آية (٢٤) : (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)
* القول الفصل في قوله (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) :
من حيث اللغة لم يهمّ بها، معنى الهمّ بداية الفعل، لقد هممت أن أفعل كذا أي أردت وحاولت ودفعتني نفسي إلى أن أفعل كذا، واللغة تقول لم يهمّ بها يوسف أصلاً (وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) يعني لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، لا نقف عند (وَهَمَّ بِهَا) وإنما تقرأ الآية كاملة، لو قلت (هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) أين جواب وموقع (لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) ؟ لا يصبح لها معنى، (لَوْلَا) هنا حرف امتناع لوجود، امتنع الهمّ لوجود البرهان، قارفت الذنب لولا أن عصمك الله، تكون لم تقارف الذنب لوجود عصمة الله، لولا العصمة لولا برهان ربه لهمّ بها لكنه ما همّ، كنت أضربه لولا أبوه، يعني لولا أبوه لضربته يعني لم أضربه، قدّمت وأخّرت، (إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا) يعني ما ضلّ.
* البعض قال أنها همت به فعلًا وهمّ بها تركًا وهذا لا يصح لغويًا لأن الكلام سيكون ولقد همت به وهمّ بها ولا يعود لقوله (لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) موقع ولا وجود ولا دلالة.
* الفرق بين المخلِصين والمخلَصين:
المخلَصين بفتح اللام هي إسم مفعول هم الذي أخلصهم الله تعالى للطاعة، هو الذي اختارهم. والمخلِصين هو الذي أخلص دينه لله، ولذلك هذه الآية فيها قراءتان صحيحتان متواتران أخلصه الله تعالى وهو أيضًا أخلص دينه لله، إستجاب وأطاع.
* (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا) حذف جواب الشرط أحيانُا يأتي للتفخيم وأحيانُا لأنه يكون معلومًا مثل الآية هنا.
* الفرق بين كلمتى معاد و ميعاد:
المعاد من عاد اسم مكان وهو بلد الرجل الذي يعيش فيه من العَوْد، لأنه يسافر ثم يعود إليه فهو معاده، قسم قال المعاد هو الحشر والجنة باعتبار الناس يعودون أو الجنة لأنه تعود إليهم حياتهم.
الميعاد من وعد أصلها موعاد (مفعال) سكن حرف العلة وقبلها كسرة فيصير ميعاد، الميعاد هو الموعد (إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) يعني لا يخلف الموعد ولا يصح أن يقال لا يخلف المعاد.
آية (٢٥) : (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
* الفرق بين وجدنا وألفينا في القرآن الكريم:
في القرآن الكريم لم يرد الفعل ألفى إلا فيما هو مشاهد محسوس ولذلك قال بعض النحاة أنه ليس من أفعال القلوب التي يستشعر بها، مثل (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ) (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ). (وجدنا) أشمل وفي القرآن وفي غير القرآن وردت قلبية ومشاهدة مثلاً (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً) (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ) .
* (سَيِّدَهَا) أهل مصر كانوا يسمون الزوج سيدًا وقد كانت معروفة في لغتهم القبطية آنذاك.
الله تعالى لا ينسب الشرّ لنفسه مطلقًا في كل القرآن وإنما ينسب الخير إلى نفسه، وليس شرطاً أن يكون الخير الفردي فأخذ الكافرين وإهلاكهم في الآية هو من الخير العام وهو نعمة على الناس أصلًا وهذا أيضًا ليعلّمنا الله تعالى أن الخير والشر مُقدّر من الله تعالى وهذا هو يقين العقيدة حتى لا يتبادر إلى ذهن الإنسان أن هناك إله للخير وإله آخر للشرّ كما كانوا يعتقدون قبل الإسلام.
آية (٢٨) : (فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)
* كيف نفهم قوله تعالى (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) و (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) وفى آية أخرى (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) عن كيد الله:
(إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) هذا الكلام قول السيّد أو قول الشاهد لما رأى قميصه قد من دبر ليس بالضرورة أن يكون صحيحًا، هذه ليست قول الله فيهن وليست حكماً من الله، أما كيد الشيطان فالله تعالى هو الذي قال (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) النساء). كيد الشيطان بالنسبة لكيد الله ضعيف، ويذهب كيد الشيطان بالاستعاذة منه أما هذا القول هو حكاية عن قوم، فرعون قال عن موسى عليه السلام (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) الشعراء) هذا ليس كلاماً صحيحاً لكن ذكره ربنا تعالى، وهناك من كيد الرجال ما هو عظيم أيضًا، لكن (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) القلم) هذا قول الله عز وجل ربنا كيده متين الشدة والقوة، كل واحدة تأتي في سياقها. القائل مختلف وقد يستعظم الصغير الشيء وهو ليس عظيمًا
أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ)
* القرآن الكريم يستعمل أوتوا الكتاب في مقام الذم ويستعمل آتيناهم الكتاب في مقام المدح. قال تعالى (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ) هذا ذم، بينما (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ) والآية (٣٦) مدح . فالله يسند التفضل والخير لنفسه (آتَيْنَاهُمُ) لما كان فيه ثناء وخير نسب الإيتاء إلى نفسه، (أُوْتُواْ) فيها ذم فنسبه للمجهول.
مقارنه بين سورة الحجر وسورة الصافات
كل خاتمة منسجمة مع الفواصل في السورة:
(الحجر): (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)) .
الصافات: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)) .
الفرق اللغوي بين المبين والثاقب...
الحجر: (شِهَابٌ مُبِينٌ) المبين هو الظاهر الواضح للمبصرين.
مبين أي شيء ظاهر حتى لو كان قليلًا.
الصافات: (شِهَابٌ ثَاقِبٌ) الثاقب هو النافذ يثقب الشيء من شدة النور بضوئه وشعاعه المنير، نيّر متّقد، فالثاقب هو مبين مع زيادة الثاقب، الثاقب أقوى في اللغة.
الفرق بين الاستراق والخطف...
الحجر: (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ) الاستراق هو أخذ الشيء بخفية إستراق السمع قد يكون بالتنصت يأتي من مكان خفي فيسترق وليس بالضرورة أن يكون هناك حركة.
الصافات: (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ) الخطف هو الإستلاب والأخذ بسرعة، الخطف أسرع، أي الذي يحتاج إلى حفظ أكثر وأشد؛ الخطف أو الاستراق؟ الخطف، فالآية تغيّرت بموجب هذا، أي الذي يحتاج شهاب ثاقب؟ الخطف.
الحجر: -------------
الصافات: (وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨))
الحجر: -------------
الصافات: وصف الشيطان بأنه (شَيْطَانٍ مَارِدٍ) والمارد هو العاتي وهذا يحتاج إلى ما هو أقوى.
الحجر: -------------
الصافات: (دُحُورًا) دحر أي طرد وهو مصدر للمبالغة بمعنى مطرودين.
الحجر: -------------
الصافات: (عَذَابٌ وَاصِبٌ) يعني دائم.
الحجر: قال (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)) بالفعل. الصافات: (وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)) حفظًا مصدر فيه تحقيق وثبوت وأقوى في الدلالة من الفعل .
آية (٣٠) : (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)
* استخدام صيغة المذكر (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ) :
الجمع الذي ليس له مفرد من نوعه يمكن معاملته معاملة المذكر والمؤنث، والتذكير يدلّ على القلة لأن النسوة كانوا قِلّة والتأنيث يدل على الكثرة (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا) وهكذا في القرآن كله.
* ما معنى النقصان هنا؟ هل يكون في الأمور الحسية أم في الأعراض؟
هناك أكثر من رأى والأمر يحتمل:
- إنتشار الإسلام وانحسار الكفر، قالوا نفتح الأرض شيئاً فشيئاً يأخذ من دار الكفر يفتحها ويلحقها بدار الإسلام.
- ذهاب علمائها وكبرائها (يقبض العلم بقبض العلماء) حتى آخر الزمن يأتي أناس لا يعرفون شيئًا فيفتون بغير علم فيضلون (كالأرض تحيا إذا ما عاش عالمها * فإن يمت عالم يمت طرف) والطرف في اللغة معناها الرجل الكبير العالِم.
- تقلصها وانكماش حجمها فقسم من المحدَثين أخذوها على أن فيها إعجاز علمي .
آية (١٩) : (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ)
* ما دلالة الآية (وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ) ألم تكن الجبال مخلوقة من قبل؟
الملاحظ أنه تعالى يقول أحيانًا ألقينا وأحيانًا يقول جعلنا في الكلام عن الجبال بمعنى أن التكوين ليس واحدًا وقد درسنا أن بعض الجبال جبال بركانية أو قد تأتي بها الأجرام السماوية على شكل كُتل. وهناك شكل آخر من التكوين كما قال تعالى (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ (٢٧) المرسلات) ، وهذا يدل والله أعلم على أن هناك أكثر من وسيلة لتكوين الجبال.