آية (١٧) : (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)
* ابتدأ تعالى سؤال موسى عمّا يحمل بيده مع أن حمله للعصا واضح وهو لا يحتاج إلى سؤال وهو سبحانه أعلم به، لشد انتباه موسى عليه السلام ليوقن بأنه ممسك بعصاه حتى إذا ما انقلبت حيّة لم يشك في أن تلك الحيّة هي التي كانت عصاه، والهدف هو تقرير الأمر وتثبيته.
آية (٣٥) : (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)
* الفرق بين الخشية والخوف والوجل : ترتيب هذه الكلمات هو: الخوف، الخشية، الوجل.
الخوف توقع أمر مكروه.
الخشية خوف يشوبه تعظيم ولذلك أكثر ما تكون الخشية إذا علم المرء ما يخشى منه ولذلك قال تعالى (إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء (٢٨) فاطر) ، وقد تكون الخشية أشد الخوف، والسياق هو الذي يحدد.
الوجل هو الفزع ويربطونه باضطراب القلب تحديداً (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ (٣٥) الحج) كما قالت عائشة رضي الله عنها "الوجل في قلب المؤمن كضربة السعفة" (سعفة النخل) وعلامته حصول قشعريرة في الجلد. وفي القرآن لم نجد اسناد الوجل إلا للشخص عامة (قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) الحجر) أو للقلب خاصة (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ (٦٠) المؤمنون)، في حين أن الخوف والخشية لم يسندا للقلب في القرآن كله.
آية (١٨) : (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى)
* السؤال عن العصا بـ (ما) الاستفهامية كان يتطلب تحديد ماهية ما يحمل وحسب فيقول مثلًا (هذه عصا) لكن أطنب موسى وعدّد منافعها وتوسع في الجواب تلذذاً بالخطاب، فالمرء إن تكلم مع شخص ذي بال تمنى لو طال حديثه معه، فكيف بمن خاطب وتكلم مع خالق الخلق سبحانه وتعالى؟
* الفرق بين دلالة كلمة (مِنسَأَتَهُ) في سورة سبأ و(عَصَايَ) فى سورة طه:
لغويًا:
المنسأة عصى عظيمة تُزجر بها الإبل لتسوقها، نسأ في اللغة لها دلالتان نسأ البعير إذا جرّه وساقه، ونسأ بمعنى أخّر الشيء (النسيء) أى التأخير.
بيانيًا:
في سورة سبأ في قصة سليمان (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)) هذه المنسأة كانت تسوق الجنّ إلى العمل كما أن الراعي يسوق الإبل لتسير فهذه كانت تسوق الجنّ، والمنسأة كأنها مدّت حكم سليمان وأخّرته إلى أن سقط، فاستعمالها هنا أفاد المعنيين من جهة السوق ومن جهة التأخير.
في سورة طه في قصة موسى فاستعمل كلمة العصى ليهشّ بها على غنمه وبها رحمة بالحيوان وعكس الأولى ولا يناسب استخدام كلمة منسأة.
الفرق بين مغاضبًا وغاضبًا:
غاضِب من غَضِب ومغاضِب من غاضَب اسم فاعل مثل حافَظ محافِظ، جاهد مجاهد، قاتل مقاتل، شارك مشارك، عاقب معاقب.
(مُغَاضِبًا) هو غضب من قومه وليس من ربه فظن أن في الأمر سعة، فخرج مغاضبًا قومه، المفاعلة قد تكون للمبالغة أي اشتد به الغضب اشتدادًا كبيرًا فخرج وإما أن تكون فيها مشاركة أي غضب على قومه لعدم إيمانهم وهم غضبوا على ذهابه لأنه خرج منهم فخشوا أن يعاقبهم ربهم فصارت مغاضبة.
آية (٢٠) : (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)
* ذكر عصى موسى عليه السلام بأوصاف مختلفة :
الجان هي الحية السريعة الحركة التي تتلوى بسرعة، والجان لغةً من الاستتار (الإنس للظهور والجن للستر) ذكرها في مواطن خوف موسى عليه السلام في القصص والنمل (...فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ...) يُدخل الفزع والخوف لذلك استعملها في مقام الخوف (يَا مُوسَى لَا تَخَفْ) فالجان يخيف أكثر من الثعبان.
الثعبان هو الحية الطويلة الضخمة الذَّكَر، لم يستعملها إلا أمام فرعون في مكانين (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ) في الأعراف والشعراء وذلك لإخافة فرعون ثعبان ضخم يُدخل الرهبة في قلبه، ولم يذكر جان مع فرعون لأنه مع الملأ الموجودين إذا كانوا مئات وتأتي بجان واحد ماذا يؤثر؟ لذا اختار ثعبان لأنه يحتاج إلى ضخامة وقوة.
الحية عامة تطلق على الجميع تشمل الصغيرة والكبيرة فالثعبان حية والجان حية، جاءت في مكان واحد لبيان قدرة الله تعالى (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) لم يقل أن موسى هرب أو فزع.
آية (٤٠) : (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)
* الفرق الدلالي بين الخراب والهدم والدمار والهلاك واستخدامها في القرآن :
الخراب ضد العمران (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ (٢) الحشر) وقد يكون الخراب بمعنى ترك المكان (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) يعني لا يجعل فيها مصلّين، يمنع المصلين بصورة من الصور إذا كان متسلطاً ظالماً .
الهلاك هو الموت وهو عام يستعمل في الإنسان وغير الإنسان في الأموال وفي كل شيء ليس بالضرورة عقوبة (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ (١٧٦)النساء) يعني مات (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ(٢٩)الحاقة) (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا(٦)البلد) (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا(٤) الأعراف) .
الدمار عقوبة وهو إيصال الهلاك للإنسان وغير الإنسان (أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) النمل) (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ(١٣٧) الأعراف) .
الهدم هو ضد البناء ، شيء مبني تهدمه لأي سبب (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ (٤٠) الحج) ، لو أردت أن تجدد البيت القديم تهدمه ثم تبنيه .
* فى سورة الحديد (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) وفي الحج (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) :
قوي عزيز أي أنه غير محتاج لمن ينصره وربنا قوي عزيز لكن حتى يتعلق به الجزاء.
في الحج الآية في سياق الإذن للمؤمنين بالجهاد (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ثم وعدهم بالنصر المؤكد (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ) لام القسم والنون للتوكيد، هنا من الذي ينصر؟ الله سبحانه ينصر المستضعفين.
في الحديد الآية فيمن ينصر الله (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) هنا المؤمن هو الذي ينصر الله.
من الأقوى الناصر أو الذي يُنصَر؟ الناصر أقوى. إذن آية الحج قطعًا تحتاج لتوكيد ولا يمكن أن يكونا سواء في التعبير.
(وَأَصْلَحْنَا) الإصلاح كأنه إعادة الشيء سليمًا بعد فساد أوضرر فإذا أعدته فتقول أصلحته. العلماء منهم من قال هو فساد واحد فقط وهو أنها عقيم فأصلحها الله تعالى فصارت ولودًا. وقسم من العلماء قالوا كانت سليطة اللسان أو تنقل أسراره إلى الآخرين كما فعلت إمرأة لوط ونوح كانت تتعاون مع الكفار عليهما، فحسّن من خلقها. سواء كان هذا أوذاك فاليقين أنها لم تكن ولودًا فولدت.
آية (٤٥) : (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ)
* الفرق بين الجب والبئر:
الجُبّ يعني البئر الذي فيه الماء كما توضح الآية (وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ) تفيد أن الجب فيه ماء.
البئر قد يكون فيها ماء وقد لا يكون كما قال تعالى (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ (٤٥) الحج).
* الفرق بين القرية والمدينة ، ودلالة ذكر القرية مع الهلاك :
- القرية في اللغة تشمل الضيعة إذا كانت صغيرة وإذا اتسعت تسمى مدينة ، القرية لا تناقض المدينة وكلها في اللغة يمكن أن تسمى قرية. الإشتقاق اللغوي لمدينة من مَدَن يعني أقام بالمكان.
- ولهذا ربنا لما يذكر الهلاك يذكرها بلفظ قرية (وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ) لم يقل مدينة لأنها لم تعد دار إقامة، قرية تطلق حتى وإن كانت خاوية (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا (٤٥) الحج) (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً) (وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا (٥٨) الإسراء).
آية (٢٥ – ٢٦) : (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي)
* ذكر (لِي) مع أن ياء المتكلم في قوله (صدري – أمري) تُغني عن الجار والمجرور من أجل التأكيد والتعليل لما تفيده اللام من معنى العلّة. وكأنه يقول يا رب اشرح صدري لأجلي ويسّر أمري لأجلي وهذا إلحاح من موسى في الدعاء لنفسه.