في ثلاث مرات يناديه الله سبحانه وتعالى في مرة قال (عيسى) مجرّداً وفي مرتين يا عيسى إبن مريم) والمرة الأخرى نودي فيها على لسان الحواريين (يا عيسى إبن مريم). في النداء مرة واحدة نودي بإسمه المجرّد بأداة النداء يا. لما تنادي إنساناً بإسمه المجرّد هناك صورتان: الأعلى ينادي الأدنى (الأعلى منصباً وجاهاً) عندما يناديه بإسمه المجرّد (يا فلان) هذا نوع من التحبب والتقرّب. والمناسبة هنا مناسبة توفّي فلا بد أن يرقق الكلام معه أنه أنت قريب مني لأن هذا معناه قُرب فقال (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)) هناك مانع في غير القرآن أن يقول: يا عيسى إبن مريم، لا ينفع معناه. يا عيسى أنت قريب مني أنا سأتوفّاك وسأرفعك إليّ ففي هذا الموضع لا يحتاج إلى أن يذكر أمّه. الصورة الأولى نداء عيسى بإسمه المجرّد من الله تعالى فيها نوع من التحبب لأنه يريد أن يتوفاه فناداه بالتقرّب (يا عيسى) ولا مجال لذكر أمه هنا. الصورة الأخرى من الأدنى إلى الأعلى: لا يناديه بإسمه المجرّد لا يقول له يا فلان لأنه إذا قال يا فلان يكون نوع من قلة المجاملة وقلة الإحترام (يا فلان الفلاني) فلذلك لما نأتي إلى الحواريين هم أدنى درجة لا شك من عيسى . الحواريين في هذا الموضع كأنما في قلوبهم نوع من الشك من نبوّة عيسى  فنجد أنهم ينادونه بإسمه الكامل للإحترام وإسمه الكامل (عيسى ابن مريم) فيقولون (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112)) فيها نوع من الشك هو أولاً نوع من الإحترام (يا عيسى بن مريم) ما يقول (يا عيسى) (من الأعلى إلى الأدنى ليس إحتراماً وإنما نوع من التلطف ترقيقاً وتلطّفاً) من الأدنى إلى الأعلى لا بد أن يذكر إسمه كاملاً وإذا لم يذكره يكون نوع من قلة المجاملة ولا يرتضيها الأعلى. لما تأتي إلى رئيس وتناديه بإسمه يمكن أن تناديه يا فلان بن فلان أو يا صاحب الجلالة. لِمَ لم يقولوا له يا رسول الله؟ هم كأنه في نفوسهم شك (يا عيسى بن مريم) هم قرروا معرفتهم به أنه إبن مريم وأنه معجزة َكأنهم يقولون نعلم أنك آية من آيات الله. ولذلك ما قالوا هل يستطيع ربنا وإنما قالوا (هل يستطيع ربك) ولما قال عيسى  (إتقوا الله) قالوا (نريد أن نأكل منها وطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا) هم ليسوا منكرين تماماً فلم يقولوا له ماذا تريد أن تصنع؟ ولم يكونوا مؤمنين إيماناً جازماً قاطعاً كانوا قالوا يا رسول الله وإنما قالوا يا عيسى بن مريم. هم يعلمون أنه ولدته أمه من غير أبّ. لكن (هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة) مكان مناسب أن يقولوا: يا عيسى بن مريم. في الآيتين حيث وردت (يا عيسى بم مريم) (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)) (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)) ننظر أن هذا القول في الآخرة وفي الآيتين ورد ذكر الأم بمعنى أنه كان من المناسب أن تُذكر الأم. والكلام في الآخرة والله عز وجل يريد أن يقيم الحجة على من قالوا أنه إبن الله أو أنه إله (يوم يجمع الله الرسل) (إذ قال الله)أي أُذكر يا محمد (عليك وعلى والدتك) ذكر الأم ثم على رؤوس الأشهاد يصرّح بإسمه الكامل هو عيسى بن مريم، هو ليس إهاً وليس إبن يوسف النجار كما قال اليهود وإتهموا العفيفة الطاهرة عليها السلام، فهو عيسى بن مريم لأن الكلام على رؤوس الأشهاد. يختلف عن الكلام بينه وبين عيسى (يا عيسى إني متوفيك). والآية الأولى أيضاً في يوم القيامة (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)) تقرير لأن الكلام على رؤوس الأشهاد يريد الله عز وجل أن يقرّ الحقيقة أمام هؤلاء الذين إختلفوا فيه وغيّروا ما قاله الله عز وجل فيه. لو قال يا عيسى يقولون هو إبنه فلا بد أن يذكر أمّه. (إتخذوني وأمي) ورد ذكر الأم مناسب هنا أن يذكر كلمة مريم والله تعالى أعلم
  • ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿١١٠﴾    [المائدة   آية:١١٠]
*ماالفرق بين قوله تعالى (بإذني) وقوله (بإذن الله) ؟(الشيخ خالد الجندي) قال تعالى في سورة آل عمران (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)) وفي سورة المائدة (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)) (بإذني) جاءت في سورة المائدة لأن الله تعالى يعلم أن هناك من سيدّعي ألوهية عيسى  فقطع عليهم تعالى خط من زعم الألوهية. فإذا فهم أحدهم من آية سورة آل عمران (بإذن الله) أن عيسى هو الله كما يقولون افتراء يعود إلى سورة المائدة التي فيها الكلام موجه من الله تعالى إلى عيسى  حتى يفهم الناس أن الذي يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى هو الله تعالى وليس عيسى  فالقرآن يدعم بعضه بعضاً.
  • ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿١١٠﴾    [المائدة   آية:١١٠]
*ما الفرق بين (فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ (49) آل عمران)و(فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي (110) المائدة)؟ يقول تعالى (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ (49) آل عمران) ومرة قال (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي (110) المائدة) فيها ومرة قال فيه كهيئة الطير عندنا طير وعندنا هيئة الطير. الطير كالحمامة العصفور خلقة الله يعني سيدنا عيسى وطبعاً سيدنا عيسى عليه السلام كل نبي بطل في شيء سيدنا يوسف بطل في العفة، سيدنا أيوب بطل في الصبر، سيدنا موسى بطل في العزم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بطل في الأخلاق، سيدنا عيسى بطل المعجزات، طبعاً إذا استثنينا القرآن الكريم ومعجزات سيدنا موسى ما في نبي مثله هو معجزة ووجوده معجزة حياته معجزة وهو لم يمت فسيدنا عيسى طبعاً ليس فناناً تشكيلياً هل ممكن أنه يصنع من الطين كما نراها مصنوعة في الأسواق في الأنتيكات فعلاً يصنعون هذه الطيور كتماثيل الصقور كأنها صقور حية فرب العالمين يقول له اعمل الطير بالطين أي كلام كهيئة وليس هيئة كهيئة الطير فأنا سأعمل لك إياها بعد ما عملته أنت بيدك أعمله طير بالضبط فأنت بالهيئة تنفخ في الطير تنفخ في أي شيء يطير فمرة قال تنفخ فيها في هذا الذي يشبه هيئة الطير أنت لم تخلقه ولم تصنعه فأنت لست فناناً ولا نحاتاً ولا مثّالاً وإنما تعمل بالطين كهيئة الطير فرب العالمين أصلح الهيئة وعملها طير ونفخ فيها فإذا كان الضمير يعود على الهيئة هذا فيه إعجاز، إعجازياً إعجاز هذه الهيئة الملخبطة التي عملها سيدنا عيسى عجنها عجيناً نفخ فيها وصارت طيراً ولما رب العالمين يصحح هذه الهيئة التي صنعها سيدنا عيسى بشكل إعجازي (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى (17) الأنفال) النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حصى ورماها ورمى كل واحدة بعين هل النبي أوصلها؟ لا لكن الله هو الذي رمى. أنت عجنت لكن الله هو الذي صلحها لك مرتين مرة سواها كالهيئة ومرة سواها طير فأنت إن كان هيئة تنفخ فيها وتصبح طيراً وإذا كان طيراً تنفخ فيه وكل واحد منهما له إعجازه الخاص فأنت في معجزتين في هذه الحالة، إذاً في النفخ في الهيئة والنفخ في نفسك. هذا القرآن من إعجازه إذا أحببته إذا أنت تعودت على التنقيب فيه هو يعطيك نفسه فنحن نقول لا كبير فنحن نقول جزء وناس قبلنا قالوا جزء وسيأتي بعدنا إلى يوم القيامة جزء ويوم القيامة سوف نكتشف أننا كنا نسبح على الشاطيء لم ندخل العمق وعمق القرآن لا يدركه إلا نبي.
  • ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴿١١١﴾    [المائدة   آية:١١١]
آية (111): * ما الفرق بين (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) المائدة) و(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) آل عمران)؟ د.حسام النعيمى : أولاً (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُم(ُ كلمة منهم إشارة إلى بني إسرائيل لأن مجال عمله بنو إسرائيل، هو يعمل معهم. بعد أن كلّمهم ودعاهم وأظهر لهم المعجزات وطالبوه بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأعمى يبصر. بعد كل هذه المعجزات المفروض الإنسان أن لا تأخذه العزة بالإثم. لما يرى هذه الأشياء وهي أشياء مادية ملموسة حيث يخرج ميتاً حيّاً من قبره، أعمى يُبصر يمسح على عينيه فيبصر، أبرص لا علاج له، شخص لا ينطق يصبح يتكلم، معجزات ملموسة ومشاهدة من قبل مئات من الناس وليس شخصاً واحداً. مع ذلك كفروا به وقالوا هذا سحر وأنت ساحر تفعل هذا والسحرة يفعلون هذا. فأحس عيسى  منهم الكفر عند ذلك توجّه إليهم بالدعوة وبالسؤال: من يناصرني إلى إبلاغ دين الله عز وجل؟ هذه الشريعة؟ إذن هو يسأل عمن ينصره؟ عن أنصار والنصرة تقتضي الجمع والضمّ كتفٌ إلى كتف (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) الصف) يشد بعضهم بعضاً هذا المطلوب. (من أنصاري إلى الله) قال الحواريون (والحواري في اللغة بمعنى المنقّى المصفّى بحيث لما تذهب عنه الشوائب يكون أبيض كالثوب الأبيض منقى من الشوائب). قال الحواريون (نحن أنصار الله) كان يمكن أن يكتفوا بقول (نحن) وإنما أرادوا أن يوضحوا ويبينوا (نحن أنصار الله) أي نحن أنصار دين الله، فقولهم أنصار الله فيه بيان وتأكيد. (آمنا بالله) لأن هو سألهم من أنصاري إلى الله؟ فقالوا آمنا بالله الذي تدعوننا لنصرة دينه واشهد بأنا مسلمون (فعل أمر لعيسى ) اشهد علينا أننا مطبقون لشرع الله، لهذا الإيمان. الإيمان في القلب لا يظهر والإسلام تطبيق عملي فنحن نطبق عملياً. الآيات تضمنت تأكيدات وبيان: أنصار الله، آمنا بالله، وأنّ للتوكيد فيها معنى الضم. فقلّل التوكيد في (أنّ) حتى يتوصل إلى الإدغام الموحي بصورة الجمع ولم يقل (بأننا) لأن فيها تفريق. (أنّ) مكونة من الهمزة ونون ساكنة ونون مفتوحة كما نقول: علمت أنّ زيداً يفعل كذا. (أنّ والتحقت بها: نا) نحن عندنا الأحرف المشبهة بالفعل فيها أنّ، كأنّ، لكنّ إنّ منتهية بنون مشددة لما تلتحق بها (نا) التي هي للمتكلمين أو المعظِّم لنفسه يكون عندنا ثلاث نونات فأحياناً العرب يخففون بحذف إحدى النونين فيقولون إنّي وإنّك. مع (نا) للمتكلمين يفعل الشيء نفسه إنّا وإننا، لكنا ولكننا وكأنا وكأننا ما أن يحافظ على كيانها فتكون (نا) مفصولة عنها (إننا، كأننا، لكننا). وإما أن يخفف بحذف النون الثانية فتدغم النون الأولى لأنها نون الضمير فتصير: كأنا، لكنا، إنا. فهنا حذف وخفف لأن التوكيدات كثرت فخفف التأكيد وتوصّل عن طريق هذا إلى الإدغام المشعِر بهذا الإلتصاق بين أنصار الله لذا قال (واشهد بأنا مسلمون) ولم يقل بأننا لأنها ابتعدت والصورة صورة مناصرة يراد لها صفّ والتصاق وفيها قرب وإلتصاق. التخفيف وارد في لغة العرب والإتمام وارد نقول أننا وأنّا. لكن لماذا اختارها هنا التخفيف (أنّا)؟ هذا الغرض الذي يتبين من خلال هذا الجمع والضم. الكلام هنا على مناصرة ولذلك من أنصاري إلى الله قالوا آمنا بالله مناسبة. في الآية الثانية الكلام على الإيمان وهو إلهام الله عز وجل لهذه الصفوة أن تؤمن، لكن تؤمن بماذا؟ (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ) لما عُرِض عليهم الدين ألهمهم الله عز وجل (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) فألهمهم الله عز وجل الإيمان، الإيمان بماذا؟ (آمنوا بي وبرسولي) إيمان بالله وإيمان بالرسول. تخيل لو قالوا: آمنا بالله معناها لم يؤمنوا بالرسول، إذن كلمة (الله) هنا ليس لها موضع لا تصح لأنهم دعوا إلى الإيمان بالله وبالرسول فقالوا آمنا. ولو قالوا آمنا بالله وبرسوله يكون تكراراً ليس له معنى. (آمنا) معناها آمنا بالله وبالرسول فيُكتفى بـ (آمنا). (واشهد بأننا مسلمون): هذه الآية ليس فيها تأكيدات كتلك الآية فحوفظ على (إنّ) كاملة حتى يكون فيها التأكيد لإسلامهم. (واشهد بأننا) أننا آكد من أنّا من حيث التأكيد. هنا لم يحذف وإنما جاء بالكلمة كاملة من قبيل زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. هناك قلّصوا التأكيد لأن فيها مؤكدات أخرى تُغني وفيها إدغام لأن الكلام على النصرة. بينما هنا أكدوا لأنه لا توجد مؤكدات وفصلوا حتى يكون آكد (بأننا مسلمون). وهنا (واشهد بأننا مسلمون) اشهد فعل أمر لعيسى عليه السلام . الله عز وجل أوحى إليهم أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا، ثم التفتوا إلى نبيّهم الذي آمنوا به فقالوا: آمنا واشهد بأننا مسلمون فيها إلتفات أي إشهد على إسلامنا. وفعلاً طبقوا لأنه أنت لا تعرف أنه مسلم إلا بالتطبيق لأن الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل. أما الذي في القلب فلا يطّلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى ولذلك لما قال سعد ابن أبي وقاص للرسول  وهو يوزع الغنائم: يا رسول الله أعطِ فلاناً فإنه مؤمن، فقال الرسول  تعليماً لسعد وغيره: أو مسلم. كررها أكثر من مرة. أنت ما شققت عن قلبه لأن الإيمان مستقره القلب لكن إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان لأن هذا ظاهر الأمر والتطبيق هو الإسلام. (واشهد بأننا مسلمون) فيها إلتفات. قال آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ولم يقولوا مؤمنون لأن الإيمان لا يظهر وعيسى عليه السلام يحتاج لمن يظهر له علامة الإيمان وعلامة الإيمان التطبيق (الإسلام) النبي يريد منهم أن يظهروا إسلامهم واشهد أننا مطبقون لهذا الإيمان لأن الإيمان يكون ضمناً.
  • ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴿١١١﴾    [المائدة   آية:١١١]
د.أحمد الكبيسى : سيدنا عيسى مرة يقول (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿52﴾ آل عمران) بأنا مسلمون نون واحدة الحواريون يخاطبون سيدنا المسيح عليه السلام هو قال من أنصاري قال نحن وأشهد بأنا مسلمون يا عيسى هذه بأنا، في سورة المائدة (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴿111﴾ المائدة) لماذا في الأولى الحواريون قالوا لسيدنا عيسى عليه السلام (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (أنا) نون واحدة ولماذا لما تكلموا مع رب العالمين قالوا (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) (بأننا)؟ أنتم تعرفون أن كلمة أنّا غير كلمة أننا، أننا أشد قوة وتأكيداً وثباتاً ويقيناً الله قال (إِنِّي أَنَا اللَّهُ ﴿30﴾ القصص) و (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ ﴿14﴾ طه). وإن كان في فرق بين الـ (إن) فالـ (إن) هذه غير هذه الـ (إن) لكن التعبير في النهاية واحد (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ﴿9﴾الحجر) إنا لاحظ مرة يقول إننا. حينئذٍ لماذا رب العالمين نفس الحواريين وبنفس الشهادة نحن مسلمين يعني موحدين كلمة مسلمون موحدون كل موحد لله عز وجل توحيداً مطلقاً هو مسلم سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو مسلماً أو ما شاكل ذلك. الفرق أن المسلمون أطلق الله عليهم نفس الاسم يعني واحد اسمه كريم وهو أيضاً كريم واحد كريم جداً اسمه عبد الله فاليهودي والنصراني نفس واحد مسلم قال أنا ليس لي رب إلا الله هذا مسلم من حيث فعله ولكن عنوانه هذا يهودي وهذا مسيحي أو نصراني كما هو لغة القرآن المسلم اسمه ودينه نفس الشيء قال أنا مسلم إذن لماذا الحواريون مرة قالوا (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ومرة قالوا (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) فبالله عليكم واحد يتكلم مع نبي قال يا جماعة أنتم مسلمين قالوا والله يا عيسى اشهد بأنا مسلمون رب العالمين قال (وَإِذْ أَوْحَيْتُ) كيف الله أوحى للحواريين؟ شيء ثاني إما أوحى لهم بعض المسلمين العلماء يقولون أن الحواريين كانوا أنبياء مثل أخوة يوسف الأسباط كانوا أنبياء كذلك حواريي عيسى عليه السلام أيضاً كانوا أنبياء وليسوا رسلاً النبي شيء والرسول شيء فإذا كان هذا الرأي صائب أو على هذا الرأي إن الله أوحى لهم قال يا حواريين هل آمنتم بأني أنا ربكم؟ قالوا نعم يا ربنا واشهد بأننا مسلمون. التخاطب مع رب العالمين فلا بد أن يكون الإسلام على يقين مطلق يا رب العالمين اشهد علينا بأننا موقنون إيقاناً كاملاً بأنك واحد أحد لا شريك لك واشهد علينا بأننا مسلمون هذا مع الله لأن هذا مطلق. رب العالمين يعلم الغيب لا يمكن أن يكذبوا ولا يمكن لأحد منهم أن يخفي في قلبه شيء فعندهم طلاقة وإطلاق في اليقين مع الله عز وجل قالوا واشهد بأننا يا ربنا مسلمون واحد تسأله هل تحب الملك؟ يقول أشهدك بأني أحب الملك ثم الملك نفسه سأله قال له يا فلان هل تحبني؟ قال له يا صاحب الجلالة اشهد بأنني أحبك. إذاً هذا الفرق بين قول الحواريين لسيدنا عيسى (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) وقولهم لله عز وجل (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) من حيث الله قال أنا أوحيت تكلمت مع الحواريين (أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي) فإن كانوا أنبياء هذا وحيٌ مباشر وإذا لم يكونوا أنبياء فهو وحيُ بالإلهام كما أوحى إلى أم موسى وأوحى للنحل (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴿7﴾ القصص). إذاً هكذا هو الفرق بين قول الحواريين في سورتين بالمائدة (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) الخطاب مع الله عز وجل وفي آل عمران (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) الخطاب مع سيدنا عيسى وقطعاً الخطاب مع بشر ولو كان مرسلاً نبياً غير الخطاب مع رب العالمين عز وجل من هنا ترى أن هذا الكتاب العزيز ما فيه شيء زائد ومن المؤسف أنك تسمع أو تقرأ في بعض التفاسير هذه الواو زائدة إذا ما زائدة إن زائدة لام زائدة هذا غير صحيح قد يكون في زيادة من ناحية الإعراب أما بالمعنى فليس هنالك حركة ولا حرف ولا فعل ماضي ولا بماضي يأتي مضارع ولا مضارع يأتي اسم فاعل (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴿95﴾ الأنعام) إلا وله معنى وصورة أخرى هكذا كلمة (إِنِّي أَنَا اللَّهُ) و (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ) هناك حالتين (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) و (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) وقس على هذا حيث ما جاءك هذا الأمر هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
  • ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١١٢﴾    [المائدة   آية:١١٢]
  • ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿١١٤﴾    [المائدة   آية:١١٤]
آية (114): * هل البَدَل يفيد التوكيد؟(د.فاضل السامرائى) للبدل عدة أغراض منها:للإيضاح والتبيين أو يكون للمدح أو الذمّ أو يكون للتخصيص أو يكون التفصيل أوقد يكون للتفخيم أوقد يكون للإحاطة والشمول كما في قوله (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) المائدة) وقد يكون للتوكيد أيضاً أو الاشتمال وغيره
  • ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ ﴿١١٥﴾    [المائدة   آية:١١٥]
  • ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿١١٦﴾    [المائدة   آية:١١٦]
  • ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿١١٧﴾    [المائدة   آية:١١٧]
  • ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١١٨﴾    [المائدة   آية:١١٨]
آية (115)-(118): *ما دلالة إستخدام الجملة الإسمية المؤكدة في الآية (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) المائدة) مع أنها كلام الله؟ ولماذا إستعمل (عليكم) ولم يقل إليكم؟(د.حسام النعيمى) حتى تتبين الصورة كاملة نبدأ من قوله تعالى (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)). (إذ) ظرف للزمان كأنه يقول واذكر إذ حدث كذا. (إذ أوحيت إلى الحواريين) الوحي هنا بمعنى إلهام الهداية فالله سبحانه وتعالى ألهم هؤلاء أن يهتدوا إلى دين عيسى  وسمّاهم الحواريين. الحواريّ: هناك كلام في كتب التفسير أنه يتعلق بمهنتهم فيقولون الحواريّ هو القصّار أي الذي يقصّر الثياب ولكن المسألة ليس لها علاقة بالمهنة فهل كانوا جميعاً يقصّرون الثياب؟ كلا. إنما الحواريّ هو المنقّى من الخطايا والذنوب. لما تقول: حوّرت الطحين بمعنى نقيّته من كل شوائبه وأعدته كأنما نقيّاً صافياً. هكذا تقول العرب، ومنه الحور والعين الحوراء. الحَوَر في العين هو نقاء البياض ونقاء السواد وفيه معنى التنقية. فهم عندما دخلوا في الإسلام في زمانهم معناه نُقّوا من كل ما قبل ذلك فمن هنا قيل الحواريون وليست المسألة مسألة تقصير الثياب وإنما هؤلاء المنقّون لأنه لما آمنوا وعندنا في الحديث: " الإسلام يجُبُّ ما قبله" يعود الفرد إذا أسلم كيوم ولدته أمه أي صافياً نقياً أبيض الصفحة. هؤلاء هكذا كانوا بعد أن دخلوا في الإيمان. فأوحى إليهم أن آمنوا بي وبرسولي فقالوا (قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) قالوا آمنا ولم يقولوا آمنا بالله وعندنا سؤال في هذا. لو قالوا آمنا بالله معناه لم يؤمنوا برسوله لكن هنا قالوا آمنا لأن الدعوة كانت للإيمان بالله وبرسوله. فآمنا تعني آمنا بالله وبرسوله. (واشهد بأنا مسلمون) معناه جمعوا بين الأمرين: بين إيمان القلب والتطبيق, لكن هؤلاء الذين جمعول بين إيمان القلب والتطبيق في بعض الأحيان يُداخلهم شيء فيريدون أن يطمئنوا، يريدون أن يروا، يريدون أن يلمسوا. (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) أولاً لما قالوا: يا عيسى ابن مريم هذا دليل على إيمانهم بالمعجزة لأنه لم يُنسب إلى أبٍ ولم يقولوا يا رسولنا وإنما يا عيسى ابن مريم بمعنى نحن نعلم أنك إبن هذه المرأة بمعجزة فهذا تثبيت لإيمانهم وتذكّر للمعجزة أنه عيسى إبن مريم. مع ذلك قالوا: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) أولاً كلمة يستطيع لها معنيان في اللغة وليس معنى واحداً: الإستطاعة بمعنى القدرة (هل يقدر؟) والإستطاعة بمعنى الفِعل (هل تفعل؟). نضرب مثالاً: هناك سيارة موجودة تقول لشخص:هل تستطيع شراءها؟ إذا كان الشخص فقيراً معناه هل لديك القدرة على شرائها؟ وإذا مان غنياً معناه: هل لديك الرغبة أن تفعل الشراء؟ هل تفعل؟. فلما قالوا: هل يستطيع ربك لا يعنون هل يقدر ربك وإنما هل يفعل ربك إذا دعوتَه؟. من أين فهمنا هذا المعنى؟ لماذا لا يكون شكاً في قدرته سبحانه وتعالى؟ أولاً من كونهم آمنوا فهم مؤمنون والأمر الثاني من قراءة مجموعة من العرب كانوا في الكوفة قرأوا ذلك بين يدي رسول الله  أو أقرأه جبريل  فأقرأهم. قرأ بها الكسائي، هؤلاء الأعراب أخذ عنهم الكسائي قراءة (هل تستطيع ربَّكَ) أي هل تستطيع أن تدعو ربَّكَ؟ هل تقدر أن تدعو ربك؟ (ربَّك) مفعول به لفعل محذوف تقديره تدعو. هذه قراءة سبعية قرأ بها جمهور كبير من العرب فهي قراءة متواترة تبيّن لنا معنى القراءات الأخرى. فلما قال (هل يستطيع ربك) لا يعنون أنه هل لديه القدرة؟ وإنما معناه: هل يفعل ربك إذا دعوته؟ لأنه قلنا أن يستطيع تكون إما بمعنى القدرة أو بمعنى الفعل. هل يستطيع: أي هل يفعل إذا دعوته؟ قلنا نجمع بين القراءات: لعيسى : هل تفعل وتدعو ربك؟ وهل يفعل ربك ذلك؟ هل يُنزّل؟ هكذا تُفهم الإستطاعة من هؤلاء هي ليست شكّاً في القدرة وإنما سؤال عن الفعل. أنت ستدعو فهل يستجيب لك؟ هل سيفعل؟ السؤال عن الإستجابة لدعء عيسى  وليس عن قدرة الباري عز وجل. (تستطيع ربَّك) يعني هل تستطيع أن تدعو ربك؟ (هل يستطيع ربك) يعني هل يجيبك؟ هل ينفّذ؟ هذه فائدة معرفة القراءات ومحاولة الجمع بينها. ننظر هنا (هل يستطيع ربك) ما قالو: ربنا وإنما قالوا ربك أنت مع أنهم آمنوا به. هذا فيه فائدتان: كأنما ألقوا الأمر إليه أنه ربك كما قال بنو إسرائيل لموسى  (إذهب أنت وربك فقاتلا)، هذا الفعل أنت تقوم به. (هل يستطيع ربك) نوع من رفعة عيسى  أنه ربك قبل أن يكون رباً لنا فهو مقدّم علينا فيه إشارة إلى تقديم عيسى . كلاهما وارد وكلاهما تحتمله اللغة. أولاً أوكلوا الأمر إليه وثانياً فيه نوع من رفعة الشأن له كما تقول لشخص: أنت كلّم فلاناً. وفي حديث الغامدية قالوا من يكلّمهغير حِبِّ رسول الله ؟ كلهم أحباب رسول الله  لكن خُصّ بذلك أسامة بن زيد في ذلك الموقع وكان الردّ بالرفض. (أن ينزّل) ليس للتدرج هنا لأن فعّل قد تـأتي للتدرج وقد تأتي للتكثير والتوكيد. عندما نقول كسر وكسّر قد لا تعني التكسير بالتدرج شيئاً فشيئاً وإنما يعني بقوة وبكثرة، كسّره فيه معنى التأكيد والتقوية فهم يريدون أن يؤكدوا. (ينزّل) لا يريدون أن ينزلها مدرّجة لكن يريدون أن يؤكدوا التنزيل. (علينا) استعملوها للعلو ثم أكدوا ذلك بكلمة (من السماء) يريدونها من السماء حتى لا يأتيهم عيسى  بطعام ولذلك جاء الجواب قال الله تعالى (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُم) إستعمل اللفظ الذي إستعملوه هم يريدونها من فوق فقالوا علينا ولم يقولوا إلينا. لغوياً يستقيم لو قلنا إليكم وسبق أن أوضحنا الفرق بين نزل عليك ونزل إليك: نزل عليك فيه معنى العلو والإستعلاء أما نزل إليك ففيه معنى التقريب كأنما يقرّبه إليه. ويمكن أن يتعاور حرفا الجرّ هنا (على وإلى) لكن لكل حرف معنى وله صورته. دلالة (على) هنا إستعلاء، هم أرادوها من فوق فقال تعالى آتيكم بها من فوق كما أردتم. مائدة: إذا قيل مائدة يعني فيها طعام وإذا لم يكن فيها طعام يقال له خِوان مثل المنضدة فإذا وضعنا عليها الطعام تكون مائدة ولا تكون مائدة من غير طعام. فلما قالوا مائدة يعني يريدون طعاماً من السماء. (قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) إن كنتم مؤمنين ما حاجتكم إلى هذا الدليل المادي؟ هم يريدون أن يلمسوا شيئاً مادياً والإنسان في الغالب يريد هذه المادّية. هؤلاء الذين آمنوا بعيسى  قد لا يكونون من نفس بني إسرائيل لأنه عيسى  قال: جئت لهداية الخراف الضالّة من بني إسرائيل. لكن يمكن أن يدخل في الدين من غير بني إسرائيل. دعوة عيسى  كما عندنا في الحديث مخصصة لهؤلاء القوم، لبني إسرائيل هذا النص في الإنجيل " جئت لهداية الخراف الضالّة من بني إسرائيل" وموسى جاء لبني إسرائيل (أن أرسل معنا بني إسرائيل) لكن اليهود تشبثوا في عدم دخول أحد في دينهم من الخارج إلا من كان إبن امرأة يهودية فأبناء اليهوديات يهود. أما المسيحيون خرجوا على تعاليمهم لأغراض وصاروا يدعون الناس ويبشرونهم بالدخول إلى دينهم. المائدة هي ما يكون فيها طعام. فقال عيسى  (قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) كأنه يريد أن يذكّرهم بإيمانهم أنه كونوا على جانب من خوف الله سبحانه وتعالى ولا تطالبوا بهذه القضية المادية فلم ينسحبوا وإنما قالوا (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) أولاً يريدون الأكل (أن نأكل منها) بعد ذلك تطمئن القلوب لأنه لما يدخل هذا في جوفهم فهذا ليس خيالاً وعند ذلك يكون علم أنه قد صدقهم أنه هو رسول من الله سبحانه وتعالى. والمائدة نزلت من السماء ونكون شاهدين أنه نزلت علينا مائدة من السماء. مقابل هذا الإلحاح لم يجد عيسى  إلا أن يتجه لله سبحانه وتعالى بالدعاء فقال: (اللهم) وقلنا أن اللهم تساوي يا الله والبعض تكلم فيها أن حرف النداء محذوف وهو من جملة كاملة (يا الله أُمّنا بخير) واختُصِرت وبقيت الميم فقط (اللهم). والإختصار وارد في اللغة كما نقول في اللغة العامّية: ليش؟ أصلها لأي شيء؟ أو أيش؟ أي أي شيء هذا؟ وهذه إستعملها الإمام أحمد بن حنبل. قد يكون هذا وقد يكون من أنواع النداء ومع ذلك ورد بعض العرب جمع بين ياء النداء (وإني إذا حدثٌ المّ أقول ياللهم ياللهم). فجمع بين الإثنين لشدة تعلّقه بالدعاء أي إذا ما صارت مصيبة أقول ياللهم ياللهم. وأداة النداء لا تدخل على لفظ الجلالة (الله). (اللهم) الميم عِوَض عن حرف النداء بدل يا الله. (اللهم ربنا) لم يقل ربي وهذا تذكير لهم : هو ربي وربكم. (أنزِل) لا داعي للتأكيد (نزِّل). دعاء عيسى  (ربنا) حتى يُدخلهم معه أنه ربكم أيضاً. قال أنزل لأنه لا داعي للتأكيد، دعاء بالإنزال قال (أنزِل علينا مائدة من السماء) ما قال عليهم وإنما قال (علينا) جميعاً وهو معهم. (تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ) هذه المائدة نُعيد ذكرها في كل عام ينقل خبرها أولنا إلى آخرنا نتناقلها يعني هؤلاء الحواريون بهذا العدد ومن دخل معهم بعد ذلك ينقلون الواقعة إلى الجيل الذي يأتي بعدهم أنه نحن أكلنا من هذه المائدة حتى تطمئن القلوب وتكون بمناسبتها يعني يعاد ذكرها. (وَآَيَةً مِنْكَ) علامة على صِدقي لأنهم طالبوني (وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا) فتكون آية منك لهؤلاء. (وارزقنا وأن خير الرازقين) لأن هذا رزق. قال تعالى (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)) هذا لأن الكلمة التي قالوها (ينزّل) فقال تعالى (إني منزّلها) من نفس صيغة الفعل. (عليكم) تحوّل الخطاب إليهم. عيسى  هو الذي طلب لكن صار إلتفات في الخطاب (عليكم) لأنه سيأخذ عليهم عهداً مباشراً وليس بواسطة عيسى . (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) المقصود الحقيقة في الآية هم (الحواريون) الذين طالبوا بالآية وعيسى  غير داخل في هذا الكلام لأنه لا يُقال لعيسى  (فمن يكفر بعد منكم) الكلام توجّه إليهم أنتم سألتك نبيّكم أن يدعو الله عز وجل هكذا فنزل الخطاب موجهاً إليهم. (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) لم يقل عليهم حتى لا يكونوا بعيدين، هو كأنما يريد أن يعقد صفقة معهم وهذه لا تكون مع الغائب. هذه صفقة أنتم تريدون علامة على صحة هذا الرسول وهذه العلامة صفقة. والسؤال كان عن التأكيدات لماذا يؤكده وهو كلام الله تعالى؟ هو يؤكد لأنه يريد أن يعقد صفقة معهم (إني منزلهما عليكم) مؤكد ستنزل (أكّد بـ: إنّ والجملة الإسمية (منزلها)) لم يقل إني سأنزلها. هذا الثابت الدائم الفعل الذي يسميه الكوفيون الفعل الدائم الذي هو إسم الفاعل (منزّلها) أي هي واقعة يقيناً عليكم الصفقة (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) هذا شيء ستضعونه في أفواهكم وترونه بأعينكم وتلمسونه بأيديكم، طعام نازل من السماء وسترون المائدة وهي تنزل. فعلاً نزلت مائدة من السماء وعليها طعام ورأوها وهي تنزل وبعد كل هذا الأمر إذا كفر منهم كافر ماذا يكون شأنه؟ (فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين) لأنه صارت الصفقة. لذلك جاء الكلام بهذه المؤكدات: هناك (إني منزّلها عليكم) وهنا (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) . لمذا العذاب لا يعذبه أحد من العالمين؟ لأنه جميع العالمين ما مروا بهذه التجربة، الكل آمن بناء على كلام الرسول أو على معجزة ظاهرة: العصى صارت أفعى، الناقة، أو القرآن عجزوا أن يأتوا بمثله. أما هذه فمعجزة مادية ملموسة تذوّقوها، أكلوا منها، فالذي يكفر بعد ذلك يعذّب عذاباً خاصاً. ..لو رجعنا إلى الآيات من أولها نجد أن هؤلاء الذين تكلم عليهم عيسى  إرتكبوا جرماً عظيماً لكن مع ذلك نجد في كلامه عليه السلام ما يشير إلى نوع من طلب الرأفة أو الرحمة هو لم يُصرِّح بذلك بشكل صريح. انظر إلى الآيات من أولها: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) هذا نوع من إلزام هؤلاء الحجة حتى لا يلقوا بذلك على المسيح  أنه هو الذي قال لنا ذلك. قال (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)) إذن الكلام على هؤلاء الذين إتخذوا عيسى  وأمه إلهين من دون الله يعني أشركوا بالله. ومع ذلك ماذا يقول عيسى  لرب العزة سبحانه وتعالى؟ (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لأن هناك إحتمالان: إما أن يُعذّبوا وإما أن يُغفر لهم. انظر كيف يعرض القرآن ما قاله عيسى  حتى نرى صورة من صور هذا النبي الكريم. إن تعذبهم فإنهم عبادك: استعمل القرآن الكريم كلمة عبادك حتى يشير إلى أنهم عبدة الله عز وجل، هم عبدوا الله تعالى لكن أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا، فإن وقع العذاب منك عليهم فهو عذاب على عبادك والسيّد حُرٌ فيما يفعله بعبيده أو عباده. وما استعمل كلمة عبيد (بمعنى مجرد المملوكين) وإنما عباد. من هنا نستشف نوعاً من التوسّط لكن توسط على خجل يعني شفاعة فيها نوع من التردد ليس كشفاعة محمد . محمد  يشفع لأمته، لأولي الذنوب يقول ربي شفّعني فيهم ويقول أمتي أمتي. إلا أن يُقال له إنهم أحدثوا أشياء عند ذلك يقول بُعداً بُعداً. وحتى هؤلاء الذين قال فيهم بعداً هؤلاء كانوا في الجنة لكن حُرموا كرامة الشُرب من الحوض لأنه بإتفاق الحوض في الجنة فهؤلاء يأتون ليشربوا فيُبعدون عن الحوض فقط لكن يبقون في الجنة. هؤلاء أتباع محمد . (فإن تعذبهم فإنهم عبادك) أنت قادر على تعذيبهم ولا أحد يسألك لِمَ عذبتهم لأن لهم جُرم. (وإن تغفر لهم) هنا طلب المغفرة أو ذكر المغفرة ليس بالأمر السهل لأن الجُرم الذي إرتكبوه ليس أمراً سهلاً فلا يناسبه فإنك أنت الغفور الرحيم كأنما أنا أُرشحهم للغفران. لو ذكر المغفرة لكان ترشيحاً منه للغفران وتذكير بمغفرة الله سبحانه وتعالى. هو لا يستغفر لهم وهو لا يملك أن يستغفر لهم وإنما يطرح الأمر هكذا. (وإن تغفر لهم) هناك مجال للمغفرة، لكن من الذي يغفر لهؤلاء؟ يغفر لهم من يملك العزة والحكمة (فإنك أنت العزيز الحكيم). أنا لا أذكّر بغفرانك وإنما أُذكّر بعزّتك التي لا يُنقِصها أي فعل. هذا جرمٌ عظيم لكن عزّتك لا يُنقِصها هذا الجُرم. وأنت حكيم لك الحكمة فيما تفعله بهؤلاء. فإذن لو ذكر المغفرة كان نوعاً من ترشيح الغفران لهم. هو لا يستطيع ذلك لأن جرمهم عظيم وهو الإشراك بالله تعالى (إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). فهم عندهم إشراك ومع ذلك عيسى  يحاول أن يقدّم شيئاً لأمّته (إن تعذبهم فإنهم عبادك) أنت قادر على تعذيبهم (وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) المغفرة هنا تحتاج إلى عزة وحكم لأن الجرم عظيم. * ما دلالة إستخدام العزيز الحكيم في الآية (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) المائدة) وليس الغفور الرحيم ؟ ما قال فإنك أنت الغفور الرحيم لأن الغفور الرحيم يغفر الذنوب ولكن هذا شِرك. والإشراك بالله سبحانه وتعالى جُرمٌ عظيم جداً. لم ترد الغفور الرحيم في مواطن الشِرك وهنا موطن شرك فلا يناسبه كلمة الغفور الرحيم لأن الغفور صيغة مبالغة من المغفرة يعني العظيم الغفارن. فلا يناسب العظيم الغفران مع الجُرم الشديد وإنما يحتاج إلى كلام عن العزة والحكمة وإلا كان يمكن في غير القرآن أن يقول فإنك أنت الغفور الرحيم وقد قالها في مواطن أخرى ولا يعجزه أن يقول هنا فإنك أنت الغفور الرحيم لكن غيّر ما يتوقعه الإنسان حتى يبين عِظَم الجُرم وأن الذي يقضي فيه هو عزيز حكيم عزّ فحكم كقول ذلك الأعرابي في آية السارق والسارقة. لأن هذه مسألة (الإشراك) ليس من السهل الغفران فيها ومع ذلك عيسى ِ يحاول، هم فعلوا هذا وارتكبوا هذا الجُرم فإذا صدر منك عقاب لهم فهو عبيدك تفعل بهم ما تشاء. وإن غفرت لهم فأنت تغفر بعزّتك وحكمتك، بالعزة والحكمة وليس بالغفران الذي هو صفة من صفات الله سبحانه وتعالى وإنما العزة والحكمة وليس الغفران والرحمة. ومن هنا جاء التعبير بهاتين الكلمتين (فإنك أنت العزيز الحكيم). مع المقدرة على أن يقول في غير هذا الموضع : فإنك أنت الغفور الرحيم. فلما ننظر في الآيات نحن أولاً نتذكر عيسى  ونتذكر طبيعته، تلك الطبيعة الليّنة الهيّنة المسالمة، عيسى  لم يدخل معركة ولم يقاتل أما محمد  فدخل معارك. عيسى  ما قوتِل وما جاءه جيش وما حارب شيئاً فكان حديثه مع الناس حديثاً ليّناً فيه نوع من الرقة والليونة ولذلك نشكك في بعض النصوص. لما يأتي نصٌ يقول: من ضربك على خدك الأيمن فدر له الأيسر، هذه المسامحة المعلومة عن عيسى . لكن لما يقول في نص آخر عن أعدائه: جيئوا بهم فاذبحوهم قُدّامي، هذا الذي أخذ به الصِرب الأرثوذوكس مع الكروات المسيحيين والمسلمين فذبحوا الكروات النصارى وذبحوا المسلمين لأنهم وجدوا هذا النص عن المسيح  وحاشاه أو يقوله. هذا ليس من شأنه . إذا تذكرنا هذا هؤلاء الناس إرتكبوا جُرماً عظيماً. مع هذا الجرم العظيم كأن عيسى  يريد لهم المغفرة لكن لم يشأ أن يُصرِِّّح والآيات تعطينا هذه الصورة. هو كأنما يطمع لهم بالمغفرة لكن لا يستطيع أن يصرّح وأن يقول (الغفور الرحيم) معناها كأنه يريد لهم المغفرة لأنه هو يدعوه. كما تقول لشخص: هذا فلان فقير وأنت إنسان كريم. يعني تتوسط أن يعطيه. فهو لم يشأ ذلك. لاحظ الجرم العظيم الذي إرتكبه هؤلاء. (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ماذا صنع هؤلاء؟ هؤلاء إتخذوا المسيح وأمه آلهة من دون الله. فقال عيسى  (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)) وسبق أن قلنا (توفيتني) تكلمنا عن وفاة عيسى  وقلنا أن الوفاة المرجح فيها إستيفاء أيامه في الدنيا كاملة فرفعه الله عز وجل إليه حيّاً (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي) *لمَ قدّم العذاب؟ قدّم إن تعذبهم على إن تغفر لهم لأن العذاب هو الأصل. الأصل فيهم أن يُعذبوا. الأصل في المشرك بالله سبحانه وتعالى العذاب والمغفرة إستثناء. فبدأ بالأصل (إن تعذبهم) ثم جاء إلى الإستثناء إحتمال المغفرة. فقدّم ما هو أصل ثم ثنّى بما هو إستثناء على الأصل وربطه بالعزة والحكمة وليس بالغفران. *(فإنهم عبادك) لم يقل فهم عبادك: هذا فيه معنى التأكيد أنه لا شك ولا ريب في عبوديتهم لك، هم عبيد لك تفعل بهم ما تشاء. عندما تؤكد ذلك هذا نوع من التقدّيم لله تعالى أنه لا أحد يشاركك في هذا الأمر فأنت تفعل بهم ما تشاء وهذا النوع من الإذلال فيه نوع من التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى . الإنسان يتقرب إلى الله تعالى بذكر عبوديته كما في الحديث عنه : "اللهم إني عبدك، إبن عبدك، إبن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك" ثم يبدأ يدعو. في البداية يقدّم العبودية المطلقة لله سبحانه وتعالى ثم يدعو " أسألك بكل إسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحداً من خلقك أو أنزلته في كتابك أو إستأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي" هذا الربيع الذي ينمو في هذا الجفاف. نسأل الله عز وجل أن يجعله ربيع قلوبنا. *(وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم): ما اللمسة البيانية في هذه التركيبة اللغوية؟ لمَ لم يقل فأنت العزيز الحكيم؟ الضمير أنت هنا يسميه علماؤنا ضمير الفصل فيه معنى التأكيد لكن هو حقيقة المجيء به قالوا للفصل بين الخبر والصفة لأن أحياناً أنت تقول زيدٌ الكريم قادمٌ، كأن هناك زيد كريم وزيد بخيل فلو قلت زيد الكريم ووقفت لا يعلم السامع أنت تصف أم تُخبِر؟ سيكمل الكلام بعد ذلك؟ سيتم بمجيء خبر؟ فحتى يفرقوا: إذا قلت زيد هو الكريم إنتهى الكلام ولا ينتظر منك السامع أن تُكمل. (هو) فصلت بين الخبر والصفة. أن هذا خبر وليس نعتاً (لما تفصل لا ينتظر منك السامع إستكمال الكلام). زيد هو الكريم (الكريم خبر): (هو) ضمير فصل لا محل له من الإعراب أي لا يكون في موضع رفع ولا نصب ولا جرّ. (أنت) ضمير فصل للتأكيد. (فإنك أنت العزيز الحكيم) أنت: ضمير فصل فيه معنى التأكيد أي أنت وليس سواك، أنت دون غيرك. أنت: هنا ضمير فصل فيه معنى التأكيد (فإنك أنت العزيز الحكيم) كأن فيه معنى الحصر، العزة والحكمة منحصرة في أنك سبحانك عما يصف الظالمون. (فإنك أنت العزيز الحكيم) ضمير فصل ويقال ليس له محل من الإعراب. ولا يعني لا محل له من الإعراب أي لا فائدة منه كما هو شائع بين الناس ولكن بمعنى أنه لا نقول في محل رفع أو في محل نصب أو في محل جرّ. عندما تقول (فإنك أنت) الكاف لها محل من الإعراب في محل نصب لكن كلمة (أنت) لا نقول في محل رفع أو نصب أو جر مثل الجملة الإبتدائية. لما تقول زيدٌ مجتهد: مبتدأ وخبر والجملة لا محل لها من الإعراب. يعني ما تستطيع أن تقول والجملة في محل رفع أو في محل نصب أو في محل جر. (لا محل له من الإعراب) الكثير يفهمه أنه ليس له معنى وشائع هذا الإستخدام في العاميّة : نقول: كلامك لا محل له من الإعراب بمعنى أنه لا فائدة منه. ولكن معناه أنه لا تستطيع أن تقول وهو في محل رفع أو في محل نصب أو في محل جر ولكن له فائدة في الجملة وكما رأينا هنا فيه فائدة التوكيد بل أكثر من ذلك حتى يشعر بمعنى الحصر. *لماذا لم يقل في الآية مثلاً: فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت الله أو الإله أو الرب؟ لا يستقيم عند ذلك لأن الإله بمعنى المعبود. ما علاقة كلمة المعبود بمغفرة جُرم عظيم؟ (فإنك أنت الله) ما علاقة هذا بمادة الحديث؟ فإنك أنت الله: هو لا يريد هذا فقط وإنما هو يريد أن يبين أن جُرمهم عظيم لا يقضي فيه إلا عزيز حكيم فلا يستقيم سوى كلمة العزيز الحكيم مع هذا الجُرم الذي تحدث فيه عن مغفرة. الذي يقضي بالمغفرة. لم يشأ أن يقول الغفور الرحيم لأنه عند ذلك سيقربهم إلى الغفران وهو لا يريد أن يتدخل في هذا الموضوع بهذا القدر. وإنما مجرد الإشارة أنه هناك مجال للمغفرة والذي يغفر عزيز حكيم عزّ فحكم. هذا الذي يقضي في مثل هذا الجرم العظيم لأن جرمهم ليس سهلاً . ولو قال مثلاً: إن تعذبهم فهم يستحقون هذا العذاب، يفوت معنى العبودية. (فإنهم عبادك) يريد أن يذكر ذلك أنهم عباد لك صحيح أن السيد يتصرف بشأن العبيد ومع ذلك فيه إشارة وإلماح إلى هذا الإرتباط أنهم عبادك.
إظهار النتائج من 6511 إلى 6520 من إجمالي 12325 نتيجة.