| ٩٥١ |
وكذلك من الأخلاق الكريمة مخالقة الناس بالخلق الحسن بالكلام الطيب بدعوتهم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، قال النبي ﷺ لبعض أصحابه: اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن، والله يقول سبحانه: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83]، فمن الأخلاق الكريمة أن تروض نفسك وتجاهدها على أن تعامل الناس بالخلق الحسن، ولاسيما إخوانك وأحبابك وقراباتك وأصدقاؤك وعموم المسلمين، عليك أن تخالقهم بالخلق الحسن، وتحذر سوء الأخلاق، لا تكن فظًا ولا غليظًا ولا شتامًا ولا كذابًا ولا شاهد زور ولا صاحب خصومات بغير حق ولا سيئ الخصومة ولا صاحب أيمان كاذبة، إن خاصمت خاصمت بإحسان وبكلام طيب عند الضرورة، وإن خاطبت خاطبت بإحسان، وإن قابلت أخاك بدأته بالسلام، وإن بدأك بدأت برد السلام عليه، وإن كذبك عن الحق قضيت بإحسان بمكارم الأخلاق لا بالسوء والشتم ولا بالأذى ولا بالعبارات النابية الذميمة، ولكن بالعبارات الطيبة والأخلاق الكريمة والتلطف والإحسان في أخذك وعطائك وسلامك وخصومتك ومقابلاتك وغير ذلك، تخالق الناس بخلق حسن يقول سبحانه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، فكان عليه الصلاة والسلام ذا خلق عظيم مع أصحابه ومع الناس عليه الصلاة والسلام، فعليك أنت -يا عبد الله- بالتأسي بنبيك عليه الصلاة والسلام بالخلق الحسن، حتى ولو مع خصمك، حتى ولو مع خصمك، في الطريق أو في المحكمة لا تقل إلا خيرًا، خذ حقك بالكلام الطيب: يا أخي عليك أن تؤدي حقي إلي أنا أخوك في الله، وأنت أخي في الله، لا يجوز مني الظلم لك، ولا يجوز منك الظلم لي، علينا جميعًا أن نتوخى الحق، وأن نحرص عليه، وأن نؤديه، سواء لنا أو علينا، هكذا المؤمن لا يخاصم بالسب والشتم، ولا بالألفاظ الذميمة، والأخلاق السيئة، لكن بالكلام الطيب والعبارات الحسنة، إن حصل الحق الذي يريد بالطرق الشرعية فالحمد لله، وإلا فالموعد الله، إن ضاع في الدنيا هذا الحق لن يضيع يوم القيامة، تجده أحوج ما تكون إليه يوم القيامة، تجده أنت بأشد الحاجة إليه، فلا تندم إذا ضاع الحق في الدنيا سوف لا يضيع في الآخرة، ولست بحاجة إلى السب والشتم وسوء الخلق والتعدي والظلم، ولكن عليك بالحكمة والكلام الطيب والخلق الحسن مع جيرانك ومع أولادك ومع زوجتك الله يقول: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]، ويقول النبي ﷺ: استوصوا بالنساء خيرًا.
فالخلق الكريم مطلوب مع الأمير مع القاضي مع الولد مع الزوجة مع الجار مع سائر إخوانك في الطريق في البيت في السفر في الإقامة في كل مكان تتحرى الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة والمعاملة الطيبة في جميع الأحوال، كل هذا مما دعت إليه الرسل، ودعا إليه نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو دعا إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وحذر من سيئ الأخلاق وسيئ الأعمال.
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وإياكم لخير الأخلاق ومكارم الأخلاق، وقد صح عنه أنه قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، هكذا جاء عنه الحديث عليه الصلاة والسلام، يقول: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وفي لفظ: لأتمم صالح الأخلاق، فقد بعثه الله يدعو إلى صلاح الأخلاق ومكارم الأخلاق وينهى عن سفساف الأخلاق وسيئ الأخلاق.
فأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفات العلا أن يرزقنا وإياكم مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وأن يعيذنا وإياكم من سيئ الأخلاق وسفساف الأعمال، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا ويثبتنا على دينه حتى نلقاه سبحانه، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يوفق ولاة الأمور لما فيه رضاه وما فيه صلاح العباد والبلاد.
الوقفة كاملة
|
| ٩٥٢ |
وقد تولاها صاحبا الفضيلة: الشيخ محمد بن عبدالرحمن الراوي، والدكتور محمد رأفت سعيد، فيما يتعلق بدعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وقد سمعتم جميعًا ما قاله الشيخان في هذا الموضوع العظيم، وقد أجادا وأفادا وأحسنا، جزاهما الله خيرًا، وضاعف مثوبتاهما، وزادنا وإياكم وإياهما علمًا وهدى وتوفيقا، فلقد أوضحا جميعًا ما ينبغي للدعاة في دعوة غير المسلمين.
والخلاصة من كلامهما جميعًا أن الدعوة تكون بالقول والعمل، وتكون بالأخلاق والإحسان، كما تكون بالتوجيه إلى ما ينفع العبد في الدنيا والآخرة، وكما تكون ببيان محاسن الإسلام وما فيه من الأخلاق العظيمة والصفات الكريمة، تكون أولًا بالأعمال الطيبة، والقدوة الحسنة، والسيرة الحميدة، حتى ينظر المدعو الداعي على خير حال، وحتى يتأسى بأعماله وصفاته وأخلاقه الكريمة قبل أن يسمع كلامه، وحتى يكون الانتفاع بهذا وهذا، بالقول والسيرة الطيبة، وبالإحسان إلى المدعوين وسد خلتهم، وعلاج جريحهم، والحرص على انتشالهم مما هم فيه من الباطل، وتسليمه للأعداء الذين يحرصون كل الحرص على أن يأخذوهم إليهم ويضموهم إليهم بما يفعلون من أنواع الإحسان إليهم، فإذا كان أعداء الله يحرصون على انتشال هؤلاء وأخذهم من أيدي المسلمين بما يفعلون من إقامة المستوصفات والمستشفيات ودور الإحسان بالطعام والشراب والكساء إلى غير ذلك فالمسلمون يجب أن يكونوا هكذا، وأن يعالجوا مرضى القلوب، ومرضى الأبدان، بالعلاجين، فلا يغني هذا عن هذا، ولا هذا عن هذا، كل يبذل ما يستطيع، ويكون العلاج بالإحسان وسد جوعة الجائع وعلاج المريض وغير هذا من وجوه الإحسان، ويكون أيضًا بالتوجيه إلى ما جاء به الإسلام من الأخلاق الكريمة، والصفات الحميدة، والدين الحق، وببيان ما هم فيه من الباطل، وببيان عورة ما هو فيه من الباطل، وما فيه من الشر والفساد؛ حتى ينفروا منه، وحتى يعلموا بطلانه.
هكذا يكون الدعاة إلى الله كل بحسب طاقته، فالرسول ﷺ وأصحابه في مكة كانت دعوتهم بالكلام، والسيرة الحميدة، والصبر، ليس في أيديهم القوة، وليس في أيديهم المال الكثير حتى يبذلوه، ولكن بالصبر والتوجيه إلى الخير، وبيان محاسن الإسلام، وبيان بطلان ما هم فيه من الشرك، وعبادة الأوثان والأصنام، وبيان صفة الأوائل صفة الرسل الكرم وأتباعهم بإحسان، وأن فيهم القدوة لمن عرف حالهم وسيرتهم حتى يتأسى بهم المسلمون، وحتى يصبروا على ما أصابهم من الشدة والجوع والعذاب، التأسي بأولئك الأخيار من الرسل وأتباعهم، وعند القدرة يواسى الفقير، ويعالج المريض، وتبنى المستشفيات والمستوصفات، ويبذل المال للمؤلفة قلوبهم، إلى غير ذلك من أنواع الإحسان، فهذا مطلوب، وهذا مطلوب، وعلى المسلمين جميعًا وعلى ولاة أمرهم أن يقوموا بذلك، وعليهم أن يبدؤوا بأنفسهم، عليهم أن يبدؤوا بأنفسهم فيعالجوا ما بهم من أمراض: أمراض القلوب، وأمراض الأخلاق، فيستقيموا على دين الله، ويؤدوا حق الله، ويبتعدوا عن محارم الله، حتى يتأسى بهم غيرهم، حتى يرى فيهم غيرهم الأخلاق الكريمة، والصفات الحميدة، والطاعة لله ولرسوله، والكف عن محارم الله، والاستقامة على طاعة الله ورسوله، وحتى يرى فيهم أعداؤهم مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والصبر على ما هو لله ، والكف عن محارم الله سبحانه وتعالى، كل هذا مطلوب.
فإذا استقام المسلمون على دينهم وصبروا عليه ودعوا إليه بالأخلاق الكريمة والصفات الحميدة وأعمال جليلة وعلم نافع وبصيرة نافذة أجابهم غيرهم، وسلم لهم غيرهم القيادة، وبادروا إلى الاستجابة إلى ما يدعون إليه، فعلى الداعي إلى الله أن يعرف هذه الأمور، وأن يتبصر وأن يصبر ويصابر حتى يكون لدعوته الأثر العظيم، وحتى تكون له العاقبة الطيبة، وحتى يتقبلها المدعوون بكل انشراح، وبكل رغبة، وبكل مبادرة، أما أن يدعوهم إلى الأخلاق الكريمة وهو يخالفها، أو يدعوهم على جهالة وقلة بصيرة، فهذا قل أن يستمع له، وقل أن يفيد، بل يضر أكثر، ويفسد أكثر، إلا من رحم الله، فالمؤمن عليه أن يبدأ بنفسه ويجاهدها، وعليه أن يصبر ويتحمل حتى يدعو إخوانه المسلمين الذين قصروا في الاستقامة فيتأسوا بهم، ويستقيموا على ما دعاهم إليه، ثم ينتقل من ذلك إلى دعوة غيرهم من الكفرة ليستجيبوا لداعي الله، ولما يحييهم إلى توحيد الله والإخلاص له، وإلى أداء ما أوجب الله، وإلى ترك ما حرم الله، فيقيم الأدلة القولية والعملية حتى يستجيب له أولئك المدعون، وحتى تكون أخلاقه وأخلاق أتباعه والدعاة معه أخلاقًا كريمة، وصفات حميدة، يتأسى بها المدعو، وينشرح لها صدره، ويعلم أن هذا الداعي قد دعا إلى خير وقد عمل بخير.
ومن نظر في سيرة الرسول ﷺ وأصحابه عرف ذلك، فهم صبر على الحق، صبر على ترك شهواتهم، صبر على الجوع، صبر على كل ما يفوتهم من الحظ العاجل؛ لأنهم يريدون وجه الله والدار الآخرة، فهم صابرون في جنب الله، مجتهدون في طاعة الله، حريصون على هداية الناس إلى دين الله ، فلذلك نجحوا وأفلحوا، وصارت لهم العاقبة الحميدة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [الأنفال:45-47].
فالحاصل أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى صبر، وإلى علم، وبصيرة وإلى أخلاق كريمة، وإلى صفات حميدة، كما قال جل وعلا: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف:3]، وقال سبحانه: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [البقرة:44]، وقال شعيب لقومه: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88]، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، فعلى المؤمن وعلى الداعي إلى الله جل وعلا أن يجتهد، ولكن لا يمنعه ما فيه من قصور من الدعوة إلى الله بالحسنى وبالعلم والبصيرة، وأن يجتهد في استكمال ما فاته من الخير والحرص على تحصيل ما ينقصه من العلم والفضل، فلو قصر الأمر على الكمل لتعطل هذا الباب في الأغلب، ولكن لا بد من الجهاد، ولا بد من الدعوة، ولا بد من الصبر، ولا بد من الجهاد أيضًا لاستكمال ما يفوت الداعي من صفات حميدة وأعمال جليلة وصبر ومصابرة، فليس من شرط الداعية أن يكون كاملًا، وليس من شرط المجاهد أن يكون كاملًا، وليس من شرط الآمر والناهي أن يكون كاملًا، ولكن عليه أن يجتهد في ذلك، وأن يصبر ويتحمل حتى يكون ذلك أكثر ثمرة في دعوته، وأكمل في تحصيل المراد، وأبعد عن الخيبة فيما يدعو إليه، ويريد نجاحه، وحصوله من الناس.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم وجميع الدعاة إلى الله سبحانه لما فيه رضاه، ولما فيه صلاح العباد والبلاد، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعًا وقادتهم حتى يكونوا قدوة صالحة في أقوالهم وأعمالهم وسيرتهم في أعدائهم، حتى يتأسى بهم أعداؤهم، وحتى يعرفوا صحة ما هم عليه بأخلاقهم الكريمة، وصفاتهم الحميدة، وإخلاصهم لله وصبرهم وإحسانهم إلى عباد الله.
الوقفة كاملة
|
| ٩٥٣ |
(أم مازن) امرأة من صالحات زماننا ,راغبة في الخير, محبة للطاعة , معظمة لكتاب الله تعالى فهو جليسها في كل وقت وآن , البر عندها من أرجى أعمالها , محسنة للقريب والبعيد , زاهدة في الدنيا , مترفعة عن ملاذها الزائلة ,صابرة على البلاء , محتسبة أجرها عند ربها وخالقها.
بلغ الناس خبر وفاتها فبكاها القريب والبعيد وكيف لايُبكى على مثلها وهي مثال للخير في جوانبه كله,ومن أعظم الصور الدالة على صدقها وصلاحها أن بكاها جيرانها وفي هذا بشارة لها عظيمة فقد جاء في الحديث الصحيح" ما من مسلم يموت فتشهد له أهل أربعة أبيات من جيرانه الأدنين إلا قال الله قبلت علمكم فيه وغفرت له ما لا تعلمون"مجمع الزوائد , ورجاله رجال الصحيح.
- صور من عبادتها
أقول وأنا إمام الجامع الذي تصلي فيه , لا أعرف أن هذه المرأة قد أخطأتها صلاة التراويح والقيام منذ أكثر من عشر سنوات , بل تكاد تكون أول من يدخل الجامع وآخر من يخرج منه في ليالي رمضان وإن فُقدت عرفنا أنها في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام , حتى قالت إحدى الأخوات اللاتي يصلين معها في الحرم سأسميها فقيدت الصف الأول في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ,فلقد كانت كما تقول الأخت : لا يُخطئها الصف الأول في الحرم النبوي وان رأيتها رأيت امرأة إما تصلي أو أنها قد انكبت على كتاب الله تتلوه , أو رافعة يديها تطلب ربها (وقد نوت هذا العام أن تقضي رمضان في الحرم النبوي –نسأل الله أن لا يحرمها أجر النية -)
تقول إحداهن : كانت تصلي بين التراويح والقيام ما شاء الله أن تصلي مستغلة لهذا الزمان الفاضل فيما يقربها إلى الله .
ويقول أهل بيتها : كانت قوامة لليل , صائمة للنهار , لا يُعرف عنها أنها تركت قيام الليل إلا لعارض ,تصوم الأيام البيض , والاثنين والخميس لا يُخطئها صيامها ولا صيام الأيام الفاضلة
(فهلا عرفت قيمة هذه الطاعة وفضلها وحرصت عليها)
ومن صور الخير التي أعرفها عنا أنها كانت لا تفرط في حضور محاضرة أو درس لشدة حرصها وحبها لمجالس الخير , فأين الزاهدات في هذا الخير وقد شُغلن بتوافه الأمور , وضياع الأوقات ؟
ومن الصور الدالة على تأصل الخير فيها و قلما يحرص عليها الكثير(أنها لم تبن بيتها إلا بعد أن بنت مسجدا لله تعالى) وفي الحديث " من بنى مسجدا لله بنى الله له بيتا في الجنة" جعله الله مما أُعد لها قبل قدومها عليه .
بل من عظيم إخلاصها أنها كانت حريصة كل الحرص أن لا يعلم أحد بخبر هذا المسجد لأنها إنما تريد وجه الله تعالى.
برها في الوالدين وصلتها للرحم
قد عُرفت هذه المرأة بالبر للوالدين , ولما سألنا أهلها عن برها قالوا لا تسل , وماذا عسانا أن نقول لك ؟
هل نحدثك عن رعايتها لأمها ؟ وعدم غيابها عنها؟
أم نحدثك عن إحسانها لوالدها بعد وفاته؟
أو نذكر لك خدمتها لأمها بكل صور الخدمة ؟
لقد كانت حريصة أشد الحرص على برهما , وربما حرمت نفسها من أشياء لأجلهما
ومضة
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
( دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة قلت من هذا ؟ فقالوا : حارثة بن النعمان ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كذلكم البر كذلكم البر [ وكان أبر الناس بأمه ] ) .أخرجه أحمد وهو صحيح
ومما تميزت هذه المرأة الصالحة –أنزل الله شآبيب الرحمة على قبرها- تعاهد القريبين بالصلة
والنصح والهدايا .
يقول أخواتها : كانت كثيرا ما تحثنا على صلة الرحم , ومواصلتهم في المناسبات , وتكسوا كثيرا منهم كل عيد حتى وإن كانوا أغنياء .
وربما مرت ببعض قرابتها ضائقة فكانت أول من يُسارع لفكها حتى وإن بلغ المال ما بلغ لأنها كانت تتاجر مع ربها وتحفظ قوله تعالى " ما عنكم ينفد وما عند الله باق" فتاجرت فيما بقي .
يارب اجعلنا من الصالحين واحشرنا مع سيد المرسلين نبينا وحبيبنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وعلى اله واصحبه وسلم تسليما كثيرا
الوقفة كاملة
|
| ٩٥٤ |
من اراد جنات عدن فليعمل على تزكية نفسه ورفع شأنها
الوقفة كاملة
|
| ٩٥٥ |
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال تعالى: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:102].
في مثل هذه الأيام من كل عام تكثر مناسبات الزواج التي يتحقَّق بها أغلى أمنياتِ الشباب من البنين والبنات، في إقامة بيتٍ مسلم سعيد، يجدون فيه المأوى الكريم، والراحة النفسية، والحلم السعيد، فيترعرع في كنَف هذا البيت وينشأ بين جنباتِه جيلٌ صالح فريد، في ظل أبوَّةٍ حاجبة وأمومة حانية. هذا البيت، ما هي سماته؟ وما منهجه؟ وكيف تتحقق سعادته؟ قال تعالى: (وَمِنْ ءايَـاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم:21].
البيت نعمةٌ لا يعرف قيمتَه وفضله إلا من فقده، فعاش في ملجأ مُوحش، أو ظلماتِ سجن، أو تائه في شارع أو فلاة، قال تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا) [النحل:80]، قال ابن كثير رحمه الله: "يذكر تبارك وتعالى تمام نعمته على عبده بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم يأوون إليها، ويستترون فيها، وينتفعون بها سائرَ وجوهِ الانتفاع".
البيت المسلم ـ إخوةَ الإسلام ـ أمانةٌ يحمِلها الزوجان، وهما أساس بنيانه ودِعامة أركانه، وبهما يُحدِّد البيتُ مسارَه، فإذا استقاما على منهج الله قولاً وعملاً وتزيَّنا بتقوى الله ظاهرا وباطنا وتجمَّلا بحسن الخلق والسيرة الطيبة غدا البيتُ مأوى النور وإشعاعَ الفضيلة، وسَطع في دنيا الناس، ليصبح منطلَق بناءِ جيل صالح وصناعة مجتمعٍ كريم وأمَّة عظيمة وحضارة راقية.
أيها الزوجان، بيتُكما قلعةٌ من قلاع هذا الدين، وكلٌّ منكما يقِف على ثغرة حتى لا يبرز إليها الأعداء. كلاكما حارسٌ للقلعة، صاحبُ القوامة في هذا البيت هو الزوج، وطاعته واجبة، قال صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته))، وقال: ((والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها)) أخرجه البخاري.
إن البيت النبوي ومن فيه من أمهات المؤمنين هو أسوة البيوت كلها على ظهر الأرض، فهو بيت نبويٌّ ترفّع على الرفاهية والترَف، وداوم الذكرَ والتلاوة، ورسم لحياته معالمَ واضحة، وضرَب لنفسه أروعَ الأمثلة في حياة الزهد والقناعة والرضا. خيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءَه دون إكراهٍ بعدما أعدّهنَّ إعدادا يؤهِّلهنَّ لحياة المثل العليا والميادين الخالدة. نزلت آية التخيير تُخيِّر زوجاتِ النبي صلى الله عليه وسلم بين الحياة الدنيا وزينتِها وبين الله ورسوله والدار الآخرة: (ياأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لأَزْواجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً) [الأحزاب:28، 29]، قالت عائشة وكل زوجاته رضي الله عنهن كلهن: نختار الله ورسوله والدار الآخرة.
إن البيت المسلم الذي أقامه الرعيل الأول جعل منهجَه الإسلام قولا وعملا، صبَغ حياته بنور الإيمان، ونهَل من أخلاق القرآن، فتخرج من أكنافه نماذجُ إسلامية فريدة، كتبت أروعَ صفحات التاريخ وأشدَّها سطوعاً. خرّج البيت المسلم آنذاك للحياة الأبطالَ الشجعان، والعلماءَ الأفذاذ، والعبَّادَ الزهاد، والقادة المخلصين، والأولاد البررة، والنساءَ العابدات. هكذا هي البيوت المسلمة لما بُنِيت على أساس الإيمان والهداية، واستنارت بنور القرآن.
إن البيت المسلم التقيّ النقي حصانةٌ للفطرة من الانحراف، قال صلى الله عليه وسلم: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه)) أخرجه البخاري.
يقول ابن القيم رحمه الله: "وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائضَ الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كباراً".
ما أجمل أن يجمع سيدُ البيت أولادَه فيقرأ عليهم من القرآن، ويسرُد عليهم من قصص الأنبياء، ويغرس في سلوكهم الآداب العلية.
من أولى أولويات البيت المسلم وأسمى رسالة يقدمها للمجتمع تربية الأولاد، وتكوين جيل صالح قوي. ولا قيمة للتربية ولا أثر للنصيحة إلا بتحقيق القدوة الحسنة في الوالدين؛ القدوة في العبادة والأخلاق، القدوة في الأقوال والأعمال، القدوة في المخبر والمظهر، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وَذُرّيَّـاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) [الفرقان:74]، وتدبَّر دعوةَ إبراهيم عليه السلام: (رَبّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلواةِ وَمِن ذُرّيَتِى رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء) [إبراهيم:40]، وقال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلواةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَـاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه:132].
في غياب البيت المسلم الهادئ الهانئ ينمو الانحراف، وتفشو الجريمة، وترتفع نسبة المخدرات، بل ونسمع بارتفاع في نسبة الانتحار.
إن البيت الذي لا يغرس الإيمان ولا يستقيم على نهج القرآن ولا يعيش في ألفةٍ ووئام ينجب عناصرَ تعيش التمزُّقَ النفسي، والضياعَ الفكري، والفسادَ الأخلاق، هذا العقوق الذي نجده من بعض الأولاد والعلاقات الخاسرة بين الشباب والتخلي عن المسؤولية والإعراض عن الله والتمرُّد على القيم والمبادئ الذي يعصِف بفريق من أبناء أمتنا اليوم، ذلك نتيجة حتمية لبيت غفل عن التزكية، وأهمل التربية، وفقد القدوة، وتشتَّت شمله.
البيت الذي يجعل شرائع الإسلام عِضين، يأخذ ما يشتهي، ويذر ما لا يريد، إلى شرقٍ أو غرب، يُنشئ نماذجَ بشرية هزيلة، ونفوسا مهزوزة، لن تفلح في النهوض بالأمة إلى مواقع عزها وسُؤددها.
البيت المسلم من سماته الأصيلة أنه يردُّ أمرَه إلى الله ورسوله عند كل خلاف، وفي أي أمرٍ مهما كان صغيراً، وكل من فيه يرضى ويسلِّم بحكم الله، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـالاً مُّبِيناً) [الأحزاب:36].
حياة البيت المسلم ـ عباد الله ـ وسعادته وأنسه ولذتُه في ذكر الله، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل البيت الذي يُذكر الله فيه والذي لا يذكر الله فيه مثلُ الحي والميت)) أخرجه المسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً))، وقال: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة))، وقال: ((عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)).
هذه الأحاديث وغيرُها تدلّ على مشروعية إحياء بيوت المسلمين، وتنويرِها بذكر الله من التهليل والتسبيح والتكبير. إحياؤها بالإكثار من صلاة النافلة، وإذا خلت البيوت من الصلاة والذكر صارت قبورا موحشة وأطلالا خربة ولو كانت قصوراً مشيدة. بدون ذكر الله والقرآن تغدو البيوت خاملة ومرتعا للشياطين، سُكَّانها موتى القلوب وإن كانوا أحياءَ الأجساد.
من سمات البيت المسلم تعاون أفراده على الطاعة والعبادة، فضعْفُ إيمان الزوج تقوِّيه الزوجة، واعوجاج سلوك الزوجة يقوِّمه الزوج، تكاملٌ وتعاضُد، ونصيحة وتناصر، قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، فإذا أوتر قال: ((قومي فأوتري يا عائشة))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأتَه فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأةً قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)).
يدلُّ الحديثان على أن لكلٍّ من الرجل والمرأة دوراً في إصلاح صاحبه، وحثِّه على طاعة الله، ذلك لأن العلاقة بينهما في الأصل علاقةٌ إيمانية، تتشابك فيها الأيدي سعياً لطاعة الله، فإذا كلّت يدٌ ساعدتها الأخرى.
يُؤسَّس البيت المسلم على علم وعمل، علمٍ يدله على الصراط المستقيم، ويُبصِّر بسبل الجحيم، علمٍ بآداب الطهارة وأحكام الصلاة وآداب الاستئذان والحلال والحرام، لا يجهل أهل البيت أحكامَ الدين، فهم ينهلون من علم الشريعة في حلقة علم بين الفينة والأخرى.
من سمات البيت المسلم الحياء، وبه يُحصِّن البيت كيانَه من سهام الفتك ووسائل الشر التي تدع الديار بلاقع، لا يليق ببيت أسِّس على التقوى أن يُهتَك ستره، ويُنقض حياؤه، ويلوَّث هواؤه بما يخدش الحياءَ من أفلام خليعة وأغانٍ ماجنة، أو نبذٍ للحجاب وتشبه بأعداء الدين، كل ذلك ينخر كالسوس في كيان البيت المسلم، وبؤراً تفتح مغالق الشر وتدع العامر خرابا.
من سمات البيت المسلم أن أسراره محفوظة، وخلافاته مستورة، لا تُفشى ولا تستقصى، قال صلى الله عليه وسلم: "إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرّها".
البيت المسلم ـ عبادَ الله ـ يقيم علاقاتِه مع المجتمع على أساس الإيمان، إنه يزداد نوراً بزيارة أهل الصلاح، فالمؤمن كحامل المسك؛ إما أن يعطيَك، وإما أن تشتريَ منه، وإما أن تجدَ منه ريحا طيبة، (رَّبّ اغْفِرْ لِى وَلِوالِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّـالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً) [نوح:28].
لا يدخل البيتَ المسلم من لا يُرضَى دينه، فدخول المفسد فسَاد، وولوجُ المشبوه خطرٌ على فلذات الأكباد، بهؤلاء فسدت الأخلاق في البيوت، وفشا السحر، وحدثت السرقات، وانقلبت الأفراح أتراحا، بل إنهم معاول هدم للبيت السعيد.
البيت المسلم تتعمّق صلاتُه وتزداد رسوخاً بإحياء معاني التعاون في مهمات البيت وأعماله، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنة، لما سئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته؟ فأجابت: كان بشراً من البشر؛ يفلي ثوبَه، ويحلب شاتَه، ويخدم نفسَه. أخرجه أحمد. وفي رواية: كان يكون في مهنة أهله أي: خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. أخرجه البخاري.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الوقفة كاملة
|
| ٩٥٦ |
كيف نبني البيت المسلم؟ (خطبة)[1]
اهتمام الإسلام بالأسرة نواة المجتمع الإسلامي.
قواعد بناء البيت المسلم:
1 - الإيمان الصادق بالله ورسوله.
2 - السكينة والمودة والرحمة.
3 - إقامة البيت المسلم والأسرة المسلمة وفق شرع الله.
4 - التعاون على الطاعة.
5 - التعاون في شؤون الأسرة.
6 - أداء الحقوق الزوجية.
7 - حسن تربية الأولاد.
كيف نبني البيت المسلم؟
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد[2]:
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هُدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة[3].
عباد الله:
أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل؛ فهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء: 131].
أيها المسلمون:
اهتمَّ الإسلام بالأسرة والبيت المسلم؛ لأنها نواة المجتمع الإسلامي، والمحضن التربوي الأصيل، والخليَّة الأولى التي يَفتح الطفل عينيه عليها؛ وفيها تعيش الأسرة جزءًا كبيرًا من حياتها.
فإذا صلحَت الأسرة صلح المجتمع الإسلامي؛ لذا يجِب الاعتناء بالبيت المسلم بتهيئته لحياة سعيدة، يملؤها الإيمان والمحبَّة، وجعلها مسجدًا للعبادة، ومعهدًا للعلم، وملتقًى للفرح والسعادة.
عباد الله:
إن الإسلام قد اعتنى بالأسرة منذ بدء تكوينها، فوضع الأسس والقواعد التي يعتلي عليها البناء الشَّامخ القوي الذي لا يهتز أمامَ رياح المشاكل، وعواصف الأزمات.
فالبيت المسلم يقوم على مجموعة من الأسس والقواعد التي تَحكمه، وتنظم سير الحياة فيه، كما أنها تميِّزه عن غيره من البيوت، وتُستمد هذه القواعد من القرآن الكريم، والسنَّة النبوية الشريفة، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحياة الصحابة، والتابعين.
عباد الله:
ألا وإن من أهم قواعد بناء البيت المسلم:
1 - الإيمان الصادق بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما يتطلَّبه ذلك من الإخلاص لله، ودوام الخشية منه، وتقواه، والعمل بأوامره، واجتناب نواهيه، وتربية جميع أفراد الأسرة على ذلك.
ومما يدلُّ على هذا أن الإسلام من بداية الأمر جعل الدِّينَ هو الأساس الأول في اختيار شَريك وشريكة الحياة، قال صلى الله عليه وسلم: ((تُنكَح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدِينها، فاظفر بذات الدِّين، تربت يداك))[4].
وعلى الطرف الآخر قال لأهل الفتاة في الحديث الشريف: ((إذا خطب إليكم مَن ترضَون دِينَه وخُلقَه، فزوِّجوه؛ إلا تفعلوا تَكن فِتنة في الأرض وفَساد عريضٌ))[5].
وجاء رجل إلى الحسن بن علي يسأله قائلًا: خطب ابنتي جماعة، فمَن أزوِّجها؟ قال: زوِّجها من التَّقي؛ فإنه إنْ أحبَّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها[6].
إذًا؛ لقد حثَّ الله تبارك وتعالى على أهميَّة البناء الإيماني، وشرط أن يكون الأساس الراسخ لأي بنيان يريد أن يشيده الإنسان، فقال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [التوبة: 109].
فقوله: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 109]؛ أي: على نيَّة صالحة وإخلاص، ﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ [التوبة: 109]؛ بأن كان موافِقًا لأمره، فجمع في عمله بين الإخلاص والمتابعة، ﴿ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا ﴾ [التوبة: 109]؛ أي: على طرف، ﴿ جُرُفٍ هَارٍ ﴾ [التوبة: 109]؛ أي: بالٍ، قد تداعى للانهدام، ﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [التوبة: 109][7].
فالتقوى هي أساس كل بنيان، وكذلك البيت المسلم الذي يتأسَّس من بدايته على الصلاح، والاهتمام بالجانب الإيماني في علاقة الزَّوجين مع الله تبارك وتعالى؛ ولذا نجد أيها الأزواج أنَّ البيت المسلم الذي أُسِّس على تقوى الله عز وجل من صفاته:
• الحرص على أداء فرائض الله تبارك وتعالى في وقتها.
• نشأة الأبناء على طاعة الله عز وجل؛ لأنَّ الأبوين مهتمَّان بعلاقتهما مع الله عز وجل، وبالتالي ينشأ الأبناء من خلال المحاكاة والقدوة على عبادة الله عز وجل.
• قلَّة الخلافات بين الزوجين؛ لأنَّ أصل علاقة الزوجين مبني على أساس قوي، لا يتزعزع مهما كانت الأسباب، وإن حدَث خلاف فسرعان ما يبادر الزوجان إلى حله.
• السكينة والطمأنينة النفسية في البيت.
أمَّا البيت غير الإسلامي الذي لا يهتمُّ بطاعة الله عز وجل، فإن من صفاته:
• تضييع الفرائض وتفويتها وتأخيرها.
• يكبر الأبناء وهم لا يدرون أمر دينهم.
• أصل العلاقة بين الزوجين لا يكون على طاعة الله عز وجل؛ وإنما يكون على المادية والمصلحة.
أيها المسلمون:
إن اختيار الزوجة ذات الدِّين والإيمان أصبح اليوم أمرًا صعبًا، عكس ما كان عليه أيام الرَّعيل الأول، فعلى الإنسان أن يحرص كلَّ الحرص في اختيار الزوجة الصالحة؛ فإنها نواة الأسرة المسلمة.
"فيجب الاهتمام البالغ بتكوين المسلمة لتنشئ البيت المسلم، وينبغي لمن يريد بناء بيتٍ مسلم أن يبحث له أولًا عن الزوجة المسلمة، وإلا فسيتأخر طويلًا بناء الجماعة الإسلاميَّة، وسيظل البنيان متخاذلًا كثير الثغرات! وفي الجماعة المسلمة الأولى كان الأمر أيسر مما هو في أيامنا هذه، كان قد أنشئ مجتمع مسلِم في المدينة، يهيمن عليه الإسلام، يهيمن عليه بتصوره النَّظيف للحياة البشرية، ويهيمن عليه بتشريعه المنبثق من هذا التصور، وكان المرجع فيه - مرجع الرجال والنساء جميعًا - إلى الله ورسوله، وإلى حُكم الله وحكم رسوله، فإذا نزل الحكم فهو القضاء الأخير.
وبحكم وجود هذا المجتمع، وسيطرة تصوره وتقاليده على الحياة، كان الأمر سهلًا بالنسبة للمرأة لكي تصوغ نفسها كما يريد الإسلام، وكان الأمر سهلًا بالنسبة للأزواج كي ينصحوا نساءهم، ويربوا أبناءهم على منهج الإسلام، نحن الآن في موقف متغير...، هناك كان الرجل والمرأة والمجتمع كلهم يتحاكمون إلى تصور واحد، وحكم واحد، وطابع واحد"[8].
2 - السكينة والمودة والرحمة:
العلاقة الزوجيَّة تقوم على السكن والمودة والرحمة، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21]، والمقصود بالسَّكينة: الاستقرار النفسي؛ حيث تكون الزوجة قرَّةَ عينٍ لزوجها، لا يعدوها إلى غيرها، كما يكون الزوج قرَّةَ عين لامرأته، لا تفكِّر في غيره، والمودة: هي شعور متبادل بالحب، يجعل العلاقة قائمة على الرضاء والسعادة.
والرحمة صِفة أساسية في الأخلاق العظيمة في الرجال والنساء، على حدٍّ سواء، فالله سبحانه يقول لنبيه: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْ
الوقفة كاملة
|
| ٩٥٧ |
كيف ندعو غير المسلمين إلى الإسلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد أرسل الله سبحانه وتعالى نبيه محمد داعيا ومبشرا ونذيرا فلقد كان من مهامه الأساسية الدعوة كما قال الله تعالى : { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } [الأحزاب:46-45]
فقام بها رسول الله خير قيام مبلغا للرسالة ومؤديا للأمانة وناصحا للأمة ومجاهدا في الله حق جهاده حتى لقي ربه وقد دانت الجزيرة كلها لدعوة التوحيد، وتاركا جيلا أبيا من الصحابة رضوان الله عليهم الذين ساروا على ما تلقوه عنه وما حادوا عنه قيد أنملة، فبذلوا قصارى جهدهم جماعات وفرادى لنقل نور الإسلام الذي نعموا به إلى جميع الناس خارج الجزيرة العربية. نقلوه في رحلاتهم مخاطرين بأرواحهم في البراري والقفار، ولفظ العديد من الصحابة البارزين أنفاسهم الأخيرة في بلاد بعيدة غريبة وهم ينشرون الإسلام. إنهم بلا شك ضحوا وقدموا الكثير من أجل دينهم وأداء للأمانة التي حملوها بدون هوادة ولا حدود، وسار على ذلك التابعون لهم بإحسان، ففتحوا البلاد ودانت لهم الدول والممالك وانتشروا في الأرض ولازالت آثار القوم في معظمم بقاع الدنيا شاهدة على وجودهم.
واليوم أخي المسلم يا من تنعم بما قدمه أولئك الأتقياء الأبرار وتعيش موحدا مؤمنا تأتيك أمم الأرض قاطبة تعمل لديك وتسمع توجيهاتك وإرشاداتك ثم تنال نصيبها مقابل جهدها وعرق جبينها من المال.
هل تدرك أن الصراع الفكري في العالم أصبح محتدما، ولكل مبدأ جماعة إليه، بل تتبناه وتشجعه وتنفق عليه ببذخ في سبيل ذيوعه، وتسخر له أجهزة إعلامها وتخصص له دراسات عالية المستوى؟
بالطبع أنت تدرك ذلك، وتعلم أيضا أن الإسلام دين عالمي يخاطب البشرجميعا، ذلك أنه هو الدين الذي جاءت به الرسل وهو الذي ارتضاه الله دينا للبشرية كما قال الله تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } [آل عمران:19]، وقوله سبحانه : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } [آل عمران:85]، وقوله عز وجل : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } [المائدة:3]
فلا دين غير دين الإسلام مقبول عند الله، ومعنى ذلك أن المسلم يؤمن إيمانا قاطعا بأن غير المسلمين على إختلاف أنماطهم وتوجهاتهم مدعوون إلى الإسلام الذي يتضمن عقيدة التوحيد التي جاء بها الرسل وناضلوا أقوامهم عليها، ومن ناحية أخرى فالإسلام نظام كامل للحياة يحدد للشخص هدفا واضحا لنشاطه في جميع نواحي الحياة من إجتماعية وإقتصادية وسياسية، فهو رسالة شاملة لكل الأرض أسودهم وأبيضهم عجمهم وعربهم مما يعني أن لا إستغناء للإنسان مهما كان شأنه أومستواه الثقافي أوالإجتماعي عن الإسلام.
إضافة إلى ذلك فإن الدعوة شرف عظيم لهذه الأمة إذ تشارك في مهمة نبيها الشريفة بدعوة الناس إلى إتباع الصراط المستقيم.
وأيضا فإن القيام بهذه الدعوة هو تحقيق للخيرية التي وصف الله بها هذه الأمة كما قال تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } [آل عمران:110]
نتيجة لهذا تجد أن جميع أبناء الأمة الإسلامية رجالا ونساء مطالبون شخصيا وبدون استثنا ء بنشر دعوة الإسلام بنفس الغيرة والتصميم وحب التضحية التي تخلق بها رسول الله وأصحابه.
وبعد هذا كله تسأل نفسك : كيف أدعو الناس للإسلام ؟
أولا: إنك أخي المسلم لابد أن تجعل من نفسك أسوة حسنة ومثالا يحتذى، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فلقد كان قبل النبوة يسمى الصادق الأمين وبعد النبوة كان خلقه القرآن كما قالت عائشة رضي الله عنها حتى إستحق ثناء خالقه ومرسله جل شأنه في قوله تعالى: { وإنك لعلى خلق عظيم } [القلم:4].
ولهذا يشدد الله سبحانه وتعالى النكير على أولئك الذين يقولون مالا يفعلون : { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } [الصف:2-3] وقوله تعالى : { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } [البقرة:44]
إن المسلم مطالب خاصة المسلم الذي أتاه الله علما وفهما وإداركا أن ينتفع بعلمه وفكره وأن ينفع الناس بذلك.
ولا شك أن هناك صفات ينبغي أن يتحلى بها المسلم ليكون قدوة لغير المسلمين، عندما يرونه يحسون أن الإسلام يتجسد فيه، ومن هذه الصفات أن يقبل المسلم على نفسه ويجعلها خاضعة لكل ما يتلقى عن الله ورسوله من الأوامر والنواهي، كما أن المسلم مطالب بأن يستسلم لله ويتجرد له ليكون أدعى للقبول.
ثانيا: ومن العوامل الحساسة المهمة التي ينبغي على المسلم إتباعها هو الأسلوب الحسن في نطاق الكتابة والخطابة والتحدث والنقاش، وبالأسلوب يستطيع المسلم أن يصيب الهدف ويبلغ القصد بأقل التكاليف وأيسرها.
إن عرض المسلم لأفكاره ومبادئه بأسلوب شيق جذاب يحبب الآخرين إلى الإسلام فلا ينفرون أويبتعدون، كما أنه ينبغي مخاطبة الناس على قدر عقولهم ومداركهم، فلا يخاطب العمال الكادحين بأسلوب الفلاسفة أصحاب المنطق ولا يناقش الملاحدة الماديين بلسان عاطفي خال من الحجة والبرهان.
والنفوس جبلت على حب من أحسن إليها بل وقد تدفعها القسوة والشدة أحيانا إلى المكابرة والإصرار والنفور فتأخذها العزة بالإثم. وليس معنى اللين المداهنة والرياء والنفاق وإنما اللين ببذل النصح وإسداء المعروف بأسلوب دمث مؤثر يفتح القلوب ويشرح الصدر كما قال تعالى موصيا نبيه موسى وهارون عليهما السلام : { اذهبا إلى فرعون إنه طغى ، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } [طه:43-44]
ثالثا: معرفة الشخص المدعو والتعرف على أفكاره ومفاهيمه وتصوراته وعلله ومشكلاته لأن ذلك وسيلة إلى التعرف على المنافذ التي تنفذ إلى نفسيته.
إن المسلم في الحقيقة هو مشخص للمرض ومقدم للعلاج لمن يحتاح إليه، كما أنه لاينتظر أن يأتي إليه الناس بل إنه يسعى إلى البحث عنهم وزيارتهم بين وقت وآخر وفي فترات مناسبة لهم بل ودعوتهم في مختلف المناسبات والمشاركة في أفراحهم وأتراحهم.
رابعا: والمسلم في دعوته الناس دائما يؤكد على معاني العقيدة الإسلامية ويحاول أن يزرع بذرة الإيمان بالله في قلب المخاطب، وأنه هو الخالق الرازق المحيي المميت، وأن هناك حياة بعد الموت، وأن هناك حسابا وعقابا يثاب فيه المحسن مقابل إحسانه ويعاقب فيه المذنب على إساءته.
فالحديث عن العقيدة الإسلامية وتجلية معانيها وأصولها وما تستلزمه وتتضمنه هو الأساس في دعوة الداعى وهى مما يجب أن يؤكد عليه دائما ولايغفل عنه مطلقا لأنها الأصل في الإسلام فإذا استقام له هذا الأصل واستجاب له المدعوون بعد كفرهم سهل عليه إقناعهم بمعاني الإسلام وفروعه.
كما أنه عند الحديث عن واقع المسلمين وممارستهم يحاول المسلم أن يوضح أن ما يصيب المسلمين اليوم من تقهقر وتخلف وما هم فيه من تفكك إنما هو بسبب بعدهم عن الإسلام.
وإن إدراك المدعو إلى الإسلام لأصول العقيدة الإسلامية ومعرفته شروط لا إله إلا الله يسهل أمر تعليمه وتدريسه بقية أصول الإسلام وأركانه بل ويساعد على تحفيظه القرآن الكريم.
خامسا: إن المسلم مأمور بالصبر على الدعوة فهو لا يستعجل نتائج دعوته عندما يدعو الناس إلى الإسلام، كما أن اليأس لايعرف إلى قلب المسلم سبيلا ولا يمكن أن يصيبه الوهم إذا تأخر ظهور النتائج المرجوة من الجهود التي بذلها في سبيل دعوة الآخرين إلى الإسلام، ومن الصبر على الدعوة أن يقوم بواجب النصيحة في المواقع التي تجب فيها النصيحة وتنفع فيها الكلمة الحقة دون خوف من الناس مصداقا لقوله تعالى : { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } [الكهف:29]
سادسا: إن المسلم مأمور بالتضحية في سبيل الله، التضحية بالوقت.. التضحية بالجهد.. التضحية بالكفاءة الفكرية والمكانة الإجتماعية والتضحية بالمستقبل اللامع والتضحية بالأماني والآمال، يقتدي بذلك بسلف الأمة الذين ضربوا أروع أمثلة التضحية في كل ما قاموا به في سبيل الدعوة.
فما أحرى الأحفاد أن يسلكوا سبيل الأجداد السابقين، إنه لن تقوم للمسلمين قائمة ما لم يتصفوا بهذه الصفة الكريمة - التضحية - ذلك أنهم في حالة فقدانها فإن هذا يعني التسابق على الدنيا والتعلق بالأمور السافلة، ذلك أن التضحية بمعناها الحقيقي هو أن يرسم في ذهن المسلم مفهوم تقديم مصلحة الإسلام على كل مصلحة والعيش بالإسلام تحت أية ظروف، لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة والجهاد في سبيل الله.
إن قلوب المسلمين لاينقصها التحمس للدين والفضيلة كما لا يروقها ما ترى من عمليات الهدم والتضليل التي يتعرض لها الإسلام، وكذا فهم حريصون كل الحرص على الإسلام ولكنهم يحتاجون إلى من يشرح لهم الدليل ويوضح السبيل. فما أحراك أخي المسلم أن تكون القائد الذي يريهم السبيل ويبين لهم الدليل فتكون بذلك قد ساهمت في مواجهة المخاطر التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون في أنحاء الأرض وتكون قد دفعت عن المسلمين شرا كبيرا وفتحت لهم بابا واسعا بدعوة من يأتيك إلى الإسلام.
إنه - بالتأكيد - بالمساهمات البسيطة الجادة تبلغ الأمة أملها المنشود في العزة والسؤدد والحضارة والمجد وتنال الأجر العظيم من الله في يوم أنت أحوج ما تكون فيه إلى العون.
الوقفة كاملة
|
| ٩٥٨ |
تفسير سورة " الأنعام " للناشئين
[الآيات 74 : 94]
المفردات الآيات الكريمة من (74) إلى (81) من سورة «الأنعام»:
﴿ آزر ﴾: لقب والد إبراهيم أو اسم عمه.
﴿ ملكوت ﴾: ملك، أو آيات أو عجائب.
﴿ جن عليه الليل ﴾: ستره بظلامه.
﴿ أفل ﴾: غاب وغرب تحت الأفق.
﴿ بازغًا ﴾: طالعًا من الأفق منتشر الضوء.
﴿ فَطَر السموات ﴾: أوجدها وأنشأها.
﴿ حنيفًا ﴾: مائلاً عن الباطل إلى الدِّين الحق.
﴿ حاجَّه قومه ﴾: خاصموه في التوحيد، وجادلوه.
﴿ سلطانًا ﴾: حجةً وبرهانًا.
مضمون الآيات الكريمة من (74) إلى (81) من سورة «الأنعام»:
تذكر الآيات بقصة إبراهيم - عليه السلام - حين حذَّر أباه آزر من عبادة الأصنام، وأن الله بصَّره بما في السموات والأرض من عجائب وبدائع وأسرار؛ ليستدل بها على وجود الله -سبحانه وتعالى- ويكون من أصحاب اليقين، فلما ستره الليل بظلامه رأى كوكبًا - وكان قومه يعبدون الكواكب والأصنام - فأراد أن يرشدهم إلى الله بالنظر والدليل فقال: هذا ربِّي، فلما غرب قال: لا أحب الغاربين ولا أعبدهم، فلما بزغ القمر قال: هذا ربِّي، فلما غاب قال: لئن لم يهدني ربِّي إليه لأكونن من الضالين، فلما رأى الشمس طالعة قال: هذا ربِّي، هذا أكبر، فلما غربت قال: يا قوم إنِّي بريء مما تشركون، وأعلن تمسكه بخالق السموات والأرض وبالدين الحق.
دروس مستفادة من الآيات الكريمة من (74) إلى (81) من سورة «الأنعام»:
1 - استخدام وسائل الإقناع بالأدلة المادية الواضحة والبراهين القوية في مجادلة الخصوم من غير عنف أو غلظة.
2 - التمسك بالحق وعدم المجاملة بالميل إلى الباطل مهما كان أنصاره أقوياء.
3 - الأحق بالأمن في الدنيا والآخرة هم المؤمنون.
المفردات الآيات الكريمة من (82) إلى (90) من سورة «الأنعام»:
﴿ لم يلبسوا ﴾: لم يخلطوا.
﴿ بظلم ﴾: بشرك - بكفر.
﴿ اجتبيناهم ﴾: اصطفيناهم للنبوَّة.
﴿ لحبط ﴾: لبطل وسقط.
﴿ الحكم ﴾: الفصل بين الناس بالحق، أو الحكمة.
﴿ اقتده ﴾: اقتد، والهاء للسكت.
مضمون الآيات الكريمة من (82) إلى (90) من سورة «الأنعام»:
1 - تحدثت الآيات عن المؤمنين الذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك أو كفر، وأن لهم الأمن والطمأنينة، وأنهم المهتدون. ومنهم «إبراهيم» - عليه السلام - الذي أعطاه الله الحجة على قومه.
2 - ثم ذكرت أن الله -سبحانه وتعالى- وهب لـ«إبراهيم» - عليه السلام - «إسحاق» بعد أن كبر سنه ومن ذريته «يعقوب» وهم جميعًا من المهتدين، وكذلك كان «نوح» - عليه السلام - ومن ذريته المهتدين: «داود» و«سليمان» و«أيوب» و«يوسف» و«موسى» و«هارون» و«زكريا» و«يحيى» و«عيسى» و«إلياس» و«إسماعيل» و«اليسع» و«يونس» و«لوط»، ولكلٍّ منهم فضل وخصوصية.
3 - وهؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالرسالة والحكم والنبوة، فعلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأمته أن يقتدي بهداهم فيبلغ قومه أنه لا يريد أجرًا على إبلاغه إياهم هذا القرآن.
دروس مستفادة من الآيات الكريمة من (82) إلى (90) من سورة «الأنعام»:
1 - الإيمان وعدم الظلم شرطان لتحقيق الأمن الداخلي والخارجي في الدنيا والآخرة.
2 - الشرك بالله أكبر أنواع الظلم.
3 - أنبياء الله ورسله - عليهم السلام - هم خير المهتدين وأفضل الطائعين.
4 - الخطاب للرسول -صلى الله عليه وسلم- خطاب لأمته.
المفردات الآيات الكريمة من (91) إلى (94) من سورة «الأنعام»:
﴿ ما قدروا الله ﴾: ما عرفوا الله، أو ما عظموه.
﴿ قراطيس ﴾: أوراقًا مكتوبة مفرقة.
﴿ قل الله ﴾: قل الله أنزله (التوراة).
﴿ خوضهم ﴾: باطلهم.
﴿ مبارك ﴾: كثير المنافع والفوائد (القرآن).
﴿ أمُّ القرى ﴾: مكة أي أهلها.
﴿ من حولها ﴾: أهل المشارق والمغارب.
﴿ غمرات الموت ﴾: سكراته وشدائده.
﴿ عذاب الهون ﴾: الذُّل والخزي والهوان الشديد.
﴿ ما خولناكم ﴾: ما أعطيناكم من متاع الدنيا.
﴿ تقطع بينكم ﴾: تفرَّق الاتصال بينكم.
مضمون الآيات الكريمة من (91) إلى (94) من سورة «الأنعام»:
1 - تبيِّن الآيات حال الكافرين الذين أنكروا ما أنزل الله على رسوله؛ لأنهم لم يعظموا الله ولم يعرفوه حق المعرفة، وترد عليهم قولهم: ﴿ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ ﴾ بإنزال الله -سبحانه وتعالى- التوراة على «موسى» - عليه السلام - وتقرر أن القرآن مبارك مصدِّق لما تقدمه من الكتب؛ لإنذار أهل مكة ومن حولها والعالم كله.
2 - أشد ظلم من يكذب على الله ويدعي أنه أوحي إليه أو أنه سيُنْزِل مثل ما أنزل الله.
3 - ثم تصوِّر حال الظالمين وهم في شدائد الموت وأهواله يساقون للعذاب المهين.
دروس مستفادة من الآيات الكريمة من (91) إلى (94) من سورة «الأنعام»:
1 - الذين يعرفون الله -سبحانه وتعالى- حق المعرفة ويعظمونه حق التعظيم يؤمنون بكل ما جاء به رسله، ويصدقون بما أنزله في كتبه التي ختمها بالقرآن الكريم مصدقًا لما سبقه من الكتب.
2 - ادعاء النبوة والافتراء على الله بالكذب من أشد أنواع الظلم.
3 - في يوم القيامة تنقطع العلاقات، ولا ينفع الإنسان إلا ما قدم من عمل صالح في هذه الدنيا.
يارب اجعلنا من الصالحين
الوقفة كاملة
|
| ٩٥٩ |
تفسير سورة " الأنعام " للناشئين
[الآيات 95 : 118]
المفردات الآيات الكريمة من (95) إلى (101) من سورة «الأنعام»:
﴿ فالق الحب والنوى ﴾: يشق الحب والنوى، بإخراج النبات منهما.
﴿ أنَّى تؤفكون ﴾: كيف تصرفون عن النظر في مشاهد الكون لمعرفة الخالق؟!.
﴿ فالق الإصباح ﴾: مخرج النور من الظلام.
﴿ سكنا ﴾: هدوءًا وراحة.
﴿ حسبانًا ﴾: الحسبان: الحساب، والمراد أنهما وسيلة لحساب السنين والأيام.
﴿ من نفسٍ واحدة ﴾: من آدم -عليه السلام-.
﴿ مستقر ﴾: مكان استقرار للناس في الحياة.
﴿ ومستودع ﴾: ومكان لدفنهم بعد الموت.
﴿ يفقهون ﴾: يفهمون.
﴿ متراكبًا ﴾: بعضه فوق بعض.
﴿ طلعها ﴾: طلع النخل: زهره الذي يحمل حبوب اللقاح.
﴿ قنوان ﴾: جمع قنو وهو عنقود البلح.
﴿ دانية ﴾: قريبة أو متدلِّية.
﴿ وينعه ﴾: وإلى حال نضجه وإدراكه.
﴿ الجنّ ﴾: الشياطين حيث أطاعوهم في الكفر.
﴿ خرقوا له ﴾: اختلقوا وافتروا له سبحانه.
﴿ بديع ﴾: مبدع ومخترع. أنَّى يكون: كيف أو مِنْ أين يكون.
مضمون الآيات الكريمة من (95) إلى (101) من سورة «الأنعام»:
1 - توجه الآيات الأنظار والعقول إلى التأمل في بعض مشاهد الكون الدالة على وجود الله - عز وجل - وقدرته، فهوا لذي يخرج النبات والشجر من الحبِّ والنوى، ويخرج الحيَّ من الميِّت، والميِّت من الحيِّ، وضياء النهار من ظلمة الليل، وهو الذي خلق النجوم وخلق الناس من أصل واحد، وجعل الأرض ممهدة لاستقرارهم ومستودعًا لهم بعد موتهم، وأنزل المطر فأخرج به أنواعًا متعددة ومختلفة في طعمها ورائحتها وفوائدها وألوانها، وإن تماثل بعضها في الأشكال.
2 - ومع وضوح هذه الأدلة فقد أشرك كثير من الناس بربهم، وهو - عز وجل - منزَّه عن الشريك والولد والزوجة، وهو خالق كل شيء.
دروس مستفادة من الآيات الكريمة:
1 - أن نتدبر خلق الله، ونتأمل مشاهد الكون من حولنا؛ فإن ذلك يوصلنا إلى الإيمان بالله.
2 - إن العقيدة الصحيحة هي التي تنشأ عن الفهم والاقتناع، لا عن مجرد التقليد والمحاكاة.
3 - الحث على البحث في الطبيعة، وخواص المادة؛ للإفادة مما أودع الله فيها من خواص ومنافع، ودراسة علم النبات والربط بينه وبين الإيمان.
4 - الدين الإسلامي يحترم العقل، ويدعو إلى استخدامه فيما يعتنق الناس من مبادئ صالحة.
المفردات الآيات الكريمة من (102) إلى (110) من سورة «الأنعام»:
﴿ وكيل ﴾: رقيب ومتولٍّ.
﴿ لا تدركه الأبصار ﴾: لا تحيط به -عز وجل-.
﴿ بصائر ﴾: آيات وبراهين تهدي للحق.
﴿ بحفيظ ﴾: برقيب، أحصي أعمالكم لمجازاتكم.
﴿ نصرِّف الآيات ﴾: نكررها بأساليب مختلفة.
﴿ درست ﴾: قرأت وتعلَّمت من أهل الكتاب.
﴿ عدوًا ﴾: اعتداءً وظلمًا.
﴿ جهد أيمانهم ﴾: مجتهدين في الحلف بأغلظها وأوكدها.
﴿ نذرهم ﴾: نتركهم. طغيانهم: تجاوزهم الحدّ بالكفر.
﴿ يعمهون ﴾: يتحيرون أو يعمون عن الرشد.
مضمون الآيات الكريمة من (102) إلى (110) من سورة «الأنعام»:
1 - تبيِّن الآيات أن الله - عز وجل - هو الإله الواحد المعبود بحق، وهو خالق كل شيء، وهو الرقيب على كل شيء، لا تحيط به الأبصار، وهو يراها ويحيط بها.
2 - ثم تتحدث عمَّا أنزل الله من الهدى، وأن من أبصر الحق وآمن فلنفسه، ومن عميَ فعليها.
3 - وتأمر الرسول صلى الله عليه وسلم باتِّباع القرآن، وألا يشغل قلبه وخاطره بالمعاندين بل يشتغل بعبادة ربه.
4 - ثم تنهي الآيات عن سبِّ آلهة المشركين وأصنامهم حتى لا يسبوا الله جهلاً واعتداءً، لعدم معرفتهم بعظمة الله.
5 - ثم توضِّح موقف الكفار حين حلفوا بأغلظ الأيمان: لئن جاءتهم معجزة مما اقترحوها ليؤمنن بها، وهم في الحقيقة إذا جاءت لا يؤمنون؛ لأن الله حوَّل قلوبهم عن الإيمان.
دروس مستفادة من الآيات الكريمة:
1 - جزاء الهداية ونفعه يعود على المهتدي، وعقاب الضلالة وضرره يعود على الضَّال.
2 - التحذير من سب معبودات الآخرين ودينهم، حتى لا يسبُّوا الله، ولا يعتدوا على ديننا.
3 - خالق الهدى والضلال هو الله لا غيره، فمن أراد هدايته حوَّل قلبه له، ومن أراد شقاوته حوَّل قلبه لها.
المفردات الآيات الكريمة من (111) إلى (118) من سورة «الأنعام»:
﴿ حشرنا ﴾: جمعنا.
﴿ قبلا ﴾: مواجهة ومقابلة، أو جماعة جماعة.
﴿ زخرف القول ﴾: القول الباطل المزوق.
﴿ غرورًا ﴾: خداعًا وأخذًا على غفلة.
﴿ لتصغي إليه ﴾: لتميل إلى زخرف القول.
﴿ ليقترفوا ﴾: ليفعلوا الذنوب.
﴿ كلمة ربك ﴾: كلامه وهو القرآن العظيم.
﴿ صدقًا وعدلاً ﴾: في مواعيده وفي أحكامه.
﴿ يخرصون ﴾: يكذبون فيما ينسبونه إلى الله -عز وجل- .
مضمون الآيات الكريمة من (111) إلى (118) من سورة «الأنعام»:
1 - تذكر الآيات أن الإيمان بمشيئة الله - عز وجل - وأن أكثر الناس يظنون أن إيمانهم يتوقف على ظهور معجزة وليس الأمر كذلك.
2 - وكما جعل الله - عز وجل - للنبي صلى الله عليه وسلم عدوًّا، فكذلك جعل لكلِّ نبيٍّ سبقه عدوًا من الإنس والجن يوسوس بعضهم إلى بعض من الأباطيل والكلام المزخرف غرورًا منهم.
3 - قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة تميل إلى الباطل وترضاها، فمهما ارتكبوا من هذه الدسائس فإنهم لن يضروا الرسول صلى الله عليه وسلم.
4 - الرسول صلى الله عليه وسلم لا يطلب غير الله - عز وجل - حكمًا بينه وبين أعدائه، فهو الذي أنزل القرآن مفصَّلاً، وأهل الكتاب يعلمون أنه منزَّل من عند الله بالحق، وإن تطع أكثر الناس يضلُّوك عن طريق ربك، فهم لا يتبعون إلا الظنون والأوهام، وما هم إلا كاذبون.
دروس مستفادة من الآيات الكريمة:
1 - شياطين الإنس أقوى من شياطين الجن؛ لأنك تستطيع التغلب على شياطين الجن بقولك: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» فتبطل كيدهم وتذهب وساوسهم، أما شياطين الإنس فإنهم يحتاجون إلى مجاهدة شديدة، ومعرفة بخبايا نفوسهم الشريرة، ولن يصرفهم عنك إلا لطف الله - عز وجل - بك ورحمته.
2 - أنبياء الله كان لهم أعداء من الجن والإنس حاولوا إضلال الناس عن طريق الحق، فصبروا في تبليغ رسالات ربهم.
الوقفة كاملة
|
| ٩٦٠ |
تفسير سورة " الأنعام " للناشئين
[ الآيات 119: 137 ]
المفردات الآيات الكريمة من (119) إلى (124) من سورة «الأنعام»:
﴿ ذروا ﴾: اتركوا. يقترفون: يفعلون من الذنوب أيًّا كانت.
﴿ إنه لفسق ﴾: معصية وخروج عن الطاعة.
﴿ صغار ﴾: هوان وذل عظيم.
مضمون الآيات الكريمة من (119) إلى (124) من سورة «الأنعام»:
1 - ليس هناك مانع من أكل ما ذبح وذكر اسم الله عليه عند ذبحه.
2 - اتركوا المعاصي ظاهرها وباطنها؛ لأن الله سيجازي في الآخرة على كل ما عمله الإنسان.
3 - لا تأكلوا مما ذبح لغير الله، أو ذكر اسم غير الله عليه، فذلك خروج عن طاعة الله.
4 - مجادلة المشركين للمؤمنين بالباطل من وساوس الشياطين كقولهم: أتأكلون مما قتلتم - أي ذبحتم - ولا تأكلون مما قتل الله - يعني الميتة - فيجب الحذر منهم.
5 - شبه الله المؤمن بالحي الذي له نور، والكافر بالميت أعمى البصيرة الذي يتخبط في الظلمات.
دروس مستفادة من الآيات الكريمة من (119) إلى (124) من سورة «الأنعام»:
1 - بيَّن الله -سبحانه وتعالى- الحلال والحرام، وفصله في كتابه الكريم، فلا يجوز للإنسان - مهما كانت مكانته - أن يشرع غير ما شرعه الله، ولا أن يتدخل فيحلَّ ما حرمه الله، أو يحرِّم ما أحلَّه الله.
2 - الإسلام دين يسرٍ وسماحة، فهو يراعي أصحاب الأعذار والضرورات؛ فيبيح لهم عند الضرورة ما كان محرمًا عليهم، ولكن بقدر دفع الضرر فقط.
3 - المؤمن الذي اهتدى بالقرآن قلبه حي بالقرآن يرى بنور الله -سبحانه وتعالى- ويفرق بين الحق والباطل، أما الكافر فهو ميت الإحساس، مظلم الضمير، أعمى البصيرة لا يميز بين الحق والباطل.
المفردات الآيات الكريمة من (125) إلى (130) من سورة «الأنعام»:
﴿ حرجًا ﴾: شديد الضيق.
﴿ يصعد في السماء ﴾: يحاول صعودها فلا يستطيعه.
﴿ الرجس ﴾: العذاب أو الخذلان.
﴿ در السلام ﴾: الجنة.
﴿ استكثرتم من الإنس ﴾: أكثرتم من دعوتهم للضلال والغواية.
﴿ النار مثواكم ﴾: النار مأواكم ومستقركم.
﴿ غرتهم الحياة ﴾: خدعتهم الدنيا بزينتها ومُتَعِهَا.
مضمون الآيات الكريمة من (125) إلى (130) من سورة «الأنعام»:
1 - من يرد الله أن يهديه ييسر له طريق الهداية، ويوسِّع قلبه للتوحيد، ومن يُرِد أن يضلَّه يضيِّق صدره فلا يتَّسِع لشيء من الهدى، ولا ينفذ فيه نور الإيمان.
2 - هذا الدِّين الذي جاء به القرآن الكريم هو صراط الله المستقيم.
3 - في يوم القيامة يكون حوار بين الجنِّ والإنس يتضح به ضلال كل من اتبع الشياطين أو عظمهم أو استعان بهم، وتكون النار مأوى للجميع، وكذلك يسلِّط الله الظالمين بعضهم على بعض، ويهلك بعضهم ببعض.
4 - ليس لأحدٍ يوم القيامة عذر؛ لأن رسل الله قد بلغتهم جميعًا - إنسًا وجنًّا - رسالات ربهم.
دروس مستفادة من الآيات الكريمة من (125) إلى (130) من سورة «الأنعام»:
1 - كل شيء بإرادة الله -سبحانه وتعالى- ومشيئته، وهو مطَّلِع على قلب عبده، عالم بسره وجهره، فإذا مال العبد إلى الهداية يسَّرها الله له وشرح صدره للإيمان، وإذا انصرف العبد عن نور الله جعل الله قلبه شديد الضيق لا ينفذ إليه نور الإيمان.
2 - ليس للشيطان سلطان على عباد الله المؤمنين، ولكنه يتسلط على الذين يرفضون الإيمان بالله ورسوله.
3 - في يوم القيامة يتبرأ الجن ممن اتبعوهم من الإنس، كما يتبرأ الإنس ممن اتبعوهم من الجن.
4 - الله -سبحانه وتعالى- يولي الناس بأعمالهم، فالمؤمن وليُّ المؤمن، والكافر وليُّ الكافر، وليس الإيمان بالتمنِّي ولا بالتحلِّي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.
المفردات الآيات الكريمة من (131) إلى (137) من سورة «الأنعام»:
﴿ ويستخلف من بعدكم ما يشاء ﴾: ويتخذهم خلفاء.
﴿ بمعجزين ﴾: تستطيعون الهرب من عذاب الله.
﴿ مكانتكم ﴾: غاية تمكنكم واستطاعتكم.
﴿ ذرأ ﴾: خلق على وجه الاختراع.
﴿ الحرث ﴾: الزرع.
﴿ الأنعام ﴾: الإبل والبقر والضأن والماعز.
﴿ قتل أولادهم ﴾: وأد - دفن البنات الصغار أحياء.
﴿ ليردوهم ﴾: ليهلكوهم بإغوائهم.
﴿ ليلبسوا عليهم ﴾: ليخلطوا عليهم.
﴿ فذرهم ﴾: فاتركهم.
﴿ يفترون ﴾: يختلقونه من الكذب.
مضمون الآيات الكريمة من (131) إلى (137) من سورة «الأنعام»:
1 - لكلِّ إنسان مكانته بحسب عمله، والله أعلم بعباده وأعمالهم، وهو غنيُّ عنهم، ولكنه يرحمهم في الدنيا والآخرة، وهو قادر على إهلاكهم، وأخذ الخلافة منهم، ومنحها لغيرهم كما فعل مع السابقين.
2 - البعث بعد الموت حقيقة لابد من وقوعها.
3 - مهما كاد الكافرون للرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو ثابت على دينه، صابر على أذاهم، ولن يفلحوا في الآخرة، فقد أشركوا مع الله آلهة عبدوها من دونه، بل زادوا لآلهتهم في القربان؛ حبًّا فيها، وقد زيَّن الجن ورجال الدين لهم وأد بناتهم ليهلكوهم، وليخلطوا عليهم دينهم، فاتركهم يا محمد وما يختلقون على الله من الأكاذيب.
دروس مستفادة من الآيات الكريمة من (131) إلى (137) من سورة «الأنعام»:
1 - الله -سبحانه وتعالى- غنيٌّ عن العالمين، لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية.
2 - ما كلفنا الله -سبحانه وتعالى- به من العبادات والأعمال فيه الخير والسعادة لنا في الدنيا والآخرة، وفي طاعة الله -سبحانه وتعالى- الوصول إلى الكمال البشري والخير العظيم.
3 - لا يستطيع أحد أن يمنع ما يريده الله -سبحانه وتعالى- أو ينزله بعباده من العقاب.
4 - وأد البنات من العادات الجاهلية التي زينها الشياطين للكافرين، وقد أبطلها الإسلام وحذر منها، ووضع البنات في المكانة اللائقة بهن، وأوصى بحسن تربيتهن، ورعايتهن.
الوقفة كاملة
|