آية (٦٠) : (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)
* رد فعل الكفار (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) وفي آية أخرى (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ (٦٦)) :
الملأ هم أشراف القوم، كبار السادة. (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ) هذا عام كل الملأ في ذلك الوقت ليس فيهم مؤمن.
(كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ) في قوم هود كان في الملأ مؤمنين، الذين كفروا هم الذين قالوا وليس كل الملأ لأن فيهم من آمن.
* في قصة نوح هنا قال (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ) بينما في هود (فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ (۲٧)) مع أنهم نفس القوم:
لأن تلك كانت في بداية الدعوة ما كان فيهم مؤمنين لكن مع تطاول القرون قسم آمن فقال (الَّذِينَ كَفَرُواْ) إشارة إلى أن هنالك من آمن.
آية (٢١٥) : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ)
* ما الفرق بين هذه الآية و (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (٢١٩))؟
- يقال هذه الآية نزلت في عمرو بن الجموح وهو كان شيخاً كبيراً فسأل الرسول قال بماذا نتصدق؟ وعلى من ننفق؟ فأجاب عن الأمرين في الإجابة الأولى: بماذا ننفق؟ (قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ) أي من حلال ، على من ينفق؟ (فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) إذن هو أجاب عن الإثنين في آن واحد لكن بدأ بهؤلاء لأن المهم أن تكون حلالاً.
- في الآية الثانية ذكر هذا الحلال كيف تنفقه؟ قال (قُلِ الْعَفْوَ) أي نقيض الجهد. العفو في اللغة الزيادة أي ما يزيد عن حاجتك وحاجة أهلك، تعطي ما لا يُجهدك، وفي الحديث "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" و "ابدأ بمن تعول".
في الإجابة الأولى أجاب أمرين ثم فصّل، ما أنفقتم من الحلال، من طيبات ما كسبتم ثم ذكر من هم أولى بالإنفاق الوالدين والأقربين. ثم هذا الحلال فصله كيف تنفقه؟ هل تعطيه كله؟ لا، أعطِ العفو أي ما زاد عن حاجتك.
* الفرق بين عالم وعلام وعليم:
- عالِم إسم فاعل فاستعملها بالمفرد الذي لا يدل على التكثير عادةً، ولم ترد في القرآن إلا مقترنة بالغيب أو بالغيب والشهادة ، في ١٤ موضعاً لم ترد بمعنى آخر.
- علام خصصها للغيوب (عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) ولم ترد إلا مع الغيوب جمع الغيب، العلاّم كثرة والغيوب كثرة.
- عليم يستعملها مطلقة (وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)، أو عامة (بكل شيء عليم)، أو مع الجمع (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) (إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، أو بفعل الجمع (وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)) (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).
آية (٦٤) : (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ)
* تأمل كيف يختصر البيان الإلهي الزمن فمع وجود الفاء في قوله (فَأَنجَيْنَاهُ) الدالة على التعقيب فأنت تعلم بأن التكذيب كان من القادة ثم العامة ثم أعقب الوحي وصناعة الفلك ثم بعد ذلك يرتب الوقائع بحسب الأهمية. إن الله أسرع في هذا الإخبار بالإنجاء وجعله مقدماً على الإخبار بالإغراق مع أن مقتضى العبرة تقديم إغراق المكذبين (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا). قدّم الإنجاء للاهتمام بإنجاء المؤمنين وتعجيلاً لمسرّة السامعين من المؤمنين.
* الفرق بين (فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ) و (نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ (٥٨) هود) :
نجى تستعمل للتمهل والتلبث في التنجية، أنجى للإسراع مثل علّم وأعلم، السياق هو الذي يحدد، ومرة يذكر الذين آمنوا ومرة لا يذكرها. لو لاحظنا كيف وردت الآيات يتضح الجواب.
في الأعراف عندما ذكر أنه أغرق الذين كذبوا من قوم نوح معناها أن المؤمنين نجوا، وكذلك في قوم هود (فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا (٧۲)) لم يذكر آمنوا (وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (٧۲)) يعني الذين كانوا مؤمنين نجوا.
في هود لما ذكر (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا (٥٨)) لم يذكر الآخرين قال (وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) فلما لم يذكر العقوبة قال (وَالَّذِينَ آمَنُواْ) لما ذكر عقوبة من لم يؤمن معناها أنه نجّى من آمن.
* في الأعراف (فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ) وفي يونس (فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ) :
في الأعراف ورد قوله (فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ) كل منهما على الأصل ، ولما جاء بالفعل الأطول بناءا ناسبها الموصول الذى هو (الذين) الأطول ، ولما قيل فى يونس (فَنَجَّيْنَاهُ) جئ بما هو أخصر فى الخط ناسبه من الموصولات (من) وهو أخصر.
آية (٢١٦) : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
* ما الفرق بين كلمة الكَره بفتح الكاف والكُره بضمها؟
الكَره بفتح الكاف هو ما يأتي من الخارج يقابله الطوع كما في قوله تعالى (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا (١١) فصلت).
أما الكُره بضم الكاف فهو ما ينبعث من الداخل ففي الآية (٢١٦) جاءت كلمة الكُره لأن الإنسان بطبيعته يكره القتال.
* ما معنى عسى في القرآن؟
عسى طمع وترجي، ينبغي أن تتوقع فيما تحب أن يكون فيه ما يكره وقد يكون فيه خير. وقد تأتي للتوقع (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) محمد). الفيصل في تحديد المعنى هو السياق أماالمعجم فيعطي معنى الكلمة مفردة.
آية (٢١٧) : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
* (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) قتال هي بدل اشتمال.
* قيّد الله تعالى قدرتهم على إخراج المسلمين من الدين بقوله (إِنِ اسْتَطَاعُواْ) لئلا يظن السامع أن المؤمن سهلٌ إخراجه عن إيمانه ، واستعمل تعالى حرف الشرط (إن) وهو يدل على الشك لا اليقين ليطمئن أن استطاعتهم في ذلك أمر بعيد المنال لقوة الإيمان التي تتغلغل في القلب فلا يفارقه.
* استعمل الفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب وقال (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) بدل (ثم) التي تفيد التراخي والمهلة في الزمن ونحن نعلم أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الإرتداد بل قد يعمّر المرتد طويلاً ، وفي هذا ارتباط بديع في أن المرتد يُعاقب بالموت عقوبة شرعية.
* جاءت (يرتدد) لأن فكّ الادغام يسري على جميع المضعّفات في حالة الجزم إذا أُسند إلى ضمير مستتر أو اسم ظاهر.
آية (٦٨) : (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ)
* مع نوح (وَأَنصَحُ لَكُمْ) ومع هود (وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) ومع غيرهما (وَنَصَحْتُ لَكُمْ) :
مع نوح استعمل (أنصح) بالفعل المضارع الذي فيه معنى التجدد والاستمرار لأنه مستمر في نُصحهم، هناك فرق بين التُهمتين:
التهمة الأولى الضلال إتهموا نوحاً بأنه في ضلال، أي تائه بعيد عن الصواب والحق الذي كان عليه آباؤنا، والضلال وصف غير ثابت طارئ يمكن أن يتحول عنه بسرعة، بدل أن تعبد ربك أعبد أصنامنا، فلما كان الأمر يتعلق بشيء سهل التغيير استعمل الفعل في الرد عليه.
التهمة الثانية السفاهة مع هود وهو شيء يكاد يكون ثابتاً في الإنسان، السفاهة نوع من الحمق يمكن أن يتحول عنه لكن بمدة طويلة فلما كان الأمر يتعلق بإتهام يكاد يكون ثابتاً إحتاج لنفيه أن يستعمل إسم الفاعل الذي هو دال على الثبات، ولم يكتف بهذا وإنما الجملة الأخيرة في الآية (وأنا) يريد أن يزيل عن نفسه هذه التهمة، (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي) نفس اللفظة التي قيلت من نوح ولكن زاد عليها (وأنا) إستعمال المتكلم، (لَكُمْ) وليس لغيركم كأنه تخصيص (وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) نوع من التأكيد باستعمال الجملة الإسمية واستعمال ضمير المتكلم ومجيء هذه اللام التي هي للإيصال يعني أنا لأجلكم.
الآية ٧٩ والآية ٩۳ (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ) الكلام فيهما بصيغة الماضي فلا موضع لإسم الفاعل فيهما.
آية (٢١٨) : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
* استعمل القرآن كلمة هاجروا عن المهاجرين ولم يقل هجروا لأن هاجر نشأ عن عداوة بين الجانبين ، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين في مكة، كلٌ قد هجر الآخر وقلاه.
آية (٢٢٠) : (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
* قال تعالى (إِصْلاَحٌ لَّهُمْ) ولم يقل إصلاحهم لئلا يظن الإنسان أنه ملزم بإصلاح ورعاية جسمه والعناية به وحسب ثم يهمل ما عداه، لا، فكافل اليتيم مأمور بإصلاح ذاته وروحه وعقيدته وخلقه وكل ما يتعلق به. فانظر إلى عظيم عناية الله تعالى ولطفه بعباده الضعفاء.
آية (٢٢٢) : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)
* أطلق الله سبحانه وتعالى الأذى ولم يقيّده ولم يقل هو أذى لكم أو لهنّ لأن جماع المرأة أثناء حيضها أذى للرجل يسببه الدم الفاسد وفيه أذى للمرأة ومرض وفيه أذى للطفل فالأطباء يقولون أن الجنين إذا تموّن بجماع خلال الحيض يصاب بمرض الجذام.
* في الآية لم يقل: فإذا طهرن ، فما الفرق بين طهر و تطهر؟ (يَطْهُرْنَ) من الطهور طهر يطهر ومعناها امتنع عنهن الحيض، أما (تَطَهَّرْنَ) يعني اغتسلن من الحيض.
* متطهرين أي هم يطهرون أنفسهم وبالنسبة للمسلمين يقال لهم متطهرين أو مطّهِّرين أما المطهّرون هم الملائكة لأنها لم ترد في القرآن لغير الملائكة، والمُطهّر اسم مفعول وهي تعني مُطهّر من قِبَل الله تعالى.
* الفرق بين (إنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) و (وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) التوبة) :
(الْمُطَّهِّرِينَ) كلما انتقض وضوؤه يتوضأ فهو دائم الطهور أما الذي يصلي وينقض وضوؤه ويجدد وضوءه قبل الصلاة هذا متطهر، وكلا الحالتين عظيمة كقوله تعالى (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ .. ) لم تكن طاهرة ثم تطهرت.