عرض وقفة أسرار بلاغية

  • ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿٢٤﴾    [لقمان   آية:٢٤]
{نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)} قوله: (قليلًا) يحتمل أنه وصف للمصدر المحذوف، أي مفعول مطلق بمعنى نمتعهم تمتيعًا قليلًا، ويحتمل أنه وصف للزمان المحذوف، أي ظرف زمان بمعنى نمتعهم زمانًا قليلًا، وقد حذف الموصوف ليشمل المعنيين، أي نمتعهم تمتيعًا قليلًا زمانًا قليلًا، وهو من التوسع في المعنى، فلو قال: (نمتعهم تمتيعًا قليلاً) لانحصرت القلة في التمتيع، ولو قال: (نمتعهم زمانًا قليلاً) لانحصرت القلة في الزمان، فحذف الموصوف ليشمل المعنيين جميعًا، والله أعلم. {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} وصف العذاب بأنه غليظ تنزيلاً للعذاب في منزلة الأشياء الملموسة، وهو مجاز. وقد تقول: لقد قال في البقرة: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} {البقرة: 126}. وبين التعبيرين أوجه اختلاف منها: 1- أنه قال في لقمان: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ}، بضمير الجمع للكفرة، وهو المفعول به (هم) في الفعلين. وقال في البقرة: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} بضمير الإفراد وهو الهاء في الفعلين، مع أنه قال في الآيتين: (ومن كفر). 2- أسند الفعل في لقمان إلى ضمير الجمع المستتر وهو الفاعل، وتقديره (نحن) في الفعلين وأسنده في البقرة إلى الفاعل المفرد فقال: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} وهو ضمير مستتر تقديره (أنا) في الفعلين. فيكون كل من الفاعل والمفعول به جمعًا في لقمان، ومفردًا في البقرة. 3- قال في لقمان: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ولم يقل مثل ذلك في البقرة. 4- جعل جواب الشرط في لقمان: {فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ ....} وجعل جواب الشرط في البقرة: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا} 5- قال في لقمان: {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ}. وقال في البقرة: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}. فما سبب هذا الاختلاف؟ فنقول: إن سياق كل من الآيتين يوضح سبب ذلك. أما آية لقمان فقد ذكرنا سياقها. وأما آية البقرة فهي: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} {البقرة: 126}. فنقول الآن: أما التعبير عن الكفرة بضمير الأفراد في البقرة وبضمير الجمع في لقمان، وأعني بذلك المفعول به في الفعلين، فذلك أن الكلام في البقرة على أهل بلد واحد وهو مكة، وذلك أن إبراهيم عليه السلام دعا لأهل مكة بقوله: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ .....} فالكلام على من كفر من أهل مكة خاصة. وأما في لقمان فالكلام عام. ومن كفر من أهل مكة بالقياس إلى الكفار في عموم أهل الأرض قلة جدًا، فعبر عن القلة بضمير المفرد وعن الكثرة بضمير الجمع. وهناك سبب آخر نذكره في موضعه. وأما إسناد الفعل في البقرة إلى ضمير الإفراد، وفي لقمان إلى ضمير الجمع، وأعني بذلك الضمير المستر في الفعلين وهو الفاعل فذلك لما ذكرناه من أن ضمير التعظيم يسبقه أو يليه ضمير الإفراد، فكان ما في البقرة واقعًا بعد ضمير الجمع للتعظيم { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ … وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ } فناسب الإفراد بعده. أما في لقمان فقد وقع بعد الإفراد {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ....  وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ ..... وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} فجاء بضمير الجمع للتعظيم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه أضاف البيت إلى نفسه فقال: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ....} فناسب أن يتولى بنفسه أهل بيته وحرمه فعبر عن ذلك بضمير الإفراد. وهناك سبب آخر نذكره في موطنه. وأما أنه لم يقل في البقرة كما قال في لقمان: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا}، وإنما قال مباشرة: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا} فذلك لأن ذلك جواب عن دعوة إبراهيم عليه السلام {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} فالأمر يتعلق بالرزق وليس بالتبليغ، ولذا جعل الجواب التمتيع. أما في لقمان فإنه جعل الجواب: {فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ} لأنه في التبليغ، ومن ناحية أخرى أن الكفار حاضرون في زمن الرسول معاندون له فقال: {فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ}. وأما المذكورون لإبراهيم بقوله: (ومن كفر) فإنهم لم يخلقوا بعد فلا يناسب أن يقول: {فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ}. وأما قوله في لقمان: {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ}، وقوله في البقرة: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} فذلك أنه ذكر العذاب في البقرة لمن كفر من أهل بلد الله الحرام، والسيئة في الحرم تتضاعف كما أن الحسنة فيه تتضاعف، فالذي يكفر وهو في بلد الله الحرام ليس كمن يكفر خارج البلد الحرام، والذي يعصي ربه في البلد الحرام ليس كمن يعصيه في مكان آخر، ولذلك قال فيمن كفر من أهل البلد الحرام: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} والتصريح بالتعذيب بالنار أشد من التهديد بالعذاب الغليظ. فإنك قد تقول: سأعذبك عذابًا غليظًا ولا تعني أنك ستحرقه بالنار حتمًا. ومما يدل على ذلك أيضا إسناد الفعل إليه بضمير الإفراد (أمتع... أضطره) فإن التهديد بذلك أشد من قوله: (نمتع، نضطر) وذلك لأنه كأنه يتولاه بنفسه. ومما يدل على ذلك أيضًا أنه ذكر الكافر بضمير الإفراد وهو الهاء، والتعبير بالإفراد أشد تهديدًا ووعيدًا من تهديد الجمع؛ لأنه يعني أنه يتولى من كفر واحدًا واحدًا فيعذبه، والوحدة في نفسها عذاب وقد أضاف إليها عذاب النار. فالتهديد والتعذيب لمن كفر في البلد الحرام أشد من عدة نواح، منها: 1- أنه أسند ذلك إلى نفسه بضمير الإفراد فكأنه يتولى التعذيب بنفسه. 2- أنه صرح بعذابهم في النار وبئس المصير. 3- وأنه ذكر الكفار بضمير الإفراد، فكأنه يعذب كل واحد بمفرده فلا يرى معه أحدًا فيكون التعذيب بالنار والوحدة، نعوذ بالله من ذلك جميعًا، والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 472 إلى ص 476.