آية (٦٣-٦٤) : (قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)
* اللمسة البيانية في الانتقال من (جِئْنَاكَ) إلى (وَأَتَيْنَاكَ) :
- قسم من المفسرين والنحاة ذهب أن هذا من باب التوكيد اللفظي بما يرادفه بالمعنى مثل (وَغَرَابِيبُ سُودٌ) غربيب يعني أسود، (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) السبل هي الفجاج.
- جئناك يعني بالعذاب الذي كانوا يشكون به (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) العنكبوت) فلما كان العذاب شديداً قال (جِئْنَاكَ) فيه قوة أما (وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ .. فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) هذا نجاة، فاستعمل آتيناك.
آية (٦٧) : (وَجَاء أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ)
* الفرق بين (وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ (٧٨) هود) و (وَجَاء أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) الحجر) :
- يهرعون مبني للمجهول بمعنى يسرعون إليه ويحثّ بعضهم بعضًا، فيه إسراع وحثّ حتى في الأخبار نقول هُرع إلى مكان الحادث مبني للمجهول لا نقول هَرَع، عندنا جملة من الأفعال تأتي بصيغة المبني للمجهول منها عُني بالمسألة، أُغمي عليه، حُمّ الرجل، أُولِعت بكذا.
- يستبشرون تستبشر بأحد الاستبشار فيه فقط الفرحة، ولا تذهب ولا تأتي.
آية (٨٨) : (فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)
* الفرق بين كلمة (المصّدقين) في آية سورة الحديد و(المتصدقين) في سورتي الأحزاب ويوسف:
الأصل في كلمة المصّدقين هي المتصدقين وأُبدلت التاء إلى صاد مثل تزمّل ومزّمل وتدثّر ومدّثّر، كلمة المصّدّقين فيها تضعيفان تضعيف في الصاد وتضعيف في الدال والتضعيف يفيد المبالغة والتكثير مثل كسر وكسّر، أما المتصدقين ففيها تضعيف واحد في الدال.
في سورة يوسف ناسب ذكر المتصدقين لأن إخوة يوسف طلبوا التصدق فقط لم يطلبوا المبالغة في الصدقة وهذا من كريم خلقهم فطلبوا الشيء القليل اليسير هذا أمر والآمر الآخر أنه قال تعالى (اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) فلو قال (يجزي المصّدّقين) لكان الجزاء للمبالغ في الصدقة دون غير المبالغ وهذا غير مقصود في الآية أما عندما يقول (الْمُتَصَدِّقِينَ) يجزي المُقِلّ والمُكثِر فيدخل فيها المصّدّقين وهذا ينطبق أيضاً على آية سورة الأحزاب.
في سورة الحديد سياق الآيات نجد أنها اشتملت على المضاعفة والأجر الكريم وهذا يتناسب مع المبالغة في التصدق ويتناسب مع الذي يبالغ في الصدقة. ثم إن في السورة كلها خط تعبيري واضح في دفع الصدقة والحث على دفع الأموال.
آية (٢٣- ٢٤) : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)
* (وَقَضَى رَبُّكَ) الربّ في اللغة هو المربّي والله هو الذي أنشأنا وربّانا أجمعين والآن الوصية في المربّي وهما الأبوين فناسب ذكر الربّ الذي هو المربِّي في الوصية فيمن ربياه.
* لم يقل ربكم لأنه بدأ الخطاب الآن للرسول عليه الصلاة والسلام الذي هو المبلِّغ .
* لاحظ الإقتران بين الشرك وعقوق الوالدين (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ليس فقط مجرد بِرّ وعطاء وإنما تقدم هذا العطاء لهما بشكل لائق يدل على احترامك لهما ولا تمنّ عليهما إطلاقاً.
* قال (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) وليس (إلى الوالدين) مع أن الأصل في الإحسان أن يكون ب(إلى) مثل (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ(٧٧)القصص) والفرق بينهما أن (الإحسان إلى) عامة أما (الإحسان بهما) أى إلصاق الإحسان بهما وليس مجرد الإحسان من بعيد ، وقسم جعل معناها اللطف أى ألطف بهما، هذا تضمين لفظى قد يكون نوع من التوسع في المعنى ، وكلاهما يؤدى إلى زيادة الإحسان إليهما.
* قال (وَبِالْوَالِدَيْنِ) وليس بالأبوين:
الوالدان: الوالد من الولادة، والمرأة هي التى تلد وليس الرجل ولكنه تغليب للأم فيقال والد ووالدة والدان.
الأبوين: تغليب للأبّ وليس للأم فالرجل هو من يقال عنه أبّ.
وفي القرآن كله لم يأتى البرّ بهما أو الدعاء لهما إلا بلفظ الوالدين إلماحاً إلى الولادة وأن الأم أحق وأولى بحسن الصحبة (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ) (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) ، لكن الأب يأتى في مواضع أخرى كالمواريث.
* (إحساناً) لم يقل وأحسِن وإنما جاء بالمصدر وهو آكد.
* الفرق بين الإحسان والحسن :
الإحسان أحسن من الحسن فالإحسان أن يتعدى خيرك إلى الآخرين، أما الحسن فهو حسن في نفسه. هناك فرق بين أن تعامل شخصاً معاملة حسنة وأن تحسن إليه، فالإحسان أمكن وأقوى من الحسن فهو معاملة حسنة وزيادة.
* (إِمَّا يَبْلُغَنَّ) إمّا عبارة عن (إن) الشرطية و(ما) زائدة مؤكدة لو أسقطت تزيل التوكيد على أية حال ، (يَبْلُغَنَّ) نون التوكيد الثقيلة إذن هذا الأمر فيه شدة وثقل وفيه توكيد.
* إستخدام الضمير (عندك) وتقديمه للاهتمام، فهي وصية من الله أن تحافظ على والديك ولا ترمِ بهما في دورالعجزة فالإسلام بريء من هذه الفعلة الشنعاء .
* (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ) أف فى اللغة هى اسم فعل بمعنى ضجر أى لا تسمعهما أى كلمة تشعرهما بالضجر .
* (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي) جاءت بلفظ رب مناسب ل(رَبَّيَانِي) و(رَبُّكَ)، ولم يرد في القرآن دعاء إلا بلفظ الرب إلا في موطن واحد فالربّ هو المربّى وهو المُنعم وهو المتفضل.
آية (٦٨) : (قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ)
* كلمة ضيف في اللغة تقال للمفرد وللجمع مثل خصم وطفل وبشر ورسول، عندنا ضيوف وأضياف وعندنا خصم وخصوم وطفل وأطفال جمع تستعمل للمفرد والمثنى والجمع والمصدر أيضًا وهذا يسمى في اللغة إشتراك.
آية (٩٠) : (قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)
* هم قالوا (أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ) فكانت الإجابة (أَنَاْ يُوسُفُ) ولم يقل أنا هو:
الإسم الظاهر أقوى من الضمير في اللغة. الآن هم قالوا (أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ) السؤال مؤكد بإنّ واللام فيجب أن يكون الجواب مؤكدًا أيضًا فقال (أَنَاْ يُوسُفُ) على التحقيق أأنت فلان؟ أنا فلان، (وَهَـذَا أَخِي) شقيقي، إذن هو جاء بما هو أقوى يفيد التحقيق والتوكيد ولو قال أنا هو ليس هناك حرج في اللغة لكن من ناحية البيان هناك فرق.
* إخوة يوسف استعلموا عن كونه يوسف فكانت الإجابة عنه وعن أخيه (قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي) :
يعني هذا أخي عرفته كما عرفتكم بنفسي قبل أن تعرفوني بأنفسكم وأنتم لم تعرفوني، لا لأنكم قلتم أنه أخوكم وأنتم لم تخدعوني وجئتم بشخص آخر علماً أنه كان ممكناً أن يفعلوا ذلك وقد فعلوه قبل ذلك مع قميص يوسف، لو جاءوا بشخص آخر وقالوا أبانا لا يتحمل ويأتوا بحمل بعير كان ممكناً أن يفعلوا هذا لكنه لن ينطلي على يوسف لأنه يعرفه.
آية (٧٤) : (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ)
* ورد وصف عذاب قوم لوط مرة أنه وقع على القرية ومرة على القوم (فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (٨٢) هود) (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ (٧٤) الحجر) :
- في الحجر (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ) يقصد الناس والقوم وفي هود (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا) يقصد القرية.
- في الحجر الكلام على القوم أشد مما في هود ووصفهم بصفات أسوأ مما في هود وذكر أموراً تتعلق بهم أكثر مما في هود: قال في الحجر على لسان الملائكة (قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (٥٨)) وفي هود (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠))، وفي الحجر قال (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ (٦٦)) وفي هود (وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)) العذاب هنا لا يقتضي الإستئصال أما في الحجر فهناك استئصال.
- في الحجر أقسم على حياة الرسول على هؤلاء فقال (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)) ولم يقسم في هود.
إذن ما ورد في الحجر في قوم لوط أشد مما ورد في هود وصفهم بالإجرام وأنه سيتأصلهم وأنهم في سكرتهم يعمهون فذكرهم هم (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً) ذكر فأمطرنا عليهم في مقام الشدة والصفات السيئة.
آية (٢٥) : (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا)
* في هود قال تعالى (اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ) وفي الإسراء قال (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ)
- الفرق بين أنفس ونفوس:
الأنفس جمع قلة (إلى عشرة) ونفوس جمع كثرة لكن القرآن أحياناً يستعمل القلة النسبية إذا أتى أكثر من جمع مثل الأبرار جمع قلة يستعملها للبشر والبررة جمع كثرة يستعملها للملائكة لأنهم أكثر. وفي هود قال (أَنفُسِهِمْ) جمع قلة لأنهم قليل (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ) بينما هنا (نُفُوسِكُمْ) هذه عامة لجميع الناس ففيها كثرة.
قال في هود (اللّهُ أَعْلَمُ) وفي الإسراء قال (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ) المقام في هود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ (٢٦)) في مقام العبادة فجاء بلفظ الجلالة، أما في الإسراء ففي مقام الإحسان للمربي، فالوالدان يربيان أولادهما والرب هو المربي فناسب ذكر الرب مع التربية.
آية (٩١) : (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ)
* (وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ) (قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)) المخاطب ليس بمنزلة واحدة، يخاطبون شخصًا متأثر أكثر من الآخر فلما كان أبوهم في حالة فقد بصره وحزن أكدوا (إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) أما يوسف فصار العزيز.
آية (٧٥ - ٧٧) : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ * --- * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ)
* الفرق بين استخدام الجمع في الأولى (لآيَاتٍ) والمفرد في الثانية (لآيَةً) :
- (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) ذكرها تعقيباً على قوم لوط وفي سياق القصة ذكر عدة أمور وعدة آيات وليست آية واحدة قال (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) هذه آية، (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) هذه آية أخرى، (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ) هذه آية أخرى ، والآية يعني العلامة والمتوسمين هم المفكرين المتفرسين والمعتبرين.
- ثم قال (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ) أي الآثار فقال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ) هي آية واحدة.