آية (٢٠٥) : (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ)
* في قوله تعالى (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) هذا أقصى أنواع التهكم بهؤلاء الكافرين فالإنسان يتخذ المكان الوثير مهاداً ليهنأ بنومه وقد وصف الله تبارك وتعالى الأرض بأنها مِهاد لنا في حياتنا لأنها مهيئة للسعي والنوم.
آية (٥٧) : (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
* دلالة الاختلاف بين (الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ) و (الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ) :
آية الأعراف في سياق ذكر نعم الله على الخلق وأمرهم بالدعاء والتضرع إليه فقال (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا).
آية الروم ورد قبلها (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَن يُّرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ) فذكر من آياته وإنعامه بإرسال الرياح وإجراء الفلك ليبتغى فضله ويطلب الرزق منه، ثم عاد الكلام إلى إتمام ما تقدم (الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ).
آية الفرقان تقدمها خمسة أفعال بالماضى فأتبع سبحانه ذلك بما يناسبه فقال (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا).
آية فاطر مبنية على مطلع السورة فقوله (الله الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ) جاء ذلك مناسبا لقوله (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) و (جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ) لموافقة الفعل الماضى اسم الفاعل ولا يناسبه المستقبل.
* كلمة الرياح في القرآن الكريم تستعمل للخير كالرياح المبشّرات أما كلمة ريح فهي تستعمل في القرآن الكريم للشّر.
* اختلاف صيغة الفعل (يُرْسِلُ) (أَقَلَّتْ) (سُقْنَاهُ) (فَأَخْرَجْنَا) (نُخْرِجُ) حكاية حال للتعبير عن الأحداث الماضية بأفعال مضارعة كأنما نريد أن نستحضر الحدث أمامنا.
* وصف الرياح وإتباعها فى الأعراف والفرقان بقوله: (بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) ولم يرد ذلك فى سواهما :
آية الأعراف تقدمها قوله تعالى (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) ثم (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَّخُفْيَةً) ثم (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) ثم قال (إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) وفى هذا كله استلطاف وتعطف.
سورة الفرقان كذلك ذكر قبل الآية نعم عدة مثل مد الظل والشمس والليل والنوم والنهار فهذا أعظم استلطاف فناسب هذا قوله تعالى في السورتين عقب إرسال الرياح (بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) .
فى الروم وفاطر لم يرد مثل ذا الاستلطاف ولا بعضه فلم يتبع ذكر إرسال الرياح بما اتبع فى آيتى الأعراف والفرقان فجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم.
آية (٨٠) : (وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ)
* (تَتَذَكَّرُونَ) لما تأتي تكون مساحة التأمل أوسع ففي الآية (٨٠) كان الكلام قبلها عن النظر في آيات الله في الكون وهذا ربي ثم هذا ربي ثم هذا ربي أمور تحتاج إلى طول زمن.
- تذكّرون مثل (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَانُكَلِّفُ نَفْسًا إِِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(١٥٢)) الأمر يأتي أو تقرير نجد أن المسألة منحصرة في أوامر من الله عز وجل يأمرهم بتنفيذها لا تحتاج إلى طول الوقت الذي احتاجته التأملات في خلق السموات والأرض في قصة إبراهيم عليه السلام.
- يذّكّرون بالتشديد على الذال فهو للتأكيد.
آية (٢٠٧) : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ)
* الفرق بين الرضوان والمرضاة:
الرضوان هو أعظم الرضى وأكبره والرضوان مصدر وهو الرضى ولم يستعمل في القرآن إلا من الله تعالى أما المرضاة فليست مختصة بالله تعالى وإنما تأتي لله تعالى ولغيره (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ (١) التحريم).
* الفرق بين الرأفة والرحمة:
الرأفة أخصّ من الرحمة، الرأفة مخصوصة بدفع المكروه وإزالة الضرر تقول أنا أرأف به عندما يكون متوقعاً أن يقع عليه شيء.
الرحمة عامة ليست مخصوصة بدفع مكروه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (١٠٧) الأنبياء)، (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا (٦٥) الكهف). الرحمة عامة (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا (٤٨) الشورى).
عندما نقول في الدعاء يا رحمن ارحمنا هذه عامة أي ينزل علينا من الخير ما يشاء ويرفع عنا من الضر ما يشاء وييسر لنا سبل الخير عامة.
* أفردت الرأفة عن الرحمة في موطنين فقط في القرآن كله في سورة البقرة (والله رؤوف بالعباد) وفي سورة آل عمران (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (٣٠)) ما قال تعالى رؤوف رحيم.
لو لاحظنا السياق الذي وردت فيه الآيتان:
في سورة البقرة قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)) لما يقول (فحسبه جهنم) السياق لا يناسب ذكر الرحمة.
في آل عمران (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ (٢٨)) مقام تحذير والتحذير يعني التهديد ولا يتناسب التحذير مع الرحمة.
آية (٥٩) : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)
* دلالة الاختلافات بين آية الأعراف وآية هود (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)) والمؤمنون (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)) :
- فى الأعراف (لَقَدْ أَرْسَلْنَا) غير منسوق بواو العطف وفى هود والمؤمنون (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) بواو العطف :
آية الأعراف لم يتقدمها ذكر إرسال الرسل إلى الأمم ولا أمر بدعاء الخلق إلى الإيمان ولا جملة يناسبها عطف، إنما تقدم قبلها ذكر أصحاب الأعراف ثم قوله تعالى (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) إلى قوله (لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) ثم ابتدأت قصص الرسل مع أممهم فقال تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) وتتابع قصصهم.
آية هود تقدم قبلها ذكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبذلك افتتحت السورة قال تعالى (الـرْ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ..) ثم استمر ذكر دعائهم وتحذيرهم من التولي ثم ذكر تحديه عليه السلام إياهم بالقرآن ولم يعدل بالآى عن هذا الغرض إلى ذكر إرسال نوح عليه السلام فوردت الآى بذلك منسوقة.
آية المؤمنون ورد قبلها ما يناسب عطفها عليه (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) الآيات ، فذكرهم بإيجادهم وانتقالهم متقلبين فى أطوار مكتنفين بتوالى إنعامه وإحسانه ثم عطف على ذلك ما أنعم به من إرسال الرسل فذكر أولهم إرسالا إلى الخلق ليناسب ما بدأوا به من النعم الأولية فقال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) وكل ما ذكر فى هذه الآى نعم متناسبة والآء متوالية ولهذا لم يذكر فى هذه الآية ذكر عذاب الا بالإيماء الوجيز وخصت بقوله عقب الأمر بالعبادة (أَفَلَا تَتَّقُونَ) فذكرهم بالتقوى المجردة لنجاتهم وتخلصهم من العذاب ولم يكن ليلائم ذكر العذاب والإفصاح به ما تقدم من التذكير بإحسانه سبحانه وإنعامه من أول السورة إلى هنا.
- اختلاف مقاله عليه السلام لهم فى كل سورة من الثلاث :
إن دعاء الرسل أممهم يتكرر ويتوالى فى أوقات مختلفة متباينة فمرة يرغبون ومرة يخوفون وينذرون بحسب اختلاف الأوقات وما يناسب كل وقت وما يجرى فيه ويشاهد من أقوال المدعوين وأحوالهم، ألا ترى أن نبينا صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين كان يدعوا قبائل العرب إذا وفدوا على مكة ويقف على كل قبيلة فيكلمهم ويسمعهم القرآن ويدعوهم إلى الله بما يناسب أحوالهم:
فى الأعراف لما تقدم ذكر اليوم الآخر وأهواله من أول السورة إلى ابتداء قصة نوح كقوله (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ...) وقوله (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ...) وقوله (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ...) قوله (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ... هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) فلما تقدم من أهوال هذا اليوم ما لم يتقدم فى السورتين الأخريين ناسبه من مقالات نوح لقومه (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) وناسب قوله : (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) قول الممتحنين (فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا) .
في هود افتتح نوح دعاء قومه بقوله (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) يناسب قول نبينا صلى الله عليه وسلم للعرب فى إخبار الله تعالى عنه (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) وأما قوله (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) فمناسب لما تقدم من ذكر العذاب (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) وقوله (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) وقوله (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) .
- افتتاح أمرهم بالعبادة فى الأعراف والمؤمنين وقوله فى سورة هود قبل أمره إياهم (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) :
افتتاح أمرهم بعبادة الله هو أول ما يطلب به الخلق، أما افتتاح مكالمتهم فى سورة هود بقوله (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) لمطابقته ما افتتحت به السورة من قول محمد صلى الله عليه وسلم بأمر ربه مخاطبا بكلامه تعالى (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ).
آية (٢١١) : (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
* الفرق بين فعل الأمر إسأل وسل:
سل لها قاعدة عند أكثرية العرب أنه إذا بدأنا بها يحذف الهمزة للتخفيف (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) وإذا تقدمها أي شيء يؤتى بالهمزة (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠١) الإسراء).
آية (٢١٢) : (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ)
* لم يقل زينت مع أن الحياة الدنيا مؤنث:
من حيث الحكم النحوي يجوز التذكير لأن:
- الحياة مؤنث مجازي أي ليس له مذكر من جنسه فالبقرة مؤنث حقيقي لأن الثور ذكر من جنسها. كلمة سماء و الشمس مؤنث مجازي والقمر مذكر مجازي.
- ثم هنالك فاصل بين الفعل والفاعل (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ) والفاصل حتى في المؤنث الحقيقي يمكن تذكيره هذه قاعدة (أقبل اليوم فاطمة).
لكن لماذا اختار التذكير؟ هنالك قراءة أخرى وهي (زَيّن للذين كفروا الحياةَ) بالبناء للمعلوم والفاعل الشيطان والحياة مفعول به، وهذه القراءة لا يمكن أن يقول فيها زَيّنت لذا التذكير صار واجباً. فأصبحت (زينت) لا تنسجم مع القراءة الثانية.
* اختار الله تعالى صيغة الماضي للتزيين (زُيّن) وصيغة المضارع للسخرية (ويسخرون) :
ليدلنا على أن التزيين أمر مستقر في الكافرين فهم أبد الدهر يعشقون الدنيا ويكرهون الموت. وأتى بفعل السخرية مضارعاً ليبيّن لنا أن الكافرين يسخرون من الإيمان وأهله بشكل متجدد متكرر. وفي ترتيب الفعلين دلالة منطقية لأن السخرية مبعثها حب الدنيا والشهوات، والتزيين سابق للسخرية فعبّر عنه بالماضي والسخرية ناشئة من تعلق القلب بالدنيا فعبّر عنها بالمضارع.
آية (٢١٤) : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ)
* عبّر الله عن شدة المصاب بقوله (وَزُلْزِلُواْ) وهذا الفعل يدل على شدة اضطراب نظام معيشتهم.
* في رواية ورش (يقولُ) بالضم. فما الفرق؟
قاعدة لغوية: (حتى) قد يأتي بعدها الفعل مرفوعاً وقد يأتي منصوباً. (حتى) لا تنصب إلا إذا كان الفعل بعدها لم يحدث بعد وإذا كان مرفوعاً دلّ على فعل حدث ، مثال: (قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) طه) هو لم يرجع بعد. مثال: أنت تقول ما الذي جاء بك؟ يقول جئت حتى أزورَ فلاناً، يعني لم يزره بعد أما إذا قال جئت حتى أزورُ فلان يعني زاره. وإذا كانت بالنصب يعني أن الفعل لم يحدث بعد.
فى الآية يتكلم عن جماعة مضوا (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) بالنصب إذن نفهم أن الرسول ما قالها إلا بعد البأساء والضراء والزلزال. (حتى يقولُ) هذا إخبار عن حادثة ماضية وقعت كلها فالبأساء حدثت والرسول قالها فيقوله بالرفع.
* أليس هذا يتعارض مع بعض؟ هل قالها الرسول قبل البأساء أو بعد؟
هذه فيها جانبان جانب أنه ذكر حالة الرسول قبل القول فنصب وذكر حال الإخبار عنها بعد القول فرفع ولا يوجد تعارض بين القراءتين وإنما ذكر حالتين حالة قبل القول وحالة إخبار بعد القول.