آية (٤٢) : (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ)
* الظن من حيث اللغة قد يأتي بمعنى اليقين، وهو درجات قد يكون هناك هاجس في النفس وقد يقوى ويقوى ويقوى حتى يكون يقينًا ويصل إلى أعلى درجات العلم ولا شك السياق يحدد، والظن علم ما لا يُبصر بمعنى غير مرئي (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ) لا يقال ظننت الحائط مبنياً، قسم ذهب إلى أنه في الآية هنا بمعنى العلم واللغة تحتمل، وقسم يقول الظن هنا بمعناه لأن تأويل الرؤى ظني لا قطعي ليس من العلوم القطعية عندما تأول رؤيا فأنت تأوّلها بحسب اجتهادك.
* الشيطان أراد أن يوقع بيوسف ويجعله في السجن لكن الشيطان كان قصير النظر فكان بقاء يوسف أولى وأصلح ليوسف لأنه لو خرج يوسف في حينها ثم رأى الملك الرؤيا إلى من سيرجع؟ فربنا حفظه في السجن فأبقاه مدة أطول لمهمة أكبر حتى يصبح عزيز مصر فأبقاه حتى يسهل الرجوع إليه وإلا أين يبحث عنه في مصر؟ أين يكون؟ فربنا سبحانه وتعالى أبقاه في مكانه لمهمة أكبر وهو نفع العباد ويكون عزيز مصر فلذلك الشيطان ما وّفق وحصل ما فيه مصلحة يوسف.
* آية (١) : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)
* بدأت السورة بقوله (سُبْحَانَ) يعني ننزهك يا رب عن كل نقص:
- بدأ بالمصدر لأن المصدر هو حدث مجرد غير مقيد بفاعل ولا بزمن ليشمل كل أحوال وأزمان التسبيح لغرض الإطلاق يعني هو يستحق التسبيح قبل الخلق وبعد الخلق سواء كان هنالك من يسبحه أو لم يكن.
- افتتاح السورة بالتسبيح طبع السورة بالتسبيح فشاع فيها إلى حد كبير وليست هنالك سورة تدانيها في كثرة التسبيح - ولعل هذا إشارة في نقله صلى الله عليه وسلم إلى عالم التسبيح - : (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)) (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (٤٤)) هذا أعظم إطلاق في التسبيح ملائكة وعاقل وغيرعاقل (سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً (٩٣)) (وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا (١٠٨)) .
- جاء ربنا تعالى بضمير الغائب (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) مع أنه تكلم بضمير المتكلم بعدها (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) لأنه لو بدأها بصيغة المتكلم ماذا يقول سبحاني؟!
* الإسم الموصول قسمان، قسم مختص (الذي) للمفرد المذكر، (التي) للمفرد المؤنث، (اللذان) مثنى مذكر، وهكذا..، وقسم مشترك مثل (من) تأتي للمفرد المذكر والمؤنث والمثنى والجمع من حضر، من حضرت، من حضروا. والقاعدة أن المختص أعرف من المشترك فجاء ربنا بالإسم الأعرف (الذي)، كما أن (من) قد تكون نكرة مثل: هل من يساعدني؟
* قال (بِعَبْدِهِ) لم يقل بمحمد ولم يقل بالرسول فالإنسان مهما عظم لا يعدو أن يكون عبداً لله، ولئلا يعظم محمد على غير ما ينبغي فهو عبد لله ومقام العبودية أعلى وسام للخلق وهذا مقام تشريف، ربنا تعالى لما أثنى على نوح قال (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) وعلى أيوب (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ).
* دلالة قوله تعالى (لَيْلاً) مع أن السُرى هو المشي ليلاً: هذا ظرف للتوكيد وأيضاً أراد ربنا أن يعلمنا أن الرحلة الطويلة ذهاباً وإياباً كانت كلها في جزء من الليل ، فلو قال أسرى قد يكون استغرق الليل كله فلما تقول حدثته الليل يعني كل الليل لكن حدثته ليلاً يعني جزء من الليل.
* قال (مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) للدلالة على قدرته أن الإسراء من عين المكان إلى المسجد الأقصى. أكثر العلماء يقولون أن الإسراء لم يتم من المسجد الحرام وإنما من بيت أم هانئ وفي هذا التفاتة إلى أن مكة كلها حرم.
* قال (إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) لم يكن هنالك مسجد بعد ولكن كان هناك بيت المقدس وهم كانوا يعرفون أنه المقصود لأنه بُني للعبادة بعد الكعبة ، وهذا دلالة على أنه سيكون هناك مسجد.
* الترتيب بدأ بما هو أهمّ: بدأ بالزمان (لَيْلاً) ثم المكان (مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فليس مستغرباً أن تذهب من هذا المكان إلى ذلك المكان لكن المستغرب والمستبعد أن يتم ذلك في جزء من الليل.
* قال (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) :
- التفت إلى ضميرالمتكلم بعد أن جاء بضمير الغائب (الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) ليدل على أن المتكلم هو الله وليس نقلاً عنه .
- أسند تعالى المباركة لنفسه للدلالة على التعظيم والنون للعظمة ولم يقل بورك حوله.
- أطلق المباركة ولم يقل باركناه بكذا. مباركة مطلقة عامة روحانية ومعنوية ومادية.
- قال (حَوْلَهُ) لتشمل المسجد وما حوله تعظيماً للمسجد فالمباركة حوله جاءت بسببه ولو قال باركناه لانحصرت المباركة بالمسجد فقط ، وربنا تعالى ينسب المساجد إليه (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ (١٨) الجن) (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ (١٨) التوبة).
- قال (بَارَكْنَا حَوْلَهُ) ولم يقل (باركنا ما حوله) حتى تبقى المباركة دائمة ولا تخص الأشياء المعينة التي حوله فإذا زالت تزول المباركة.
* قال (لنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) :
- (لنُرِيَهُ) تعليل، لماذا أسرى؟ (لنُرِيَهُ) تدل على أن أفعاله سبحانه معللة لحكمة قد يذكرها وقد يخفيها سبحانه، والنون للعظمة.
- لم يقل ليَرى ولم يقل ليُرى. وإنما ذكر الفاعل وهو الله سبحانه وتعالى الذي يريه بإرادته وهذا تعظيم لله وإكرام وتشريف آخر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ، لو قال (ليَرى) لكان من تلقاء نفسه ، ولو قال (ليُرى) لا نعلم من الذي أراه.
- (مِنْ آيَاتِنَا) وليس من الآيات، إسناد الفعل لله تعالى للتعظيم ومن باب الإحتفاء بالرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الرحلة.
- قال (مِنْ آيَاتِنَا) وليس آياتنا (من للتبعيض) يعني هناك أمور محددة ، يرى بعض الآيات وليس كلها.
* (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) :
- رجع للإفراد بعد أن قال (من آياتنا، لنريه، باركنا) ليدل على أنه واحد لا شريك له منزه عن الشرك وهذا أسلوب مضطرد في القرآن الكريم أنه حيث يذكر ضمير التعظيم لابد أن يسبقه أو يليه ما يدل على أنه واحد لا شريك له.
- لم يقل (إنه سميع بصير) (هو) ضمير الفصل للتأكيد ولقصر الصفات له سبحانه ، أي له الكمال في ذلك وأنه مختص به.
- لم يقل (على كل شيء قدير) وكان السياق يوحي بأنه سيأتي بما يدل على القدرة ، لأنه لما ذكر الإسراء دل على قدرته فهو معلوم مما سبق ولكنه أراد أن يذكر ملحظاً آخر أنه أسرى به ليرى ويسمع وليدل على أن ما يراه ويسمعه يراه ربه ويسمعه.
- لم يقل السميع العليم فالذي يسمعك ويبصرك هو عليم بك، لكن الذي يعلم ليس بالضرورة أن يبصرك فالعليم قد يكون غائباً عنك إذن هنا السميع البصير أقرب وأظهر في العلم حيث شمل العلم والرؤية والسمع. وقال المفسرون أنها وعيد للكفار وتكذيبهم أن الله يسمع ما يقولون ويبصر ما يفعلون.
- قدم السمع على البصر :
١- لأن من يسمعك أقرب ممن يراك وهذا يُشعر بالطمأنينة والأمن والقرب ففيها تطمين للرسول صلى الله عليه وسلم.
٢- السمع أهمّ من البصر في مجال الدعوة ففاقد البصر يمكن أن يبلّغ في مجال الدعوة أما فاقد السمع فيصعب تبليغه.
٣- الإسراء في الليل والليل آيته السمع، وفي القرآن يذكر مع الليل السمع ومع النهار الإبصار.
٤- هذه متعلقة بسياق السورة وبخاتمتها ، ففي الخواتيم قال (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (١٠٨)) هذه بحاجة إلى بصر و سمع، (قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ (١١٠)) الذي يدعو يحتاج إلى أن تسمعه، (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا (١١٠)) الصلاة حركات وأقوال، (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ (١١١)) الذي يقول يسمعه ربه، فإذن هذا كله يتعلق بالسمع والبصر، وما ذكر في أول السورة من إفساد بني إسرائيل (لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا .. (٥)) هذا يحتاج إلى سمع وإلى بصر ماذا يفعل هؤلاء.
لفتة: وردت كلمة سميع والسميع في القرآن الكريم ٤٦ مرة ووردت كذلك كلمة بصير والبصير ٤٦ مرة.
* ذكر في هذه الآية جملة من صفات الله سبحانه :
- ذكر الحياة (السَّمِيعُ البَصِيرُ ، أَسْرَى بِعَبْدِهِ) معناه أنه حيّ.
- ذكر القدرة في الإسراء ولا شك أن السميع البصير القدير يكون حيّ.
- ذكر الحكمة (لنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) من يفعل العلّة فهو حكيم.
- ذكر صفة الخلق تضمناً (لنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا).
خلاصة:
ذكر عزّ وجلّ أبرز صفات الألوهية الحياة والخلق والملك والقدرة والحكمة والسمع والبصر، وفي ذلك تعريض بآلهة الكفار التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل. ثم ذكر الكمال في هذه الصفات بكلمة واحدة هي (سُبْحَانَ) فالفرد قد يكون سميعا وبصيراً وذا قدرة ولكن قد يكون أحمقا فتكون هذه الصفات عيباً فيه، أما كلمة (سُبْحَانَ) فجاءت نفياً وتنزيهاً لله تعالى عن صفات النقص وما لا يليق، وعمّا يصفه أهل الجاهلية (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)).
آية (٤٣) : (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)
* قال تعالى في سورة البقرة (سَبْعَ سَنَابِلَ) وفي سورة يوسف (وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ ) :
سنبلات جمع قِلّة وسنابل للكثرة. وفي سورة البقرة (سَبْعَ سَنَابِلَ) لأنها في مقام مضاعفة الأجور والتكثير، أما في سورة يوسف جمع القلة لأن السياق في مقام ذكر حادثة كما هي فالآية تتحدث عن رؤيا ولا مجال للتكثير.
آية (٤٧) : (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ)
* العام في الإستعمال القرآني هو لما فيه خير والسنة لما فيه شر، (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا) الزرع فيه جهد في هذه السنين جدب وقحط.
آية (٥) : (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً)
* الفرق بين البعث والإرسال :
- الإرسال أن ترسل رسولاً تحمّله رسالة لطرف آخر، أما البعث قد يكون فيه معنى الإرسال وفيه معاني أخرى أي فيه إرسال وزيادة. تقول بعثت شخصاً فيه معنى الإرسال، يبعث الموتى ليس بمعنى إرسالهم ولكن يقيمهم، (إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) أي أقامه منكم، "إن للفتنة بعثات" أي إثارات و تهييج.
- البعث أشد وفيه حركة أما الإرسال فلا، ولذلك يستعمل البعث فيما هو أشد، ولهذا قال تعالى (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ) فيه قوة وقسوة وعمل.
آية (٥٢) : (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)
* الذي يبدو أن هذا قول سيدنا يوسف، ولو تكلمنا عن أحوال القول والمقول في اللغة والقرآن يمكن أن تتضح:
- الأصل أن يذكر القول والمقول مثل (وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) (وَقَالُواْ) فعل القول و(سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) مقول القول.
- أحيانًا يحذف الفعل ويبقى المقول مثل (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) ما قال (قالوا)، هذا مفهوم كأنك تشاهد المسألة.
- وأحيانًا يذكر فعل القول ولكن يحذف المقول، يذكر فعل القول (قال) لكن ماذا قال؟ يحذف المقول لظهوره من السياق مثل (قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا) هذا قولهم هم أم قول موسى؟ هذا قول موسى لكن لم يذكر ماذا قالوا هم لكنه مفهوم من السياق قطعًا، معناها أنهم قالوا هذا سحر.
- أحيانًا يذكر مقولين لقائلين مختلفين ويحذف فعل القول، كأنما القول واحد لكن المعنى يفرق بينهم مثل (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ) هذا قول الظالمين أنفسهم، (بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) هذا الرد عليهم لكنه لم يذكر فعل القول ومن القائل ذكر فقط المقول كأنما هذا يتكلم وهذا يرد عليه كأنه المشهد ظاهر أمامنا وليس نقلًا، أدمج الكل وواضح من السياق كل منهما.
- أحيانًا يذكر فعل القول ويدرج معه قول لقائل آخر كأنما واحد لكن المعنى مختلف (الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) هي رمته بالخيانة كيف تقول (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ)؟ إذا كان هذا قولها لم تخن من؟ زوجها، هي دعته للخيانة وراودته (وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ) فعلت مقدمات هذا الأمر حتى لما دعت النسوة، ولم تنته حتى رمته بالسجن، وهي قالت (وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ) هذه شهادة منها فكيف تقول (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ)؟ هذا لا يمكن أن يكون قولها.
آية (٧) : (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا)
*( وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) استخدم لها مع أن في القرآن يستعمل عليها (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا) :
في مقام العقوبة ووقوع الإثم عليه نأتي بـ(على) مثل (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا (٤٦) فصلت) أي ستقع عليه عقوبة الإساءة وتحمل إثمها فربنا يعاقبه عليه، هذا في مقام حساب. لكن هنا في آية الإسراء ليس في سياق الإثم وما يقع عليه من العقوبة وإنما بمعنى إساءتكم راجعة إليها.
آية (٦٤) : (قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)
* (حَافِظًا) فيها وجهان إعرابيان:
إما أن تكون تمييز أو تكون حال لأن القاعدة النحوية تنص على أن إسم التفضيل إذا كان ما بعده ليس من جنسه يُنصب مثال (أنت أكثرُ مالاً، هو أحسنُ شعراً) وإذا كان ما بعده من جنسه يُضاف. (يقال: أنت أفضلُ رجلٍ، أحسنُ دارٍ)، وفي الآية (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا) تعني أن حفظة الله تعالى خير منكم بدليل قوله تعالى (وَنُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) فكأنه تعالى قارن بين إخوة يوسف وبين حفظة الله (والتمييز أقوى من الحال) لسبب أن الحال قيد لعاملها كأنه خير فقط في هذه الحال من حالة الحفظ أما في التمييزفهي أقوى. ولو قال الله خيرُ حافظٍ فهي تدلّ على أن الله هو الحافظ.
آية (٦٥) : (وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ)
* في الكهف (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)) وهنا (قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي) :
الحدثان يختلفان. الذكر والحذف متعلق بالمقام الذي نتحدث عنه ولطول الحدث أو قلّته ولما كانت البغية لم تكتمل في سورة الكهف قال (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ) لأنه لم ير الشخص الذي يبحث عنه بعد وإنما وصل للمكان كان يبتغي لقاء الخضر، أما في سورة يوسف هم جاءوا للإمتلاء فأعطاهم الميرة وأرجع إليهم أموالهم فهذا أكثر مما يبغون فلما لم تكتمل البغية حذف منها ولما اكتملت لم يحذف وهذا من خصوصية القرآن الكريم.
آية (٨) : (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)
* قال ربنا (عسى) ولم يقل لعل مع أن كلاهما لأن (عسى) مقصورة على الإستقبال، والكلام في الآية على بني إسرائيل في المستقبل وليس على الموجودين في الحاضر (فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ) .
* قال هنا (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا) وفي الأنفال (وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ) :
إذا جاء الفعل الماضي بعد أداة الشرط فالغالب أن القرآن يستعمله لما يراد به مرة واحدة يستعمله القرآن، وإن جاء مضارعاً فمظنة التكرار أكثر من مرة، لما في قريش ذكر بعد معركة بدر (وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ (١٩) الأنفال) هذه مظنة أن قريش يكررون ويحاولون العودة ليست مرة واحدة، (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا) هذه في بني إسرائيل قال (لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) فيها عودة واحدة، (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ (١٩)) الآخرة واحدة، (وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا (١٤٥) آل عمران) أنت تبتغي الثواب في كل عمل.