آية (٤٢) : (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي)
* الفرق بين (اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي) والآية (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣)) :
الموضعان والمقامان مختلفان الآية (٤٢) هذا الخطاب لموسى وحده أول مرة عندما ذهب ورأى النار، أما (٤٣) هذا خطاب آخر لهما، هارون كان حاضرًا هذا مقام آخر ومكان آخر، بينهما زمن.
* في الأنبياء (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ) بينما في الكهف (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) :
في سورة الأنبياء لما تقدم إثبات كون الرسل عليهم السلام من البشر فيما حكاه تعالى من قول الكفار بعضهم لبعض (.. هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ .. (٣)) ثم قال رادًا لقولهم مثبتًا كون الرسل من البشر (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ .. (٧)) ثم تتابع ذكر الرسل من البشر في السورة في عدة مواضع إفصاحًا وإشارة وآخرها (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)) لنبينا عليه الصلاة والسلام لم يحتج هنا أن يذكر كونه بشر (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)) .
في سورة الكهف لم يتقدم فيها مثل هذا فكان مظنة الإعلام بكونه صلى الله عليه وسلم من البشر .
آية (٤٦) : (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)
* قدم السمع على البصر لأن من يسمعك أقرب إليك ممن يراك، أنت ترى النجوم والكواكب وترى رجلًا من بعيد ولا تسمع صوته (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) يشعر بالقرب والطمأنينة وفي مجال الدعوة والتبليغ السمع أهم من البصر.
في الأنبياء (أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ) وفي الجن (أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا) :
في سورة الأنبياء قابل القريب بالبعيد (أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ) الوعد الذي هو يوم القيامة، وذكر في السياق أمورًا تتعلق بالآخرة هي ليست قريبة (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ) (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ) وذكر جملة وعود تتعلق بأحوال الآخرة (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) هذه أمور ظاهرة البعد فناسب ذكر البُعد في آية الأنبياء.
في سورة الجن قال قبلها (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا) ثم قال (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)) (مَّا تُوعَدُونَ) تحتمل يوم القيامة وتحتمل ما يرونه في نصر المسلمين في بدر وهو ليس بعيدًا كما ذكر في الأنبياء، وليست هناك قرينة سياقية تحدد معنى معينًا.
آية (٤٧) : (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى)
* قال قبلها (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)) بينما هنا (فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) بدون (له) :
في الآية الأولى الكلام لفرعون لأنه إذا لان لان قومه الغرض واضح، أما هنا هذا تبليغ عام ليس (له) خاصة، إلى فرعون وملئه، للجميع.
* الفرق من الناحية البيانية في استخدام (إِنَّا رَسُولُ) (إِنَّا رَسُولَا) (إِنِّي رَسُولُ) في قصة موسى وهارون :
كلمة رسول في اللغة تُطلق على المفرد والجمع مثل بشر وطفل وضيف، فاختار تعالى كل كلمة في السياق المناسب لها:
في سورة طه السياق كله مبني على التثنية من قوله تعالى (اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ) إلى قوله (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) (قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ) (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)) .
في سورة الشعراء (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)) السياق كله مبني على الإفراد والوحدة من قوله تعالى (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨)) مع العلم أن أوائل السورة فيها تثنية َ (١٥) (١٦) ثم يُغيّب هارون وتعود إلى الوحدة ويستمر النقاش مع موسى وحده (٢٧) (٢٩) (٣٠) (٣٤) .
في سورة الزخرف قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦)) لم يأت ذكر هارون في سياق السورة كلها أصلًا.
هذه الآيات الثلاث لا تعارض فيها وإنما هي لقصة واحدة بمشاهد متعددة جاء بجزء منها بما يقتضيه السياق في السورة، موسى وهارون ذهبا إلى فرعون هذا الموقف عبر القرآن عنه في ثلاث مواطن مختلفة ذكرهما باعتبار ما حدث، علينا أن ندرس القصة كلها فهي ليست جلسة واحدة وإنما عدة لقاءات والكلام مرة يكون لهما معًا ومرة لموسى وحده هارون يسكت ويتكلم موسى فيوجه الكلام لموسى بحسب ما حدث فاختار أدق كلمة في التعبير.
آية (٥٠) : (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)
* كثيرًا ما تقترن الهداية بالرب لأن الهدى من مهمة المُربي الذي يوجه ويُرشد، معنى الرب في اللغة المربي.
آية (٥٣) : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى)
* تحول الخطاب من المفرد (جَعَلَ) (وَسَلَكَ) (وَأَنْزَلَ) إلى الجمع (فَأَخْرَجْنَا) :
هذا يسمى التفاف وقد ورد في القرآن كثيرًا لتطرية نشاط السامع.
* في آيتي الأنبياء والأعلى قدم الجهر بينما في آية سورة محمد لم يذكر الجهر:
في سورة الأنبياء (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ) قدم الجهر على الكتمان فقبلها (فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء) الإيذان هو الإعلام والإشهار - من الآذان - يعنى لم أترك أحدًا، فبدأ بالجهر لتناسبه معه فى الإعلام.
في سورة الأعلى قدم الجهر على الإخفاء (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى(٧)) وقال قبلها (سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى) الإقراء خاص بالقرآن الكريم الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم والإقراء يكون بالجهر بخلاف القراءة تكون سرًا وجهرًا، فقدم الجهر.
في سورة محمد (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)) إذًا هم ذكروا الجهر حينما قالوا (سَنُطِيعُكُمْ) وبقى الإسرار، لكنهم قالوا (فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) ما هو بعض الأمر؟ ما أسروه، فقال تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) .
آية (٦٣) : (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى)
* (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) :
- قراءة حفص المشهورة والمثبتة هي (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) إن المخففة واللام الفارقة -لأنها تفرق بين النفي والإثبات- في (لساحران) ليس فيها أي إشكال، لابد أن يأتي مع خبرها اللام الفارقة هذه حتى تتميز بينها وبين (إن) النافية، لأنك لو حذفت اللام ستكون نافية (إن هذان ساحران) تنفي السحر عنهما بمعنى ما هذان ساحران، مثل (وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) الشعراء) أنت كاذب، وإن نظنك من الكاذبين لست كاذبًا.
- هنالك قراءة أخرى صحيحة ومتواترة (إنّ هذان لساحران) إنّ تنصب المبتدأ وترفع الخبر فتكون الآية خارج القرآن إنّ هذين لساحران، لكن في العربية قد تأتي (إنّ) بمعنى نعم ، يتردد كثيرًا في كتب اللغة والنحو أن واحدًا قال لابن الزبير لعن الله ناقة حملتني إليك قال إنّ وراكبها، يعني نعم ولعن راكبها، (إنّ) من أقدم أدوات الإيجاب بمعنى نعم، و(إنّ) في العبرية (هِنّ) بمعنى نعم وفي الآرامية (إنّ) بمعنى نعم، واستعملها فرعون على موسى (إنّ هذان لساحران) استعملها كما استعملها في العبرية القديمة وفي الآرامية لهذا المعنى، نعم هذان لساحران، وهذا من أعجب التعبير، استعملها بلغة عصره كما استعمل السيد بمعنى الزوج وكما استعمل الملك وفرعون وكما استعمل هامان والعزيز هذا مما يدل على الإعجاز وحينما نزلت هذه الاية ما ثبت أن كفار مكة اعترضوا وهم أهل بيان فهذه لغتهم، هذه لهجة عندهم وفيها تخريجات (إنّ) بمعنى نعم عندهم فليس فيها إشكال بالنسبة لهم، لكن الغريب أنها تستعمل في هذا الموطن في قصة فرعون وموسى الذي يتحدث هذه اللغة.
- التخريج الآخر أن هذا على لغة من يجعل المثنى بالألف أيّاً كان موضعها في الجملة منصوب، مجرور، مرفوع والقرآن يستعمل أحيانًا بعض اللغات فهذه جاءت على تلك الللغة وهي موجودة في لغة العرب.
- هناك تخريج آخر أنها ضمير الشأن، (إنّ) أصلها إنها ذان لساحران مثلها ضمير الشأن في (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ)
مفتتح السورة (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ (١)) وفي الآخر (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ (٩٧)) حساب الناس هو الوعد الحق.
ذكر (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) الحساب إجمال أعقبه تفصيل ماذا يحصل في هذا الوعد الحق سيكون الناس قسمين (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)) ثم يذكر السعداء (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)) .
في الأول (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ (٣)) وفصّله في الآخر (يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)) وكأن لسان حالهم يقول أن قلوبهم كانت لاهية واعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا في غفلة.