آية (٢) : (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)
* (تَذْهَلُ) الذهول نسيان ما من شأنه ألا يُنسى وإنما يُنسى لشاغلٍ عظيم، فالمرضع لا يُعهد لها نسيان فلذة كبدها ولكن أهوال القيامة المروّعة قد أنستها إرضاع وليدها.
* (كُلُّ مُرْضِعَةٍ) للدلالة على أن الذهول يعتري كل مرضع وليس هو لبعضهم لاحتمال ضعف في ذاكرتها بل هو الهول الذي لا يدعُ بقيّة من عقل.
* (مُرْضِعَةٍ) لم يقل مرضع لأن المرضِع عندها طفل أما المرضِعة هي التي تقوم بالإرضاع الآن.
آية (٥) : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)
* في سورة الحج (طِفْلاً) بالإفراد وفي سورة النور (الْأَطْفَالُ) بالجمع :
كلمة طفل تأتي للمفرد والمثنى والجمع فنقول جارية طفل وجاريتان طفل وجواري طفل.
في سورة الحج الآية تتكلم عن خلق الجنس وليس عن خلق الأفراد فكل الجنس جاء من نطفة ثم علقة ثم مضغة.
في سورة النور (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا) السياق مبني على علاقات الأفراد وليس على الجنس لأن الأطفال لما يبلغوا ينظرون إلى النساء كل واحد نظرة مختلفة فقال (لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ) فاقتضى الجمع هنا.
* في سورة الحج عبّر عن الأرض قبل نزول المطر بأنها (هَامِدَةً) وفي فصلت (خَاشِعَةً) :
في سورة الحج السياق (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً) جو بعث وإحياء وإخراج مما يتسق معه تصوير الأرض بالهمود وهي درجة بين الحياة والموت.
في سورة فصلت السياق (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ (٣٩)) هو جو عبادة وخشوع وسجود يتسق معه تصوير الأرض بأنها خاشعة، هي لا تكون ميتة بل معبأة ببذور ومهيأة بالكامل عندما ينزل مطر تصبح كل هذه الحياة كالقلب الخاشع إذا نزل عليه الذكر يخرج كل ما في قلبه من خير.
* الفرق بين همدت وخمدت:
الهمود إذا أُطفئ الجمر، همدت انطفأت وماتت، همد تحمل معنى الموت.
الخمود هو سرعة انطفاء اللهب وبقاء الجمر، فالخمود لا يعني الفناء وإنما ذهاب اللهب والحرارة، لا تحتمل معنى الموت.
* في سورة لقمان (فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) وفي سورتي الحج وق (وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) :
الكريم هو بالغ الجودة والنفاسة كثير الخير والمنفعة، والبهيج الذي يدخل البهجة على النفوس، والصفات تتعدد لللموصوف الواحد بحسب المقام والسياق.
في سورة الحج (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)) ناسب بين الهمود وبين البهجة، هذه هامدة لا بهجة فيها مطلقًا.
فى سورة لقمان يذكر أنه آتاه الله الحكمة (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ (١٢)) والحكمة هي بالغة الخير والنفاسة والجودة (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) فهذا الكرم مناسب للحكمة وما فيها الخير الكثير ومناسبة لما سيذكر بعدها من الحكمة.
في سورة ق (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)) لما قال وزيناها أليست الزينة لإدخال البهجة على النفوس؟ بلى، إذن كلمة بهيج مناسبة للزينة التي ذكرها في السماء (مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) ثم يقول (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ) كلها يدخل البهجة.
تناسب فواتح طه مع خواتيم مريم *
قال في خواتيم مريم (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)) هذا القرآن، وقال في بداية طه (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (٢)) أنزلناه لتبشر به المتقين لا لتشقى، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحمِّل نفسه الكثير.
قال في خواتيم مريم (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)) وفي طه قال (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)) فما فيهما ومن فيهما له سبحانه، ومن فيهما عباده (إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) له ملكية ما في السموات والأرض ومن في السموات عباده.
في ختام مريم قال (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ .. (٩٨)) وفي بداية طه ذكر قصة فرعون كمثل إلى أن ذكر إهلاكه (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)) .
* الفرق بين (فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ) في الأنبياء و(وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ) في الصافات:
الفاء تفيد الترتيب والتعقيب فيها سرعة، الواو لمطلق الجمع، في الصافات (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧)) ننظر في السياقين والموقف:
- الموقف في الأنبياء أشد بدليل ما جاء بعدها (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) كأنه كان في حالة حرب، نصرناه على خصمه أو عدوه، ولم يقل في الصافات نصرناه.
- وصف القوم (الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) في الأنبياء ولم يصفهم في الصافات ولم يذكر القوم أصلًا.
- وصفهم (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ) في الأنبياء ولم يصفهم في الصافات.
- ذكر عاقبتهم في الأنبياء (فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) .
أيّ الموقفين أشد؟ في الأنبياء إذن يحتاج إلى سرعة إنجاء.
* قصة سيدنا نوح عليه السلام متضمنة في أكثر من عشر سور تقريبًا في القرآن الكريم:
في القصص القرآني عمومًا ليس هنالك تكرار، وإنما يُذكَر في كل موضع ما يناسب المقام الذي وردت فيه وما يُراد أن يسلط عليه الضوء، وقد تكون القصص أحيانًا مكملة إحداها للأخرى، يعني يُذكر في السورة ما تكمل السورة التي قبلها، لو لاحظنا في الأعراف أول موضع وردت فيه قصة نوح عليه السلام كانت القصة موجزة من حيث أحداثها، وبدأت بقوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (٥٩)) من دون أن تُسبق بالواو، ثم في كل المواطن التي تلتها قال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) عدا سورة نوح لأنها بداية السورة، وهي كلها ليست عاطفة (الواو) لكن كأنها معطوفة على القصة الأولى.
في سورة الأعراف
- تبدأ بدعوة نوح لقومه إلى عبادة الله وهي دعوة الرسل جميعًا في الأعراف (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)) .
- هم ردوا عليه أجابوا (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (٦٠)) .
- هو رد عليهم (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦١)) .
- لاحظنا أنه لم يذكر له أتباع هنا لأنها في ابتداء الدعوة فلم يذكر له أتباعًا.
في سورة يونس
- لم يذكر أنه دعاهم إلى عبادة الله فاكتفي بالدعوة إلى عبادة الله في الأعراف ولم يكررها هنا كأنها استكمال لما ورد هناك.
- اكتفى برد قومه في الأعراف فلم يذكر ماذا قال له قومه في يونس ولكن ذكر كلامًا آخر.
- بدأوا في الكلام في الأعراف وهو رد عليهم، واستكمل الرد عليهم في سورة يونس فيما أخذوه على شخصه هو، فتحداهم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (٧١)) فليفعلوا به ما يشاؤون، هذا ملمح جديد لم يذكره في الأعراف.
- لم يذكر أن له أتباعًا (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢))، حتى هذه اللحظة الدعوة لا تزال في مهدها.
في سورة هود
- القصة طويلة وهي أطول ما ذكر في سورة هود.
- دعاهم إلى عبادة الله وذكر أنه لهم نذير مبين وذكر رد الذين كفروا.
- الآن ظهر له أتباع لأنها دعوة، لكنهم سفّهوا الأتباع وبدأوا يزدرونهم (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)) هذا ليس في يونس.
- كان هنالك كلام طويل وجدال بينهم (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)) .
- ثم ذكر كيفية النجاة التي وصفها، لم يذكرها في الأعراف ولا في يونس.
- وذكر صنع الفلك (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ (٣٨)) واستهزاؤهم به وجريان الفلك وماذا يحمل ومن يحمل والحوار إلى قوله (وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ (٤٤)) كأنها استكمال وتوضيح لما سبق، ففي يونس قال (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ (٧٣)) ولم يذكر كيف نجّاه.
- كل ها لغرض بياني ليعرف كيف يتصرف الداعية فبدأ أول مرة بـ (الدعوة) ثم تعرّضوا لشخصه، كيف يدافع عن شخصه هو؟ تعرّضوا لأتباعه كيف يدافع؟ كيف يقول؟
في سورة الأنبياء
- القصة ليست في سياق الدعوة والتبليغ أصلًا وإنما في سياق نجاة من نجى من الأنبياء واستجابة من دعا من الأنبياء، هو ذكر نجاة إبراهيم ونجاة لوط ونجاة نوح واستجابة دعائه واستجابه دعاء أيوب وذي النون وزكريا.
- قال (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)) لم يذكر دعوة، هذا في سياق دعاء الأنبياء.
- سمة عامة متشابهة للأنبياء المذكورين على تطاول المدة ذكر كيف كان الأنبياء مع أقوامهم وكيف كانوا يدعون لهم وكانوا يلجأون إلى الله بالدعاء وربنا يستجيب لهم.
في سورة المؤمنون
- ذكر قصة نوح والنجاة في الفلك بعد ذكر الأنعام وفوائدها والحمل عليها وعلى الفلك (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)) الفلك عامة.
- الجانب المذكور في سورة المؤمنون من قصة نوح لا يطابق ما ورد من قبل، هو بلّغهم بالدعوة فقط (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)) ولم يقل شيئًا آخر.
- قومه لم يواجهوه بكلام أبدًا لكن كانوا يذكرون رأيهم في مجالسهم في غيبته (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)) أما أمامه لم يذكروا شيئًا، هذا مشهد آخر لم يُذكر فيما سبق هذا استكمال، هذا واقع الناس هكذا أنه إذا شخص يتكلم يتحدثون معه ثم إذا ذهب يتكلمون عنه، وهذا تنبيه أيها الداعية أنت تتوقع أن الكلام بينك وبينهم تكلمت وانتهت المسألة لكن فيما بعد سيكون هناك كلام وحديث.
- لأول مرة دعا ربه لينصره بصورة صريحة (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦)) لجوء إلى الله بصراحة.
في سورة الشعراء
- أولاً قال في قوم نوح مثل ما قاله في الأقوام الأخرى (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)) كل الرسل بدأ بمثل هذه البداية لتدل على وحدة الرسالة.
- ثم ذكر مواقف الأمم من رسلهم وهي كلها على نمط واحد والتعليق واحد في الأخير.
- في هذه السورة لم يطلب منهم عبادة أصلًا وإنما تقوى الله وطاعة رسوله كأنها كانت استكمالًا لما قبلها، ذكرنا أنه أمرهم بالعبادة في الأعراف وفي المؤمنون (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) وفي هود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) أما هنا مرحلة بعد العبادة، وكأن الخطاب السماوي تغير وانتقل إلى مرحلة أخرى.
في سورة العنكبوت
- لم يذكر لا دعوة ولا موقف قومه منه.
- لم يذكر تقوى ولا طاعة.
- ذكر مدة لبثه في قومه وأنهم أخذهم الطوفان لظلمهم، كأن واحد يسأل كم بقي؟ قال عبارة قصيرة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)) .
- حتى السفينة لم تذكر إلا هنا وفي الباقي ذكر الفلك.
في سورة الصافات
- ليس فيها دعوة.
- لكن ذكر أن نوحًا دعا ربه فأجابه ونجاه وأهله من الكرب العظيم (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)) من أي كرب؟ لم يوضح.
- إنما جعل ذريته هم الباقين (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧))، هذا لم يذكر المواطن الأخرى، بعد الـ٩٥٠ سنة الذي حصل أنه نجاه وجعل ذريته هم الباقين.
- ذكر ما كان بعد نوح، بعد النجاة، ماذا ترك عليه في الآخِرين؟ (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)) (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (٨٢)) من هم الآخَرين؟ لم يذكر.
- في النجاة لم يذكر غير أهله لم يذكر من آمن بينما في السابق كان يذكر من آمن، هذا يسمى من المقامات الخفية، هو قال (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ) معناها أهلك الآخرين، هل نجاهم ليهلكهم؟ لا. هم نجوا، لكن قضوا أعمارهم وماتوا فلم يشر إليهم، وبقيت ذرية نوح فقط.
في سورة القمر
- استهل القصة كما يستهل القصص في بقية الأقوام (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ (٩)) .
- نلاحظ أنه لم يذكر أنه دعا قومه إلى عبادة الله وإنما ذكر أمرًا آخر وهو تكذيب قومه وزجر قومه له.
- ثم دعا أنه مغلوب (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (١٠)) المغلوب يطلب النصر، الآن بعد أن طالت المسالة واستمرت قرونًا ونفض يده من استجابتهم دعا ربه.
- وبعد الدعاء الإستجابة السريعة (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)) .
- لأول مرة تذكر كيفية صنع السفينة (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)) .
- كان التعقيب على القصص كلها كان تعقيبًا واحدًا (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) تعقيب على موقف البشرية من الرسل على مر التاريخ.
في سورة نوح
- آخر موطن تذكر فيها قصة نوح واسم نوح، وفي كل موطن يذكر جانبًا مختلفًا.
- سورة نوح هي أشبه بتقرير نهائي قدّمه نوح إلى ربه في مسار الدعوة، ذكر فيه موقف قومه منه، ولم يخاطب قومه بشيء ولم يخاطبوه بشيء:
- (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)) هذا بدء الرسالة، أمره ربه بإنذار قومه.
- استجاب نوح لأمر ربه (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢)) .
- ثم ذكر إلى ماذا دعاهم (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)) .
- ثم ذكر ماذا كان منه (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)) .
- ثم ذكر ماذا كان منهم وماذا كان موقفهم؟ (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)) .
- ثم ذكر أنهم مكروا مكرًا كبارًا (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)) .
- ثم ذكر عاقبتهم في الدنيا والآخرة، تقرير جامع والعقوبة كانت جامعة في الدنيا (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا (٢٥)) وفي الآخرة (فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا) .
- ثم ذيل التقرير بمقترح الخاتمة وهو توصية أن يهلكهم كلهم، (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)) خاتمة التقرير.
- ثم علل المقترح لماذا؟ (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)) إذن المقترح والتعليل.
- ثم ختم التقرير بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٢٨)) لعله أن يكون قد قصّر في عمله.
- طلب المغفرة والدعاء لأوسع مجموعة لم يذكر مثلها في القرآن الكريم (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٢٨)) أوسع دعاء لم يرد مثله في القرآن ، على العموم والإطلاق أوسع دعاء في أوسع دعاء جامع، في أوسع تقرير. سورة نوح عجيبة!..
- لم يرد لهم ذكر في القرآن بعد هذه السورة.
- هذا التقرير الذي اقترحه (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) ولم يصنعه كثير من الأنبياء لأن قول نوح للبشرية ، والبشرية الآن كلها أولاد نوح أبو البشرية الثاني ولذلك قال (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧) الصافات)، وأما قول الباقين فلأقوامهم، لا يمكن أن تكون مجموعة صغيرة مثل الذي يقدم هذا التقرير، هذا تقرير للبشرية.
هذا تقرير عجيب جمع صورة الحدث كله، الصورة النهائية لكل تاريخ الدعوة وخلاصة رحلته الطويلة!
- في الأعراف والمؤمنون الأمر بالعبادة (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ)، وفي هود إنذار (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)، وفي الشعراء أمر بالتقوى والطاعة (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)، وفي التقرير النهائي في نوح (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) جمع ما تفرق وما قيل في كل القصص في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء، وكأنه يختصر الرسالة التي جاء من أجلها كلها بجميع أركانها بهذا المقترح.
- ليس فقط هذا بل جمع بين القول الصريح (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) و(أن) المفسِّرة (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) .
وهذا أيضاً ما تفرق في الأعراف والمؤمنون (فَقَالَ يَا قَوْمِ) قول، وهود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) (أن) المفسرة، والشعراء (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)) قول، فجمع كل الصورة التعبيرية ولم يجمع بينها في موطن آخر.
آية (٧) : (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ)
* في سورة الحجر (وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ) وفي غافر (إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا) وفي الحج (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا) وفي طه (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ) وفي الكهف (وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا) :
- هو يجمع آتية ولا ريب فيها إذا كان السياق في ذكر الساعة تحديدًا.
- يأتي باللام إذا كان السياق يحتاج إلى توكيد.
- هو لا يخاطب الرسل بقوله (لَّا رَيْبَ فِيهَا) أبدًا. أي رسول كان لا يحتاج إلى نفي الريب.
في سورة الحج :
- تبدأ السورة ( .. إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) ثم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ .. (٥)) فقال (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا (٧)) ويستمر السياق عن الساعة.
- لا يصح لغةً أن يذكر اللام هنا ويقول وأن الساعة لآتية لأن اللام لا تقع في خبر (أنّ) المفتوحة الهمزة مطلقًا.
في غافر :
- قال (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ (٤٧)) ثم يستمر إلى قوله (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)) فإذن الكلام في الساعة.
- هناك فرق دلالي بين إن الساعة وأن الساعة (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا (٧) الحج) هذا معطوف على ما قبله (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ..) دخل عليها حرف جر، بينما في غافر جملة مستقلة وحتى توكيدها أكثر فتختلف.
في الحجر :
أكّد باللام لأن السياق، هو كان يتكلم عن أصحاب الحجر فذكر عذابهم في الدنيا وسيأتيهم العذاب في الآخرة مؤكَّد.
في طه :
قال تعالى (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)) الكلام لموسى ثم قال (إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)) لا يزال الآن في طور الرسالة، أما في الحجر ففي طور التبليغ والذكر ومن باب التصبير للرسول (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) الحجر) فيها تبليغ وضيق صدر وهذه ليس فيها شيء لا يحتاج إلى توكيد، أسباب النزول تنفعنا نفعًا كبيرًا جدًا في معرفة الاختيار في المقام والسياق وما إلى ذلك.
في الكهف :
هذا ليس في خطاب أي رسول من الرسل ولا في مقام ذكر الساعة وإنما في أصحاب الكهف (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا (٢١)) ليس هناك داعي ليقول آتية، هو أقام الدليل على نومهم ثلاثمائة سنة. (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) ما هو وعد الله حق؟ أن تأتي الساعة، ذكرها. إذن حسب السياق وحسب المقام.
آية (٢) : (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)
* كل السور التي تبدأ بالأحرف المقطعة التي ذُكِر في بدايتها القرآن وحده ولم يُذكر الكتاب تتردد لفظة القرآن في السورة أكثر من لفظة الكتاب والعكس صحيح. وإذا اجتمعا في آية يتردد ذكرهما بصورة متقابلة بحيث لا يزيد أحدهما عن الآخر إلا بلفظة واحدة في السورة كلها، وهنا بلفظة فقط وهنا بدأت بلفظة القرآن وترددت ثلاث مرات في السورة بينما ترددت لفظة الكتاب مرة واحدة .
آية (١٠) : (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)
* الآية تنفي أن يكون الله تعالى ظلاّمًا فهل هذا النفي يشمل أن يكون ظالمًا حاشاه سبحانه؟
لو أن أي شخص ظلم شخصًا واحدًا مرة يكون ظالمًا، أما إذا ظلم مجموعة من الناس حتى لو كان الظلم بسيطًا يكون ظلاّمًا، والملاحظ في الآية أن الله تعالى جاء بصيغة الجمع في كلمة العبيد وهي أصلًا جمع كثرة.
آية (١١) : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)
* صورة قرآنية فذّة تعمل عملها في الخيال وتُثير في النفس انفعالاتٍ شتى وتأثيراتٍ عدّة فالقارئ يكاد يُجسِّم هذا الحرف في خياله ويذهب مع الحركية المتخيَّلة للعابِد وهو يعبد الله على هذا الحرف المجسَّم ثم يلمح في خياله الاضطراب الحسي في وقفته وهو يتأرجح بين اليمين واليسار، ويُشفِق على حاله أن يسقط.
* الفرق بين خُسر و خسران وخسار ة:
الخُسر هو مطلق الخسارة يستعمل لعموم الخسارة فكل إنسان هو في خُسر قليل أو كثير كل مؤمن يرى أنه خسر شيئًا كان يمكن أن يستزيد منه ولم يستزيد، هذا الخُسر.
الخسار لم يستعمله القرآن إلا للزيادة في الخسارة، أي ما زاد من الخسر فوق الخسارة هذه الزيادة يسميها خسار. (وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩) فاطر) هذه زيادة (وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) نوح) .
الخسران هو أكبر الخسارة وأعظمها (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) الحج) لم يخسر شيئًا بسيطًا أو زيادة إنما خسر الدنيا والآخرة.
يزيد في المصدر للزيادة في الخسارة؛ الخسار زيادة الألف على الخُسر لما زاد في الخسار ولما زاد الخسران. إذن الخسر هو البداية، والخسار فوقها زاد الألف، والخسران أعظم الخسارة زاد الألف والنون.
* (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ) تعني نجّيناه من و(نصرناه على) تفيد الإستعلاء مثل وصفه تعالى لقارون (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) .
* قال (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ) ولم يستخدم سبحانه كلمة (نجّيناه من) لأن الثانية تتعلق بالناجي نفسه أما النصرة فهى نجاة للناجي وعقاب لخصمه فهي تتعلق بالجانبين، النصر اكتسب معنيين النصر والنجاة بمعنى أنه نجّى نوحًا وعاقب الآخرين .