| ٥٣١ |
{فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76) }
نهاه عن أن يحزن لما يقولونه فيه وفي دعوته. فهم يقولون فيه إنه كاذب، وإنه شاعر، وإنه ساحر، وإنه مجنون، ويقولون في دعوته إنها ضلال وإفك وكذب وافتراء، إلى غير ذلك مما يتناجون به من العداوة له وحربه، فنهاه عن أن يحزن لأقوالهم، وقد أطلق القول ليشمل ما يقولونه فيه وفيما يدعو إليه.
ثم استأنف معللًا ذلك بقوله: {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}، فلم الحزن والله يعلم سرهم وجهرهم، وهو قادر على إبطال ما يظهرون أو يضمرون؟
إن (ما) في قوله: {مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} تحتمل أن تكون اسمًا موصولًا، أي: نعلم الذي يسرونه والذي يعلنونه، وتحتمل أن تكون مصدرية، أي نعلم إسرارهم وإعلانهم، وهو يعلم ذلك كله إسرارهم وما يسرونه وإعلانهم وما يعلنونه. ولو قال: (ما يسرونه وما يعلنونه) لتعينت الموصولية الاسمية ولم تحتمل المصدرية، فلم يذكر العائد ليشمل المعنيين جميعًا. وأطلق الإسرار والإعلان ليشمل كل ما يسرون وكل ما يعلنون في كل أمر من الأمور، فعلمه يعم الجميع ولا يخص شيئًا دون شيء.
جاء في (روح المعاني): "و(ما) موصولة والعائد محذوف، أي نعلم الذي يسرونه من العقائد الزائغة والعداوة لك ونحو ذلك، والذي يعلنونه من كلمات الإشراك والتكذيب ونحوها.
وجوز أن تكون مصدرية، أي نعلم إسرارهم وإعلانهم، والمفعول محذوف، أو الفعلان منزلان منزلة اللازم.
والمتبادر الأول وهو الأولى" (1).
وقد قدم السر على الإعلان، قيل: لأن مرتبة السر مقدمة على مرتبة العلن لأن السر يسبق الإعلان، فهو علة لما يفعله الإنسان، والعلة مقدمة على المعلول. وقيل: إن العلم بالسر يدل على الإحاطة بالمعلومات كلها. فمن كان يعلم السر فهو يعلم العلن من باب أولى. وقيل غير ذلك.
جاء في (روح المعاني): "وتقديم السر على العلن لبيان إحاطة علمه سبحانه بحيث إن علم السر عنده كأنه أقدم من علم العلن. وقيل: لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن، إذ ما من شيء معلن إلا وهو أو مباديه مضمر في القلب قبل ذلك. فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقة.
وقيل: للإشارة إلى الاهتمام بإصلاح الباطن فإنه ملاك الأمر، ولأنه محل الاشتباه المحتاج للبيان" (2).
والملاحظ في القرآن الكريم أنه لا يقتصر على تقديم السر، فهو - كما يقدم السر على الإعلان - قد يقدم الجهر على الإخفاء، وذلك نحو قوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى} {الأعلى: 7}، وقوله: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} {الأنبياء: 110}، وقوله {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} {البقرة: 284}.
وهو أحيانًا يكتفي بذكر أحدهما دون الآخر، فقد يكتفي بذكر الإسرار مثلًا كما قال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} {محمد: 26}. وقد يكتفي بذكر الأمور الظاهرة كذكر العمل والصنع ونحوهما وذلك كقوله تعالى: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} {البقرة: 96}، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} {النور: 30}، وكل ذلك بحسب ما يقتضيه المقام.
وقد قيل في تقديم الإخفاء على الإعلان، أو الإعلان على الإخفاء: إنه إذا تقدم الكلام على المنافقين أو الكفار قدم الإخفاء، وإذا تقدم ذكر المؤمنين قدم الإبداء، وهذا مطرد في جميع ما ورد من القرآن الكريم.
جاء في (ملاك التأويل) في قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}: "أما آية البقرة فلم يجر فيها ذكر النفاق ولا صفة أهله وإنما الخطاب فيها وفي آية الذين قبلها وفيما أعقبت به بعد للمؤمنين فيما يخصهم من الأحكام فورد فيها قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} فقدم فيها بادي أعمالهم بناء على سلامة بواطنهم وتنزههم عن صفة المنافقين.
ومنه قوله تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} {المائدة: 99}، فتقدم ذكر ما يبدونه لأنه خطاب للمؤمنين...
وهذا جار مطرد فيما يلحق بهذا الضرب كما اطرد بالبدء بالإخفاء على الإعلان حيث يتقدم ذكر أهل الكفر وينتظم الكلام بذكرهم كقوله تعالى: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} {الأنعام: 3} بعد قوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} {الأنعام: 1}، وكقوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} {التغابن: 4}، وكقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} {النحل: 19} بعد قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} {التغابن: 2}، وكقوله تعالى: {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} {النمل: 74}، فاطرد ما ذكرناه في الطرفين على رعي الإيمان والنفاق، وجاء كل على ما يجب ويناسب" (3).
وهذه ملاحظة صحيحة تتبعتها في مواطن قوله تعالى: {مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} وقد وردت في أربعة مواضع في القرآن الكريم وهي: (البقرة 77، هود 5، النحل 23، يس 76). وهذه المواطن خاصة بذكر الكافرين.
وقد ورد قوله تعالى: {مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} بالخطاب في موطنين وهما قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} {النحل: 19}، وقوله: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} {التغابن: 4}، وهما ليسا مختصين بالكافرين، وإنما هما من المواطن العامة التي تشمل عموم بني آدم وإن كان قد جرى فيها ذكر للكافرين.
أما آية النحل فقد وقعت في سياق تعداد النعم على الإنسان وهي قوله: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ .....} وتستمر إلى قوله: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا... وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} إلى أن يقول: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} {النحل: 17 – 19}.
فأنت ترى أنها ذكرت في سياق تعداد النعم.
إلا أن الملاحظ أن السياق بدأ في الكلام على المشركين والشرك، فقد بدأت السورة بقوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، وبدأت الآيات بقوله: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا} الآيات، فهي إذن ذكرت بعد ذكر الإنسان الخصيم لربه المشرك به.
ثم يأتي في عقب ذلك مباشرة قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} {النحل: 20 – 22}، ويستمر في الكلام على الكفار.
على هذا تكون الآية وقعت في سياق الكلام على المشركين والكافرين ولم يرد فيها ذكر للمؤمنين.
وأما آية التغابن فقد وقعت في السياق الآتي: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} {التغابن: 2 – 4}.
فالسياق لم يختص بالكلام على الكافرين إلا أنه جرى بعدها مباشرة ذكر الكافرين فقال: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} {التغابن: 5 – 7}.
فتكون قد وقعت في سياق الكافرين سواء تقدمها ذكر الكافرين أم وقع في عقبها.
وعلى أية حال تكون الملاحظة صحيحة، فكل ما تقدم فيه السر على العلن كان في سياق الكلام على الكافرين سواء تقدم الآية أم كان في عقبها.
غير أنه مع هذا الخط العام للتقديم والتأخير يكون التقديم والتأخير مناسبًا للسياق الذي ترد فيه الآية.
فقوله تعالى مثلًا: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} {البقرة: 284}، إنما قدم الإبداء فيه على الإخفاء لقوله تعالى: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} فإن الحساب يكون على ما يبديه الإنسان ويفعله لا على ما يدور في نفسه من خواطر، فإن ذلك ليس بوسع الإنسان أن يمنعه، "ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة رضي الله عنهم وخافوا منها ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها" (4).
وورد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم وغيره أنه لما نزلت هذه الآية على رسول الله اشتد ذلك على أصحاب رسول الله فأتوا رسول الله ثم جثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله : "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير"، فلما أقر بها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} {البقرة: 285}، فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} إلى آخره (5).
وكذلك قوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} {الأنبياء: 110}، فإنه قدم الجهر على الكتمان وذلك لما تقدم قبلها قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} {الأنبياء: 109}، والإيذان هو الإعلام والإشهار، وذلك لا يكون إلا جهرًا، وقوله: {عَلَى سَوَاءٍ} يعني "مستوين في الإعلام به لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم وقشر العصا عن لحائه" (6) وذلك كله جهر فناسب تقديمه.
ونحوه قوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى} {الأعلى: 7}، فقد قدم الجهر وذلك لتقدم قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} {الأعلى: 6}، والإقراء لا يكون إلا جهرًا، بخلاف القراءة فقد تكون سرًا وجهرًا.
فناسب تقديم الجهر.
والمقصود أنه إضافة إلى الخط العام الذي ذكرناه في تقديم السر على العلن، فإن السياق الذي ترد فيه الآية يقتضي ذلك أيضًا.
أما الاكتفاء بأحدهما دون الآخر فذلك ما يقتضيه المقام أيضًا وذلك نحو قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} {محمد: 26}.
وذلك لأن السياق والمقام يقتضيان ذلك، فقد قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} {محمد: 26}، ولم يقل: (وجهرهم) ذلك لأنه ذكر ما جهروا به وهو قولهم: {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} غير أنهم لم يذكروا الأمر الذي يطيعونهم فيه ولم يبينوه، وإنما أسروه فقال: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} أي لا يخفى عليه ما أسروه، فذكر ما يحتاج إليه المقام، والله أعلم.
(1) روح المعاني 23/52.
(2) روح المعاني 23/52.
(3) ملاك التأويل 1/137 – 138.
(4) تفسير ابن كثير 1/338.
(5) انظر تفسير ابن كثير 1/338 – 339.
(6) الكشاف 2/339.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 357 إلى ص 364.
الوقفة كاملة
|
| ٥٣٢ |
{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} {یس: 77 – 83}.
قيل: جاء أحد عتاة مكة - قيل: هو أبي بن خلف، وقيل: العاص بن وائل - إلى رسول الله وفي يده عظم رميم وهو يفته ويذروه في الهواء وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟
قال : نعم يميتك الله ثم يبعثك ثم يحشرك إلى النار.
ونزلت هذه الآيات من آخر (يس): {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ} إلى آخرهن.
وفي رواية أنه قال له بعدما فت العظم البالي: أيحيي الله هذا بعدما أرى؟ فأجابه رسول الله بما ذكرنا (1).
(1) ينظر تفسير ابن كثير 3/581.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 364 إلى ص 365.
* * *
{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77)}
المقصود هو التعجيب من حال الإنسان بعدما خلقه الله من نطفة فإذا هو مخاصم لربه معاند له، فكان جزاء نعمته عليه أن كان خصمًا لربه مظهرًا خصومته له.
وقيل: المقصود بيان قدرة الخالق وذلك أن ربه خلقه من نطفة فإذا هو ناطق مخاصم ذو حجة ولدد مبين عما في نفسه.
جاء في (الكشاف): "قبح الله عز وجل إنكارهم البعث تقبيحًا لا ترى أعجب منه وأبلغ، وأدل على تمادي كفر الإنسان وإفراطه في جحود المنعم وعقوق الأيادي، وتوغله في الخسة وتغلغله في القحة، حيث قرره بأن عنصره الذي خلقه منه هو أخس شيء وأمهنه، وهو النطفة المذرة... ثم عجب من حاله بأن يتصدى مثله على مهانة أصله ودناءة أوله لمخاصمة الجبار...
وقيل معنى قوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} فإذا هو بعدما كان ماء مهينًا رجل مميز منطيق قادر على الخصام مبين معرب عما في نفسه فصيح" (1).
وجاء في (روح المعاني): "قوله تعالى: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} أي مبالغ في الخصومة والجدال الباطل، (مبين) ظاهر متجاهر في ذلك...
وقيل: معنى قوله تعالى: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ}: فإذا هو بعدما كان ماء مهينًا رجل مميز منطيق قادر على الخصام مبين معرب عما في ضميره فصيح" (2).
وجاء في (البحر المحيط): "{فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} الوصف الذي آل إليه من التمييز والإدراك الذي يتأتى معه الخصام، أي فإذا هو بعدما كان نطفة رجل مميز منطيق قادر على الخصام مبين معرب عما في نفسه" (3).
والمعنيان مرادان مقصودان، فالإنسان بعدما خلقه ربه من نطفة من ماء مهين وسواه رجلًا إذا هو مخاصم له يتخذ من دونه آلهة.
أولًا ينظر الإنسان إلى قدرة خالقه بأن جعل من النطفة إنسانًا عاقلًا ناطقًا مخاصمًا مبينًا عن حجته؟
إن الآية تبدأ بالهمزة الدالة على الإنكار والتعجيب، فهي تنكر عليه فعله وموقفه من ربه وتعجب من حاله، وذلك أن يقابل الإحسان بالإساءة، والنعمة بالجحود، فهو إنكار وتعجيب.
ثم جاء بالواو التي قيل فيها إنها عطف على كلام مقدر، وقيل أيضًا: إن المقصود بها الاستدلال بالمشاهد وكثرة الوقوع كما سبق أن ذكرنا، وقيل: هي عطف على قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ}.
ثم ذكر (الإنسان) فقال: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ} مع أنه جاء بضمير الغائبين قبلها فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ}، وذلك أن الاستدلال في هذه الآية يخص كل إنسان وهو حجة على كل فرد، فكان الأولى أن ينظر في نفسه ويتأمل فيها وفي خلقها وينظر في أصله وماذا هو الآن.
أما قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا} فهو كلام على مجموعة من الناس، فهذه الآية أعم وأشمل. جاء في (التفسير الكبير): "قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} معناه الكافرون المنكرون التاركون عبادة الله المتخذون من دونه آلهة، أولم يروا خلق الأنعام لهم. وعلى هذا فقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ} كلام أعم من قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا}، لأنه مع جنس الإنسان وهو مع جمع منهم، فنقول: سبب ذلك أن دليل الأنفس أشمل وأكمل وأتم وألزم، فإن الإنسان قد يغفل عن الأنعام وخلقها عند غيبتها ولكن لا يغفل هو مع نفسه متى ما يكون وأينما يكون، فقال: إن غاب عن الحيوان وخلقه فهو لا يغيب عن نفسه فما باله؟ أولم ير أنا خلقناه من نطفة وهو أتم نعمة؟" (4).
وجاء في (روح المعاني): "الهمزة للإنكار والتعجب، والواو للعطف على جملة مقدرة هي مستتبعة للمعطوف كما مر في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا}... إلخ، أي: ألم يتفكر الإنسان ولم يعلم أنا خلقناه من نطفة، أو هي عين تلك الجملة أعيدت تأكيدًا للنكير السابق وتمهيدًا الإنكار ما هو أحق منه بالإنكار لما أن المنكر عين علمهم بما يتعلق بخلق أنفسهم...
ويشير كلام بعض الآجلة إلى أن العطف على {أَوَلَمْ يَرَوْا} السابق والجامع ابتناء كل منهما على التعكيس، فإنه تعالى خلق الإنسان ما خلق ليشكر، فكفر وجحد المنعم والنعم، وخلقه سبحانه من نطفة قذرة ليكون منقادًا متذللًا فطغى وتكبر وخاصم. وإيراد الإنسان) مورد الضمير لأن مدار الإنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان" (5).
وقال: (خلقناه) بإسناد الخلق إلى ضمير المعظم نفسه ليبين الفاعل وقدرته وإنعامه وتفضله.
وقال: (من نطفة) ليذكر الإنسان بأصله، ويذكره بقدرة الخلاق العليم، وكيف تعهد هذه النطفة وجعل منها إنسانًا عاقلًا ناطقًا فيتطامن لخالقه.
ثم قال: (فإذا) فجاء بالفاء الدالة على التعقيب، أي: فإذا هو في عقب ذلك مباشرة خصم لربه. والفاء تفيد السبب أيضًا، فكأن إحسان خالقه إليه كان سببًا في كفره وخصومته له. وهذا أعجب شيء وأبعد شيء عن مألوف المعاملات والعادات، إذ المفروض أن يكون الإحسان سببًا إلى الشكر والاعتراف بالفضل والجميل.
أما الإنسان فكان الإحسان إليه سببًا لخصومة المنعم عليه وكفره به. فجمع بالفاء بين معنيي التعقيب والسبب.
وجاء بـ (إذا) الدالة على المفاجأة للدلالة على أن موقفه هذا مفاجئ وهو غير متوقع أن يفعل هذا مع من أحسن إليه.
ومن جهة أخرى تدل الآية على بالغ قدرة الله، فإنه من المفاجآت العجيبة أن تصبح هذه النطفة إنسانًا عاقلًا مخاصمًا ناطقًا بالحجة مدافعًا عن نفسه مبينًا عما في ضميره، فهي مفاجأة من كل وجه.
و(الخصيم) هو المبالغ في الخصومة. واختار (الخصيم) لأن الخصيم من يخاصم غيره ويبالغ في ذلك، فدل بذلك على النطق والعقل والقيام بالحجة.
و(المبين) هو المفصح عما في نفسه المظهر لخصومته وما يريد إظهاره، فذكر أضعف شيء في طور خلق الإنسان وهي النطفة، وأبلغ شيء فيه وهو الخصيم.
وجاء بالجملة اسمية للدلالة على الثبوت، أي ثبوت هذا الأمر في الإنسان.
جاء في (التفسير الكبير): "(خصيم) أي ناطق، وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق لأنه أعلى أحوال الناطق فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثلما يبينه وهو يتكلم مع غيره، والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصمًا لا يبين ولا يجتهد مثلمًا يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه.
وقوله: (مبين) إشارة إلى قوة عقله، واختار الإبانة لأن العاقل عند الإفهام أعلى درجة منه عند عدمه... فقوله تعالى: {مِنْ نُطْفَةٍ} إشارة إلى أدني ما كان عليه، وقوله: {خَصِيمٌ مُبِينٌ} إشارة إلى أعلى ما حصل عليه" (6).
وجاء في (روح المعاني): "وقوله تعالى: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ} أي مبالغ في الخصومة والجدال الباطل.
(مبين): ظاهر متجاهر في ذلك، عطف على الجملة المنفية داخل في حيز الإنكار والتعجيب، كأنه قيل: أولم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها ففاجأ خصومتنا في أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة، وإيراد الجملة الاسمية للدلالة على استقراره في الخصومة واستمراره عليها.
وفي الحواشي الخفاجية أن تعقيب الإنكار بالفاء وإذا الفجائية على ما يقتضي خلافه مقو للتعجيب، والمراد بالإنسان الجنس، والخصيم إنما هو الكافر المنكر للبعث مطلقًا...
وقيل معنى قوله تعالى: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ}: فإذا هو بعدما كان ماء مهينًا رجل مميز منطيق قادر على الخصام مبين معرب عما في ضميره فصيح، فهو حينئذ معطوف على (خلقناه) والتعقيب والمفاجأة ناظران إلى خلقه" (7).
إن هذه الآية مرتبطة بما قبلها وما بعدها من الآيات أحسن ارتباط وأبلغه.
فهي مرتبطة بقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ}، وهذه خصومة ظاهرة لخالقهم.
ومرتبطة بقوله تعالى: {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} وذلك أنه إذا كان الله خلق الإنسان من نطفة وأنشأه حتى سواه رجلًا، فلا شك أنه يعلم كل ما يسر وما يعلن.
وهي مرتبطة بقوله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}، فإن الذي خلقه من نطفة أقدر على إعادته في الآخرة، لأن الإعادة أيسر من الابتداء.
(1) الكشاف 2/594 – 595.
(2) روح المعاني 23/53 – 54.
(3) البحر المحيط 7/348.
(4) التفسير الكبير 23/53.
(5) روح المعاني 23/53.
(6) التفسير الكبير 26/108.
(7) روح المعاني 23/53 – 54.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 365 إلى ص 370.
الوقفة كاملة
|
| ٥٣٣ |
{فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) }
نزه الله سبحانه من بيده الملك – وهو يعني ذاته العلية – عن كل نقص؛ ليعلم خلقه أن هذا الخالق المقتدر والذي بيده ملكوت كل شيء هو منزه عن كل نقص. فقد يكون المالك المقتدر ظالمًا غشومًا، وقد تكون فيه صفات نقص، فنزه الله نفسه عن كل ذلك بقوله: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ}.
والملكوت مبالغة في الملك (1)، وهو يكون بمعنى الملك مع العز والسلطان وليس مجرد الملك، ففيه مبالغة ما ليس في الملك.
جاء في (لسان العرب): "وملك الله وملكوته: سلطانه وعظمته، ولفلان ملكوت العراق، أي: عزه وسلطانه وملكه..... وهو الملك والعز" (2).
وجاء في (فتح القدير): "والملكوت في كلام العرب لفظ مبالغة في الملك كالجبروت والرحموت، كأنه قال: فسبحان الذي بيده مالكية الأشياء الكلية" (3).
وجاء بالفاء في قوله: (فسبحان) للدلالة على السبب، فإنه بعدما ذكر ما أولاه من النعم على خلقه وعظيم خلقه في السماوات والأرض وقدرته التي لاتحد، استدعى ذلك تنزيه الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء.
وقال: {بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} ليدل على أنه المالك المتصرف في ملكه كما يشاء، ولئلا يظن ظان أنه خلق الخلق وتركهم كل يتصرف وحبله على غاربه ليس له عليه قدرة ولا حكم ولا مشيئة فقال: {بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} أي: "هو مالك كل شيء والمتصرف فيه بموجب مشيئته وقضايا حكمته" (4).
وقدم (بيده) وهو الخبر على المبتدأ {مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} لإفادة القصر، فإن ملكوت كل شيء بيده هو حصرًا ليس لآخر فيه نصيب ولا بيده شيء، فإن كل يد غير يده صفر.
ثم قال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ليدل على أن ما ذكره من التصرف في الملكوت ليس مقصورًا في الدنيا، وإنما بيده الملكوت في الآخرة كما في الدنيا، وأنه إليه المرجع والمصير.
وقال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فقدم الجار والمجرور على الفعل للدلالة على أن الرجوع إليه حصرًا لا إلى غيره.
جاء في (روح المعاني): "{فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} تنزيه له عز وجل مما وصفوه به تعالى، وتعجيب عما قالوا في شأنه عز شأنه. والفاء جزائية، أي إذا علم ذلك فسبحان، أو سببية، لأن ما قيل سبب لتنزيهه سبحانه.
والملكوت مبالغة في الملك كالرحموت والرهبوت، فهو الملك التام، وفي تعليق (سبحان) بما في حيزه إيماء إلى أن كونه تعالى مالكًا لذلك كله قادرًا على كل شيء مقتض للتسبيح، وفسر الملكوت أيضًا بعالم الأمر والغيب...
{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} إلى غيره تعالى، هذا وعد للمقربين ووعيد للمنكرين، فالخطاب عام للمؤمنين والمشركين" (5).
لقد قرر في هذه الآية التوحيد والحشر، فقوله: {بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} يدل على أنه واحد لا شريك له، وقوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} إثبات للحشر.
لقد ذكر في هذه السورة أركان الإيمان كلها.
فذكر الإيمان بالله وتوحيده وهو ما بدأت به السورة من قوله: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}، وما انتهت به من قوله: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ}.
وذكر الإيمان بالرسل وأنه لا يتم الإيمان بهم حتى يؤمن برسول الله وذلك قوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}، وقوله: { يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}، وقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}.
وذكر الإيمان بسيد كتبه وهو القرآن فأقسم به وذكر أنه تنزيله فقال: { وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ ..... تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}.
وذكر الإيمان بالملائكة إشارة وتصريحًا، فإنه لما قال: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} دل على أن ثمة من أبلغه الرسالة، ولما قال: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} دل على أن هناك من تنزل به.
والتصريح هو قوله: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ}.
وذكر الإيمان باليوم الآخر وجزاء الخلق في ذلك اليوم، وهو ما تكرر ذكره في السورة.
وذكر القدر بقوله: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} وقوله: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}.
فاستوفت السورة أركان الإيمان التي وردت في الحديث: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره).
جاء في (التفسير الكبير): "ويمكن أن يقال بأن هذه السورة ليس فيها إلا تقرير الأصول الثلاثة بأقوى البراهين.
فابتداؤها بيان الرسالة بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}، ودليلها ما قدمه عليها بقوله: {وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ}، وما أخره عنها بقوله: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا}، وانتهاؤها بيان الوحدانية والحشر بقوله: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} إشارة إلى التوحيد، وقوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} إشارة إلى الحشر، وليس في هذه السورة إلا هذه الأصول الثلاثة ودلائله وثوابه" (6).
لقد ارتبط آخر السورة بأولها بأجمل ارتباط:
1- فقد ارتبط قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ..... أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} بما ورد في أول السورة في المعاندين وهو قوله: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}، وقوله: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}.
وكأن الكلام على الأشخاص أنفسهم والمجتمع نفسه.
2- وارتبط ذكر الحياة بعد الموت في قوله تعالى في أواخر السورة: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} بقوله في أول السورة: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا}
3- وارتبط ذكر النسيان والغفلة في قوله تعالى في أواخر السورة: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} بقوله: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ}.
فكلاهما غافل، فالأول غفل عن خلقه هو كما هم غافلون عن الإنذار. فجمع الغفلتين العظميين: الغفلة عن النفس، والغفلة عن الرسالة.
4- ابتدأ السورة بذكر الرسالة الخاتمة وذكر خاتم الرسل فقال: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
وختمها بختام الدنيا وانتهائها فقال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
لقد بدأت السورة بالإرسال وانتهت بالرجوع إلى المرسل فقال في الأول: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} وقال في الختام: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
فجل الله سبحانه قائل هذا الكلام، ونقول كما قال ربنا: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
(1) التفسير الكبير 26/112، روح المعاني 23/57.
(2) لسان العرب (ملك) 12/382.
(3) فتح القدير 4/373.
(4) الكشاف 2/569.
(5) روح المعاني 23/57.
(6) التفسير الكبير 26/113.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 377 إلى ص 381.
الوقفة كاملة
|
| ٥٣٤ |
{هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3)}
وصف الكتاب ههنا بأنه حكيم وبأنه هدى ورحمة للمحسنين، ووصفه في سورة البقرة بأنه هدى للمتقين، فقد قال في البقرة: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)}.
فقد وصفه هنا:
1- بالحكيم.
2- وأنه هدى ورحمة.
3- للمحسنين.
وقال في البقرة:
1- لا ريب فيه.
2- هدی.
3- للمتقين.
ولم يصفه بأنه حكيم.
أما وصفه بالحكيم في (لقمان) فهو مناسب لما ورد في السورة من نحو قوله: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ}، وما ذكر في الوصية من الحكمة، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
وأما قوله: {لَا رَيْبَ فِيهِ} في البقرة فهو مناسب لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}، فقد نفى عنه الريب أولًا، ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} {البقرة: 23} فأبطل دواعي الريب.
وقال في البقرة: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ}.
وقال ههنا: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} فزاد الرحمة على ما ذكر في البقرة، وذلك أنه قال في البقرة: (للمتقين)، وقال في لقمان: (للمحسنين)، والمتقي هو الذي يحفظ نفسه، أما المحسن فهو الذي يحسن إلى نفسه وإلى غيره فلا يقتصر ذلك عليه هو. قال تعالى: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} {القصص: 77}، وقال: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} {الإسراء: 23}.
فالإحسان لا يقتصر على النفس، بخلاف التقوى فإنها للنفس خاصة.
والإحسان إلى الآخرين من الرحمة، فلما رحموا الآخرين رحمهم الله، فكما زادوا في الوصف بأن أحسنوا إلى أنفسهم وإلى الآخرين زاد الله لهم الرحمة على الهدى.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن الله زاد في الجزاء للمحسنين في الآخرة فقال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} {يونس: 26}، فكما زاد لهم في الآخرة زاد لهم في الدنيا.
ثم إن كل تعبير مناسب لما ورد في السورة، فقوله: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} في البقرة مناسب لقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ}. ومن الطريف أن هذا وارد تعقيبًا على إبطال دواعي الريب فقال: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} {البقرة: 23 – 24}.
وورد في أول السورة أيضًا بعد نفي الريب فقال: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } وهي مناسبة بديعة فقال في أول السورة: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}، وقال ثم: {فَاتَّقُوا النَّارَ}.
أما قوله: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} فهو المناسب لما ورد في سورة لقمان، فقد شاع في السورة جو الهدى والرحمة والإحسان.
فمن مظاهر الهدي إرشاد لقمان لابنه وهدايته السبيل المستقيم.
ومنه قوله تعالى في المحسنين: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {لقمان: 5}.
وقوله: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (15)} والذي يسلك السبيل إنما يريد الهداية.
ومن ذلك قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) } وانظر إلى وصف الكتاب بالإنارة، والإنارة إنما تكون للهداية.
أما الذي يسير في الظلام فإنما هو ضال لا يدري أين يتجه.
ومن مظاهر الهدى النكير على الضالين والمضلين وذلك نحو قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (6) }، وقوله: {بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)}، وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} {لقمان: 21}، وهؤلاء ضالون اتبعوا آباءهم الضالين، يدعوهم الشيطان فيستجيبون له حتى يوصلهم إلى عذاب السعير، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} {الحج: 3 – 4}، والضلالة نقيض الهدى.
ومن مظاهر الرحمة في السورة ما ذكره من آياته الكونية والمسموعة رحمة بالإنسان، قال تعالى
{وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} {لقمان: 10}، فإنه ألقى الرواسي رحمة بنا لئلا تميد بنا الأرض.
ومن ذلك ما ذكره من وصية الإنسان بالوالدين ومصاحبتهما بالمعروف وذكر حمل الأم لولدها وإرضاعها له، وكل ذلك من مظاهر الرحمة.
وذكر تسخير ما في السماوات والأرض لنا وإسباغ النعم الظاهرة والباطنة علينا {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} {لقمان: 20}، وهذا من أعظم الرحمة بنا، وذكر غير ذلك من النعم.
ومن مظاهر الإحسان ما ذكره من إيتاء الزكاة في قوله: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}، ومنها الوصية بالوالدين والإحسان إليهما، ومن ذلك إحسان الأب إلى ابنه وإرشاده وتعليمه.
ومن ذلك قوله: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} {لقمان: 22}، وذكر من مظاهر إحسان الله إلى خلقه ما عدد عليهم من النعم وتسخير ما في السماوات والأرض لهم وما خلقه من أجلهم. فناسبت الآية ما ورد في السورة أجمل مناسبة وارتبطت أحسن ارتباط.
جاء في (التفسير الكبير): "قال في سورة البقرة: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} ولم يقل: (الحكيم) فلما زاد ذكر وصف الكتاب، زاد ذكر أمر في أحواله فقال: {هُدًى وَرَحْمَةً}، وقال هناك: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}.
فقوله: (هدى) في مقابلة قوله: (الكتاب)، وقوله: (رحمة) في مقابلة قوله: (الحكيم)، ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ذي الحكمة، كقوله تعالى: {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} أي ذات رضا.
المسألة الثانية: قال هناك: (للمتقين)، وقال ههنا: (للمحسنين)؛ لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئًا آخر قال: (للمتقين) أي يهتدي به من يتقي الشرك والعناد والتعصب، وينظر فيه من غير عناد.
ولما زاد ههنا (رحمة) قال: (للمحسنين) أي المتقين الشرك والعناد الآتين بكلمة الإحسان.
فالمحسن هو الآتي بالإيمان، والمتقي هو التارك للكفر، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} {النحل: 128}، ومن جانب الكفر كان متقيًا وله الجنة. ومن أتي بحقيقة الإيمان كان محسنًا وله الزيادة لقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} {يونس: 26}، ولأنه لما ذكر أنه رحمة قال: (للمحسنين)؛ لأن رحمة الله قريب من المحسنين" (1).
(1) التفسير الكبير للرازي – دار إحياء التراث العربي – بيروت – لبنان ط2/147 ه – 1997 م – المجلد التاسع 114 – 115.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 384 إلى ص 389.
الوقفة كاملة
|
| ٥٣٥ |
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)}
قال ههنا: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}، وقال في مكان آخر: {رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} {الرعد: 2}، وكل تعبير مناسب لمكانه، فإن تعبير (رفع) في الرعد أنسب من جهات:
1- منها أنه قال: {وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ}، والإنزال إنما يكون من فوق أي من مكان مرتفع، فناسب (رفع السماوات).
2- وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} {الرعد: 2}، والعرش فوق السماوات.
3- ذكر تسخير الشمس والقمر وهما من الأجرام السماوية وهي مرتفعة في السماء، فناسب ذكر رفع السماء.
وليس في (لقمان) شيء من ذلك، فناسب (خلق) دون (رفع).
ثم إن قوله: (خلق السماوات) في لقمان مناسب لما ورد في الآية بعدها وهو قوله: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 404 إلى ص 404.
* * *
{وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} {لقمان: 10}.
أي كراهة أن تميد أو لئلا تميد بكم.
ومن الملاحظ أنه حين يذكر الرواسي يقول أحيانًا: {أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} {النحل: 15}، أو {أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} {الأنبياء: 31}، وأحيانًا لا يقول ذاك كما في {الرعد: 3}، و{الحجر: 19}. و{فصلت: 10}، و{ق: 7}، و{المرسلات: 27}، و {النمل: 61}.
وسبب ذلك - والله أعلم - أنه إذا أراد بيان نعمة الله على الإنسان قال: {أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ}، وإذا أراد بيان قدرة الله فيما صنع لا لبيان علاقة ذلك بالإنسان لم يقل ذاك.
وقال: {أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} ههنا لبيان نعمة الله على الإنسان ورحمته له، وهذا أمر مرتبط بقوله: {هُدًى وَرَحْمَةً} في أول السورة فإن عدم ميدها بهم من رحمة الله لهم.
وهو مرتبط أيضًا بقوله تعالى في الآية السابقة لها: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، فإنه بين حكمة إلقاء الرواسي في الأرض، فهي مرتبطة بما قبلها من ناحيتين: من ناحية الرحمة ومن ناحية الحكمة.
وقال: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} دون (جعل) كما في آيات أخرى (1)، وذلك لمناسبة وصفه نفسه بـ (العزيز) في الآية السابقة، فإن إلقاء الرواسي من العزة.
فقوله: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} مناسب لاسمه (العزيز)، وقوله: {أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} مناسب لاسمه (الحكيم).
واختار لفظ (الرواسي) دون الجبال مثلًا لأن المقصود بالرواسي الثوابت، وليس في لفظ الجبال ما يدل على ذلك، ولذا لا يستعمل لفظ الرواسي حين يذكر زوالها وذهابها يوم القيامة، لأن الرواسي من الرسو وهو الثبات، بل يستعمل لفظ الجبال وذلك نحو قوله: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} {التكوير: 3}، {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} {النبأ: 20}، {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} {الحاقة: 14}، {وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ} {المرسلات: 10}، وغيرها.
(1) انظر مثلاً الرعد 3، الأنبياء 31، فصلت 10، النمل 61.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 405 إلى ص 406.
* * *
{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}
قال: (أنزلنا) بإسناد الإنزال إلى ضمير الله سبحانه على طريق الالتفات وذلك لأهمية الماء بالنسبة للإنسان.
جاء في (التفسير الكبير): "إن إنزال الماء نعمة ظاهرة متكررة في كل زمان، متكثرة في كل مكان، فأسنده إلى نفسه صريحًا ليتنبه الإنسان الشكر نعمته فيزيد له من رحمته" (1).
وجاء في (التحرير والتنوير): "والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: (وأنزلنا) للاهتمام بهذه النعمة التي هي أكثر دورانًا عند الناس" (2).
وكذلك أسند الإنبات إلى نفسه فقال: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا} فهو المنزل وهو المنبت.
(1) التفسير الكبير 9/118
(2) التحرير والتنوير 21/146.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 406 إلى ص 406.
* * *
{مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}
أي من كل صنف بالغ الجودة كثير الخير والمنفعة، و(الزوج) معناه ههنا الصنف، قال تعالى: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} {الواقعة: 7}، أي أصنافًا. وقال: {وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ}{ص: 58}، أي أصناف.
وقد تقول: ولم قال ههنا: {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}، فوصفه بالكرم، وقال في (ق) والحج: {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} فوصفه بالبهجة؟.
والجواب: أنه إضافة إلى موافقة فواصل الآية في كل موضع فهناك أمر آخر حسن كل تعبير في مكانه.
فقد قال في (لقمان): {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} والكريم - كما قلنا – هو البالغ الجودة والنفاسة والكثير المنفعة وهو المناسب لما ذكره من حكمة لقمان التي آتاه الله إياه، وهي بالغة الخير والنفاسة كثيرة المنفعة، {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} {البقرة: 269}.
أما في (ق) فالسياق سياق الزينة والجمال، قال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) ….. وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} {ق: 6 – 10}،فانظر كيف ناسب ذكر البهجة ذكر الزينة في السماء، والزينة إنما تكون للبهجة. وانظر كيف قال: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} وكل ذلك مناسب للزينة والجمال.
ونحو ذلك ما جاء في سورة الحج، فقد قال: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} {الحج: 5}، فقابل الهمود بالبهجة وهو المناسب.
فناسب كل تعبير موطنه.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 406 إلى ص 407.
الوقفة كاملة
|
| ٥٣٦ |
{وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)}
الحكمة: هي وضع الشيء في محله في القول والعمل، وقيل: هي" عبارة عن توفيق العمل بالعلم. فكل من أوتي توفيق العمل بالعلم فقد أوتي الحكمة" (1).
فالحكمة لها جانبان: جانب القول وجانب العمل، ولا يكون الفرد حكيما حتى يحسن القول والعمل.
وقد أسند الله إيتاء الحكمة إلى نفسه (آتينا)؛ وذلك لأن إيتاء الحكمة من الخير، ومن الشائع في القرآن الكريم أن ربنا سبحانه يسند الإيتاء إلى نفسه في الخير، بل يسند أفعال الخير إلى نفسه في العموم (2). قال تعالى: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} {الجن: 10}، فأسند الخير وهو الرشد إلى نفسه فقال: {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} وبنى مريد الشر للمجهول فقال: {أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ}.
والواو في أول الآية "عاطفة قصة لقمان على قصة النضر بن الحارث في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} باعتبار كونها تضمنت عجيب حاله في الضلالة من عنايته بلهو الحديث ليضل عن سبيل الله ويتخذ سبيل الله هزوا، وباعتبار كون قصة لقمان متضمنة عجيب حال لقمان في الاهتداء والحكمة، فهما حالان متضادان" (3).
{أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ}
ذهب كثير من المفسرين إلى أن (أن) في الآية تفسيرية (4) فيجعلون (آتينا) متضمنًا معنى القول دون حروفه.
جاء في (التفسير الكبير): "فإن (أن) في مثل هذا تسمى المفسرة، قسر إيتاء الله الحكمة بقوله: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} وهو كذلك" (5).
وذهب بعضهم إلى أن قوله: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} تفسير للحكمة لا للفعل.
جاء في (التحرير والتنوير): "و(أن) قوله: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} تفسيرية وليست تفسيرًا لفعل (آتينا) لأنه نصب مفعوله وهو الحكمة. فتكون (أن) مفسرة للحكمة باعتبار أن الحكمة هنا أقوال أوحيت إليه أو إليهما فيكون في الحكمة معنى القول دون حروفه فيصلح أن تفسر بـ (أن) التفسيرية...
وأيضًا فإن شكر الله من الحكمة" (6).
والأقرب إلى المعنى فيما يبدو أن يقال: إن التقدير: آتينا لقمان الحكمة وأوصيناه أن اشكر لله، فيكون المعنى أنه أتاه الحكمة وأوصاه بالشكر وأمره به.
أو بتقدير: وآتيناه أن اشكر الله.
أي آتيناه الحكمة وآتيناه أن اشكر لله، أي أوحينا إليه ذلك وألهمناه إياه، ولا يشترط ذلك أن يكون وحي نبوة بل قد يكون وحي إلهام كقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} {القصص: 7}، وقوله: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا} {النحل: 68}، فكما أوحى الرب إلى أم موسى الأمر بالإرضاع، وأوحي إلى النحل الأمر بالاتخاذ، آتى لقمان وأوحى إليه الأمر بالشكر، وهذا أولى من جعل (أن) تفسيرية، وذلك لأن التفسير يجعل الحكمة هي الشكر فحسب، مع أن الشكر إنما هو من الحكمة وليس هو الحكمة كلها.
إن هذا التعبير يعني أيضًا أن من الحكمة التي أوتيها لقمان أن يشكر ربه.
فشكر الله إنما هو من الحكمة، ويعني أيضًا أن يشكر ربه على ما آتاه من الحكمة، فإن الحكمة نعمة ينبغي أن يشكر ربه عليها، كما تقول: إن من الحكمة أن تشكر ربك، وقد آتاك الله الحكمة فاشكره على ما آتاك.
فهذا التعبير يفيد عدة معان في آن واحد:
اتينا لقمان الحكمة، وآتيناه أن اشكر لله، أو: وأوصيناه به، ومن الحكمة أن تشكر ربك، واشكر ربك على ما آتاك من الحكمة.
وقد تقول: لم يقل: ولقد آتينا لقمان الحكمة فاشكر لله؟
فنقول: لو قال ذاك لم يفد هذه المعاني وما أفاد إلا معنى واحدًا وهو أن تكون الحكمة سببًا للشكر.
ولكان فيه ضعف في الدلالة، ذلك أن المعني سيكون أن الذي أوتي الحكمة لقمان، والمأمور بالشكر غيره. فيكون المعني: لقد آتينا لقمان الحكمة فاشكر أنت أيها المخاطب الله، فيكون قد طلب منه الشكر للإنعام على غيره لا عليه.
وقال: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} لهم ولم يقل: (أن اشكر لنا) فالتفت ليدل على أن مؤتي الحكمة هو الله.
ومن المطرد في التعبير القرآني أنه ما عبر الله عن نفسه بضمير الجمع إلا ذكر بعده أو قبله ما يدل على الإفراد ليدل على أنه واحد لا شريك له، وذلك أمر مطرد في جميع القرآن لم يتخلف عنه موطن واحد وذلك نحو قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} {الكوثر: 1-2}، فذكر بعد ضمير الجمع في: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ} الرب بصورة الإفراد فقال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، ثم قال بعد ذلك: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}، فذكر الرب بعد ضمير الجمع.
(1) التفسير الكبير 9/118.
(2) انظر معاني النحو 2/89 وما بعدها.
(3) التحرير والتنوير 21/148.
(4) انظر التفسير الكبير 9/119، البحر المحيط 7/181.
(5) التفسير الكبير 9/119.
(6) التحرير والتنوير 21/151 – 152.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 409 إلى ص 412.
* * *
{وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}
جاء بفعل الشرط (يشكر) مضارعًا للدلالة على أن الشكر يتكرر، وذلك لأن كل نعمة تمر بك تشكر الله عليها وهو ينبغي أن يتكرر، وجاء بفعل الشرط في قوله: {وَمَنْ كَفَرَ} ماضيًا، لأن الكفر لا يتكرر تكرر الشكر، بل قد يحصل ابتداء ويبقى صاحبه عليه إلا إذا شاء الله..
ومن الظاهر في استعمال الشرط في القرآن الكريم أنه يؤتي بفعل الشرط مضارعًا فيما يتكرر حدوثه، ويؤتى به ماضيًا فيما لا يتكرر حدوثه، وهذا الأمر جاء كثيرًا في القرآن الكريم (1).
جاء في (التفسير الكبير) في هذه الآية: "قال في الشكر: {وَمَنْ يَشْكُرْ} بصيغة المستقبل، وفي الكفران: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} وإن كان الشرط يجعل الماضي والمستقبل في معنى واحد كقول القائل: من دخل داري فهو حر، ومن يدخل داري فهو حر، فنقول فيه إشارة إلى معنى وإرشاد إلى أمر، وهو أن الشكر ينبغي أن يتكرر في كل وقت لتكرر النعمة، فمن شكر ينبغي أن يكرر، والكفر ينبغي أن ينقطع، فمن كفر ينبغي أن يترك الكفران" (2).
ومن الملاحظ أنه قدم الشكر على الكفر في هذه الآية، في حين قدم الكفر على العمل الصالح في آية أخرى، قال تعالى في سورة الروم: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} {الروم: 44}.
وبالنظر في الآيتين نجد أكثر من اختلاف في التعبير:
1- فقد قدم في آية الروم الكفر وأخر العمل الصالح، وقدم في آية لقمان الشكر وأخر الكفر كما أشرت.
2- ذكر في الروم عاقبة كل من الفريقين فقال: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}، في حين قال في لقمان: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}، فذكر عاقبة الشكر ولم يذكر عاقبة الكفران.
3- ذكر في الروم فعلي الشرط بالماضي فقال: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا}.
في حين ذكر في لقمان فعل الشكر بالمضارع وفعل الكفر بالماضي.
4- ذكر في لقمان مقابل (من كفر): (من يشكر)، وذكر في الروم مقابل (من كفر): (من عمل صالحًا).
ولكل ذلك سبب اقتضاه.
أما تقديم الكفر في الروم على العمل الصالح فذلك لأن السياق هو في ذكر الكافرين ومآلهم، فقد قال قبل هذه الآية: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} {الروم: 41 – 44}.
فالسياق في ذكر الكافرين فقدمهم.
وأما آية لقمان فوقعت في سياق الأمر بالشكر، قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ}، فناسب تقديم الشكر.
جاء في (التفسير الكبير): "قال تعالى هنا: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ}، بتقديم الشكر على الكفران. وقال في سورة الروم: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}.
فنقول: هناك كان الذكر للترهيب لقوله تعالى من قبل: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ}. وههنا الذكر للترغيب؛ لأن وعظ الأب للابن يكون بطريق اللطف والوعد" (3).
وأما ذكر عاقبة الكفر في الروم فلما تقدم من ذكر عاقبة من كفر في الدنيا وعاقبة ذلك في الآخرة، فقد قال فيمن أظهر الفساد في البر والبحر: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)}، وقال: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42)}، فوجهنا للنظر في عاقبة الكافرين.
ثم هدد بما سينالهم في الآخرة، ولذا ناسب ذكر عاقبة من كفر فقال: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ}، ولم يذكر شيئًا من ذلك في لقمان فاكتفى بقوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }.
وبالنسبة إلى اختلاف فعلي الشرط في المضارع والمضي فإن آية لقمان فيمن هو في الدنيا، فذكر فعل الشرط بالمضارع لأن الشكر يتكرر، وذكر الكفر بالماضي لأنه لا يتكرر تكرر الشكر كما أسلفنا.
وأما آية الروم فهي في الآخرة، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا ..... } {الروم: 43 – 44}، فذكر الكفر والعمل الصالح بالماضي؛ لأنه ليس عمل ثم، وإنما هو جزاء على ما قدم من عمل.
وأما ذكر الكفر بمقابل الشكر في لقمان فلأنه ذكر الشاكرين أولاً فقال: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}.
وأما في سورة الروم فقد ذكر الكافرين والمشركين فناسب ذكر من آمن وعمل صالحًا فقال: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} {الروم: 44 – 45}، فناسب كل تعبير موطنه.
وقال: {فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} فجاء بـ (إنما) للدلالة على أن الشكر لا ينفع إلا صاحبه حصرًا ولا يفيد الله سبحانه، فإن الشكر ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة. وقد قضى ربنا بأن يزيد الشاكر من نعمه، قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } {إبراهيم: 7}.
{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} لا ينفعه شكر ولا يضره كفر، فهو الغني المحمود في غناه.
والحميد هو الذي يستحق الحمد على الدوام.
والجمع بين الغني وكونه محمودًا أحسن جمع وألطفه، فقد يكون الشخص غنيا غير محمود، أو محمودًا غير غني، فربنا غني محمود على الدوام.
وقد تقول: لقد جاء في سورة إبراهيم. {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} {إبراهيم: 8}، فأكد الجملة بإن واللام، فقال: {فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ}، في حين أكدها في آية لقمان بـ (إن) وحدها فقال: {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} فما الفرق؟.
والجواب: أن كل تعبير مناسب لما ورد فيه، فقد قال في لقمان: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}، فقد قسم العباد إلى من يشكر ومن كفر.
أما في سورة إبراهيم فافترض كفر أهل الأرض جميعًا فقال: {إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}، فالاختلاف في التعبير من ثلاث نواح:
1- أنه في آية لقمان جرى على التبعيض، وجرى في سورة إبراهيم على الشمول.
2- أنه قال في لقمان: {وَمَنْ كَفَرَ} فجعل فعل الشرط ماضيًا، وقال في سورة إبراهيم: {إِنْ تَكْفُرُوا} بالمضارع للدلالة على تكرر الكفر وتجدده، أي إن تستمروا على الكفر وتداوموا عليه.
3- وأكد ذلك بالحال المؤكدة فقال: (جميعًا). فاقتضى ذلك زيادة التأكيد في آية إبراهيم.
وقد تقول: لقد قال في آية أخرى في سورة لقمان: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} {لقمان: 26}، فعرف الوصفين وجاء بضمير الفصل، في حين قال في هذه الآية: {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} من دون تعريف ولا فصل. فما الفرق؟
والجواب واضح في سياق كل منهما.
فقد قال في آية لقمان الأولى: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}، فلم يذكر سبحانه له ملكًا.
والمعنى: فإن الله غني عن شكره. وهو كما يقول الشخص ولله المثل الأعلى: أنا غني عنك وغني عن مدحك وثنائك، ولا يعني أنه ذو مال أو ثروة، ونحوه ما قال الخليل:
أبلغ سليمان أني عنه في جدة
وفي غنى غير أني لست ذا مال
أما في الآية الثانية فقد قال: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} فقد ذكر ملكه وهو ما في السماوات والأرض.
ومن المعلوم أن الغني فيما تعارف عليه الناس من يملك الأموال. ثم إن الأغنياء يتفاوتون، فمن يملك ثروة أكبر كان أغني. وقد ذكر ربنا أن له ما في السماوات والأرض فلا ملك أكبر ولا أوسع من ملكه، فعرف وجاء بضمير الفصل للدلالة على أنه هو الغني دون سواه.
ومن المعلوم أن قولك: (فلان هو الغني) أدل على الغنى من قولك: (فلان غني)؛ لأن قولك: (فلان غني) يعني أنه أحد الأغنياء، وأن هناك أغنياء آخرين. أما قولك: (فلان هو الغني) فيدل على أنه لا غني في الحقيقة سواه. ولا شك أن من له ما في السماوات والأرض هو الغني الذي لا غني سواه.
(1) انظر معاني النحو 4/66.
(2) التفسير الكبير 9/119.
(3) التفسير الكبير 9/119.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 412 إلى ص 418.
الوقفة كاملة
|
| ٥٣٧ |
{يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)}
عاد الآن إلى وصية لقمان لابنه بعد أن اعترض كلامه بوصيته سبحانه بالوالدين فقال: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ ...} فكرر نداءه بقوله: (يا بني) ليعطف قلبه ويصغي إلى ما يقول. ثم ضرب له مثلًا يبين فيه قدرة الله وإحاطته بالأشياء فلا يند شيء عنه وعن قدرته بمثقال حبة من خردل يأتي بها الله أينما كانت، في السماوات أو في الأرض. والخردل نبات معروف حبه أصغر من السمسم يضرب مثلًا في الصغر.
لقد قال: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ} بحذف النون من (تكن)، ثم قال بعد ذلك (فتكن) بإثبات النون، ولعل من أسباب ذلك أنه قال: {إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ} فلم يعين مكانها ثم عين مكانها فيما بعد فقال: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ}، فإن الأولى أبعد في الوجود، أي هباءة تائهة لا مكان لها فحذف النون، بخلاف الثانية فإنه عين مكانها فأثبت النون، والله أعلم (1).
جاء في (البرهان) للزركشي أن قوله: {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} {النساء: 40}، حذفت النون من (تكن): "تنبيهًا على أنها وإن كانت صغيرة المقدار حقيرة في الاعتبار فإن إليه ترتيبها وتضاعيفها، ومثلها: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ}" (2).
ثم إن ثمة قراءة هي (فتكن) بكسر الكاف وشدة النون وفتحها، وثمة قراءة أخرى وهي (فتبين) بفتح التاء وكسر الكاف وسكون النون من (وكن يكن) (3) وكلتا القراءتين فيها معنى الاستتار، ذلك أن معنى (كن يكن) استتر. ومعنى (وكن الطائر) دخل عشه، والوكن: هو عش الطائر، فيكون المعنى: أنها إن تك مثقال حبة من خردل فتستتر في صخرة.
وهذا مما يفسر ثبوت النون في (تكن) وذلك لتعطي معنى الاستتار أيضا، والله أعلم.
وقال: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} مع أن الصخرة لا بد أن تكون في السماوات أو في الأرض، وذلك لأن استخلاص الشيء من باطن الصخرة عسير في العادة.
من المعلوم أنه إذا أراد شخص أن يحفظ شيئًا ويصونه من الضياع لا يكتفي أن يضعه في ساحة الدار، بل يضعه في غرفة من غرف الدار ويضعه في صندوق أو محفظة، وقد يضع المحفظة داخل صندوق أو خزانة، وقد يضع المحفظة داخل محفظة.
فالصخرة مثلها مثل المحفظة الصغيرة التي يحفظ بها الشيء.
وإذا أردت المبالغة في حفظ الشيء تعمل للمحفظة قف يصعب فتحه، وكلما كان الشيء ثمينًا أو مهما بالغت في حفظه وعدم الوصول إليه. والناس يتفننون في حفظ الأشياء وعدم الوصول إليها. وأمكن شيء في الحفظ أن يودع في مكان أمين ليس له مفتاح ولا يمكن الوصول إليه. وعند ذلك يكون استخراجه عسيرًا أو مستحيلًا إلا بإتلاف المحفظة.
وقد ضرب الله مثلًا لذلك بمثقال حبة من خردل في صخرة، والصخرة ليس لها مفتاح، وربنا يستخرج هذه الحبة من الصخرة مع أنها ليس لها مفتاح من دون أن يحطم الصخرة.
وقال: {فِي صَخْرَةٍ} ولم يقل: (على صخرة) للدلالة على خفائها وأنها في داخلها.
وقال: (في الأرض) ولم يقل: (على الأرض) ليدل على أنها في باطن الأرض.
ثم قال: {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} ولم يقل: (يعلمها الله) لأن مجرد العلم لا يدل على القدرة، فقد تعلم أن شيئًا داخل صندوق أو خزانة ولكنك لا تقدر على فتحه، فقوله: {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} يدل على العلم وبالغ القدرة.
وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} أي يتوصل إلى الأشياء الخفية بأمر خفي فلا يحتاج إلى تحطيم الصخرة أو تكسيرها، بل يخرجها من داخلها بلطفه وخبرته. والإتيان بالشيء من مثل هذا الحفظ يحتاج إلى خبرة وإلى لطف بحيث يستخرجها من داخلها والصخرة كما هي.
جاء في (التفسير الكبير): "لو قيل: إن الصخرة لا بد من أن تكون في السماوات أو في الأرض فما الفائدة من ذكرها؟...
خفاء الشيء يكون بطرق، منها أن يكون في غاية الصغر، ومنها أن يكون بعيدًا، ومنها أن يكون في ظلمة، ومنها أن يكون من وراء حجاب.
فإن انتفت الأمور بأسرها بأن يكون كبيرًا قريبًا في ضوء من غير حجاب فلا يخفي في العادة. فأثبت الله الرؤية والعلم مع انتفاء الشرائط.
فقوله: {إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ} إشارة إلى الصغر.
وقوله: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} إشارة إلى الحجاب.
وقوله: {أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ} إشارة إلى البعد، فإنها أبعد الأبعاد.
وقوله: {أَوْ فِي الْأَرْضِ} إشارة إلى الظلمات، فإن جوف الأرض أظلم الأماكن.
وقوله: {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} أبلغ من قول القائل: (يعلمها الله)، لأن من يظهر له الشيء ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون حاله في العلم دون حال من يظهر له الشيء ويظهره لغيره، فقوله: {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} أي يظهرها للإشهاد.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ} أي نافذ القدرة.
{خَبِيرٌ}: أي عالم ببواطن الأمور" (4).
إن ضرب هذا المثل بعد قوله: {لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ} أنسب شيء؛ لأنه إذا كان الله يأتي بمثقال حبة الخردل من السماوات أو الأرض ومن كل مكان فماذا يفعل الشريك؟ وأين ملكه؟ وما قوته؟ وما قدرته إذا كان لا يستطيع أن يمنع استخلاص هذا الجزء الحقير اليسير؟ ولم الشرك؟!.
وهذا من أظهر الحجج على إبطال الشرك وانتفاء الشريك.
لقد جاء لقمان بهذا المثل لابنه ليبين له أنه لا يصح أن يكون الله شريك، ولم يكتف بمجرد النهي وذلك ليقتنع ابنه بما يقول، وفي هذا توجيه للآباء والمرشدين أن لا يوغلوا في الأوامر والنواهي من دون ذكر حجة أو دليل أو تعليل، والله أعلم.
قد تقول: لقد قال هنا: {إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}.
وقال في مكان آخر: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} {الأنبياء: 47}.
فكان بينهما بعض اختلاف في التعبير، من ذلك:
1- إن فعل الشرط وجوابه في لقمان مضارعان، وفي الأنبياء ماضيان.
2- وإن فعل الكينونة في لقمان مسند إلى مؤنث {إِنْ تَكُ}. وفي الأنبياء مسند إلى مذكر: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ}.
3- ذكر أماكن وجود مثقال الحبة في لقمان ولم يذكرها في الأنبياء.
4- كما اختلفت خاتمة كل من الآيتين.
فما السبب؟
والجواب: أن سياق كل من الآيتين يوضح ذلك.
أما سياقها في لقمان فهو واضح.
وأما في سورة الأنبياء فالآية في الكلام على اليوم الآخر، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} {الأنبياء: 47}.
فاتضح بذلك سبب الاختلاف:
1- أما من حيث الاختلاف في فعل الشرط وجوابه فإن آية لقمان فيما يفعله الإنسان في الدنيا. والدنيا لا تزال باقية والأفعال فيها مستمرة، فكان فعل الشرط وجوابه مضارعين.
وأما آية الأنبياء فالكلام فيها على موقف من مواقف القيامة وهو موقف الحساب ووزن الأعمال، وقد انقطعت الأعمال وأحضرت للوزن فعبر عن ذلك بالماضي فقال: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا}.
٢- وأما الاختلاف في إسناد فعلي الكينونة فإنه قال في آية لقمان: {إِنَّهَا إِنْ تَكُ} فكان اسم (إن) ضميرًا مؤنثًا، أي الفعلة أو "الخصلة من الإساءة والإحسان لفهمها من السياق" (5) أو ضمير القصة (6). فكان الفعل مسندًا إلى مؤنث. في حين كان الكلام في الأنبياء على المذكر قال: {فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ} أي الشيء، فأسند الفعل إلى المذكر.
3- وأما ذكر أماكن وجود مثقال الحبة في لقمان فذلك لبيان قدرة الله وشمولها ليعرف لقمان ابنه بذلك ويبطل عقيدة الشرك.
وأما في الأنبياء فالسياق مختلف، وهو سياق الحساب ووزن الأعمال وليس ذكر أماكنها.
4- وأما اختلاف خاتمة كل من الآيتين فسببه واضح أيضًا، ذلك أن آية الأنبياء في الحساب فقال: {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}.
وفي لقمان في استخلاص مثقال الحبة من أماكن وجودها الخفية فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}.
فناسب كل تعبير موطنه.
وقد تقول: كيف جرى التقديم والتأخير في هذه الآية، فقد ذكر الصخرة أولًا ثم ذكر السماوات بعدها ثم ذكر الأرض، فما سبب ذلك؟.
والجواب: أنه ذكر الصخرة أولًا، والصخرة قد تكون في السماء، وقد تكون في الأرض، فقد تكون في الأجرام السماوية صخور كالقمر والمشتري وغيرهما، وقد تكون صخور سابحة في الفضاء. فذكر الصخرة التي يشترك وجودها في السماء والأرض.
ثم ذكر السماوات وقدمها على الأرض، وهو الخط الجاري في السورة، فحيث اقترنت السماوات بالأرض قدم السماوات وذلك في أكثر من موطن:
قال تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} {لقمان: 10}.
وقال: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ} {لقمان: 16}.
وقال: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} {لقمان: 20}.
وقال:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} {لقمان: 25}.
وقال: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} {لقمان: 26}.
وحيث قدم السماوات وأخر الأرض في السورة ذكر بجنب الأرض أمورًا تتعلق بالأرض أو بسكان الأرض وذلك نحو قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ....} {لقمان: 10}.
وقوله: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ ...... يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ} {لقمان: 16 - 17}.
وقوله: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ ...} {لقمان: 20}.
وقوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} {لقمان: 25}.
وقوله: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ }{لقمان: 26 – 27}.
فكان تقديم السماوات على الأرض في الآية جاريا على نسق ما ورد في السورة.
(1) انظر معاني النحو 1/290.
(2) البرهان 1/407 – 408.
(3) ينظر البحر المحيط 7/182.
(4) التفسير الكبير 9/121.
(5) روح المعاني 21/88.
(6) انظر البحر المحيط 7/182.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 436 إلى ص 443.
الوقفة كاملة
|
| ٥٣٨ |
{وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)}
"انتقل لقمان بابنه إلى الآداب في معاملة الناس فنهاه عن احتقار الناس وعن التفاخر عليهم، وهذا يقتضي أمره بإظهار مساواته مع الناس وعد نفسه كواحد منهم" (1).
فنهاه عن التكبر عليهم والإعراض عنهم.
ومعنى تصعير الخد إمالته عنهم تكبرًا وإعراضًا.
والمرح هو النشاط مع الزهو والخيلاء "فالمرح مختال في مشيته" (2).
والاختبال: "من الخيلاء، وهو التبختر في المشي كبرًا" (3).
و(مختال) مفتعل من (خال) يقال: خال الرجل واختال إذا تكبر.
والمختال: الصلف المتباهي الجهول المعجب بنفسه (4).
و(اختال) أبلغ من (خال) في التكبر والإعجاب بالنفس؛ لأنه على وزن (افتعل).
وإن من معاني (افتعل) المبالغة في معنى الفعل. فالمختال هو المبالغ في التكبر والتباهي والإعجاب بالنفس وفي سائر معاني الوصف. و(الفخور) من الفخر، وهو تعداد ما أعطي من مال أو نسب أو غير ذلك والمباهاة في ذلك.
جاء في (روح المعاني): "الفخور من الفخر، وهو المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه، ويدخل في ذلك تعداد الشخص ما أعطاه لظهور أنه مباهاة بالمال" (5).
وجاء في (المحرر الوجيز): "قال مجاهد: الفخور هو الذي يعدد ما أعطى ولا يشكر الله تبارك وتعالى، قال: وفي اللفظ الفخر بالنسب وغير ذلك" (6).
والفخور على زنة فعول، وهو من صيغ المبالغة للدلالة على الإكثار من إظهار ذلك والمبالغة فيه.
وقال: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ}، ولم يقل: (على الأرض) كما قال في وصف عباد الرحمن: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} {الفرقان: 63}، ذلك أن (في) تفيد الظرفية، أي كأنه يريد أن يخرق الأرض برجليه من شدة مرحه، كما قال تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} {الإسراء: 37}
وأما (على) فتفيد الاستعلاء فقال: {يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ}، وذلك لأنه قال: (هونًا) أي على مهل بسكينة ووقار، فناسب كل حرف موضعه.
إن الأبنية التي وردت في الآية كلها تفيد المبالغة:
فقوله: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} ما يدل على المبالغة في المرح، ذلك أنه جاء بالحال مصدرًا وهو يدل على المبالغة.
وقوله: (مختال) يدل على المبالغة في الوصف، لأن صيغة مفتعل تفيد المبالغة.
وقوله: (فخور) يدل على المبالغة في الفخر.
وقد تقول: ولم جاء بالوصفين على المبالغة، أفترى أن الذي لا يبالغ في الوصف لا يشمله انتفاء الحب؟
والجواب: أنه ليس الأمر على ما توهمت، فإخباره أن الله لا يحب المبالغة في الوصف السيئ لا يعني أنه يحب غير المبالغ، وإنما هو إخبار عن الوصف في المقام الذي ورد فيه.
فقولك: (أنا لا أحب الكذوب) لا يعني أنك تحب الكاذب. وقولك: (إني أحب الصدوق) لا يعني أنك لا تحب الصادق.
فقد تقول في مقام: (أنا لا أحب الكذوب)، وقد تقول في مقام آخر: (أنا لا أحب الكاذب). وقد تقول في مقام: (أنا أحب الصدوق)، وقد تقول في مقام آخر: (أنا أحب الصادق) بحسب ما يقتضيه المقام.
والبلاغة - كما هو معلوم - إنما هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال. ولذا قال الله مرة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} {النساء: 107}، بصيغة المبالغة {خَوَّانًا}، وقال مرة أخرى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} {الأنفال: 58}، بصيغة اسم الفاعل لا بصيغة المبالغة.
وأخبر الله عن نفسه مرة فقال: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} {الشورى: 23}. فقال: (شكور) بصيغة المبالغة، وقال مرة أخرى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} {البقرة: 158}، بصيغة اسم الفاعل بحسب المقام الذي اقتضى كلا منهما.
فإنه قال في سورة النساء: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} {النساء: 107} فقال: (يختانون) بوزن (يفتعلون) الذي يفيد المبالغة في الخيانة فقال: (خوانًا) بصيغة المبالغة.
ثم ذكر صفات هؤلاء الخوانين بقوله: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} {النساء: 108 – 112}.
فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} ولم يقل: (خائنًا) لأن هؤلاء خوانون، أي مبالغون في الخيانة.
في حين قال تعالى في الأنفال: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} {الأنفال: 58}، فلم يذكر أنهم خانوا وإنما خيفت منهم الخيانة فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} ولم يقل: (إنه لا يحب الخوانين) فإنهم لم يخونوا أصلاً، فإذا خان هؤلاء فسيكونون خائنين، والله لا يحب الخائنين.
فصفات السوء بعضها أشد من بعض والله يبغضها جميعًا، ولكن يبغض المبالغ فيها أشد.
وصفات الخير بعضها أشد من بعض والله يحبها جميعًا، ولكنه يحب المكثر منها أشد.
فالذي يصعر خده للناس ويمشي في الأرض مرحًا هو مبالغ في الصفات المذمومة، فأخبر أن الله لا يحب المبالغين في الصفات المذمومة، ولو قال: (إن الله لا يحب كل خائن فاخر) لم يفهم أن من تقدم مبالغ في الصفات المذمومة. ونحو ذلك أنه قد يبالغ إنسان في الكذب، ويكذب مرة بعد مرة فنقول له: (أنا لا أحب الكذاب) إشارة إلى أنه كثير الكذب.
وتقول: (أنا لا أحب الكاذب) لمن كذب مرة ولم يعتد الكذب.
لقد جمع الله في قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} بين وصفين أحدهما في السلوك وهو المختال، والآخر في القول وهو الفخور.
فأخبر بذلك أنه يبغض الذميم من الفعل والقول.
وهذا جاء بعد قوله: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، ذلك لأن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عليه قبل غيره أن يكون متواضعًا حسن القول والفعل لا يختال ولا يفخر، وهذا من ألزم الأشياء للدعاة والمرشدين.
إن هذا لازم على كل فرد، وهو على الدعاة ألزم وأوجب.
قد تقول لقد قال هنا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}، فأكد الجملة بإن، وقال في سورة الحديد: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} {الحديد: 23} من دون توكيد، فما الفرق؟
والجواب: أن المقام مختلف، فإن المقام في لقمان في بيان آداب المعاملات وحسن التصرف مع الناس فقال: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} {لقمان: 18 – 19}.
فنهاه عن الكبر وعن المشي في الأرض مرحًا وطلب منه القصد في المشي وعدم رفع الصوت فناسب ذلك قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} بالتوكيد.
وأما في سورة الحديد فليس الكلام على ذلك، فهو ليس في بيان آداب المعاملة ولا في العلاقات بين الناس فلم يؤكد ذلك، قال تعالى: {لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} {الحديد: 23}.
ألا ترى أنه لما كان الكلام في سورة النساء على العلاقات بين الناس وإحسان المعاملة لهم أكد التعبير بان كما أكده في لقمان فقال: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} {النساء: 36}.
فأمرنا بإحسان المعاملة مع من ذكر من الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين وإحسان المعاملة إلى الجار حتى انتهى إلى ملك اليمين
فناسب أن يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} بالتوكيد.
فناسب كل تعبير مكانه. والله أعلم.
(1) التحرير والتنوير 21/166.
(2) المحرر الوجيز 11/503.
(3) روح المعاني 21/90.
(4) ينظر لسان العرب (خول) 11/226 – 228.
(5) روح المعاني 21/90.
(6) المحرر الوجيز 11/503.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 445 إلى ص 451.
الوقفة كاملة
|
| ٥٣٩ |
{نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)}
قوله: (قليلًا) يحتمل أنه وصف للمصدر المحذوف، أي مفعول مطلق بمعنى نمتعهم تمتيعًا قليلًا، ويحتمل أنه وصف للزمان المحذوف، أي ظرف زمان بمعنى نمتعهم زمانًا قليلًا، وقد حذف الموصوف ليشمل المعنيين، أي نمتعهم تمتيعًا قليلًا زمانًا قليلًا، وهو من التوسع في المعنى، فلو قال: (نمتعهم تمتيعًا قليلاً) لانحصرت القلة في التمتيع، ولو قال: (نمتعهم زمانًا قليلاً) لانحصرت القلة في الزمان، فحذف الموصوف ليشمل المعنيين جميعًا، والله أعلم.
{ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ}
وصف العذاب بأنه غليظ تنزيلاً للعذاب في منزلة الأشياء الملموسة، وهو مجاز.
وقد تقول: لقد قال في البقرة: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} {البقرة: 126}.
وبين التعبيرين أوجه اختلاف منها:
1- أنه قال في لقمان: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ}، بضمير الجمع للكفرة، وهو المفعول به (هم) في الفعلين.
وقال في البقرة: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} بضمير الإفراد وهو الهاء في الفعلين، مع أنه قال في الآيتين: (ومن كفر).
2- أسند الفعل في لقمان إلى ضمير الجمع المستتر وهو الفاعل، وتقديره (نحن) في الفعلين
وأسنده في البقرة إلى الفاعل المفرد فقال: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} وهو ضمير مستتر تقديره (أنا) في الفعلين.
فيكون كل من الفاعل والمفعول به جمعًا في لقمان، ومفردًا في البقرة.
3- قال في لقمان: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ولم يقل مثل ذلك في البقرة.
4- جعل جواب الشرط في لقمان: {فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ ....}
وجعل جواب الشرط في البقرة: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا}
5- قال في لقمان: {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ}.
وقال في البقرة: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.
فما سبب هذا الاختلاف؟
فنقول: إن سياق كل من الآيتين يوضح سبب ذلك.
أما آية لقمان فقد ذكرنا سياقها.
وأما آية البقرة فهي: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} {البقرة: 126}.
فنقول الآن: أما التعبير عن الكفرة بضمير الأفراد في البقرة وبضمير الجمع في لقمان، وأعني بذلك المفعول به في الفعلين، فذلك أن الكلام في البقرة على أهل بلد واحد وهو مكة، وذلك أن إبراهيم عليه السلام دعا لأهل مكة بقوله: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ .....} فالكلام على من كفر من أهل مكة خاصة.
وأما في لقمان فالكلام عام.
ومن كفر من أهل مكة بالقياس إلى الكفار في عموم أهل الأرض قلة جدًا، فعبر عن القلة بضمير المفرد وعن الكثرة بضمير الجمع. وهناك سبب آخر نذكره في موضعه.
وأما إسناد الفعل في البقرة إلى ضمير الإفراد، وفي لقمان إلى ضمير الجمع، وأعني بذلك الضمير المستر في الفعلين وهو الفاعل فذلك لما ذكرناه من أن ضمير التعظيم يسبقه أو يليه ضمير الإفراد، فكان ما في البقرة واقعًا بعد ضمير الجمع للتعظيم { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ … وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ } فناسب الإفراد بعده.
أما في لقمان فقد وقع بعد الإفراد {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ .... وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ ..... وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} فجاء بضمير الجمع للتعظيم.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه أضاف البيت إلى نفسه فقال: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ....} فناسب أن يتولى بنفسه أهل بيته وحرمه فعبر عن ذلك بضمير الإفراد.
وهناك سبب آخر نذكره في موطنه.
وأما أنه لم يقل في البقرة كما قال في لقمان: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا}، وإنما قال مباشرة: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا} فذلك لأن ذلك جواب عن دعوة إبراهيم عليه السلام {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} فالأمر يتعلق بالرزق وليس بالتبليغ، ولذا جعل الجواب التمتيع.
أما في لقمان فإنه جعل الجواب: {فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ} لأنه في التبليغ، ومن ناحية أخرى أن الكفار حاضرون في زمن الرسول معاندون له فقال: {فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ}.
وأما المذكورون لإبراهيم بقوله: (ومن كفر) فإنهم لم يخلقوا بعد فلا يناسب أن يقول: {فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ}.
وأما قوله في لقمان: {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ}، وقوله في البقرة: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} فذلك أنه ذكر العذاب في البقرة لمن كفر من أهل بلد الله الحرام، والسيئة في الحرم تتضاعف كما أن الحسنة فيه تتضاعف، فالذي يكفر وهو في بلد الله الحرام ليس كمن يكفر خارج البلد الحرام، والذي يعصي ربه في البلد الحرام ليس كمن يعصيه في مكان آخر، ولذلك قال فيمن كفر من أهل البلد الحرام: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} والتصريح بالتعذيب بالنار أشد من التهديد بالعذاب الغليظ. فإنك قد تقول: سأعذبك عذابًا غليظًا ولا تعني أنك ستحرقه بالنار حتمًا.
ومما يدل على ذلك أيضا إسناد الفعل إليه بضمير الإفراد (أمتع... أضطره) فإن التهديد بذلك أشد من قوله: (نمتع، نضطر) وذلك لأنه كأنه يتولاه بنفسه.
ومما يدل على ذلك أيضًا أنه ذكر الكافر بضمير الإفراد وهو الهاء، والتعبير بالإفراد أشد تهديدًا ووعيدًا من تهديد الجمع؛ لأنه يعني أنه يتولى من كفر واحدًا واحدًا فيعذبه، والوحدة في نفسها عذاب وقد أضاف إليها عذاب النار.
فالتهديد والتعذيب لمن كفر في البلد الحرام أشد من عدة نواح، منها:
1- أنه أسند ذلك إلى نفسه بضمير الإفراد فكأنه يتولى التعذيب بنفسه.
2- أنه صرح بعذابهم في النار وبئس المصير.
3- وأنه ذكر الكفار بضمير الإفراد، فكأنه يعذب كل واحد بمفرده فلا يرى معه أحدًا فيكون التعذيب بالنار والوحدة، نعوذ بالله من ذلك جميعًا، والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 472 إلى ص 476.
الوقفة كاملة
|
| ٥٤٠ |
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25)}
قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ} باللام الموطئة للقسم، ولم يقل: (وإن سألتهم)، ويؤتى بهذه اللام للدلالة على التوكيد وأن الكلام معها بمنزلة القسم، بل هو قسم عند النحاة.
وهذا يدل على أنهم يعلمون يقينًا أن الذي خلق السماوات والأرض إنما هو الله لا يشكون في ذلك ولا يترددون في الإجابة، ولذا أجاب بما يجاب به القسم {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} باللام ونون التوكيد.
وقال: {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} والتقدير (ليقولن خلقهن الله) غير أنه لم يذكر الفعل (خلقهن) إيجارًا.
إن كل الآيات التي سألهم فيها: من خلق السماوات والأرض أو من خلقهم قال الله فيها: (ليقولن الله) من دون أن يقول: (خلقهن الله) أو (خلقنا الله) إلا آية واحدة ذكر فيها الفعل وهي قوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} {الزخرف: 9}.
فقال: {خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ}.
إن المعنى معلوم سواء ذكر الفعل أم لم يذكر لتقدم ما يدل عليه، غير أنه يحذف إذا أراد الإيجاز ويذكر إذا أراد أن يتوسع في الكلام ويؤكد
وقد ذكر الفعل في آية الزخرف؛ لأنه أراد أن يتوسع في الكلام على الخلق فقال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} {الزخرف: 9 – 13}.
فذكر الفعل (خلقهن) لأنه ذكر بعده ما يتعلق بالخلق.
أما الآيات التي لم يذكر فيها الفعل (خلق) في الجواب فإنه لم يتحدث عن الخلق بعدها، وقد لا يقول غير (الحمد لله)، وإليك بيان ذلك:
قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} {العنكبوت: 61}، ولم يذكر شيئًا عن الخلق، وقال بعدها: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} {العنكبوت: 62}، فذكر بعدها ما يتعلق بالرزق لا بالخلق.
وقال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} {لقمان: 25}، وانتقل بعدها إلى أمر آخر غير الخلق فقال: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} {لقمان: 26}، فذكر الملك ولم يذكر الخلق، وليس من اللازم أن يكون المالك خالقًا، فقد يملك الشخص أشياء ليس هو خالقها أو صانعها.
وقال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} {الزمر: 38}، ولم يذكر بعدها شيئًا يتعلق بالخلق، وإنما انتقل إلى ما يعبدونه من دون الله فقال: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} {الزمر: 38}.
وقال في موطن آخر من سورة الزخرف: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} {الزخرف: 87}، ولم يذكر شيئًا يتعلق بالخلق، وإنما قال بعدها: {وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ} {الزخرف: 88}.
فناسب ذكر (خلقهن) في آية الزخرف التاسعة دون بقية الآيات، والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 476 إلى ص 478.
* * *
{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ}
لأن الحجة قامت عليهم ولزمتهم وأبرأت نفسك أمام الله، وقل الحمد لله الذي هدانا للحق ولم نكن مثلهم فنكون ممن يدعوهم الشيطان إلى عذاب السعير. وقل الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، فهو مستحق الحمد كله ومستحق العبادة وحده.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 478 إلى ص 478.
* * *
{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}
لا يعلمون أن الذي خلق السماوات والأرض هو وحده المستحق للعبادة وأنه لا شريك له.
إنهم يعلمون شيئًا مهمًا وهو أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض ولكن لا يعلمون ماذا ينبني على هذا العلم. إنهم كمن يعلم البديهيات ولا يعلم ما ينبني عليها.
مثلهم في ذلك - ولله المثل الأعلى - مثل من يعرف أباه، وأنه هو الذي رباه وأنفق عليه وأغدق عليه النعم وأنه لا يزال يتعهده وينفق عليه ولكنه مع ذلك لا يعلم أن عليه أن يطيعه ويشكره، فيطيع ويشكر من لا فضل له ولا منة ولا نعمة، بل هو يطيع عدوه وعدو والده، وقد ذكره أبوه بما يعلم وماذا عليه من الحقوق تجاهه فأبى عليه مع كل ذلك.
فأي جحود هذا وما قيمة العلم بفضل أبيه عليه؟!.
جاء في (روح المعاني): "{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان ما هم عليه من إشراك غيره تعالى به جل شأنه في العبادة التي لا يستحقها غير الخالق والمنعم الحقيقي...
{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أن ذلك يلزمهم، وفيه إيغال حسن، كأنه قال سبحانه: وإن جهلهم انتهى إلى أن لا يعلموا أن الحمد لله" (1).
قد تقول: لقد قال في لقمان: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} فنفى عنهم العلم.
وقال في سورة العنكبوت: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} {العنكبوت: 63}، فنفى عنهم العقل، والذم بعدم العقل أشد من الذم بعدم العلم، ذلك أن نفي العقل يعني المساواة بالبهائم. فإن ذا العقل يتعلم، أما فاقد العقل فلن يتعلم، فما سبب هذا الاختلاف؟.
والجواب: أن السياق في كل من الموطنين يوضح ذلك:
قال في لقمان: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}.
وقال في العنكبوت: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} {العنكبوت: 61 – 63}.
ومن النظر في النصين نرى أنه سألهم في لقمان سؤالًا واحدًا وهو: من خلق السماوات والأرض؟
وسألهم في العنكبوت عدة سؤلات: من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر؟ ومن نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها؟.
وأجابوا عن كل ذلك أنه الله.
فمعرفتهم بكل ذلك مع إيمانهم بوحدانيته تعالى دليل على عدم عقلهم. فإنهم يؤمنون بكل المسلمات الأساسية للتوحيد ومع ذلك لم يستطيعوا الإيمان به، أي بالتوحيد.
ومعنى هذا أنه ليس عندهم من العقل ما يترقون به من المسلمات إلى النتائج الظاهرة، ولو كان عندهم شيء من العقل لأدركوا أن من يفعل ذلك كله هو المستحق بأن يفرد بالعبادة منزها عن الشريك.
أما في لقمان فإن السؤال الذي سألهم إياه هو أحد السؤلات التي سألها في العنكبوت فكان الأمر أيسر، فرماهم بما هو أيسر وهو نفي العلم دون العقل، والله أعلم.
(1) روح المعاني 21/96.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 478 إلى ص 480.
الوقفة كاملة
|