آية (٢٣٩) : (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ)
* جاء ربنا بالأمن بـ (إذا) فقال (فَإِذَا أَمِنتُمْ) وجاء بالخوف بـ (إن) (فَإنْ خِفْتُمْ) فهذا بشارة لنا نحن المسلمين بأن النصر والأمن سيكون لنا مهما طال أمر الفزع والخوف فـ (إن) تستعمل في الشك والتقليل فأدخلها ربنا تعالى على الخوف وتستعمل (إذا) لليقين والقطع فاستعملها ربنا مع الأمن.
آية (٩٣) : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)
* بدأت الآية بأسلوب استفهام إنكاري للرد على المفترين ونفي مزاعمهم دون النفي المباشر لترسم صورة الحوار فتبعث في النفس أن سائلاً سأل والكل رفض الدعوة وكأن الآية تقول لا أحد أظلم من هؤلاء.
* تنكير الكذب ليشمل كل كذب عام لأن التنكير في اللغة يفيد العموم والشمول والمعرفة ما دلّ على شيء معين (الكذب) يقصد شيئاً معيناً بأمر معين بالذات مذكور في السياق.
* عبّر الله عن هذا الألم وهذه الشدة بقوله (فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ) والغمرة هي ما يعم ويغمر فلا يترك للمغمور مخلصاً وكأن الإنسان قد أحاطت به أمواج متلاطمة من كل إتجاه كيف تكون نفسه وجلة حين يغمره الوادي أو السيل. وهذا هو شأن الظالم وهو مغمور بذنوبه التي ارتكبها فلا منجى منها ولا خلاص.
* (غَمَرَاتِ الْمَوْتِ) جمع الغمرة للمبالغة في تهويل ما يصيبهم من أصناف الشدائد وألوانها وأنواعها.
آية (٢٤٣) : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ)
* (أَلَمْ تَرَ) في اللغة العربية تأتي بمعنيين. الأول: السؤال عن الرؤية البصرية والرؤية القلبية، والمعنى الآخر معناها ألم تعلم ألم ينتهي علمك؟ للتعجيب سواء رآه أو لم يسبق له رؤيته للفت نظر السامع الذي يحدثه والمخاطب إلى أمر يدعو إلى التأمل والعجب من الحالة أو من قدرة الله أو ما إلى ذلك، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) ألم ينتهي علمك؟ ألم تسمع منهم؟ ألا تتعجب من أولئك؟ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ) إقرأ الحوار بينهم ألا تعجب من هذا المتكبر وكيف كان يحاوره إبراهيم؟.
* الفرق بين آلآف وألوف (وَهُمْ أُلُوفٌ) في القرآن:
آلآف من أوزان جمع القِلّة (أفعال) أفعُل، أفعال، أفعِلة، فِعلة. من أوزان القِلّة، وألوف من الكثرة. لذلك قال ربنا سبحانه وتعالى (أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) آل عمران) لأن القلة من الثلاثة إلى العشرة فإن تجاوزها دخل في الكثرة (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) قال بعضهم قطعاً أكثر من عشرة آلآف وقسم أوصلهم إلى أربعين ألفاً.
آية (٩٤) : (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ)
* الفرق بين الآية وآية الكهف (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) :
- فى سورة الكهف قال (صَفًّا) لأنها في الحشر أما هنا قال (فُرَادَى) لأن الحال في الدنيا أن يموت الناس فرادى، والسياق قبلها (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ...).
- هنا قال (وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) في الدنيا الأموال تركتموها للورثة بينما في الكهف لم يقل هذا لأن السياق في الآخرة الأرض تنسف والجبال تنسف ولا يبقى شيء كلها ذهبت.
آية (٢٤٥) : (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
*(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ) معناه أنه من باب التطوع و الترغيب وليس من باب الإلزام، فالقرض هو إعطاء مال وتوقع إسترداده لكنه ليس ملزماً لك أن تعطي قرضاً لأحد.
* لم يذكر القرآن القرض إلا وصفه بالحسن وهو أن يكون نقياً حلالاً خالصاً من شوائب الرياء والمنّ وأن يكون عن طيب نفس ، وأن يتحرى أفضل الجهات التي فيها نفع للمسلمين.
* لا تجد القرض في القرآن إلا لله ، لم يأت إلا قرضاً حسناً ومع الله تعالى فقط (يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا) حتى يفرق بين القرض الذي هو في المعاملات بين الناس والقرض الذي هو عبادة مع الله، لو قال أقرضوا لم تختص بالعبادة، ولأنه مع الله فإن ثوابه من الله عز وجل (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً).
* قال تعالى (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) وفى سورة الحديد ذكر المضاعفة مع الأجر الكريم (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) :
- في سورة البقرة ذكر الكمّ ولم يذكر الكيف (أَضْعَافًا كَثِيرَةً) وفي الحديد ذكر الكمّ (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ) وذكر الكيف (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) والكريم الحسن البالغ الجودة، وسورة الحديد مطبوعة بطابع الإيمان والانفاق، هذا أمر.
- الأمر الآخر أنه قال في سورة البقرة (وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ) يقبض معناه يضيّق الرزق ويمسك هذا في الدنيا، فيها تهديد بالقبض، فصاحب المال محتمل أن يصيبه قبض وتضييق في الرزق فيحتاج إلى المال فقال (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) فأنت أنفِق حتى لا يصيبك القبض وحتى يأتيك البسط ، هذا من باب تبصيره في الأمر، أما في سورة الحديد فليس فيها تهديد بالقبض فقال تعالى (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ).
- قال في آية أخرى في سورة البقرة (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)) في مقام التكثير فناسب سياق التكثير في السورة.
* الفرق بين خواتيم الآيتين (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) :
- آية البقرة واقعة في سياق القتال والموت (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ .. (٢٤٣) وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ .. (٢٤٤) مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا .. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ .. (٢٤٦)) والقتل مظنّة الرجوع إلى الله تعالى فقال (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).
- في سورة الحديد الكلام في الإنفاق وليس في الموت والقتال فقال (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ).
* الفرق بين دلالة إستعمال (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) في الآية و(وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) في سورة الملك في القرآن:
- الآية هنا تتكلم عن الجانب المالي والمال يذهب ويجيء والله سبحانه يقبضه ويبسطه ففيه ذهاب المال وإيابه ففيها رجوع، ثم أنتم وأموالكم ترجعون إلى الله.
- آية الملك (قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)) ذرأ بمعنى نشر أي يبثّكم وينشركم في الأرض، وهذا الذرء يحتاج أن يُجمع فالحشر فيه معنى الجمع وفيه صورة لمّ هذا المنثور المذروء الموزع في الأرض، ولهذ تأتي تحشرون مع ذرأ.
آية (٢٤٦) : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)
* قال ربنا الملأ عن بني إسرائيل فهم كانوا خارجين على حدود الله ولم يشذ أحد منهم فناسب هذا الإجتماع المطلق على الرأي استعمال كلمة الملأ التي تعني الجماعة الذين أمرهم واحد. ونحن نقول تمالأ القوم عندما يتفقون على شيء واحد، وهذا المعنى لا تفيده إلا كلمة الملأ.
آية (٩٥) : (إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)
* اللمسة البيانية في استخدام الفعل (يخرج) مرة والإسم (مخرج) مرة أخرى:
قاعدة نحوية: الإسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث والتجدد. وهذه الآية تدخل في هذه القاعدة والذي يحدد استعمال الإسم أو الفعل في القرآن الكريم هو السياق..
أبرز صفات الحيّ الحركة والتجديد (من الحياة) وقد قال تعالى مع الحيّ (يُخرج الحي من الميت) جاء بالصيغة الفعلية التي تدل على الحركة وعلى أن هذا الفعل متجدد ويتكرر في كل آن فهو أمر معلوم وليس مصادفة. ومن صفات الميّت السكون لذا جاء بالصيغة الإسمية مع ما تقتضيه من السكون وللدلالة على الدوام والثبات.
* الفرق بين الآية وآية آل عمران:
آية آل عمران (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)) في سياق التغييرات التي يحدثها الله تعالى ليست باقية على حالها (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء .. (٢٦)) حيث لا يبقى أحد على حاله وليس هناك حالة ثبات، ذكر تعالى التغييرات التي يجريها وليست الحالات التي يبقيها فقال تخرج وتخرج، أما آية الأنعام فليست كذلك.
آية (٢٤٩) : (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)
* في الآية جاءت صيغة (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ) مع النهر الذي فيه شراب:
طعِم لها في اللغة دلالتان فتأتي بمعنى أكل أو ذاق نقول عديم الطعم أي المذاق.
قال تعالى (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) شراب فقط بدون طعام كما نشرب الماء (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ) لأن الماء قد يُطعم إذا كان مع شيء يُمضغ يعني يأكلون شيئاً ويمضغون فيشربون الماء بهذا يكون انتفى الشرب، فهذا ممنوع أيضاً ، و لو قال (ومن لم يشربه) جاز أن يطعمه مع شيء آخر فأراد تعالى أن ينفي هذه المسألة فينفي القليل وبالتالي ينفي الكثير.
(إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) هذه استثناها حتى لايكون له ما يشاء هذه لا تدخل في نطاق الطعام، الآن تذوق الماء بهذا القدر ليس له الزيادة ولو قال لم يطعمه لاتّسع القدر ليأكل مع الطعام.
* الفرق بين الطاقة والقِبَل (قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ (٢٤٩)) و (فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا (٣٧) النمل) :
الطاقة هي القدرة (قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ) أي ليس عندنا قوة ولا قدرة أصلاً.
القِبَل هي القدرة على المقابلة والمجازاة على شيء (لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا) أي لا قدرة لهم على مقابلتها بينما هم أصحاب قوة، مثل جماعة بلقيس حين قالوا (نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ (٣٣)) أي عندهم قوة وبأس في الحرب ويستطيعون المقابلة فجاء كلام سليمان (فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا).
* الفرق بين الظن واليقين:
(يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ) أي يوقنون بلقاء الله تعالى. الظنّ درجات: يظن من دون أي دليل ثم يقوى بحسب الأدلة إلى أن يصل إلى اليقين الذي يرتقي إلى درجة العلم، (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) الحاقة) هل كان شاكّاً؟ لا.
أهل اللغة يقولون أن الظن هو علم ما لم يُبصَر وليست الأشياء المرئية، لا يصح أن تقول أظن أن الحائط مبنيٌ وهو أمامك لكن تقول أظن أن وراءه فلان لأنك لا تبصره
آية (٩٦) : (فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)
* جاءت (فَالِقُ الإِصْبَاحِ) بالصيغة الاسمية و(وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) بالصيغة الفعلية:
الليل فيه السكون والهدوء والإصباح يدلّ على الحركة والحياة.
في الآية (فَالِقُ الإِصْبَاحِ) مطلقة لم يذكر منتفع فالإصباح موجود ثابت سواء كان هناك منتفع أو لم يكن هناك منتفع حتى قبل خلق آدم لم يكن هناك منتفع أو بعد هلاك الأحياء (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) لمن يسكن إذا لم يكن هنالك خلق أو متحرك فكيف يسكن؟ هنا قيّد الليل بالسكن فيجب أن يكون بعد الخلق (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا) حسباناً لمن يحسب وقيد الشمس والقمر وعطفها على الفعل. إذن أيها الأثبت؟ الأثبت والأدوم فالق الإصباح وجاء بالإصباح مطلقاً فجاء فالق الإصباح. عندما وضع منتفعاً قيّد لأنه أقل ثباتاً من ذاك لأنه إذا فُقِد المنتفع انتهت المسألة. فالأدوم هو الإصباح فأتى بالإسم الدال على الثبوت (فَالِقُ الإِصْبَاحِ).