آية (٢٨٦) : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
* الفرق بين (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) وبين (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا) في سورة الطلاق:
الآية الأولى تتكلم على التكاليف عموماً وفي أمور الحياة وفي العمل. إذا عمل خيراً يكون له وإذا عمل سوءاً يكون عليه وهذا في عموم التكاليف فقال الله عز وجل (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) فهو كسبٌ وإكتساب.
لكن الآية الثانية (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)) الإيتاء هو الإعطاء، والكلام هو على المطلقات أي ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير أن ينفق ما ليس في وسعه بل لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها من حيث المال عندما يكون هناك إنفاق فبقدر ما عندك تُنفِق أي بمقدار ما آتاه الله.
* الفرق بين كسبت واكتسبت:
- اكتسب على وزن (إفتعل) وفيها تمهّل ومدّة واجتهاد وإبطاء مثل اصبر واصطبر أي صبر طويل شديد.
- الكسب يكون في الخير والشر لأن الكسب أسرع والاكتساب فيه تعمّل واجتهاد وكسب حتى يكتسب، وكثيراً ما تأتي مع الشر فالسيئات تحتاج إلى مشقة أما الخير فقد يأتيك وأنت لا تعلم، يغتابك أحد وتكسب أنت خيراً وهو يكتسب شراً.
* الفرق بين خاطئ ومخطئ:
في سورة البقرة (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) أخطأ مُخطئ هو لم يتعمّد الخطأ ، أما في الحاقة (وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)) خَطِئَ خاطئ يعني إرتكب الخطيئة لأنه تعمد ما لا ينبغي وليس معناها أخطأ.
* تناسب افتتاح سورة البقرة مع خاتمتها :
السورة تبدأ بقوله تعالى (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)) إذن هو ذكر المؤمنين يؤمنون بما أنزل إليهم وما أنزل من قبل هذا إيمان بالغيب ، وقال في آخر السورة (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) هذا إيمان بالغيب.
في مفتتح السورة قال (وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) وهنا قال (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) ذكر الإيمان ومن يؤمن وكيفية الإيمان وأصنافه في مفتتح السورة
ذكر في المفتتح الذين كفروا (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ثم ذكر في الخاتمة الدعاء (فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
ذكر الإيمان في مفتتح السورة ثم الذين كفروا وفي آخر السورة قال (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ) ثم قال (أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
* الفرق بين كلمة الكَره بفتح الكاف والكُره بضمها: الكَره بفتح الكاف هو ما يأتي من الخارج يقابله الطوع كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا)، أما الكُره بضم الكاف فهو ما ينبعث من الداخل (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) جاءت كلمة الكُره لأن الإنسان بطبيعته يكره القتال، (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) آلآم الوضع والحمل في نفس الأم ثقيل.
* لا شك أن وقع النهي على أذن السامع أشد من الإخبار (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا) فقولك لولدك لا تفعل هذا فيه من الوعيد والأثر أشد من قولك أمنعك من هذا.
* ضرب الله تعالى مثلاً للمهر بالقنطار ولم يسمِّه على الأصل مهراً أو نِحلة فالمهر يطلق على القليل والكثير فلو حدّده بالمهر ثم أتبعه (فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا) لربما تبادر إلى أذهاننا أنه لو كان كثيراً يحق لنا أن نأخذ نصيباً ولكن عندما مثّل للمهر بالقنطار وهو كثير جداً ثم نهانا عن الأخذ منه علمنا أن المهر مهما قل أو كثر لا يحق لنا أن نقتطع منه لأنفسنا.
* قالت الآية (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) ولم تقل أتأخذونه ظلماً: الله سبحانه ينهى الرجال أن يأخذوا شيئاً من المهور المقدمة سابقاً منهم إلى زوجاتهم ظلماً وعدواناً بغير حق بدون طيب خاطر من الزوجة، البهتان هو أشد الكذب، وهو الكذب المُفترى بهت فلان فلاناً يعني ادّعى عليه شيئاً ونسب إليه ما ليس فيه وافترى عليه.
لم يقل الله عز وجل أتأخذونه ظلماً يعني بغير حق لأن هذا الظلم الذي أخذوه إنما هو مبني على كذبٍ ادّعوه لأنفسهم كأن يقول الواحد: هذا حقي، هذا في الأصل مالي، هي التي تركتني، وهي التي أساءت معاملتي، هي تستحق أن آخذ مالها، تستحق العقاب، يبرر لنفسه كذباً وبهتاناً ليأخذ مالها، والقرآن يراعي الحالة الشعورية للذي يريد أن يأخذ ما أعطاه، والقرآن يهتم بالجانب الدلالي اهتماماً كبيراً، ما الذي دفعهم إلى الظلم؟ كذبهم وادّعاؤهم أنهم أصحاب حق.
* البهتان واضح والإثم واضح فما دلالة مبيناً؟ مبيناً يعني واضحاً فجاءت مبيناً صفة لتدل على تقبيح هذا الإثم، فتقول لمن لا يدركه بأنه لا يرى الواضح.
* (ابْنُ) بالألف ولم تكتب (عزير بن الله) :
- القاعدة إذا وقعت (ابن) صفة بين علمين يحذف التنوين من المنصرف وتحذف الألف.
- كتابتها بدون ألف مع حذف التنوين كأنه إقرار بأنه ابن الله، لو قلت عزير بن الله كأنك تخبر بأنه ابنه فعلاً كقولك فلان بن فلان مخبراً عنه لا بد أن تحذف الألف، لكنه قال عزيرٌ لا تعني ابنه.
* في سورة النساء (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) وفي الإسراء (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)) المقت أشد البغضاء، إذا زنا شخص بامرأة هذه فاحشة وسبيل سيء لكن أن تزني بمحارم هذا ليس فقط فاحشة هذا مقتاً يعني مقزز مثير للعار، فكلمة مقتاً تضيف إلى الزنا بالمحارم جريمة زائدة ولهذا عقوبة الذي يزني بالمحارم ليس كعقوبة الزاني رجم أو جلد لا وإنما يلقى من شاهق لأنه لا يساوي أن يعاقب عقوبة الرجال ولكنها من جنس عقوبة قوم لوط .
* عيسى في القرآن الكريم كله نجد أنه يُذكر على إحدى هذه الصيغ:
لقبه: المسيح ويدخل فيها المسيح عيسى ابن مريم و المسيح ابن مريم، وحيث ورد المسيح في كل السور لم يكن في سياق ذكر الرسالة وإيتاء البيّنات أبدأً ولم ترد في التكليف وإنما تأتي في مقام الثناء أو تصحيح العقيدة. فاللقب في العربية يأتي للمدح أو الذم والمسيح معناها المبارك.
كُنيته: ابن مريم ، ولم تأتي مطلقاً بالتكليف.
إسمه: عيسى ، وعيسى ابن مريم، وفي كل أشكالها هي لفظ عام يأتي للتكليف والنداء والثناء ولا نجد في القرآن كله آتيناه البينات إلا مع لفظ (عيسى) (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ) والتكليف جاء فقط باسمه وليس لقبه ولا كُنيته.
* عبّر الله تعالى عن تحريم نكاح زوجات الأب بالنهي (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم (٢٢)) ولكن عدل عنه إلى الماضي فقال (حُرِّمت) ولم يقل ولا تنكحوا أمهاتكم : ليبين لنا أن هذا التحريم أمر مقرر سابقاً وأتى القرآن ليثبته وهذا ما عبّر عنه ابن عباس بقوله: كان أهل الجاهلية يحرّمون ما حرّم الإسلام إلا امرأة الأب ولذلك عبّر عن نكاح زوجات الأب بالنهي لأن هذا الفعل كان شائعاً عند العرب ثم حرّمه الإسلام ولذلك عبّر عنه بالمضارع (وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ)، أما نكاح المحارم من الأمهات والبنات والأخوات فهذا لم يكن لدى العرب قبل الاسلام ولذلك عبّر عنه بقوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ).
* الفرق بين (لا جناح عليكم) و (ليس عليكم جناح) أن (لا جناح عليكم) مؤكّدة كونها جملة إسمية وكونها منفية بـ (لا) أما (ليس عليكم جناح) فهي جملة فعلية ومن حيث الحكم النحوي الجملة الإسمية أقوى وأثبت وأدلّ على الثبوت من الجملة الفعلية. أما من حيث الاستعمال القرآني نجد أن:
لا جناح عليكم تستعمل فيما يتعلق بالعبادات وتنظيم الأسرة وشؤونها والحقوق والواجبات الزوجية والأمور المهمة: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ (٢٣)) - (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ (٢٤)) - (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ (١٠٢)) - (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا (١٢٨)) .
ليس عليكم جناح تستعمل فيما دون ذلك من أمور المعيشة اليومية كالبيع والشراء والتجارة وغيرها مما هو دون العبادات في الأهمية: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)) الأمر في الأولى يتعلق بالضرب في الأرض وهو السير في الأرض للتجارة أو غيرها.
* الفرق بين السفاح والبغاء والزنى :
الزنا هو الوطء من غير عقد شرعي. الزنا يوصف به الرجل والمرأة (والزانية والزاني)
البغاء استمراء الزنا فيصير فجوراً، البغاء هو الفجور، بغى في الأرض أي فجر فيها وتجاوز إلى ما ليس له (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ) تجاوز الحدّ. لذا يقال للمرأة بغيّ إذا فجرت لأنها تجاوزت ما ليس لها، وعند العرب لا يوصف الرجل بالبغيّ، البغاء للمرأة.
المسافحة والسفاح هي الإقامة مع الرجل من غير تزويج شرعي وهذا أشد لأنه تقيم امرأة مع رجل على فجور. كله فيه زنا والزنا أقلهم، إذا استمرأت الزنا صار بغاء وإذا أقامت معه بغير عقد شرعي يقال سفاح، والرجل أيضاً يوصف بالسِفاح (غير مسافحين).
* الفرق بين الآية وآية سورة الصف:
في الصف: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨))
- السياق في تكذيب النصارى للبشارات المذكورة عندهم في الإنجيل (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)) .
- (لِيُطْفِؤُوا) اللام هنا للتوكيد. هي آكد وفيه نوع من الإصرار من قبلهم لإطفاء نور الإسلام، نور الرسالة الخاتمة، والتكذيب بالرسول ومحاربته وإنكارالنبوة.
- (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) جاء في الرد عليهم بالإسم للقوة والثبات يعني الأمر انتهى، كأنه أمر حاصل مثل (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) ، وعندنا قراءتان: متمُ نوره و متمٌ نوره، عندما يقول متمُ نوره بمعنى أن الأمر وقع. إشارة إلى وقوعه ووقوع بداياته بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم ومتمٌ نوره إشارة إلى استمرار نزول الآيات على الرسول في المستقبل أي لم يتوقف الوحي. في الجمع بين القراءتين معناه أنه تعالى بدأ في إتمام نوره وهو ماضٍ في هذا الإتمام مدة حياة النبي حاضراً ومستقبلاً فجمعت القراءتان الصورتين.
في التوبة:
- السياق ليس له علاقة بالتكذيب بالرسالة الخاتمة والآيات تتحدث عن تحريفهم لكتبهم هم، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ... (٣٠) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ ... (٣١)) هذا الكلام فيما بينهم.
- (أَن يُطْفِؤُواْ) لا يحتاج ذلك إلى تأكيد لأنه معلوم لديهم ولدى المسلمين أنهم حرّفوا وغيّروا.
- (إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ) فعلية فيها تجدد لكن الله متم قطعاً، (أن) تفيد الاستقبال، الكلام عن الاستقبال.
مختصر اللمسات البيانية في سورة المائدة
* تناسب فواتح المائدة مع خواتيم النساء *
أخبر ربنا تعالى في أواخر النساء أن اليهود لما نقضوا المواثيق التي أخذها الله عليهم فحرم عليهم طيبات أحلت لهم (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا (١٦٠)) وبدأت المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) لأن أولئك نقضوها فعليكم أنتم أن توفوا بالعقود ولذلك جاء بعدها (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ (٤)) مقابل (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ (١٦٠)).
في خواتيم النساء (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ (١٧٦)) في تقسيم الإرث وتنظيم العلاقة المالية بين الأقرباء، في أول المائدة ذكر العقود (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) والعلاقة مع الآخرين وتنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع عموماً (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى (٢))، والطبيعي أن تبدأ بالأقرباء ثم تعمم، فتكون تنظيم العلاقة كلها بين الداخل والخارج.
خاتمة النساء في تقسيم الأموال وأول المائدة في أوجه صرف الأموال ابتداء من الأطعمة أول ما يحتاج إليه الإنسان فذكر ما يحل له (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ .. (٤)) وما يحرم عليه (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ و... (٣)).
خاتمة النساء في هلاك الإنسان والاستفادة من ماله والاستفادة مما تَرَك، وبداية المائدة في إهلاك الأنعام والاستفادة منها من صوف ولحم وأشعار ، تلك استفادة مما ترك وهذه استفادة مما تركت، إذن ترابط أكثر من موضوع في العقود وإحلال الطيبات وتنظيم العلاقة والاستفادة مما ترك ومما تَرَكَت.