آية (٨٠) : (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقاً مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)
* المبالغة في الآية:
- (اسْتَيْأَسُواْ) مبالغة في اليأس يعني حاولوا جهدهم فلم يوافق سيدنا يوسف على أن يأخذ هؤلاء مكان أخيهم.
- (خَلَصُواْ) أي لما استيأسوا من يوسف انتهوا من كل شيء وانفردوا من غيرهم ولم يفكروا في أي مسألة إلا هذا الأمر.
- (نَجِيّاً) من التناجي وتحتمل عدة معاني، نجياً النجي تحتمل المصدر هو السر وتحتمل الجمع نجيّ تأتي مفرد وجمع مثل العدو يأتي مفرد ويأتي جمع، نحن نفهم المعنى إما أنهم استيأسوا ثم انفردوا من كل شيء وخلصوا من ذواتهم وتحولوا إلى نجوى تحولوا إلى مصدر بقدر ما كان الأمر يهمهم لم يبق شيء من ذواتهم إلا هذه المسألة فكأنما تحولوا إلى حدث مبالغة في هذا الأمر، وإما أن يكونوا هم جماعة خلصوا إلى هذه المسألة فيكون معنى الجمع ومعنى المبالغة لأنهم جماعة تحولوا إلى نجوى.
آية (٨١) : (ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ)
* الفرق بين ارجعوا واذهبوا (ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ) (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي (٩٣)) :
قال اذهبوا بقميصي حتى لا يوهم أن القميص كان معهم قال (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي) الذهاب به ليس معناه كان معهم أما لو قال ارجعوا بقميصي كان معناه أن القميص كان معهم،
* لما قال (ارْجِعُواْ) قال (أَبِيكُمْ) ولما قال (بِقَمِيصِي) قال (أَبِي) قميصي وأبي تعاطف بينهما حتى يعود بصيرًا ولو لم تكن هذه العلاقة كيف يرجع بصيراً؟ نفس الضمير، قميصي – أبي، ارجعوا – أبيكم، تناسب دقيق.
آية (٨٢) : (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)
* (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) حذف أهل؛ إخوة يوسف كانوا متهمين بأنهم ليسوا صادقين لأن عند أبيهم تجربة سابقة معهم فالآن يقولون ابنك سرق وقد يكون كذبًا كالذئب فكأنهم يريدون أن يقولوا له أن صدقنا ثابت في القرية كأنها جميعًا تشهد لنا ليس بناسها فقط وإنما حتى بجدرانها، وهذا ينسحب على العير أي القافلة العير ومن عليها ومن معها ومن فيها.
آية (٦٠) : (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ)
* في الحجر (قَدَّرْنَا إِنَّهَا) وفي النمل (قَدَّرْنَاهَا) :
في سورة الحجر من كلام الملائكة هم لا يقدّرون ولكنهم وسيلة تنفيذ قدر الله سبحانه وتعالى لم يربطوا الضمير بأنفسهم لذلك أبعدوها مع وجود إنّ المؤكدة فما قالوا قدرناها. فإذن كلام الملائكة يحتاج إلى تأكيد.
في سورة النمل هي من كلام الله سبحانه وتعالى المباشر (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧)) ما احتاج إلى تأكيدات لأن الله سبحانه وتعالى يخبرنا بأمر فربط الضمير بالفعل مباشرة ما أبعده (قَدَّرْنَاهَا) لأن هذا قدره سبحانه وتعالى فما إحتاج إلى إبعاده.
* الاختلاف بين قصة لوط عليه السلام في سورتي الحجر والنمل:
- آيتي الحجر فيها ستة مؤكدات هي: (إِنَّا)، اللام في (لَمُنَجُّوهُمْ)، منجوهم (إسم)، (أَجْمَعِينَ)، إنّ في (إِنَّهَا) واللام في (لَمِنَ) .
- قصة لوط كلها في الحجر فيها ٢٠ مؤكد بينما في النمل فيها ثلاثة مؤكدات فقط (أًئِنَّكُمْ)، (لَتَأْتُونَ)، (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) .
- هو يحتاج لمؤكدات لأنه وجل من الملائكة (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢)) .
- وصف تعالى قوم لوط في سورة الحجر بالإجرام (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨)) أما في النمل فوصفهم بالجهل (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)) والمجرمون أشد من الجاهلين فالوصف يقتضي عقوبة أشدّ.
- العقوبة في الحجر أشدّ (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) بينما في النمل (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)) والمطر قد يكون ماء أما الحجارة في سورة الحجر فهي بالطبع أشدّ.
- القصة في سورة الحجر ١٩ آية أطول منها في سورة النمل (٥ آيات فقط) .
فإذا نظرنا إلى القصة من جهة التوسع والإيجاز فآية سورة الحجر أنسب، ومن حيث التوكيد والعقوبة والطول أنسب.
آية (٨٣) : (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)
جاء الرد مباشرة من يعقوب واختزلت الآيات الزمن، أخو يوسف قال لإخوته أن يقولوا هذا الكلام لأبيهم (ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ * وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) هذا اسمه اختزال، حذف المشاهد وهذا كثير في القرآن يركز على الأشياء التي فيها فائدة،.
آية (١٨- ١٩) : (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا)
* استعمال صيغة المضارع (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ) وصيغة الماضي (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ) :
استعمال فعل المضارع مع الشرط إذا كان مضمون أن يتكرر. (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ) من كان همّه وديدنه الاستمرار في الدنيا فقط ولا يريد الآخرة (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ) القدر الذي نشاؤه لا يشاؤه هو، ليس بالضرورة أن ينفذ الله له إرادته فالأمر لله، بينما الآخرة تحتاج إلى إيمان وسعي، لكنه ما قال من كان يريد الآخرة وإنما (أَرَادَ) وهذا من رحمته سبحانه فهو يسعى على قدر ما يسعى ، فمجرد إرادته والسعي لها وهو مؤمن ربنا يجزيه وهذه رحمة عظيمة.
* جاء فعل الإرادة بالماضي (وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ) دلالة على عدم التكرار فالآخرة بينما في آل عمران (وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا (١٤٥)) جاء بصيغة المضارع لأنه متجدد، كل عمل أنت فيه له ثواب فالثواب فمتجدد، لو قال ومن أراد ثواب الآخرة يكون الثواب مرة واحدة.
آية (٦١) : (فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ)
* الفرق بين استعمال جاء وأتى في القرآن الكريم :
- جاء تستعمل لما فيه مشقة أما أتى فتستعمل للمجيء بسهولة ويسر ومنه الالمتياء وهي الطريق المسلوكة.
- في القرآن كله لم تستعمل صيغة المضارع للفعل جاء مطلقاً ولا صيغة فعل أمر ولا إسم فاعل ولا إسم مفعول وإنما استعمل دائماً بصيغة الماضي. أما فعل أتى فقد استخدم بصيغة المضارع.
آية (٨٤) : (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)
* الحزن لا يسبب العمى وإنما سبب للبكاء والبكاء زصبّ الدمع الكثير يؤدي إلى بياض العينين ويحدث العمى وليس الحزن.
آية (٢٢) : (لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً)
* الفرق بين (مَّدْحُورًا) و (مَّخْذُولاً) :
الدحر هو الطرد والإبعاد (مَّدْحُورًا) يعني مطروداً مبعداً من رحمة الله، فهو مدحور.
الخذلان هو أن تترك نصرته (لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً) هذا ضعيف كيف تنتصر به؟ تجعله مع الله وتتصور أن ينصرك؟! هذا سيترك نصرتك ويخذلك، فهذا مخذول.
آية (٨٥) : (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ)
* اختار تعالى كلمة (تَفْتَأُ) دون غيرها من أخواتها التي قد تعطي نفس المعنى من الإستمرار والدوام:
لغويًا: كلمة فتيء من معانيها (سكّن) بمعنى مستمر، ومعناها أطفأ النار (يقال فتيء النار) ومن معانيها أيضاً نسي (فتئت الأمر أي نسيته) إذن كلمة (فتأ) لها ثلاثة معاني سكّن وأطفأ النار ونسي.
بيانيًا: فاقد العزيز يسكن بعد فترة، وفاقد العزيز كأنما هناك نارًا تحرق جنبيه والنار التي بين جنبي يعقوب عليه السلام لم تنطفئ مع مرور الأيام، وفاقد العزيز ينسى بعد فترة ويعقوب لم ينسى. إذن تفتأ جمعت كل هذه المعاني المرادة في الآية ولا يؤدي أي لفظ آخر هذه المعاني مجتمعة، والقرآن لم يستعمل هذه الكلمة إلا في هذا الموضع واستعمل (يزال ولا يزال) كثيرًا.
* القياس أن يُقال (لا تفتأ) لأن استعمالها نفي أو شبه نفي:
القاعدة أنه إذا كان فعل مضارع مثبت لا بد من حرف اللام فإن لم تذكر اللام فهو منفي مثال: والله أفعل (معناها لا أفعل) و والله لأفعل (معناها أثبّت الفعل)، وهذا هو الموطن الوحيد في القرآن الذي حُذف فيه حرف النفي جواباً للقسم. وقد جاء في القرآن قوله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ)، ولأن الذكر آكد من الحذف ولأن الأمر ليس مؤكداً عند إخوة يوسف حذف الـ(لا) في الآية لأن إخوة يوسف أقسموا على أمر لا يعلمونه حق العلم بل على أمر يتصورونه فالأمر إذن ليس مؤكدًا أن أباهم سيفعل ذلك حتى يهلك ولم يحصل أصلًا في حين في كل الأقسام الأخرى في القرآن الأمر فيها مؤكد، ولذا لم تذكر (لا) في جواب القسم ولقد جاء في الآية ما يفهم المعنى بدون الحاجة لذكر (لا) وهذا ما يُعرف بالتوسّع في المعنى في القرآن الكريم.