آية (١٠٨) : (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
* (وَمَنِ اتَّبَعَنِي - وَمَنِ اتَّبَعَنِ) : في كل القرآن عندما يُظهِر الياء يكون التحذير أشد أو يكون الأمر أكبر:
في آل عمران (فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ..) وفي يوسف (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي .. (١٠٨)) أي الذي يحتاج إلى اتّباع أكثر؟ الذي يدعو إلى الله على بصيرة أو مجرد المسلم؟ لا شك أن الداعية إلى الله ينبغي أن يكون متّبعاً أكثر في سلوكه وعمله ومعرفته، أما عموم المسلمين فلا يعرفون إلا القليل من الأحكام.
آية (١٠٩) : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)
* في غافر (أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) وفي يوسف (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) :
الواو لمطلق الجمع، الفاء تفيد السبب ويؤتى بها في التبكيت أي التهديد ومع الأشد توكيدًا.
في يوسف قال تعالى قبلها (أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) ثم يقول (أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ) بالفاء لأن ما قبلها يفضي لما بعدها، بينما في غافر ما قبلها (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) ليس سببًا يفضي لما بعدها فالواو إخبار (أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ .. (٢١)) .
* فى الأنعام (وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ) وفى الأعراف (وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ) وفى يوسف (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ) :
آية الأنعام تقدمها قوله تعالى معرفا بحال الدنيا (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ) فجاء بلام القسم للتأكيد فى تعريف حال الدار الأخرة (وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ) وكأنك تقول والله للدار الآخرة خير، وليس فى آية الأعراف ما يقتضى القسم لأنها مناطة بقوله تعالى (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى) ثم قال (وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ) .
النعت بلفظ الآخرة على الدار فى آيتي الأنعام والأعراف يطابق ما تقدم قبل كل واحدة ففى آية الأنعام (وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) فقال (وللدار الآخرة خير) وأما آية الأعراف (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى) المراد به الدار الدنيا فقوبل بقوله (والدار الآخرة خير)، ولما لم يتقدم مثل ذلك قبل آية يوسف ورد لفظ الدار مضافا بغير الألف واللام فيه فقيل (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ).
آية (١١٠) : (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)
* (اسْتَيْئَسَ) بمعنى يأس، استفعل لها عدة معاني ومنها أن يكون بمعنى الثلاثي لكن يُراد به المبالغة والشدة والكثرة أي بلغوا درجة أكثر من اليأس.
* الفرق بين (جَاءهُمْ نَصْرُنَا) و (أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) :
جاء تستعمل لما فيه مشقة أما أتى فتستعمل للمجيء بسهولة ويسر، هنا (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا) وفي الأنعام (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا (٣٤)) تكذيب الرسل شيء معهود لكن الإستيئاس هذا شيء عظيم أن يصل الرسول إلى هذه الدرجة فهذا أمر شاق.
م يقل قالوا اتخذ الرحمن ولدًا وكذبوا وإنما الأمر أعظم وأكبر من أن يعلق عليهم بأنهم كذبوا لأن نسبة ولد إلى الله أشنع الكفر وأبشعه فيقول (سُبْحَانَهُ) .
* آخر (سُبْحَانَهُ) هنا مع أنه أحيانًا تقدم إذا لم ينص في الآية بادّعاء القول أن له ولد (سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ (١٧١)النساء)، وعندما تأتي (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا) (قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ (٦٨) يونس) الله تعالى يسرد أقوالهم أولاً ثم يرد عليهم (سُبْحَانَهُ) بأن الله منزّه عن ذلك.
ة (٤١) : (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا)
* الفرق بين يذّكرون ويتذكرون:
في اللغة أصلهما فعل واحد (ذكر) لكن أحدهما (يذّكرون) حصل فيه إبدال، يتذكر أطول وفيها تضعيف واحد ويذّكّر فيها تضعيفان والتضعيف يدل على المبالغة والتكثير، والقرآن يستعمل يتذكر الذي هو أطول وهو تذكر عقلي لما يحتاج إلى طول وقت مثل (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى (٣٥) النازعات) يتذكر أعماله كلها، ويستعمل يذّكّر لما فيه مبالغة في الفعل وهزة للقلب وإيقاظه.
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ) هذا تذكر فيه شدة وتكثير ومبالغة في التذكر بحيث توقظ قلوبهم وليس تذكراً عقلياً فقط، هذا يسمى مبالغة في التذكر.
* في الأنبياء (فِجَاجًا سُبُلًا) وفي نوح (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) :
الفِجاج جمع فجّ وهو الطريق بين جبلين والسبيل هو الطريق الواضح.
في سورة الأنبياء
- الرواسي هي الجبال جعلها الله تعالى وثبّتها في الأرض لكي لا تميد بأهلها أي لا تنحرف وتتحرك وتتزلزل تحت أقدامهم، فالأولى أن يذكر فجاجًا قبل سُبلًا لأن الفجاج تتناسب مع الجبال لأنها الطرق بين الجبال والشبيه يقرّب من الشبيه في اللغة، فالتقديم من أجل التناسق.
- لغوياً إذا ذكرت عدة صفات أقدم الأهم، ومع ذكر الجبال هنا ينبغي الحديث عن الفِجاج التي هي عبارة عن طُرُق داخل الجبال ثم وصفها بأنها في ذات الوقت سُبُل ممهّدة لأصحابها رغم أنها في جبال.
في سورة نوح
- السياق مختلف (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)) قال قبلها (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)) أي ممهدة مذللة، فناسبها تقديم كلمة (سُبُلًا) والسبيل هي طريق ممهدة.
- قدم الأهم هنا (سُبُلًا) ووصفها بأن بعضًا منها يكون (فِجَاجًا) بين جبال.
- وأيضًا اقتضت الفاصلة القرآنية الرائعة واقتضى التقديم لكلمة بساطًا.
ية (٤٤) : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)
* دلالة استعمال صيغة العقلاء (وَمَنْ فِيهِنَّ) فى الآية وليس (ما) مع أنه قال بعدها (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ) لأنه قال بعدها (تَسْبِيحَهُمْ) الميم للعقلاء والتسبيح لا يليق إلا بالعاقل، ولم يقل تسبيحها لأنه أراد الجمع حين تكلم على التسبيح عامل هذه المسبّحات معاملة العقلاء وبصيغة المذكر.
* دلالة استخدام (تَفْقَهُونَ) بدل تسمعون :
الفقه أن تعلم ماذا يقول وماذا يريد. فالطيور تسبّح والله تعالى قال (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) نحن قد نسمع التسبيح لكن لا نفقهه.
* دلالة الآية (خَلَقَ) بين آيات الجعل (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ... وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ ... وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا ... وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ... وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ...) :
الجعل هو إخبار عن ملابسة مفعولة بشيء آخر بأن يكون له أو منه أو فيه أو معه أو حالة من الحالات، وليس جعل أي خلق لكن هنالك شيء آخر في المفعول يتعلق به.
- (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) خلق الله الماء ولكن جعل منه كل شيء حي، لا نقول جعلنا الماء كل شيء حي.
- (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) جعل فيها وليست كلها، رواسي مفعول جعل ملابسة مفعوله بشيء آخر (فِي الْأَرْضِ) .
- (وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا) هذه حالة من الحالات لم يجعلها هكذا وإنما يمكن أن نقول خلق السموات.
- لكن لما قال (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) ولم يلابسه بشيء آخر قال خلق.
* في الأنبياء قال (خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ (٣٣)) وفي الإسراء قال (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ (١٢)) :
في الإسراء لما قال آيتين قال جعل وفي الغالب الجعل يتعلق بشيء آخر، وفي الأنبياء قال (خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) لما لم يلابسه بشيء آخر قال خلق جعل تقتضي.
* (يَسْبَحُونَ) لم يقل يسبح مع أنها لغير العاقل:
من حيث اللغة (كل) لها قواعد في التعبير:
- (كل) لفظها مفرد مذكر ومعناها تكتسبه بحسب المضاف إليه.
- (كل) إذا أضيفت إلى نكرة فيراعى معناها حسب المضاف إليه (كل رجل حضر) (كل امرأة حضرت) (كل رجلين حضرا) .
- أما إذا أضيفت إلى معرفة يصح مراعاة اللفظ أو المعنى، (كل إخوتك) يجوز أن يقال كل إخوتك ذاهب أو كل إخوتك ذاهبون.
- إذا قطعت عن الإضافة لفظًا جاز مراعاة اللفظ والمعنى (كلٌ حضر) (كلٌ حضروا)، (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ (١٤) ق) مجموعة أقوام ققال كلٌ كذب الرسل، (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)، إذن لغويًا يجوز خارج القرآن كلٌ في فلك يسبح أو يسبحون.
- الإخبار بالجمع يسبحون أي أنهم كلهم مجتمعون في هذا الحدث فلما يقال كلٌ حضروا يعني مجتمعون ولما يقال كلٌ حضر بالإفراد يعني كل واحد على حدة.
من حيث الاستعمال:
- القرآن استخدم الاثنين (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) الأنبياء) (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ (٨٤) الإسراء) (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) .
- (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) كلهم يسبحون في آن واحد، (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) يوم القيامة كلهم مع بعضهم، (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) كلٌ على حدة، (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ) كلٌ على حدة كل واحد في أزمان مختلفة.