" أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " [ الجاثية : 21 ] هذه الآية كانت درسا لي ، عندما قرأتها شعرت كأني المخاطبة ... أريد الجنة ، وأريد رؤية الله سبحانه ! لكن أين العمل ؟! ومن لحظتها قررت الاجتهاد في العمل الصالح .
من أعظم الأشياء التي كانت تصدني عن التوبة : تلبيس الشيطان علي في القنوط من رحمة الله ، وأني صاحب ذنب لا يغتفر ؛ حتي قرأت : " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " [ المائدة : 73 ] إلي : " أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " [ المائدة : 74 ] فإذا كان الله فتح باب التوبة لمن نسب له الصاحبة والولد فكيف بمن دونه !
أنا طالب علم ، وذات مرة توقفت عند قوله تعالي : " أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ " [ الزمر : 9 ] فبكيت كثيرا علي ضياع ليال كثيرة ، وأنا لم أشرف نفسي بالانتصاب قائما لربي ولو لدقائق ، فكان هذا البكاء مفتاحا لبداية أرجو أن لا تتوقف حتي ألقي ربي .
" وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ " [ الكهف : 49 ] من عشرين عاما كلما قرأتها أشعر أنني أنا المخاطب بها ، وأحاول استعراض ما فعلت في الأسبوع ، وأعلم أن السيئات كتبت ورفعت إلي يوم الحساب ، ولن ينجيني سوي كثرة الاستغفار والتوبة .
قد يضيق صدرك إذا سمعت ما يؤلمك ، وقد تحزن لذلك ، وقد تهتم كثيرا كثيرا ، فتحتاج لمن يرأف علي قلبك ، ويذهب ما أهمك ، تدبرت أواخر سورة الحجر : " وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ " [ الحجر : 97 و98 ] فوجدت العلاج الشافي الكافي ، فيا لعظمة هذا القرآن وجميل لذته !
كان لي موعد بعد صلاة العشاء مع معصية ، وفي صلاة العشاء قرأ الإمام قوله تعالي : " وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ " [ إبراهيم : 34 ] فتذكرت ما أنا فيه من الخير والنعيم ... واستحييت ، فاحمد الله علي التوبة .
كنت في ما مضي غافلا لاهيا لا أفكر إلا في مصالحي ... وذات مرة - وأنا أصلي - سمعت الإمام يتلو قوله تعالي : " الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ " [ البقرة : 146 ] وكنت ممن يحفظون من كتاب الله لكني مقصر في العمل ، فخشع قلبي لها ، ومن ذلك الحين بدأت حياتي تتغير ، وبدأت أخشع في صلاتي ، ولله الحمد والمنة .
أشهد أن آية غيرت حياتي .. كنت مولعا بسماع الأغاني الغربية ، وذات مرة وأنا أسير بسيارتي ثم أقفلت المسجل ، فإذا بقارئ في إذاعة القرآن يقرأ : " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " [ الزمر : 54 ] فشعرت أن الله سبحانه يدعوني إلي التوبة ، ومنذ ذلك الحين والأغاني من أبغض الأشياء إلي قلبي بفضل الله .