● { همّاز مشّاء } القلم
{ ويل لكل همزة لمزة } الهمزة
• في القلم { همّاز } صيغة مبالغة على وزن فعّال تدل على امتهان الصفة من صاحبها حينًا بعد حين.
• في الهمزة { همزة } مصدر تدل على ثبوت الصفة كل حين في صاحبها والمصدر أعم من صيغة المبالغة ، بل هو الأصل لها .
• { إن المتقين في جنات وعيون }
{ أم لهم أعين يبصرون بها }
- عيون : جمع كثرة
- أعين : جمع قلة على وزن أفعل
تعبير القرآن الكريم يوظف
- وعيون للمياه الجارية { إن المتقين في جنات وعيون }
- أعين لحاسة البصر { أم لهم أعين يبصرون بها }
وهذا خاص بالقرآن الكريم
• { يدعون فيها بكل فاكهة آمنين }
{ وفواكه مما يشتهون }
- فاكهة : اسم جنس في اللغة للمفرد والمثنى والجمع
- فواكه : جمع في اللغة
- اسم الجنس أعم وأوسع من الجمع
- مع اسم الجنس قال تعالى { إن المتقين في مقام أمين * في جنات وعيون }
- ومع الجمع قال تعالى { إن المتقين في ظلال وعيون }
- والأولى أكمل من الثانية .
• سورة الجاثية من سور الحواميم التي هي لباب القرآن وعرائس آياته .
- قال ابن عطية : هي سورة مكيّة بلا خلاف .
- سميت بذلك لورود اسم الجاثية فيها .
- والجثو لا يكون إلا على الركب من شدة هول من فعل جثا يجثو .
- قال الضحاك : عند الحساب .
• تعرضت السورة للتحدي بإعجاز القرآن ، وأن القرآن تنزيل من الله العزيز الحكيم ، فهو كتاب عظيم معجز .
- تحدثت السورة أيضا عن ربوبيته سبحانه وعظم سلطانه ، وإثبات انفراده تعالى بالألوهية .
وأثبتت ذلك عن طريق أدلة مشاهدة في السموات والأرض وفي الكون عامة.
• سورة الجاثية اتسمت بأسلوب الحصر والقصر في أمور كثيرة ونسبتها لله تعالى رب العالمين وهذا كله رد على مشركي العرب وغيرهم الذي نسبوا ذلك لغير الله تعالى ، منها :
{ وما يهلكنا إلا الدهر } فرد عليهم القرآن { قل الله يحييكم ثم يميتكم } .
• قد دلّ استقراء القرآن ، على أن الله جل وعلا ، إذا ذكر تنزيله لكتابه ، أتبع ذلك ببعض أسمائه الحسنى كما في
الجاثية و الأحقاف { حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } و غافر { حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم }
وهذا يدل على عظمة القرآن الكريم ، وجلالة شأنه وأهمية نزوله.
• { عذاب أليم } { عذاب مهين } { عذاب عظيم }
كلها وردت في أول الجاثية وفي غيرها ، فما التوجيه البياني لها !
بعد سبر الآيات القرآنية كلّها في القرآن الكريم والنظر فيها وطول التأمل في السياق ، بصورة عامة
يتبين ما يلي منها :
- قوله تعالى { عذاب أليم }
العذاب الأليم : هو المؤلم الموجع في وقعه وتأثيره على النفس .
{ إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً ولهم عذاب أليم }
1- هؤلاء اشتروا الكفر بالإيمان فخسروا هذه التجارة ، والخسارة مؤلمة وشديد وقعها على النفس ، لذا تناسب العذاب المؤلم .
- ونظير ما سبق قوله تعالى { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً ... ولهم عذاب أليم }
- ونظيره أيضا قوله تعالى { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم }
- فكل هؤلاء استحقوا العذاب الأليم ؛ لأنهم أرادوا الربح في عملهم المشين .
2- أو يكون مقابل ذنوب أو معاصي دائمة تمادى فيها صاحبها .
- { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم }
- { إنا أرسلنا نوحًا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم }
3- ونظيره المستكبر
- { يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصرّ مستكبرًا فبشره بعذاب أليم }
- { عذاب مهين }
العذاب المهين : في دكّ النفس البشرية وذلّها وقهرها في الآخرة عياذاً بالله تعالى .
{ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين }
1- يظن هؤلاء أن لهم الكرامة والخير والعز في الآخرة ، قوبلوا بالإهانة وبنقيض ما توقعوا .
{ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين }
2- إهانة لتعديه حدود الله تعالى واستخفافه بها ثم إنه منفرداً خالداً ، ويكفي هذا إهانة له .
{ كبتوا كما كبت الذين من قبلهم .. وللكافرين عذاب مهين }
3- كبتوا : أي ذلوا وأهينوا ، وفي الآخرة لهم عذاب مهين .
ونظير هذا قوله تعالى { وإذا علم من آياتنا شيئًا اتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين }
4- الهزو : هو السخرية والاستهتار والإهانة ، فناسب لهذا عذاب مهين .
ومثله ورد في سورة لقمان { ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين }
جراء استهزائهم بآيات الله .
- { عذاب عظيم }
العذاب العظيم : في حجمه وقوته ، ويكون في آيات تضمنت ذنوبًا أو جرائم عظيمة .
كقوله { وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق...ثم يردون إلى عذاب عظيم }
1- بسبب نفاقهم وتمردهم في النفاق ، ولا ريب أن هذا عظيم فتوعدهم الله بالعذاب العظيم .
{ ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم...وأعد له عذابًا عظيمًا }
2- وقتل المؤمن من الجرائم العظيمة في الأرض ، ونظيره :
{ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ..ولهم في الآخرة عذاب عظيم }
3- أي لا أحد أظلم من هذا الذي منع مساجد الله كما قال أهل التأويل .
{ والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم }
4- وهو الذي تولى مسألة الأفك ونشرها ، وهذه من الموبقات العظيمة .
{ يريد الله ألا يجعل لهم حظًا في الآخرة ولهم عذاب عظيم }
5- ظنوا أن لهم النصيب الأوفر في الآخرة لكن قوبلوا بنقيض ذلك وهو عظمة العذاب .
في الجاثية قوله تعالى { ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم }
6- فظن هؤلاء أن ما جمعوه في الدنيا سوف يغني عنهم من الله شيئاً من أموال وأولياء وغيرها ؛ لأن هذه لها منزلة عظيمة عندهم ، فتناسب مع حالهم قوله تعالى { ولهم عذاب عظيم } .
• { لتجري الفلك فيه بأمره } الجاثية
{ ولتجري الفلك بأمره } الروم
- السياق في الجاثية يتحدث عن نعمة البحر فقال { لتجري الفلك فيه بأمره } فزاد فيه { في } الظرفية لأن الكلام عن البحر .
- السياق في الروم يتحدث عن نعمة الرياح ومنافعها ، ومن منافعها أنها سبب جريان الفلك .
• { فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم } الجاثية
{ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم } يونس
- كلتا الآيتين في اختلاف اليهود في العلم لكن :
- آية الجاثية عن الاختلاف بصورة عامة في العلم بعد الآيات البينات الواضحات ، فكلٌ يطلب بهذا العلم الرئاسة والوجاهة وكثرة الاتباع لذا قال { بغيًا بينهم }
- آية يونس اليهود متفقون على مجيء النبي عليه الصلاة والسلام وعلى أنه نبي ، فلما بُعث اختلفوا فيه { حتى } تفيد انتهاء الغاية وهي بعثة النبي عليه الصلاة والسلام . قال الواحدي { فما اختلفوا } يعني اليهود الذين كانوا في عهد النبيّ عليه الصلاة والسلام { حتى جاءهم العلم } وهو القرآن بأَنه رسول الله .
• { وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة } الجاثية
{ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } البقرة
- في الجاثية قدم السمع ، وفي البقرة قدم القلوب
- و القاعدة : الكلمة المقدمة هي التي لها الأهمية في السياق القرآني فما السر البياني في هذا التقديم والتأخير ؟
- الحديث في الجاثية عن ذمّ الأسماع المعرضة عن سماع الآيات الربانية { ويل لكل أفاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرًا } فلما كان الحديث عن سماع الآيات قدم ما يستلزم ذلك { وختم على سمعه وقلبه } فلا يصل له شيء من الهدى والنور، فكان تقديم السمع هنا أليق وأنسب .
- في البقرة الكلام عن الإيمان كما قال تعالى { أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } وقال { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر} والقلوب هي وعاء الإيمان وموطنه ، لذا كان البدء بالقلوب أنسب وتقديمها أليق ، ثم ذمّ الله تعالى تلك القلوب المريضة تأكيدًا لهذا { في قلوبهم مرض } .