كنت علي أحد الأرصفة مع زملائي ، وصدري أضيق من سمّ الخياط ! فأتي أحد الدعاة - لا أعرفه من قبل - فوعظنا وقرأ قوله تعالي : " وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ " [ تبارك : 10 ] فتأملتها ، ووقفت معها كثيرا ، وكانت سبب رجوعي إلي الله .
مما أثر في ذلك الخطاب الملئ رقة وعطفا ، ومن ذلك الأب المكلوم ، والمفجوع بفقد ولديه : " يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ " [ يوسف : 87 ] أبعد كل هذا يناديهم بكلمة ولا ألطف منها : ( يا بني ) ! أهذه رحمة أب بأبنائه الذين أخطأوا عليه ؟! فكيف هي إذا رحمة أرحم الراحمين ؟!
كنت واقعة في ذنب يشق علي تركه ، وفي كل مرة ارتكبه يتملكني شعور بالضيق الشديد ، وفي أحد الأيام فتحت المذياع ؛ فإذا بقول الله عزوجل : " يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ " [ النساء : 108 ] يرتله أحد القراء بصوت مؤثر جدا ؛ فاقشعر جسمي ، وكان ذلك اليوم الحد الفاصل بين المعصية والانابة إلي الله .
كنت لا اعرف طريق المسجد ! والحياة عندي عبث في عبث ! فسمعت يوما قارئا يقرأ قوله تعالي : " وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا " [ طه : 124 ] فتأملت في حالي ؛ فأحسست حقا أن كل ما كنت فيه من لهو وعبث وضلال ؛ ليس إلا لهثا وراء سعادة زائفة ! معيشة ضنكا ؛ فأطفأت السيجارة ، وأشعلت أنوار الإيمان ، أسأل ، أسأل الله الثبات .
حدثني أحد طلابي من الجنسية الفرنسية عن رحلته إلي الاسلام فقال : حين سمعت قوله سبحانه وتعالي : " يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ " [ الإنفطار : 6 ] شدتني براعة الاستهلال ، والعلو والثقة والقوة المطلقة التي يمتلكها قائل هذا الكلام ، فأيقنت أنه ليس خطابا بشريا ، فكانت هذه الصدمة البلاغية أول خطوات رحلتي إلي الاسلام . ( أستاذ في جامعة أم القري )
كنت متهاونة في أمر الصلاة ، وأعيش في ضيق ، وتمر بي أزمات ومشاكل لا طاقة لي بها ، وأتمني أن أجد حلا .. وفي أحد الأيام سمعت قوله تعالي : " وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ " [ البقرة : 45 ] فانتبهت وقلت لنفسي : إن ربي يأمرني أن أستعين بالصبر و بالصلاة ، وأنا لا أزال مفرطه ؛ فكانت نهاية التفريط في تعلقي بالصلاة .
عندما اسمع أو أقرأ هاتين الآيتين : " إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ " [ الأنبياء : 90 ] ، و : " وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ " [ الواقعة 10 : 12 ] أتساءل : كم سبقنا إلي الرحمن من سابق ، وتعب في مجاهدة نفسه ، لكنه الآن صار من المقربين ! فأعود إلي نفسي وأحتقرها إذا تذكرت شديد تقصيرها ، وأقول : يا تري أين أنا ؟
كلما قرأت هذه الآية : " فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ " [ الشوري : 7 ] أو سمعتها أو ذكرتها ؛ أحس قلبي يتقطع ، إذ لا أعلم من أي الفريقين سأكون ؟ أسأل الله أن يجعلنا من الذين : " وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " [ البقرة : 274 ] .
آية عشت معها ، وأصبحت منهجا في حياتي : " إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا " [ الإسراء : 36 ] فإذا حدثتني نفسي - خصوصا إذا كنت خاليا وعلي النت أن أري ما لا يرضيه سبحانه ؛ جاءت هذه الآية أمامي لتردعني .
هذه الآية : " وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ " [ النور : 15 ] غيرت حياتي .. فأصبحت عباداتي وشؤون حياتي اليومية - مع زوجي وأبنائي ومع الصغير والكبير بل والقريب والبعيد - علي أساس تعظيم شأن كل طاعة ومعروف وإحسان وبر ، مهما صغر ولم يؤبه به ، وكذا تعظيم المعصية أو الإثم والسيئة والأذي مهما قلل أو أحتقر شأنها الآخرين ، فصرت أنصح وآمر وأنكر بها .