عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴿٧﴾    [طه   آية:٧]
آية (٧) : (وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) * (السِّرَّ وَأَخْفَى) أخفى يعنى أدق وأصغر، الذى لم يصل إلى السر بعد، أنت الآن هل تعلم ما سوف تسرّ بعد ساعتين ؟ لا. إذاً هذا مخفى فهو أخفى من السر. فالله يعلم ليس فقط السر ولكن قبل أن يحصل السر يعلم الله ماذا سأسرّ، فالله يعلم بهذا قبلك، عندما يأتى صار سرًا ولكن قبله أخفى من السر، فالله يعلم ما لا يعلمه الإنسان فى نفسه قبل أن يصل إليه، فالجهر أعلمه أنا ويعلمه غيرى والسر أعلمه أنا ولا يعلمه غيرى وما أخفى من السر يعلمه الله ولا أعلمه لا أنا ولا غيرى.
  • ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴿١٤﴾    [الحج   آية:١٤]
آية (١٤) : (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) * الفرق بين (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)) و (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء (١٨)) : قسم قالوا الإرادة كالمشيئة، وقسم قالوا الإرادة ليست كالمشيئة: - المشيئة مُلزمة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، المشيئة ليس فيها وجهان إذا شاء حصل. - الإرادة نوعان: إرادة إلزام و إرادة مناط التكليف، إذا أراد شيئًا إرادة إلزام يقول له كن فيكون (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) مثل قوله (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ) هذا ما أراد ونفذ، أما إرادة مناط التكليف هذه إرادة العبادة وإرادة الناس فربنا يريد من عباده المكلفين أشياء يستحبها لهم ويريدها منهم وهم يعصونه ولا يفعلونها، وهو لا يريد المعصية، المعصية وقعت إذن خلاف ما أراد الله لأنها ليست إرادة إلزام فالإرادة هنا لا تقتضي وجود الشيء. إذن لو شاء يفعل ولو يريد إرادة إلزام لفعل.
  • ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴿٩﴾    [طه   آية:٩]
آية (٩) : (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى) * ابتدأ الله تعالى نبيّه بالسؤال عن معرفته بحديث موسى مع أنه لا علم مسبق له بذلك للتشويق إلى الخبر وليس المراد الاستفهام الحقيقي، وزاد من هذا التشويق قوله تعالى في الآية التالية (إِذْ رَأَى نَارًا (١٠)) .
  • ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴿٨٣﴾    [الأنبياء   آية:٨٣]
* الفرق بين الضُرّ والضَر والضرر: الضُر ما يحصل في البدن من سوء كمرض وغيره (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) . الضَر مصدر بما يقابل النفع (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا (١٨٨) الأعراف) . الضرر الإسم عام أي النقصان يدخل في الشيء يقال دخل عليه ضرر (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ) أي الذين فيهم عِلّة.
  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿١٧﴾    [الحج   آية:١٧]
آية (١٧) : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) * عبّر تعالى هنا بالذين هادوا ولم يقل اليهود إشارة إلى أنهم الذين انتسبوا إلى اليهود وليسوا اليهود من سبط يهوذا . * وجه الإختلاف البياني بين آية سورة البقرة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)) وآية المائدة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)) وآية الحج: من حيث الناحية الإعرابية : النصب في آية البقرة وآية الحج (وَالصَّابِئِينَ) معطوف على منصوب . الرفع في آية المائدة على محل إسم إنّ، فالأصل إسم إنّ قبل أن تدخل عليه مرفوع فهذا مرفوع على المحل، أو يجعلوه جملة معترضة (والصابئون كذلك) . لكن لماذا رفع؟ (إنّ) تفيد التوكيد ، (الصابئون) غير مؤكد والباقي مؤكد لماذا؟ لأنهم دونهم في المنزلة ، أبعد المذكورين ضلالاً والباقون أصحاب كتاب ، الذين هادوا عندهم التوراة والنصارى عندهم كتاب الإنجيل والذين آمنوا عندهم القرآن ، الصابئون ما عندهم كتاب خرجوا عن الديانات المشهورة ، صبأ في اللغة أي خرج عن الدين ، ولذلك هم دونهم في الديانة والاعتقاد ولذلك لم يجعلهم بمنزلة واحدة فرفع فكانوا أقل توكيداً ، وجاءت هذه الآية لتلفتنا أن هذه التصفية تشمل الصابئين أيضاً فقدمتها ورفعتها لتلفت إليها الآذان بقوة ، ولتقطع اليأس فالصابئون كذلك كلهم يغفر لهم إذا تابوا . من حيث التقديم والتأخير في الترتيب : آية البقرة (وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ) لم يذم عقيدة النصارى وحشرهم على الجانب التاريخي فذكر اليهود ومن ورائهم بالترتيب التاريخي ووضع الصابئين في آخر المِلل، والذين آمنوا مقدّمون على الجميع . في المائدة (وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى) قدّم الصابئين لأنه ذمّ النصارى في المائدة ذماً فظيعاً على معتقداتهم، تكلم على عقيدة التثليث جعلهم كأنهم لم يؤمنوا بالله وكأنهم صنف من المشركين (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (٧٢)) (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ .. (٧٣)) فأخّر النصارى حتى تكون منزلتهم أقل لأنه ذمّ عقيدتهم . في الحج (وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى) الكلام على الفصل يوم القيامة ، تحدث عن مطلق الايمان والكفر والحساب يوم القيامة، فلا بد أن تكون متلازمة، فجمعهم وجعل العطف عطفًا طبيعيًا . * الفرق بين الحكم والفصل في القرآن الكريم: الحكم القضاء والفصل أشد لأنه يكون بَوْن أحدهما أن يكون بينهما فاصل حاجز فهو يتضمن حكم وفصل. إذن لما يقول في القرآن يفصل بينهم تكون المسافة أبعد كأن يذهب أحدهم إلى الجنة والآخر إلى النار أما الحكم فلا وقد يكون في ملة واحدة، مثل (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) النحل) اختلاف في ملة واحدة وهم اليهود، وكلهم يذهبون معًا إلى جهة واحدة مع بعض وليس هناك فصل، بينما في آية الحج (١٧) هؤلاء لا يذهبون إلى جهة واحدة فهم فئات مختلفة إذن يفصل. * في الحج (إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي السجدة (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٢٥)) : - لفظ الرب ورد في السجدة أكثر مما ورد في الحج لفظ الرب في السجدة ١٠ مرات وفي الحج ٨ مرات. - لفظ الله في الحج ورد أكثر مما ورد في السجدة، لفظ الله في الحج ورد ٧٥ مرة وفي السجدة مرة واحدة.
  • ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ﴿١٠﴾    [طه   آية:١٠]
آية (١٠) : (إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) * الفرق بين الشهاب والقبس والجذوة: الشهاب هو شعلة من النار ساطعة فيها لهب، القبس اي شيء يؤخذ من النار سواء كان جذوة أم شهاب، قبس تقبسه تأخذه، شهاب قبس أي قطعة مشتعلة تأتي بعود على النار فيلتهب تأخذه صار شهابًا قبسًا، الجذوة هي الجمرة بغض النظر عن الحجم ، عود فيه نار بلا لهب هذه جذوة. في سورة طه قال (لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)) لا قال شهاب ولا قال جذوة، قال قبس هذا هو العام، والقبس قد يكون شهاب وقد يكون جذوة، ليس هناك تناقض في المسألة. * الفرق بين (سَآتِيكُم) و (لَعَلِّي آَتِيكُمْ) وماذا قال تحديدًا: موسى عليه السلام قال الاثنين (سَآتِيكُم) (لَعَلِّي آَتِيكُمْ)،هو سيرى ماذا يستطيع أن يفعل، قال إحداها على القطع والأخرى على الاحتمال، والإنسان أحيانًا يقول هذا ويقول ذاك، سآتي اليوم لعلي أستطيع، مرة قطعت ومرة احتمال. في سورة طه (لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) احتمال ليس متأكدًا. في سورة النمل (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)) سأتيكم قطع، في مكان القوة لأنه في سورة النمل كان قويًا. في سورة القصص قال (آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)) احتمال ليس متأكدًا، سياق القصص في الخوف من أولها إلى آخرها.
  • ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴿١٨﴾    [الحج   آية:١٨]
آية (١٨) : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) * الفرق بين استعمال من وما مع السجود: (من) تستعمل لذوات العقلاء وأولي العلم فقط أما (ما) فتستعمل لصفات العقلاء (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) والله هو الخالق، وذوات غير العاقل (أشرب من ما تشرب) وهي أعمّ وأشمل، ونلاحظ في القرآن أنه تعالى عندما يستعمل (من) يعطف عليها ما لا يعقل كما في الآية (١٨) أما عندما يستعمل (ما) فإنه يعطف عليها ما يعقل (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ (٤٩)النحل) والحكمة البيانية منه الجمع.
  • ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴿١٩﴾    [الحج   آية:١٩]
آية (١٩) : (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) * استعمال صيغة الجمع مع أن الخصمان مثنى: كلمة الخصم تستخدم في القرآن الكريم للدلالة على المفرد والمثنى والجمع نقول: هذا خصم، هذان خصم،هؤلاء خصم ويمكن أن نقول هؤلاء خصوم. لما استعمل خصمان أي فئتان وليس بمعنى فرد بدليل ما أتبع ذلك. هذان خصمان مجموعتان الأولى (فالذين كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ... وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) هذا الخصم الأول، هذا جمع ما قال فالذي كفر وإنما قال (فالذين كَفَرُوا)، والثانية (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ ... وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) هذا الخصم الثاني. * منظر حافل بالحركة المتكررة المليء بالتخييل الذي يبعثه النَسَق، فلا يكاد ينتهي الخيال من تتبعه لأنه مشهد متجدد. فها هي الثياب من النار تُقطّع وتفصّل وهذا حميم يُصب من فوق الرؤوس يُصهر به ما في البطون والجلود. وهذه مقامع من حديد وهذا هو العذاب يشتد ويتجاوز الطاقة فيهبّ الذين كفروا من الوهج والحميم والضرب الأليم. يهبّون للخروج من هذا الغمّ وإذا بهم يُردّون بعنف (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) . * (قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ) التقطيع فيه مبالغة القطع، وقد جاء (قُطِّعَتْ) مضعّفًا لرصد صورة القطع القاسي ولرسم ملامح السرعة في إعداد ثياب من نار من شانها إحراق الجلود ولا سيما وأن مادة الثياب التي نسجت منها هي نار تتلظى. * (يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ) (من) يسموها إبتداء الغاية ملاصق لا يسمح لأحد بأن يدخل مثلاً (لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ (١٦) الزمر) مباشرة عليهم لو قال فوقهم تحتمل بُعد المسافة، (يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) مباشرة على رؤوسهم.
  • ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ﴿١١﴾    [طه   آية:١١]
آية (١١) : (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى) * وجه الإختلاف بين (أَتَاهَا) في سورة طه و(جَاءَهَا) في سورة النمل: المجيء والإتيان معناه أنه وصل للمكان، ولكن لا بد أن ننظر في السياق، فى سورة النمل (جَاءَهَا) فيها قوة وشدة تتناسب مع جو القوة، أما فى سورة طه تكرر لفظ الإتيان أكثر من ١٥ مرة والمجيء ٤ مرات. * (نُودِيَ) البناء للمجهول هو نوع من التعظيم والتفخيم لله سبحانه وتعالى الذي نادى.
  • ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴿٨٤﴾    [الأنبياء   آية:٨٤]
الفرق بين (مِنْ عِنْدِنَا) و (رَحْمَةً مِّنَّا) : - (مِنْ عِنْدِنَا) أخص فالقرآن يستعملها مع المؤمنين فقط فمع سيدنا نوح (وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِه (٢٨) هود)، (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا) (وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) . - (رَحْمَةً مِّنَّا) عامة يستعملها مع المؤمن والكافر مثل (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً (٥٠) فصلت) . هل حصل تناقض رحمة منا أو رحمة من عندنا؟ لا، من أين الرحمة؟ الضمير عائد على الله سبحانه وتعالى، إذن ليس هناك تناقض لكن اختيار المفردات بحسب السياق الذي ترد فيه. * ورد هذان التعبيران في نبي واحد هو سيدنا أيوب قصة واحدة لكن مرة قال رحمة منا ومرة رحمة من عندنا: قصة أيوب عليه السلام في سورتي الأنبياء وص سورة الأنبياء سورة ص (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)) (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)) (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) وليس الضر بالضرورة وسوسة الشيطان (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) فدخل في نفسه شيء من هذه الوسوسة، وهي خِلاف الأَوْلى فلم يخصص الرحمة (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) أرحم الراحمين يوسع عليه يعطيه أكثر وكأنه يستجدي من الله برحمته، فهذا يستجيب له فيخصه برحمة لم يذكر رحمته (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ) عرفنا تصريحًا أن الله استجاب لهذا الدعاء لم يقل فاستجبنا له ولكن عرفنا ضِمنًا أن ربنا استجاب له (وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ) - الإيتاء في اللغة أعم يشمل الهبة وزيادة، وقد يكون في الأموال وغيرها، (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) آتينا أعم من وهبنا، لا نقول وهبنا ثمود الناقة، (آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) لا نقول وهبنا الكتاب، الإيتاء أوسع. - ذكر مشتقات الإيتاء أكثر، وردت ست مرات في الأنبياء (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء (٤٨)) (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ (٥١)) (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا (٧٤)) (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا (٧٩)) (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ (٨٤)) (وَإِيتَاء الزَّكَاةِ (٧٣)) (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ) - ذكر الإيتاء مرة واحدة في ص (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)) - ذكر مشتقات الهبة أكثر (خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)) (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ (٣٠)) (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (٣٥)) (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ (٤٣)) خمس مرات في ص ومرتين في الأنبياء (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) - العابدون يشملون أولي الألباب وزيادة، فالعابد يجب أن يكون من أولي الألباب - العبادة والعابدين ، وردت أكثر في الأنبياء عشر مرات - لم ترد أولو الألباب في سورة الأنبياء أصلًا. (وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) - قد يكون من أولي الألباب لكن ليس عابدًا - وردت مشتقات العبادة خمس مرات - وردت (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (٢٩)) (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا) رحمة خاصة مناسبة للسياق فكلمة آتيناه وهبنا له وزيادة، رحمة من عندنا تشمل رحمة منا وزيادة، للعابدين تشمل أولي الألباب وزيادة (رَحْمَةً مِنَّا) قصة أيوب في الموضعين ذكرت بعد قصة داوود وسليمان السياق في مقام الثناء (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا (٧٩)) هذا مدح، حكم وعلم. (مِنْ عِنْدِنَا) تتناسب مع السياق الوارد. السياق في في الابتلاءات والفتن فذكر في داوود وسليمان ما هو خِلاف الأوْلى: - في داوود (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)) معناه هناك فتنة. فاستغفر ربه. - في سليمان (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)) - وهنا أيضًا (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) في الابتلاء والفتن * قد يقول قائل ماذا قال سيدنا أيوب بالضبط؟ قد يكون قال أكثر من هذا لكن ربنا ذكر هذا فقط، في هذا الموقف قال هذه الجملة وفي ذلك الموقف قال هذه الجملة، هل دعا مرة واحدة.؟ لا، إذن لا تعارض ولا تغاير، لو قال لم يستجب له لصار تعارض.
إظهار النتائج من 2941 إلى 2950 من إجمالي 12325 نتيجة.