آية (٢٧٤) : (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)
* الفرق من الناحية البيانية في حذف الفاء (لَّهُمْ أَجْرُهُمْ) وذكرها (فلَّهُمْ أَجْرُهُمْ) في آيتي سورة البقرة (٢٦٢) و(٢٧٤) :
الواو لمطلق الجمع ولا يدل على ترتيب أو تعقيب، ليس فيها سبب ، أما الفاء فهي تفيد التعقيب أو سببية درس فنجح.
في الآية (٢٧٤) قوله تعالى (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً) فيها توكيد وتفصيل في الإنفاق ودلالة على الإخلاص فاقتضى السياق زيادة التوكيد لذا جاء الفاء في مقام التوكيد والتفصيل. أما الآية الأولى (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)) فذكر فيها الإنفاق في سبيل الله ولم يفصل فاقتضى الحذف
* دلالة رفع (وَرَسُولِهِ) :
- هذا يُسمّى القطع والقطع يكون للأمر المهم.
- في الآية الواو واو العطف تعني ورسولُه كذلك بريء ، وتفيد أنها أقلّ توكيداً.
- العطف بالرفع على منصوب وارد في النحو لكن ما الحكمة في ذلك في القرآن واللغة؟ أنّ تفيد التوكيد يعني لما نقول أن الله بريء آكد من رسوله بريء، براءة الرسول ليست مستقلة بل تابعة لبراءة الله فهي أقل توكيداً وليستا بمنزلة واحدة.
- هذه الآية كانت سبباً في تشكيل القرآن الكريم لأن الأعرابي قرأها (أن الله بريء من المشركين ورسولِهِ) وهذا خطأ سمعها أبو الأسود فقام بتشكيل القرآن.
* تناسب فواتح النساء مع خواتيم آل عمران *
في خاتمة آل عمران (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)) الخطاب عام للمؤمنين ، وفي بداية النساء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ (١)) الناس كلهم مأمورون بالتقوى ، والمؤمنون هم فئة من الناس والناس أعمّ.
المؤمنون أمرهم بأكثر من التقوى (اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ) المرابطة ليس كلهم مطالبون بها فمنهم الضعيف والمريض ، ثم التفت إلى الناس لأن ليس كلهم بهذه الإستطاعة فقال (اتَّقُواْ رَبَّكُمُ) هذه مطالبين بها .
هنا علاقة الخاص بالعام المؤمنين والناس وبين التقوى وغير التقوى إذن صار ارتباط الأمر للمؤمنين ولعموم الناس
* استخدام كلمة (الربّ) في قوله تعالى (اتقوا ربكم) : لفظ الجلالة يُذكر دائماً في مقام التكليف والتهديد ، أما كلمة الربّ فتأتي عند ذكر الهداية أو ذكر فضل الله على الناس فهو سبحانه المتفضّل عليهم وهو المالك والسيّد والمربي والهادي والمرشد والمعلم .
* (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) : الخلق أقدم وأسبق من الجعل، جعل الزرع حطاماً ليست مثل خلق الزرع حطاماً. جعل بمعنى صيّر، هو خلقه ثم جعله، يقول العلماء (خلق منها زوجها) هنا لإظهار الابتداء لم يكن هناك إنسان فخلق الله تعالى آدم ، فسورة النساء تتحدث عن أولية الخلق لتدعو الناس إلى الإيمان بهذا الخالق كما أنها هنا في سياق التشريع ليذكِّر الله تعالى الناس بقدرته، والخطاب موجه إلى الناس (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) البشرية كلها نفوس وهذه النفوس أصلها نفس واحدة هي آدم مما يحقق للبشرية السكن والألفة.
* ( رِجَالاً كَثِيراً) ولم يقل ( َنِسَآءً ) كثيرات : لأن الذكورة هى العنصر الذي يفترض أن يكون أقل كثيراً فقال (رِجَالاً كَثِيراً ) ، فإذا نظرت مثلاً في حقل نخل ستجد ذكراً أو اثنين.
* التساؤل ب( الأَرْحَامَ ) : مرة تسألون بالله الذي خلق، ومرة تسألون بالأرحام لأن الرحم هو السبب المباشر في الوجود المادي. إذا أردت أن تؤثر على من تطلب منه أمراً، تقول: سألتك بالله فتعظيم الله أمر فطري في البشر، وتسألون أيضا بالأرحام وتقولون: بحق الرحم الذي بيني وبينك أن تقضى لي هذا الشىء.
* تختم الآية بقوله (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) لأن كلمة (اتَّقُواْ) تعني اجعل بينك وبين غضب ربك وقاية بإنفاذ أوامر الطاعة، واجتناب ما نهى الله عنه ، والرقيب من رقب أي أن هناك من يرصدك فالله سبحانه ليس بصيراً فقط ولكنه رقيب أيضاً.
* الفرق بين تبدّل وتتبدل : الحذف في عموم القرآن يكون للدلالة على أن الحدث أقلّ أو في مقام الإيجاز، وهنا (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) هذا حكم لعموم المسلمين مستمر إلى يوم القيامة ، أما في الأحزاب (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ (٥٢)) هذا خطاب خاص للرسول صلى الله عليه وسلّم والحكم مقصور عليه ، فأعطى الحدث الصغير الصيغة القصيرة (تبدّل) وأعطى الحدث الممتد الصيغة الممتدة (تَتَبَدَّلُوا).
* (الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) وليس الطيب بالخبيث : القاعدة أن الباء تكون مع المتروك كما في قوله تعالى (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى).
* نهيُ المؤمن عن أكل مال اليتيم (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ) ولم يأت النهي عن الأخذ (ولا تأخذوا) لأن الأكل هو أشد دلالة وأقوى تعبيراً ويوحي بأن الشخص قد أحرز ما أكله في داخل جسده وعندها لا مطمع في إرجاعه ولا دليل على أنه أخذ هذا المال.
* الفرق بين لا تقسطوا ولا تعدلوا (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى .. فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً (٣)): الإقساط هو عدم الجور أن لا تكون ظالماً مع من استعملت؟ اليتيمة حينما تكون في حجر وليها إذا تزوجها قد يظلمها في صداقها فيقول الله عز وجل للمؤمنين إذا خشيتم أن لا تكونوا عادلين مع اليتيمة وخشيتم أن لا تزيلوا عنها الظلم فتحولوا إلى سائر النساء (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) وقطعاً الإنسان إذا كان عنده يتيمتين لا يستطيع أن يتزوجهما لأنهما أختان فمعناه لا يوجد هناك أكثر من واحدة، أما (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) هنا بإمكانه أن تكون لديه أكثر من امرأة والعدل فيه معنى المساواة والمعادلة، فمع النساء الأكثر من واحدة فيجب أن يكون هناك تعادل وليس إزالة ظلم عن واحدة، فلما تحدث عن التعدد إستعمل المعادلة، ولما يتحدث عن اليتيمة استعمل إزالة الظلم (القسط).
* (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) العَوْل هنا بمعنى العدوان أي لا تعتدوا ولا تتجاوزوا الحق في عدم المساواة بين النسوة ، وليس من الإعالة (عال فلان بمعنى ظلم وليس بمعنى تكفّل) وهذا مستعمل في بعض اللهجات العامية عايل أي ظالم أو معتدي.
* (مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء ) دلالة استخدام (ما) وليس (من) : (من) لذات العاقل أي الشخص الكيان من هذا؟ هذا فلان، (ما) تستعمل للسؤال عن ذات غير العاقل مثل ما هذا؟ هذا حصان، وتستعمل لصفات العقلاء، مثل تقول من هذا؟ تقول خالد، ما هو؟ تقول تاجر، شاعر، (مَا طَابَ لَكُم) صفة عاقل، أي انكحوا الطيّب من النساء.
* (مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) مثنى معناها اثنتين اثنتين يعني مكرر، وثُلاث في اللغة معناها ثلاث ثلاث وليس معناها ثلاثة، ورباع معناها أربع أربع ليس معناها أربعة. في اللغة لما تقول لجماعة خذوا كتابين يعني كلهم يشتركون في كتابين ولما تقول خذوا كتابين كتابين يعني كل واحد يأخذ كتابين، لا يصح أن يقول فانكحوا اثنتين لأنها تعني أن كلهم يشتركون في اثنتين.
والحق سبحانه وتعالى حينما يشرع الحكم يشرعه إما إيجابا وإما إباحة، والزواج نفسه حتى من واحدة مباح، ولكن إذا أخذت الحكم بإباحة التعدد فخذه من كل جوانبه ولا تأخذه ثم تكف عن الحكم بالعدالة، وإلا سينشأ الفساد في الأرض، وأول هذا الفساد أن يتشكك الناس في حكم الله .
* عطف إيتاء النساء مهرهنّ على الأمر بإعطاء اليتامى حقهم فهذان المرأة واليتيم مستضعفان من المجتمع وحقهما مغبون فكان في تعاقبهما حراسة لحقهما أشد حراسة.
* النِحلة هي العطيّة بلا قصد العِوَض وقد سمى ربنا تعالى الصدقات نِحلة ليكون المهر الذي تدفعه أقرب إلى الهدية فليست الصدقات عوضاً عن منافع المرأة فعقد النكاح غايته إيجاد آصرة محبة وتبادل الحقوق والتعاون على إنشاء جيل وهذا أغلى من أن يكون له عِوَض مالي.
* قال ربنا (طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا) ولم يقل فإن طابت نفوسهن عن شيء لكم فأخّر النفس عن شيء ونصبها على التمييز ليبين لنا مقدار قوة هذا الطيب ويؤكد أنه طيب نفس لا يشوبه شيء من الضغط والإكراه.
* قال ربنا (فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) ولم يقل فخذوه ذلك ليطمئن المؤمن بجواز الانتفاع بمال زوجته انتفاعاً لا رجوع فيه مادام عن طيب نفس منها لا إرغام فيه.
* قال تعالى (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا) ولم يقل منها كما في الآية (٨) : لاختلاف الموقف تختلف الصيغة ، فالمخاطبون هنا هم الأوصياء على هذا المال فالمال يخص السفهاء، اليتامى، المحجور عليهم، وكلمة (فيه) هنا (في) حرف جر يدل على الظرفية فجعل الله المال مكاناً حيّزاً يعني يُعمِلونه في التجارة والرزق يستثمرونه وتكون نفقاتهم من الأرباح لا من صلب المال، ولو قال (من) فهي تعني التبعيض فكأن المخاطَب سيأخذ جزءاً من أصل المال ويسلمه إلى هذا اليتيم وبالتالي ينتهي هذا المال، فيصبح معنى (في) هنا أدق وأقوى. وهذه الآية توجب على الوصي أن ينمّي المال.
في الآية الثامنة (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ) يخاطب الله الورثة عندما يوزعون الأموال التي ورثوها يقول لهم إذا حضر الأقارب أو اليتامى وأنتم توزعون الميراث فأعطوهم شيئاً من هذا المال مع أنهم لا يستحقون شيئاً من الميراث ، فـ(من) هنا تعني التبعيض يعني من أصل المال الذي معكم.
* والله خص (أموالكم) ولم يقل أموالهم الكاف هنا للخطاب ليهتم كل وصيّ بما معه كأن المال ماله هو.
* ذكر تعالى (واكسوهم) هنا و لم يذكرها في الآية الثامنة : لأن المال مالهم يستحقون النفقة والكسوة واحتياجاتهم أما الثانية فهذا المال ليس للفقراء والمساكين وإنما ملك للورثة فهم يعطونهم جزءاً من هذا المال للأقارب والمساكين واليتامى الذين حضروا القسمة من باب التفضّل.
* الفرق بين الرشد والرشد في القرآن الكريم : الرُشد (بالضم) معناه الصلاح والاستقامة وهي عامة في أمور الدين والدنيا، في الأمور الدنيوية والأخروية، هنا ورد الرُشد (فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا) أمر دنيوي، (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (٢٥٦) البقرة) إذن الرُشد يستعمل في أمور الدنيا والدين.
أما الرَشد (بالفتح) أغلب ما تستعمل في أمور الآخرة في أمور الدين (فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) الكهف) (وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤) الكهف)، وهذا من خصوصيات الاستعمال القرآني.
* قال (انسَلَخَ) ولم يقل انسلخت، فالتأنيث قد يدل على الكثرة مثل (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا) والتذكير للقلة (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ، وهي أربعة حرم، لو قال انسلخت تصير أكثر.