عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ ﴿١٦﴾    [يوسف   آية:١٦]
آية (١٦) : (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ) * القرآن الكريم يستعمل جاء لما فيه صعوبة وشدة، ويستعمل أتى لما فيه سهولة ويسر، (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) هذا أمر عظيم هذا نصر لا يأتي بسهولة وإنما حروب ومعارك، (وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ) هذه فيها قتل، (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ (١٧) النمل) ليس هنا حرب.
  • ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴿١٧﴾    [يوسف   آية:١٧]
آية (١٧) : (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) * قال تعالى (فَأَكَلَهُ) مع أنه يقال في اللغة افترسه الذئب : في اللغة الفرس والافتراس معناه الكسر ودق العنق وليس الأكل وهو مقدمة للأكل. فإذا افترسه ليس شرطًا أنه أكله ومحتمل أن يُنقذ منه لكن في الآية ذكر الأمر النهائي أنه أكله، وعادة الذئب الإفتراس ويُفترض أن يمزّق ثيابه كلها وهم جاءوا على قميصه بدم كذب فدلّ ذلك على أن الذئب لم يفترسه لذا جاء فعل (فَأَكَلَهُ) .
  • ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿١٦﴾    [الرعد   آية:١٦]
* متى يأتي الضر قبل النفع في القرآن؟ حيث يتقدم ما يتضمن النفع يسبق النفع وحيث يتقدم ما يتضمن الضر يقدم الضر. في يونس تقديم الضر (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ .. (٤٩)) قبلها قال تعالى (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ (١١)) هذا ضر، (وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ (١٢)) وبعدها قال (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا (٥٠)) فتقديم الضر أنسب. في الرعد تقديم النفع قال تعالى قبلها (وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) . في سبأ (فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا (٤٢)) قبلها قال (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ (٣٩) سبأ) بسط الرزق نفع ويقدر ضر، فقدم ما يقتضيه السياق.
  • ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴿١٨﴾    [يوسف   آية:١٨]
آية (١٨) : (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) * الوصف بالمصدر (بِدَمٍ كَذِبٍ) أبلغ من كاذب يفيد المبالغة فعندما تصف بالمصدر كأنما تحول الشيء إلى مصدر تقول هذا رجل صِدقٌ ورجلٌ عدلٌ. * الفرق بين طوعت (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ (٣٠) المائدة) وسولت (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا) : لا يجوز في القرآن أن تأتي طوعت مكان سولت أو العكس هما بمعنى واحد لكن: طوّعت فيها شدّة تحتاج إلى جهد، مثل المعادن وكذلك الوحوش والطيور تطويعها يحتاج إلى جهد وبذل، ابن آدم كان يفكر هل يمكن أن يقدم على قتل أخيه فاحتاج وقتًا لترويض نفسه ليفعل هذا الفعل وهو ليس كأي تسويل أو تزيين بسهولة تفعل الشيء وأنت مرتاح. سولت له نفسه أي زينت له الأمر، ليس فيها جهد، كقصة السامري (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) أسهل من أن يقتل الواحد أخاه. * الفرق بين صبرٌ جميل وصبرًا جميلًا: كل واحدة لها دلالة في المعنى غير الأخرى. (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) هذا أمر بالصبر الثابت الدائم أما صبرًا فهو أمر بالصبر في هذه المسألة فقط (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا) .
  • ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴿١٧﴾    [الرعد   آية:١٧]
* السماء في اللغة وفي المدلول القرآني لها معنيان: ١ـ واحدة السموات السبع كقوله تعالى (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) . ٢ـ كل ما علا وارتفع عن الأرض؛ فسقف البيت في اللغة يسمى سماء (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) أي ليمد حبلا إلى سقف بيته ثم ليخنق نفسه، وقد تكون بمعنى السحاب (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) وقد تكون بمعنى المطر (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) وقد تكون بمعنى الفضاء والجو (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ) والارتفاع العالي (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) .
  • ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ﴿٢٠﴾    [يوسف   آية:٢٠]
آية (٢٠) : (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) * (بَخْسٍ) أي دون قدره البخس فيه نوع من الظلم أنت قد تشتري شيئًا يبيعه لك أحدهم بقيمة معينة ثم يقال هذا ثمن بخس لأنه يستحق أكثر، فما دفعته ليس قليلًا ولكن دون قدره. يوسف عليه السلام له قيمة لكن هم باعوه بأقل من قيمته الحقيقية أياً كانت، هم يقولون طفل صغير يأكل ويشرب ولا ينفعنا، ولو قال بثمن قليل قد يكون هو قدره هكذا. * الفرق بين دلالة الجمع في معدودة ومعدودات: القاعدة: جمع غير العاقل إن كان بالإفراد يكون أكثر من حيث العدد من الجمع السالم كأنهار جارية وأنهار جاريات، فالجارية أكثر من حيث العدد من الجاريات، معدودات جمع تفيد القلّة (وهي أقل من ١١) أما معدودة فهي تدل على أكثر من ١١، (دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ) أي أكثر من ١١ درهمًا، ولو قال معدودات لكانت أقل. * تقديم (فِيهِ) لأنه لو قال (وكانوا من الزاهدين فيه) لكان وصفهم بالزهد أي عدم الطمع ولكن هم فيه فقط زاهدون.
  • ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٢٢﴾    [يوسف   آية:٢٢]
آية (٢٢) : (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين) * جاءت كلمة (وَاسْتَوَى) مع موسى عليه السلام في سورة القصص بينما لم ترد مع يوسف عليه السلام: في القصص استوى في اللغة معناها إكتمال الشباب والقوة، السياق الذي وردت فيه استوى واضح موطن القوة البدنية (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) هذا منتهى القوة، (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا) وعندما ذهب إلى مدين (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) الصخرة على البئر تحتاج لعشرة أشخاص رفعها موسى عليه السلام وحده (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) كل هذا مناسب للاستواء وليس مجرد بلوغ الأشد. في يوسف لم يذكر شيء من هذا، لم يكن هناك داعي لذكر موقف القوة ولا ندري إن كان قوياً أم لا، بلوغ الأشد عامة لكن هنالك صفات أخرى معها تذكر في المناسبات الأخرى التي يتكلم عنها السياق. * الفرق من الناحية البيانية بين (وَلَمَّا) و(فَلَمَّا) في سورة يوسف: وردت (فَلَمَّا) في السورة ١٣ مرة، ووردت (وَلَمَّا) ٦ مرّات، هناك سبيلين للتمييز بينهما: الطريقة الإحصائية بحفظ أمكنة (وَلَمَّا) الستة وهي (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) (وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ) (وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ) (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ) (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ) (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ) والباقي يكون (فَلَمَّا) . أما من الناحية التعبيرية: - الفاء تدلّ على الترتيب والتعقيب ويأتي بالفاء عندما يكون هناك تعقيب (قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَّخَاسِرُونَ * فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ) لا يوجد فاصل زمني بين الأمرين، وكذلك في قصة يوسف مع امرأة العزيز (وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) لأن الآية في نفس المشهد والموقف ولا يحتمل التأخير والأحداث تعاقبت الواحدة تلوالأخرى وليس بينها أي تراخي أو فترة زمنية فاصلة طويلة. - أما الواو فهي لمطلق الجمع، في الآية التي جاء فيها (وَلَمَّا) استغرق سنوات طويلة حتى بلغ أشدّه (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً) وكذلك لما ذهب اخوة يوسف إليه في مصر استغرق الأمر زمنًا حتى سافروا ووصلوا إلى يوسف بعد أن كلّمهم أبوهم (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ) . * (آتَيْنَاهُ) وليس وهبناه فالإيتاء لغةً يشمل الهبة وزيادة فهو أعم، وقد يكون في الأموال وغيرها (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) .
  • ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿١٩﴾    [الرعد   آية:١٩]
  • ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴿٢٠﴾    [الرعد   آية:٢٠]
  • ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ﴿٢١﴾    [الرعد   آية:٢١]
  • ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴿٢٢﴾    [الرعد   آية:٢٢]
  • ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ ﴿٢٣﴾    [الرعد   آية:٢٣]
  • ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴿٢٤﴾    [الرعد   آية:٢٤]
* اللمسة البيانية في استعمال الأفعال المضارعة في أول الآيات وآخرها واستعمال ثلاثة أفعال ماضية في وسطها: يَتَذَكَّرُ - يُوفُونَ - يَنْقُضُونَ - يَصِلُونَ - أَمَرَ - وَيَخْشَوْنَ - وَيَخَافُونَ - صَبَرُوا - وَأَقَامُوا - وَأَنْفَقُوا - رَزَقْنَاهُمْ - وَيَدْرَءُونَ. يعبّر بالفعل الماضي عما كان له وقت محدد كالصلاة والزكاة لها أوقات محددة أو عما يكون سابق لكل هذه الأوصاف كالصبر لأنها كلها تحتاج إلى صبر فهو أسبق منها جميعًا فعبر عنه بالماضي، وما عدا ذلك هو مستمر (يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ) (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) ... ليس لها وقت، ومن خصوصيات التعبير والبيان القرآني أن الصبر لم يأت صلة موصول بغير صيغة الماضي قال (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) (وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ) (الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) . * (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أطلق ولم يذكر (بالغيب) : الخشية بالغيب جزء من الخشية العامة، وعندما يطلق الخشية يطلق الوصف ويطلق الأجر. آية الرعد مطلقة بدون (بِالغَيْبِ) فأطلق الوصف: - وصفهم بأنهم أولو الألباب وقصّر التذكر عليهم (إِنَّمَا) أداة قصر (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) . - (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ) هذا وصف عام يشمل جميع كل ما أمر الله به. - (وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ) . - (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) . - (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) . - (وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) . - (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) . - (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) هذه مطلقة بالغيب وزيادة (سِرًّا وَعَلَانِيَةً) . - (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) . - جزاؤهم (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) يدخل معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم يحيونهم (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) . لو نظرنا في جميع الآيات التي ورد فيها قوله (يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ) تشمل جزء مما ذكر في سورة الرعد: في الأنبياء (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)) ذكرًا للمتقين، يخشون ربهم بالغيب، من الساعة مشفقون، ما ذكر في الرعد أكثر. في فاطر (إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)) أمران يخشون ربهم وأقاموا الصلاة هذه جزء مما ورد في سورة الرعد. في الملك (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)) فقط يخشون ربهم بالغيب لم يذكر شيئًا آخر. في ق (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ (٣٣)) لم يذكر عبادة بدنية مثل الإنفاق وإقامة الصلاة، كلها عبادات قلبية (أواب، حفيظ، قلب منيب) فسورة الرعد أعمّ. في يس (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)) - قال (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) ولم يذكر صفات أخرى، لكن في سورة الرعد ذكر اتباع الذكر على درجة الإحسان؛ أنت عندما تنفق تكون اتبعت الذكر لكن هؤلاء ما اكتفوا وإنما أنفقوا سرًا وعلانية هذا ليس مجرد إتّباع هذا إحسان في الانفاق، ولما قال (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) هذا إحسان في الإتباع، لاحظ (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا (٤٠) الشورى) هذا اتّباع (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (٤٠) الشورى) هذا أعلى، (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) هذا أعلى، هذا إحسان في الإتباع وليس اتباعًا فقط، إذن صارت آية يس جزء مما ورد في الرعد. - حتى الجزاء في آية الرعد أعلى (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) بينما في يس قال (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) الأجر هو الجزاء على العمل ولا يعني الجنة بالضرورة قد يكون في الدنيا. آية الزمر (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) اقشعرار الجلود ولينها أمر داخلي ولين القلوب لا يشعر بها غير صاحبها وربنا سبحانه وتعالى، إذن دخل فيها (بالغيب) فإذا قال هنا بالغيب لا تفيد ليس لها هنا موضع أصلًا. * (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ) ما قال صلُح قال من صَلَح رأفة بالعباد، صلُح أي صار صالحًا إلى حد كبير من الصلاح والله تعالى من رحمته بعباده يكفيه أن يكون الإنسان صالحًا لا أن يبلغ ذلك المبلغ في الصلاح.
  • ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴿٢٥﴾    [الرعد   آية:٢٥]
* (لَهُمُ اللَّعْنَةُ) وليس عليهم اللعنة مع أن القرآن الكريم يستخدم عليهم (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) : من حيث اللغة كل واحدة لها معنى، (لهم) أقوى فيها ملكية، هذا لهم، هذا استحقاقهم، هذا نصيبهم. لو قرأنا السياق كله سيتضح السبب، هو ذكر صنفين من الناس صنف مؤمن وصنف كافر، مع المؤمنين قال (أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)) (لهم)، ذكر بعدها الصنف الآخر، هؤلاء ماذا لهم في المقابل ؟ (أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) . * الفرق بين هذه التعبيرات (أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) البقرة) - (أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ (٨٧) آل عمران) - (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) الرعد) - (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي (٧٨) ص) : مرة (يَلْعَنُهُمُ) بالمضارع ومرة (لَعَنَهُمُ) بالماضي ومرة (عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ) ومرة (لَهُمُ اللَّعْنَةُ) ومرة (عَلَيْكَ لَعْنَتِي) . في سورة البقرة (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) بالمضارع والمضارع للحال والمستقبل فالقضية مستمرة ففي كل عصر هناك من يكتم الآيات البينات ويكتم الحق. في سورة آل عمران (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هذه قضية حُكم بها وانتهت هؤلاء الذين ارتدوا بعد الإسلام بعد أن آمنوا بالله وقالوا محمد رسول الله (أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ) التعبير بـ (إن واسمها وخبرها) من باب التهديد. في سورة الرعد مجموعة ذنوب كبيرة بعضها أكبر من بعض فاجتمعت فقال (لَهُمُ) هذه اللام للاختصاص وكأنه لا يلعن أحدٌ كما يلعن هؤلاء، ففرق بين أن أقول هذه لك وهذه عليك (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) كأن اللعن ما خُلِق إلا لهؤلاء الذين ينقضون عهد الله بالتوحيد، وما تركوا شيئًا رب العالمين أمر أن يوصل إلا قطعوه (وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) قتل وإبادة وتكفير وما إلى ذلك (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) كأنها ما من أحد يُلعَن كما يلعن هؤلاء. في سورة ص أقوى هذه التعبيرات الرهيبة جاءت مرة واحدة في القرآن لعن بها إبليس (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) اختصه رب العالمين وحده باللعنة، هناك لعنة الله والملائكة والناس، لكن أنت إبليس عليك لعنتي أختص أنا وحدي بلعنك.
  • ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿٢٣﴾    [يوسف   آية:٢٣]
آية (٢٣) : (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) * استعمال إسم الموصول (الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا) ولم يقل امرأة العزيز أو لفظة أخرى: في الغالب لا يذكر القرآن الأسماء، والعلماء يقولون فيه أمران: - الأول هو سترٌ عليها وعدم فضيحة لأن يرتبط هذا باسمها. - الثاني وهو الأرجح نوع من الترفّع عنها وبيان عظمة موقف يوسف عليه السلام أنه هو تابع، هو في بيتها والمفروض أن يسمع وأن يطيع فهي سيّدته ينبغي أن يخاف منها فضلاً عن كونه شاب يمكن أن يدخل في نفسه شيء تجاهها لكن يخاف أن يعرض لها باعتبار أنه عبد مملوك وإنما هي عرضت له وهذه فرصة بالنسبة له. فكأنما يريد القرآن أن يبيّن لنا هذا الموقف النبيل العظيم من هذا الإنسان الذي نُبّيء فيما بعد وصار نبيًّا، فهذا نوع من رفعة شأنه. * ما هو المثوى؟.ولماذا لم ترد في حال أهل الجنة أبدًا؟ ولا يوجد نص على أن الجنة مثوى المؤمنين؟ المثوى في اللغة المنزل أو المكان الذي يثوي فيه الإنسان، والثواء هو الإنحسار في مكان ويكون عادة الإنسان فيه قليل الحركة مثل المسكن، الحجرة التي يبيت فيها، حركته محدودة فيها، قول يوسف عليه السلام (أَحْسَنَ مَثْوَايَ) يعني هذا المكان الذي أنا فيه، أحسن منزلي، هو يريد أن ينطلق، ولذلك نجدها في أكثر من سورة في حال الدنيا (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) أي نُزُله في الدنيا (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ)، (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) الأماكن التي تتقلبون فيها، تنتقلون إليها والمكان الذي تستقرون فيه. في الآخرة إستعمل اللفظة للنار فقط لأن الجنة ليست منطقة ضيقة محصورة إنا نتبوأ من الجنة حيث نشاء، فيها السعة والإنطلاق.
إظهار النتائج من 2821 إلى 2830 من إجمالي 12325 نتيجة.