* (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ) قدِّمت القسمة لأن القرآن يقدّم الكلمة التي يكون عليها الاهتمام، فالآية هنا تهتم بالقسمة فقدم المفعول به، والسورة من أولها تهتم بإعطاء الحق لأصحابه وأيضاً لأن الفعل متعدد لو أُغفل المفعول به تخيل وقال (وإذا حضر أولو القربى واليتامى والمساكين القسمة) قارنها بالآية تجد أن تقديم المفعول به هنا أفضل وتأخير الفاعل أحسن لأن هناك عطف والعطف فيه تعدد فتقديم الوحيد أو المفرد على المتعدد أفضل والقسمة هي المطلوبة وعليها معول الكلام.
* الفعل يخشى متعدي يأخذ مفعولاً به فتقول أخشى الله فالله لفظ الجلالة هو المفعول به حذف ربنا تعالى مفعول (وليخشى) في الآية لتذهب نفس السامع في تقدير المفعول به مذاهب عدة وليقدر كل واحد منا تقديراً يفهمه هو فينظر كل سامع بحسب الأهمّ عنده مما يخشى أن يصيب ذريته فيكون رادعاً له عن ظلم اليتامى .
* الفرق بين (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ) في فصلت وبين قوله (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) :
استقام إلى الأمر كأنه كان بعيداً عنه، إستقام للأمر معناه قريب منه. (إلى) غاية بعيدة واللام غاية قريبة.
في فصلت (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)) هم مشركون بعيدون والمطلوب أن يستقيموا إلى الله.
في التوبة أنت تعاهد إنساناً أمامك، فيها قرب بينما الأولى فيها بُعد.
* العذاب بالنار يكون في الآخرة ولكن أراد ربنا بقوله (إنما يأكلون في بطونهم ناراً) تبيان شدة الألم والعذاب في الدنيا بدليل قوله (وسيصلون سعيراً) أي في الآخرة. وفي هذه العبارة (يأكلون في بطونهم ناراً) استعارة فقد عبّر الله تعالى عن المصائب بأكل النار لأن شأن النار أن تلتهم ما تقع عليه كآكل مال اليتيم ربما تصيبه مصائب في ذاته أو ماله مثل النار إذا دنت من أحد لا بد أن تؤلمه وتتلف متاعه.
* الفرق بين استعمال وصّى وأوصى : من الملاحظ في القرآن أنه يستعمل وصّى في أمور الدين والأمور المعنوية وأوصى في الأمور المادية. (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ (١٣١) النساء) ويستعمل أوصى في المواريث (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ (١١) النساء) (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا (١١) النساء) . لم ترد أوصى في الأمور المعنوية وفي أمور الدين إلا في موطن واحد اقترنت بأمر مادي عبادي وهو قوله تعالى على لسان المسيح (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) مريم) قال أوصاني لأنها اقترنت بأمر مادي وعبادي وهو الزكاة والأمر الآخر أن القائل هو غير مكلّف لذلك خفّف من الوصية لأنه الآن ليس مكلفاً لا بالصلاة ولا بالزكاة فخفف لأنه لا تكاليف عليه.
* الفرق بين الأبوين والوالدين: التي تلد هي الأم والوالد من الولادة التي تقوم بها الأم وهذه إشارة أن الأم أولى بالصحبة وأولى بالبر والاحسان قبل الوالد. وربنا سبحانه وتعالى لم يستعمل البر والإحسان والدعاء في جميع القرآن إلا للوالدين وليس الأبوين (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (٢٣) الإسراء) (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ (٢٨) نوح) استعمل البر والاحسان للفظ الوالدين وليس للفظ الأبوين. الوالدان للوالد والوالدة والأبوان للأب والأم. الوالدان هي تثنية الوالد والولادة الحقيقية للأم وليس للأب الأب ليس والداً لأنها هي التي تلد والأبوان تثينة الأب، من الأحق بحسن الصحبة الأب أو الأم؟ الأم، فقدّم الوالدين إشارة إلى الولادة، لكن في المواريث لأن الأب له النصيب الأعلى في الميراث من نصيب الأم استعمل الأبوين (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ). في الأموال يستعمل الأبوين وفي الدعاء الوالدين.
* الفرق بين الأبناء والأولاد : الأبناء جمع إبن وهي للذكور مثل قوله تعالى (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ (٤٩) البقرة) أما الأولاد فعامة للذكور والإناث (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ (٢٣٣) البقرة).
* ختمت الآية (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا) وفي آية الكلالة آخر السورة ختمت بقوله (وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أيها يدلّ على العِلم أكثر؟ عندما تقول كنت أعلم بهذا أو أعلم هذا؟ كنت أعلم بهذا أدل على العلم أي أعلم قبل أن تقع (إن الله كان عليماً حكيماً) أدلّ على العلم من (والله بكل شيء عليم). البعض يقول (كان) للماضي، كان يعلم بالأمر قبل أن يقع هذه أدل على العلم من يعلمه الآن. في الأولاد الذكور قال تعالى (آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) إذن إن الله كان عليماً حكيماً. عندما شرّع هو يعلم هذا الأمر أصلاً. في آية الكلالة ما ذكر حيرتهم في عدم المعرفة، هناك ذكر حالتهم (آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) لما ذكر جهل الإنسان وعدم المعرفة ذكر أن علمه سبحانه وتعالى سابق (إن الله كان عليماً حكيماً) ولما لم يذكر هذا الأمر ما اقتضى الأمر، ما فيها حيرة بين الناس قال (والله بكل شيء عليم).
* كان في اللغة قد تكون للماضي أو للماضي المستمر وقد تأتي للإستقبال وفي كل صيغة تفيد معنى خاصاً:
• أولاً: الزمان الماضي المنقطع كأن تقول كان نائماً واستيقظ، كان مسافراً ثم آب.
• ثانياً: في الماضي المستمر (كان الإستمرارية) بمعنى كان ولا يزال، أي هذا كونه منذ أن وُجِد (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) (إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) لا تعني كان عدواً والآن أصبح صديقاً.
• ثالثاً: و(كان) تفيد الإستقبال (وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا) أي صارت في المستقبل.
• رابعاً: وتأتي بمعنى الحالة كقوله تعالى (كنتم خير أمة أُخرجت للناس) و (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا).
• خامساً: قد تكون بمعنى ينبغي.
* (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) جعل الله تعالى حظ الانثيين هو المقدار الذي يقدّر به حظ الذكر ولم يجعل حظ الذكر هو المقياس كأن يقول للأنثى نصف حظّ الذكر، أمعِن التأمل في هذا اللطف الإلهي فقد آثر ربنا تعالى هذا التعبير للإيحاء للناس بأن حظّ الأنثى هو الأهم في نظر الشرع وهو مقدّم على حق الرجل لأن المرأة كانت مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية أما في الاسلام فقد أصبحِ حظّ المرأة ونصيبها هو المقياس.
آية (٢٧٦) : (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)
* خصّ ربنا الكافر بعدم المحبة دون المرابي مع أن بداية الآية توحي أن ختامها : والله لا يحب كل مرابي أثيم، فالإخبار بأن الله تعالى لا يحب جميع الكافرين يؤذن ويشعر بأن الربا شعار أهل الكفر وهو سمة من سماتهم فهم الذين استباحوه. وفي هذا تعريض بأن المرابي متّسمٌ بخلال أهل الكفر والشرك وإن كان مؤمناً.
* الثمن القليل جاء حيثما ورد في الكلام عن حق الله سبحانه وتعالى ومعنى ذلك أن العدوان على حق الله سبحانه وتعالى مهما بلغ فهو ثمن قليل، فكل ثمن أياً كان هو يقل في شأن آيات الله سبحانه وتعالى.
* الفرق بين القربى والإل:
في اللغة الفعل ألّ يئلّ مثل أنّ يئنّ. الإل له معاني متعددة متقاربة؛ فالنسب العربي والمصاهرة والجِوار والعهد يقال عنه الإل فهي أوسع وأشمل من كلمة القربى لأن القربى يمكن أن تكون للقريب النسبي وقد تتعدى لتصل إلى قرابة الزواج بنوع من المجاز.
آية (٢٨١) : (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)
* الفرق بين (ماعملت) و (ماكسبت) :
في آية البقرة في سياق الأموال وقبلها أمور مادية من ترك الربا (٢٧٨) وآية المعسِر (٢٨٠) وبعدها آية الدين (٢٨٢) فناسب ذكر الكسب، أما في آية النحل قال تعالى (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (١١١)) في سياق العمل، ليس لها علاقة بالكسب وقال قبلها (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١١٠)) ليس فيها كسب فالجهاد والفتنة والصبر ليست كسباً.
* (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ) مشهد ملموس ومحسوس ترسمه عبارة حدود الله فكل منا يعرف حدّه في منزله مثلاً فلا يجرؤ على دخول حدّ جاره وإن دخل فهو موقن أنه مخالف ومتجاوز حقّه وقد استعمل ربنا تعالى الحدود ليقرّب الفكرة لأذهاننا فشرع الله حدٌّ لا ينبغي لنا أن نتجاوزه.
* في عموم القرآن لم يرد في أصحاب الجنة خالداً بالإفراد ولهذا دلالة محددة لأن فيها نعيمان نعيم الجنة ونعيم الصحبة وأما في النار ففيها عذاب النار وعذاب الوحدة وقد تأتي خالدين وخالداً مع النارفعذاب أهل النار بالإشتراك كأن يكون إهانة يقولون لبعضهم أنت كنت كذا وأنت كنت كذا يختصمون وهذا عذاب آخر.
* في سورة النساء (وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) وفي الجن (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) قال خالدين في سورة الجن بالجمع وخالداً بالإفراد في النساء: الوعيد بالعذاب في آية النساء أشد لأنه عذاب بالنار وبالوحدة، لماذا هو أشد؟ في الجن ذكر العصيان فقط وفي النساء ذكر العصيان وتعدي الحدود، هنا زيادة، ولذلك قال (وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) إضافة إلى النار له عذاب مهين .
* ختمت الآية (وله عذاب مهين) بالرغم من أنّ تهديد المرء بالنار وعيد وعذاب فإذا هُدد بالخلود فهذا من أشد ألوان العذاب، ولكن زيادة على ذلك فقد أراد الله تبارك وتعالى أن يهدد الخارجين عن حدوده بألفاظ ترجف القلوب وتقع في قلوبهم موقع الخوف ليتأمل الإنسان سوء مصيره ولذلك ختمت الآية بوصف العذاب المهين لأن من العرب من لا يخشى كلمة النار ولكنه يأبى الضيم والإهانة فقد يحذر الإهانة أكثر مما يحذر عذاب النار ولذا قال العرب في أمثالهم "النار ولا العار".