أسرار بلاغية
| ٣٦١ | {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)} والمعنى: إذا كان إنذارك لا ينفع من حق عليه القول فإن الإنذار ينفع من يتبع الذكر ويخشى الرحمن بالغيب، أي ينفع من كان حيًا يؤثر فيه الإنذار، وينفع أيضًا من اتبع الذكر وهو القرآن والوعظ وخشي الرحمن بالغيب وهو المؤمنون. فالإنذار ينفع طائفتين: طائفة المؤمنين المتبعين للذكر الخاشين للرحمن، فإن الإنذار يزيدهم إيمانًا وتمسكًا وحذرًا وخوفًا مما تنذرهم إياه. وطائفة أخرى وهي التي لها قلب وسمع وبصر فتدخل في زمرة أهل الإيمان، وهذا شأن كثير ممن أنذروا، فإنهم فارقوا دينهم وأمنوا بدين الله. وعلى هذا يكون المعنى: إنما تنذر إنذارًا نافعًا من اتبع الذكر، فمع هؤلاء يحصل المطلوب من الإنذار ومقصوده. والذكر هو القرآن والمواعظ وكل ما يذكر به المرء. وقد تقول: إنه عبر بالفعل الماضي فقال: {اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ} فهذا يخص طائفة المؤمنين ولا يشمل من لم يدخل الإيمان قلبه بعد. فنقول: إن الفعل الماضي قد يعبر به عن المستقبل كقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} {البقرة: 150} أي تخرج، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} {البقرة: 159 – 160}. أي إلا الذين يتوبون ويصلحون ويبينون بعد الكتمان، فعبر عن الكتمان بالفعل المضارع فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ}، وعبر عن التوبة والاصلاح والتبين بعد الكتمان بالفعل الماضي فقال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا}، فإذا كان الكتمان مضارعًا فلا شك أن التوبة منه والتبيين يكونان بعده، ولكنه عبر عن ذلك بالفعل الماضي. جاء في (الكشاف) أن قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ}: "على معنى: إنما تحصل البغية بإنذارك من غير هؤلاء المنذرين وهم المتبعون للذكر، وهو القرآن أو الوعظ، الخاشون ربهم" (1). وجاء في (البحر المحيط): "إنما تنذر، إي إنذارًا ينفع من اتبع الذكر وهو القرآن. قال قتادة: أو الوعظ" (2). وجاء في (التفسير الكبير): "قال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}. والترتيب ظاهر، وفي التفسير مسائل: (المسألة الأولي): قال من قبل (لتنذر) وذلك يقتضي الإنذار العام على ما بينا. وقال: {إِنَّمَا تُنْذِرُ} وهو يقضي التخصيص فكيف الجمع بينهما؟ نقول من وجوه: (الأول): هو أن قوله (لتنذر) أي كيفما كان، سواء كان مفيدّا أو لم يكن. وقوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ} أي الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة إلى من يتبع الذكر ويخشى. (الثاني): هو أن الله تعالى لما قال إن الإرسال والإنزال، وذكر أن الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى أهل العناد، قال لنبيه: ليس إنذارك غير مفيد من جميع الوجوه فأنذر على سبيل العموم، وإنما تنذر بذلك الإنذار العام من يتبع الذكر، كأنه يقول: يا محمد إنك بإنذارك تهدي ولا تدري من تهدي فأنذر الأسود والأحمر ومقصودك من يتبع إنذارك وينتفع بذكراك" (3). وجاء في (روح المعاني) أن "{اتَّبَعَ} بمعني (يتبع)، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع أو المعنى إنما ينفع إنذارك المؤمنين الذين اتبعوا. ويكون المراد بمن اتبع المؤمنين، وبالإنذار: الإنذار عما يفرط منهم بعد الاتباع فلا يلزم تحصيل الحاصل. وقيل: المراد من اتبع في علم الله وهم الأقلون الذين لم يحق القول عليهم" (4). وقال: {اتَّبَعَ الذِّكْرَ} ولم يقل: (تبع) للدلالة على المبالغة في الاتباع والاجتهاد فيه، ولذا أتبعه بقوله: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} فإن الذي يخشى الرحمن بالغيب هو متبع اتباعًا جادًا وليس اتباعًا على ضعف. والذي يبشر بمغفرة وأجر كريم هو المتبع لا مجرد التابع. فهؤلاء هم الذين يحصل معهم المقصود من الإنذار. (1) الكشاف 2/583. (2) البحر المحيط 7/325. (3) التفسير الكبير 26/47. (4) روح المعاني 22/217. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 41 إلى ص 44. * * * {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} هذا فيه معان وأوجه: منها: أنه يدل على أنه خشي الرحمن وإن لم يشاهده، فكما آمن به بالغيب خشية بالغيب. وهذا من تمام الإيمان، ذلك أن الناس عادة يخشون من يشاهدهم ويشاهدونه ويعلمونه أنه مراقب أفعالهم، فإن غاب عن أعينهم ذهبت الخشية منه. أما هذا فإنه يخشى الرحمن بالغيب لأنه يعلم أنه حاضر معه شاهد عليه يراقب أفعاله وإن غاب عن بصره. ومن معاني هذا التعبير أيضًا أنه خشي عقاب الرحمن الذي حذر عباده يوم القيامة وهو غيب. ومعنى خشية الرحمن: خشية عقابه، وهذا من معاني خشية الرحمن بالغيب أيضًا. ومن معانيه أيضًا أنه يخشى الرحمن إذا غاب عن أعين الناس والمشاهدين له. فكثير من الناس يفعلون أفعالًا إذا خلوا إلى أنفسهم لا يفعلونها إذا شاهدهم الناس. والمعنى أنه إذا أمن مراقبة الناس واطلاعهم عليه خشي الرحمن فلا يفعل إلا ما يرضيه. فهذا كله من معاني خشية الرحمن بالغيب، وباستكمالها تكون خشيته بالغيب. جاء في (التفسير الكبير): "وقوله: (بالغيب) يعني بالدليل وإن لم ينته إلى درجة المرئي المشاهد، فإن عند الانتهاء إلى تلك الدرجة لا يبقى للخشية فائدة. والمشهور أن المراد به بالغيب ما غاب عنا وهو أهوال القيامة، وقيل: إن الوحدانية تدخل فيه" (1). وجاء في ( البحر المحيط): "{بِالْغَيْبِ} أي الخلوة عند مغيب الإنسان عن عيون البشر" (2). وجاء في (روح المعاني): "{بِالْغَيْبِ} حال من المضاف المقدر في نظم الكلام... أي خشي عقاب الرحمن حال كون العقاب ملتبسًا بالغيب، أي غائبًا عنه، وحاصله خشي العقاب قبل حلوله ومعاينة أهواله. ويجوز أن يكون حالًا من فاعل (خشي) أي خشي عقاب الرحمن غائبًا عن العقاب غير مشاهد له، أو خشي غائبًا عن أعين الناس غير مظهر الخشية لهم لأنها علانية قلمًا تسلم عن الرياء" (3). قالوا: وذكر اسمه (الرحمن) مع الخشية دون غيره من أسمائه الحسنى لأكثر من سبب، منها: 1- أنه قد يسبق إلى الذهن أن الرحمن لا يعاقب لأن رحمته واسعة وأنها سبقت غضبه، فيسبق إلى نفسه الرجاء وينسى الخشية، فذكر ذلك لئلا يغتر مغتر برحمته. 2- أن الرحمة تورث الاتكال، فقرنه بالخشية لئلا يتكل على رحمته وينسى عقابه. 3- أن من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر ينبغي أن يكون الخوف منه أتم وذلك لئلا يقطع عنه نعمته. 4- وهناك أمر آخر، وهو أن جو السورة تشيع فيه الرحمة وذكرها، وقد بنيت السورة على العزة والرحمة كما ذكرنا في قوله تعالى: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} والعزيز ينبغي أن يخشى، فقوله: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} جمع بين العزة والرحمة. 5- وفيه توجيه إلى أن الرحمة ينبغي أن تكون مقرونة بخشية الراحم، فلا يصح الاتصال بالرحمة وحدها. فالرحمة وحدها قد تكون ضعفًا وقد يكون الاتصاف بها ذمًا ونقصًا، فهو توجيه إلى المربين ليجمعوا بين الرحمة والخشية من الراحم، وبين الربوبية والخشية من الرب، وبين الرحمة والعقوبة. ولذا قال تعالى: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} {مريم: 45}، وقال: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} {الحجر: 49 – 50}. وجاء في (التفسير الكبير): "وقوله: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ} فيه لطيفة وهي أن الرحمة تورث الاتكال والرجاء فقال مع أنه رحمن ورحيم فالعاقل لا ينبغي أن يترك الخشية، فإن كل من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر فالخوف منه أتم، مخافة أن يقطع عنه النعم المتواترة. و(تكملة اللطيفة): هي أن من أسماء الله اسمين يختصان به هما الله والرحمن كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} {الإسراء: 110}، حتى قال بعض الأئمة: هما علمان إذا عرفت هذا فالله ينبئ عن الهيبة والرحمن ينبئ عن العاطفية، فقال في موضع: (يرجو الله) وقال هنها: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ} يعني: مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا عنه رجاءكم، ومع كونه ذا رحمة لا تأمنوه" (4). وجاء في (البحر المحيط): "و{وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ} أي المتصف بالرحمة مع أن الرحمة قد تعود إلى الرجاء ولكنه مع علمه برحمته هو يخشاه خوفًا من أي يسلبه ما أنعم به عليه" (5). وجاء في (روح المعاني) : "و{وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ} أي عقابه ولم يغتر برحمته عز وجل، فإنه سبحانه مع عظيم رحمته أليم العذاب كما نطق به قوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} {الحجر: 49 – 50}. ومما قرر يعلم سر ذكر الرحمن مع الخشية دون القهار ونحوه" (6). وقد تقول: ولم قال هنها: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} مع أنه قال في أكثر من موطن: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} من دون ذكر للغيب؟. والجواب أن كل تعبير مناسب لموطنه الذي هو فيه، ذلك أن قوله: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} مطلق أي يخشونه خشية مطلقة على كل حال سواء كانت بالغيب أم لا. وقوله: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} مقيد، أي أن الخشية تكون بالغيب، أي عند غيبتهم عن عيون الناس. وإيضاح ذلك أنه إذا كان المقصود بالغيب أنه يخشى ربه وإن لم يشاهده أو أنه يخشى عذابه يوم القيامة فإن الخشية كلها فيه سواء قال: (بالغيب) أم لم يقل. وإذا كان المقصود بالغيب بمعنى الغيبة عن عيون الناس فإن هذه الخشية تكون مقيدة، وقوله: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} من دون ذكر للغيب يكون مطلقًا عامًا، أي سواء كان الخاشي أمام الناس أم لا. وعلى هذا يكون قوله: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} هي حالة من حالات الخشية العامة، وهي جزء منها، فتلك خشية عامة مطلقة سواء كانت أمام الناس أم لا، وهذه مقيدة. فالخشية العامة هي الخشية بالغيب وزيادة. فإذا كان المقام يقتضي ذكر الخشية العامة من دون تقييد ذكرها مطلقة ولم يقيدها. وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ }{الأنبياء: 48 – 49}. وقال: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} {فاطر: 18}. وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} {الملك: 12}. وقال: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} {ق: 32 – 33}. وقال: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} {يس: 11}. فهذه كلها ذكر فيها الخشية بالغيب. في حين قال: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} {الرعد: 21}. وقال: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} {الزمر: 23}. فلم يذكر الخشية بالغيب وإنما أطلقها في الموطنين. أما أية الزمر فإن الأمر فيها واضح، إذ لا داعي فيها للتقيد، فإنه قال: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} واقشعرار الجلود ولينها ولين القلوب أمر غائب عن الآخرين ولا يشعر به إلا صاحبه أم الآخرون فلا يعلمونه، ولا يختلف الأمر سواء كان ذلك وحده أم مع الآخرين فلا يعلمونه، ولا يختلف الأمر سواء كان ذلك وحده أم مع الآخرين فلا داعي لتقييد الخشية بالغيب. وأما آية الرعد فإننا نذكر السياق الذي وردت فيه. قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} {الرعد: 19 – 24}. ومن النص يظهر ما يأتي: 1- أنه وصفهم بأنهم أولو الألباب وقصر عليهم التذكر فقال: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}، والمعنى أنه لا يتذكر إلا أولو الألباب. 2- ذكر أنهم يوفون بعهد الله، وهو وصف عام يشمل الالتزام بجميع الفروض وتجنب جميع المعاصي (7). 3- وأنهم لا ينقضون الميثاق. 4- يصلون ما أمر الله به أن يوصل. 5- يخشون ربهم. 6- يخافون سوء الحساب. 7- أنهم صبروا ابتغاء وجه ربهم. 8- أقاموا الصلاة. 9- أنفقوا مما رزقهم الله سرًا وعلانية، وهذا يدل على الخشية بالغيب وزيادة. 10- يدرؤون بالحسنة السيئة. وذكر جزاءهم على النحو الآتي: 1- أن لهم عقبى الدار وهي جنات عدن يدخلونها هم. 2- ويدخلها معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. 3- والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. 4- يحيونهم بقولهم: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وإذا نظرنا في جميع الآيات التي ورد فيها قوله: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} وجدنا أنها تشمل جزءًا مما ذكر في آيات الرعد. فكما أن الخشية بالغيب جزء من الخشية العامة المطلقة أدرج في مواطن الخشية بالغيب جزءًا مما ذكر في الخشية العامة، فناظر بينهما في الإطلاق والتقييد، والجزئية والكلية، وإليك إيضاح ذلك: 1- ذكر في سورة الأنبياء أنه مما آتى موسى وهارون: - ذكرًا للمتقين. - الذين يخشون ربهم بالغيب. - من الساعة مشفقون. فما في آية الأنبياء جزء مما ذكر في آيات الرعد، والخشية في الرعد تشمل الخشية بالغيب وزيادة. 2- ذكر في آية فاطر أمرين: - يخشون ربهم بالغيب. - أقاموا الصلاة. 3- ذكر في آية الملك: - يخشون ربهم بالغيب. 4- ذكر في سورة ق: - أزلقت الجنة للمتقين. - وهم كل أواب. - حفيظ. - من خشي الرحمن بالغيب. - جاء بقلب منيب. ومن الملاحظ في آيات (ق) هذه أنه لم يذكر أعمالًا بدنية ظاهرة كالصلاة والإنفاق ودرء السيئة بالحسنة وغيرها. وأن الجزاء أقل مما في الرعد. 5- ذكر في سورة يس: - اتبع الذكر. - خشي الرحمن بالغيب. وقوله {اتَّبَعَ الذِّكْرَ} أمر عام يشمل عموم الاتباع. ونظيره في آيات الرعد {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} فإنه يشمل جميع ما عهد الله في كتبه. فما ذكر في الرعد أكثر تفصيلًا، وقد شمل ما في آية (يس) تفصيلًا على جهة الإحسان في الاتباع وليس مجرد الاتباع. يوضح ذلك أن الله تعالى قال في صفات المتقين: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} {البقرة: 3}، وهذا اتباع. وقال هنها: {وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} {الرعد: 22}، وهذا من الإحسان في الاتباع وليس مجرد الاتباع. وقال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُهَا} {الشورى: 40} وهذا اتباع، وقال: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} {الشورى: 40} وهذا أمثل في الاتباع وأحسن. وقال هنها: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} {الرعد: 22} وهذا أعلى وأكمل وأمثل في الاتباع وأحسن مما قبله، ذلك أنه لم يعف فقط وإنما درأ السيئة بالحسنة. ثم إن الجزاء في آيات الرعد أعلى مما ذكر في سورة (يس)، فقد قال في سورة( يس): {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} وذكر في سورة الرعد: أن لهم عقبى الدار جنات عدن... إلخ. وهذا أعلى مما ذكر في سورة (يس) فإنه ذكر في سورة (يس) الأجر ولم يذكر الجنة، والأجر لا يعني الجنة نصًا، وإنما هو الجزاء على العمل ويكون الأجر على حسب العمل. قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} {النساء: 66 – 68}، فالأجر العظيم هنا لا يعني الجنة، وإنما هو الثواب على العمل، ولذلك قال بعدها: {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}. وقال: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} {المزمل: 20}، إذا لا يصح أن يقال هنا إن الأجر هو الجنة، ألا تري أنه لا يقال (هو خيرًا وأعظم جنة)؟ فما ذكر في آيات الرعد من الصفات والجزاء أعلى وأكمل. من هذا يتضح أن قوله: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} {الرعد: 21} أعم وأشمل من قوله: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ}. قد تقول: إنك تعني أن الذين قيل فيهم: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أعلى وأمثل ممن قيل فيهم: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} ونحن لا يبدو لنا هذا الأمر. فنقول: هذا أشمل لأنه يشمل الخشية بالغيب وغيرها. وقد تكون الخشية بالحضور أعلى من الخشية بالغيب عن الناس، ذلك أن قسمًا من الناس ضعاف النفوس لا يحبون أن يتهموا بالتدين والرجعية والجمود أن بالتعقيد، فيتهاون ويعمل أمام الملأ أعمالًا لا ترتضيها نفسه، ولو خلي بينه وبين نفسه لم يفعلها. فمثلًا: إن هناك من يقول: أنا لست صائمًا تدينًا وإنما لأمر يتعلق بالصحة لأنه يخجل أن يقول: أنا صائم تدينًا. وآخر يقول: أنا لا أمتنع عن الخمر تدينًا ولكن لأنها مذهبة للعقل والصحة. وهناك آخرون يفعلون أفعالًا محرمة بدافع المجاملة ونفوسهم تشعر بالإثم والحرج، ولو تركوا وأنفسهم لم يفعلوها كشرب الخمر أو غيره من المعاصي، كما قال تعالى عن قسم من أهل النار: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} {المدثر: 45}، وعن آخر يقول لصاحبه: {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} {الزخرف: 38}، ونحو ذلك. فإظهار الخشية من الله أمام هؤلاء أكمل وأمثل وأعلى من الخشية بالغياب عن عيون الناس؛ لأن فيها إظهارًا وتعظيمًا لشعائر الله وتقوية لضعفاء الدين، وقمعًا للذين يجاهرون بمحاربة الله ورسوله. وعلى هذا تكون الخشية المطلقة أشمل وأكمل. ومعنى الخشية المطلقة: الخشية بالغيب والخشية بالمشاهدة. ثم لنلاحظ من ناحية أخرى في قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} أنه ذكر نوعين من العبادة: عبادة ظاهرة وهي قوله تعالى: {اتَّبَعَ الذِّكْرَ}، وعبادة قلبية وهي قوله: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ}، وذكر نوعين من الجزاء: المغفرة والأجر الكريم. والمغفرة هي ما يتعلق بالذنوب. والأجر الكريم ما يتعلق بالعمل الصالح. فشمل ذلك كل أنواع العمل سواء كان سيئًا أم صالحًا. فالعمل السيء مغفور لهؤلاء، والعمل الصالح مكافأ عليه بالأجر الكريم وهو أحسن تقسيم وأنسبه. جاء في (البحر المحيط): "ولما أحدث فيه النذارة بشره بمغفرة لما سلف وأجر كريم على ما أسلف من العمل الصالح وهو الجنة" (8). وجاء في (روح المعاني): {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} عظيمة لما سلف، وقيل: لما يفرط منه، {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} حسن لا يقادر قدره لما أسلف" (9). (1) التفسير الكبير 26/47. (2) البحر المحيط 7/325. (3) روح المعاني 22/217. (4) التفسير الكبير 26/47 – 48. (5) البحر المحيط 7/325. (6) روح المعاني 22/217. (7) البحر المحيط 5/382. (8) البحر المحيط 7/325. (9) روح المعاني 22/217. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 44 إلى ص 55. الوقفة كاملة |
| ٣٦٢ | {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)} * * * {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} قالوا: إن أصول الإيمان ثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر (1)، وقد ذكرها كلها في هذه الآيات. فإن الرسالة تقتضي مرسلًا وهذا يدل على التوحيد وقد نص على ذلك قوله: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} . وقد ذكر الرسالة بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين....} . وقوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} يدل على الحشر. وارتباط هذه الآية بما قبلها واضح، ذلك أن عاقبة الإنذار والتبشير اللذين ذكرهما قبل هذه الآية بقوله: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ....} وقوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} إنما تكون في الحياة بعد الموت، فكان ذكرها ترغيبًا وترهيبًا وهو أنسب شيء. جاء في (التفسير الكبير): "في الترتيب وجوه: أحدها: أن الله تعالى لما بين الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمنًا مسلمًا ذكر أصلًا آخر وهو الحشر. وثانيها: وهو أن الله تعالى لما ذكر الإنذار والبشارة بقوله: {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال: إن لم ير في الدنيا فالله يحيي الموتى ويجزي المنذرين ويجزي المبشرين. وثالثها: أنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى" (2). وجاء في (روح المعاني): "{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} إلخ تذليل عام للفريقين المصممين على الكفر والمشفقين بالإنذار ترهيبًا وترغيبًا ووعيدًا ووعدًا" (3). وقد أكد الضمير المتقدم بـ (إن) مع ذكر ضمير الفصل (نحن) لإفادة القصر وللتقوية، ذلك أن الله وحده هو الذي يحيي الموتى لا غيره ولا يشاركه في هذا أحد فقدم الضمير لذلك، وأعني الضمير المؤكد بـ (إن). وكان الأصل أن يقال من غير توكيد: نحن نحيي الموتى. ولكنه أكد الضمير بـ (إن) وجاء بضمير الفضل توكيدًا وتقوية، ذلك أن الكفار لا يقرون بالحشر ولا يؤمنون بالحياة بعد الموت وكانوا يقولون: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} {الجاثية: 24}. فأكد هذا الحكم بـ (إن) وبضمير الفصل، فأفاد هذا التعبير حصرًا وتوكيدًا. جاء في (روح المعاني): "وتكرير الضمير لإفادة الحصر أو للتقوية... وضمير العظمة للإشارة إلى جلالة الفعل. والتأكيد للاعتناء بأمر الخبر أو لرد الإنكار، فإن الكفرة كانوا يقولون: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} {المؤمنون: 37}، أي إنا نحن نحيي الأموات جميعًا ببعثهم يوم القيامة" (4). وقد تقول: ولم لم يؤكد باللام أيضًا كما فعل في موطن آخر، فقد قال في سورة الحجر: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} {الحجر: 23}؟ والجواب: أن كل موطن يقتضي ما ذكر. فإنه ذكر في سورة الحجر من مظاهر قدرته وفصل فيها ما لم يذكره في سورة (يس). فقد قال في سورة الحجر: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} {الحجر: 16 – 23}. في حين لم يذكر شيئًا من ذلك في سورة (يس)، فاقتضى ذلك أن يذكر اللام توكيدّا ومناسبة لمقام التفصيل. فناسب الإيجاز الإيجاز، والتفصيل التفصيل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه فصل في ذكر الحشر في سورة الحجر ما لم يفصله في سورة (يس). فقد قال في الحجر: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}. في حين لم يزد في سورة (يس) على قوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}، ثم يتنقل إلى موضوع آخر. فناسب مقام الحشر وذكره بصورة أوسع مما في (يس) أن يزيد في توكيده. ومن ناحية ثالثة: أن الخطاب في سورة يس قبل وبعد الآية للرسول. ويبدأ ذلك بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) …. لِتُنْذِرَ قَوْمًا ..... وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ .... إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ .... فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} ثم تأتي الآية بعدها: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا...} في حين أن الخطاب في الحجر لعموم الخلق كما هو ظاهر، ولا شك أن عموم الخلق بهم حاجة إلى تأكيد الحشر أكثر من الرسول ، فناسب ذلك الزيادة في التأكيد في آية الحجر من كل وجه، والله أعلم. (1) انظر التفسير الكبير 26/48، البحر المحيط 7/325. (2) التفسير الكبير 26/48. (3) روح المعاني 22/218. (4) روح المعاني 22/218. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 55 إلى ص 58. * * * {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ} أي نكتب ما قدموا من الأعمال الصالحة وغيرها. (وآثارهم) أي ما أبقوه بعدهم من أعمال البر أو غيرها من أعمال السوء. فإن الإنسان قد يعمل عملًا فيه فائدة للمسلمين يبقي بعده كتأليف كتاب، أو بناء مسجد، أو تأسيس مدرسة تعلم الناس أمور دينهم، أو تأسيس جماعة تدعو إلى الله، أو سن سنة حسنة فتكتب له حسنات بقدر ما ينتفع بها حيث انتفع بها. أو بالعكس فإنه قد يعمل عملًا فيه إضرار بالمسلمين من سن مظلمة، أو ابتدع بدعة سيئة، أو نشر أفكار ضارة بالمسلمين، أو معادية للإسلام، أو إظهار معصية، وما إلى ذلك من أعمال السوء، فإنه تكتب عليه أوزار ذلك بقدر ما أحدثت من أضرار حيث أضرت. فإنه ليست الأعمال وحدها هي التي تكتب بل تكتب أثار تلك الأعمال من خير أو شر. قال : (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا) وجاء في (الكشاف): "{وَنَكْتُبُ مَا} أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها، وما هلكوا عنه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو حبيس حبسوه أو بناء بنوه من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك، أو سيء كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدث فيها تخسيرهم، وشيء أحدث فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاه، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها. ونحوه قوله تعالى: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} {القيامة: 13}، أي قدم من أعماله وأخر من أثاره. وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد... وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلًا شيئًا لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح" (1). وجاء في (روح المعاني): "{وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} ما أسلفوه من الأعمال الصالحة والطالحة، (وأثارهم) التي أبقوها بعدهم من الحسنات كعلم علموه... وغير ذلك من وجوه البر، ومن السيئات كتأسيس قوانين الظلم والعدوان... وغير ذلك من الشرور التي أحدثوها وسنوها بعدهم للمفسدين. أخرج ابن أبي حاتم عن جرير بن عبدالله البجلي قال: قال رسول الله : "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا. ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا، ثم تلا {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ}" (2). وقد تقول: لقد قدم الله (إحياء الموتى) على كتابة ما قدموا وآثارهم فقال: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ} مع أن كتابة ما قدموا وآثارهم قبل إحياء الموتى فلم ذاك؟. فنقول إن التقديم والتأخير لا يكون دائمًا مبنيًا على السبق في الزمان أو على الأشرف وإنما هو مبنى على العناية والاهتمام، وهذه تختلف بحسب السياق والمقام، فقد يقدم المتأخر أحيانًا أو بالعكس؛ ولذا نجد في القرآن تقديم الركوع على السجود مرة وتقديم السجود على الركوع مرة أخرى، وتقديم الحياة على الموت مرة وتقديم الموت على الحياة مرة أخرى، نجد تقديم المتقدم في الزمن مرة وتقديم المتأخر مرة أخرى، قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} {النساء: 163}. فقدم عيسى على أيوب ويونس وغيرهما ممن ذكر، وهو بعدهم جميعًا. وذكر سليمان قبل أبيه داود. فليس التقديم والتأخير قائمًا على السبق في الزمان إذن؛ وإنما مداره على العناية والاهتمام كما ذكرت. وأوجه العناية والاهتمام تختلف بحسب السياق. وهنا قدم الإحياء على الكتابة لأنه أهم من عدة أوجه: منها: أنه المناسب لما قبله من الإنذار والتبشير، فإن ذلك يكون في الحياة بعد الموت. ومنها: أن كتابة ما قدموا من الأعمال إنما هي لما بعد الموت، وإلا فلا قيمة للكتابة، فقدم الأهم لذلك. ثم إنه رتب المذكورات بحسب الأهمية، فإن أهم شيء فيما ذكر هو الإحياء بعد الموت، ثم كتابة الأعمال التي تعرض على صاحبها في الحياة الثانية، ثم كتابة الآثار وهي مستندة إلى ما قدم من الأعمال. فما قدم من العمل هو أساس كتابة الآثار. ثم إنه قدم الأهم من ناحية أخرى وهو ما لا يستطيع فعله إلا الله وهو إحياء الموتى، ولذا جاء به بأسلوب القصر المؤكد ليدل على أنه لا يفعله إلا الله. وأما الكتابة فإنه يمكن أن يفعلها المخلوقون وإن لم تكن بنفس الدرجة من الدقة والإحاطة، ولذا قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} ولم يقل: (وإنا نحن نكتب ما قدموا). ثم من ناحية أخرى قدم فعل الله على ما يفعله غيره، والإحياء فعل الله. وأما الكتابة فهي فعل الملائكة الموكلين بها بأمره كما أخبر ربنا {وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} {الزخرف: 80}، {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} {ق: 18}. ثم إنه قدم إحياء الموتى لأن السورة مبنية على ذلك، وأن جوها يشيع فيه ذكر الحياة بعد الموت. قال تعالى: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} {يس: 32}، وهذا في الحياة الأخرى. وقال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} {يس: 33}. وهذا إحياء بعد الموت. {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {يس: 48}، أي: الحشر. وقال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} {يس: 51 - 53}. ثم ذكر مشهدًا من مشاهد الحياة الآخرة في الجنة ومشهدًا آخر في النار. وتختم السورة بقوله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}. فالسورة يشيع فيها ذكر الحياة بعد الموت، فناسب تقديمه على الكتابة من كل وجه. جاء في (التفسير الكبير): "الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال: (نحيي ونكتب)، ولم يقل: (نكتب ما قدموا ونحييهم)؟ نقول: الكتابة معظمة لأمر الإحياء، لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم، والكتابة في نفسها إن لم تكن إحياء وإعادة لا يبقى لها أثر أصلاً. فالإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره. فلهذا قدم الإحياء، ولأنه تعالى لما قال: (إنا نحن) وذلك يفيد العظمة والجبروت والإحياء عظيم يختص بالله والكتابة دونه، فقرن بالتعريف الأمر العظيم وذكر ما يعظم ذلك العظيم" (3). وقال: (نكتب) ولم يقل: (نعلم) لغرض الاهتمام بها وتوثيقها وإطلاع صاحبها عليها بصغيرها وكبيرها. فإن الإنسان قد يعلم أشياء ولا يكتبها، فإن كانت مهمة دونها. وقال: (أحصيناه) ولم يكتف بالكتابة؛ لأن الكتابة وحدها قد لا تكون كافية، فإن كتبت أشياء ولم تحصها فربما ضاعت أو تلفت، فإن الإحصاء يحدد عدد المكتوب فلا يضيع منه شيء. ولم يكتف بإحصائها بل جعلها في موضع واحد وهو الإمام المبين وهو اللوح المحفوظ - كما قيل - وسمي إمامًا لأن الملائكة تتبعه وتنفذ ما فيه فهو الإمام لها. وقال: (نكتب) بالمضارع و(أحصيناه) بالماضي، لأن الإحصاء في الإمام المبين سابق على الكتابة، فإن الكتابة تكون لما يفعله المكلفون وهي متأخرة عما كتبه الله في اللوح، فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين. جاء في التفسير الكبير): "وقوله: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} يحتمل وجوها: أحدها: أن يكون ذلك بيانًا لكون ما قدموا وآثارهم أمرًا مكتوبًا عليهم لا يبدل فإن القلم جف... وثانيها: أن يكون ذلك مؤكدًا لمعنى قوله: (ونكتب) لأن من يكتب شيئًا في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال: نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين. وهذا كقوله تعالى: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى}... وقوله: (أحصيناه) أبلغ من (كتبناه) لأن من كتب شيئًا مفرقًا يحتاج إلى جمع عدده، فقال: هو محصى فيه. وسمي الكتاب إمامًا لأن الملائكة يتبعونه، فما كتب فيه من أجل ورزق وإحياء وإماتة اتبعوه. وقيل: هو اللوح المحفوظ" (4). وقال: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ} بنصب (كل) ولم يقل: (وكل شيء) بالرفع، ذلك أن المعنى بنصب (كل) أننا أحصينا كل شيء في كتاب مبين. وأما بالرفع فيحتمل معنيين: المعنى الأول: وهو ما ذكرناه بالنصب فيكون (كل) مبتدأ، وجملة (أحصيناه) خبرًا له. والمعنى الآخر: أن تكون جملة (أحصيناه) نعتًا لشيء، والخبر (في إمام مبين) فيكون المعنى (أننا كل شيء أحصيناه) (في إمام مبين) أي أن الشيء الذي أحصيناه إنما هو في إمام مبين. ومعنى ذلك أن الأشياء على قسمين: قسم محصى وهو في إمام مبين. وقسم غير محصى وهو ليس كذلك. وهذا المعنى باطل لا يمكن أن يراد. فجاء بالعبارة ذات الدلالة القطعية التي لا تحتمل دلالة أخرى. إن هذه الآيات من سورة (يس) بينت المقصد من هذه السورة وعليها بنيت، فكأنها تلخيص للسورة وبقية السورة تبيين لها. وقد ارتبطت آيات السورة بهذه الآيات ارتباطًا متينًا واضحًا. فقد أجاب القسم بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} أي إنك واحد منهم. وقد طبعت السورة بهذا الطابع وقد بنيت على هذا الأمر. فقد ضرب له مثلاً بأصحاب القرية إذ جاءها المرسلون وذكر قصتهم معهم. وقال: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} {یس: 30}، فهذا يدل على كثرة الرسل وأنه واحد منهم. وذكر تصديق المكذبين لرسلهم في الآخرة {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} {يس: 52}. وقد ذكر في موطن آخر من السورة أن ما عهده الله إلى بني آدم على لسان رسله هو صراط مستقيم {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}، فانظر كيف وصف الرسول في أول السورة أنه على صراط مستقيم، ويأتي في بحر السورة أن هذا هو عهده إلى بني آدم. ثم قال: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} وكما بنيت السورة على ما ذكرت من أمر المرسلين وشاع فيها ذلك، بنيت أيضًا على العزة والرحمة وشاع ذلك فيها كما سبق أن ذكرنا في تفسير قوله: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}. ثم ذكر الغرض من هذا التنزيل وهو الإنذار فقال: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا} وقد شاع أيضًا جو الإنذار فيها، وهو التحذير من مغبة التكذيب لرسل الله سبحانه وذلك بما يذكره من العقوبات في الدنيا والآخرة وذلك من نحو قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ}. وهذا كله إنذار وتخويف. ونحو قوله: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} {يس: 43}. وقوله: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} {يس: 49 - 50}. وقوله: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} {یس: 53} وذكر مشهًدا من مشاهد جهنم وفيه تحذير أي تحذير. ومن ذلك قوله: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} {يس: 70}. وقوله: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} {يس: 74 - 75}. وهذا كله تحذير وإنذار لمن كان له قلب. ثم ذكر القوم الذين سينذرهم وموقفهم من هذا الإنذار وأنهم سواء عليهم الإنذار وعدمه فهم لا يؤمنون على أية حال. وبين لنا في السورة فيما ضرب من مثل وذكره أن هذا حال أكثر الأقوام الماضية وأن موقفهم من إنذار الرسل واحد ليتأسى رسول الله وليعلم أن هذا ليس موقف قومه وحدهم، فقد ضرب له مثلًا بأصحاب القرية وموقفهم من رسلهم وذكر عاقبتهم ومآلهم، ثم بين أن هذا شأن عباد الله على العموم {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} {یس: 30}، ثم ذكر فيما بعد مؤكدا هذا المعنى: {ومَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} {يس: 46}، ثم ذكر أن الشيطان أضل خلقًا كثيرًا من بني آدم: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} {یس: 62}، ثم ذكر في خواتم السورة أن الله خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين. وهذه الآية تؤكد ما بينه وقرره من حال الإنسان وموقفه من الله ورسالاته. ثم ذكر أن جزاء من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب مغفرة وأجر كريم. وشاع هذا الأمر في السورة وقرره في أكثر من موطن، فذكر عاقبة الذين آمن بالرسل من أصحاب القرية وأنه قيل له: {ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} فذكر المغفرة والإكرام وهما ما ذكره في قوله: {فبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}. ثم ذكر أصحاب الجنة ونعيمهم 56 – 58. ثم ختم هذه الآيات بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} وشاع في السورة أمر إحياء الموتى حتى صار طابعًا لها كما سبق أن ذكرنا. فاتضح من هذا أن هذه الآيات هي المعاني التي بنيت عليها السورة وشاع فيها ذكرها، والله أعلم. (1) الكشاف 2/583، وانظر البحر المحيط 7/325. (2) روح المعاني 22/218. (3) التفسير الكبير 26/49. (4) التفسير الكبير 26/49 – 50. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 58 إلى ص 67. الوقفة كاملة |
| ٣٦٣ | {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ} {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا} يحتمل هذا التعبير معنيين: المعنى الأول: أن المقصود اضرب لأجلهم مثلاً، أي بينه لهم واذكره لهم، وقص عليهم قصة أصحاب القرية ليتعظوا وليعلموا أنك لست بدعًا من الرسل، وإنما أرسل قبلك رسل وأنذروا قومهم وأن موقفهم من رسلهم كان التكذيب وإنكار الرسالات وأنهم آذوا رسلهم وعذبوهم فأهلكهم الله لعل قومك يتعظون. والمعنى الآخر: أن المقصود مثل لنفسك حال قومك بأصحاب القرية واجعلهم مثلًا لهم، أي شبه حالهم بحال أصحاب القرية، فإن حال قومك شبيه بحال أصحاب القرية، وإن مثلهم كمثلهم، كما تقول مخاطبًا شخصًا: أنا أشبه حالك بحال فلان إذ فعل كذا وكذا. أو تقول لشخص: أنا أضرب لزيد مثلًا خالدًا فإن كليهما قد خسر في تجارته، أي اجعله شبيهًا به. وعلى كلا هذين المعنيين يرتبط المثل بما قبله أحسن ارتباط. فإنه على المعنى الأول: أي أن تضرب لهم المثل وتبينه لهم، فإنه يقول له: بين لهم شأن أصحاب القرية وموقفهم من رسلهم فإنهم مثلهم في الاعتقاد والتكذيب، وستكون عاقبتهم مثلهم إن أصروا على كفرهم وعنادهم لعلهم يتعظون ويرعوون. وعلى المعنى الثاني: يكون المقصود أن قومك ليسوا بدعًا من الأقوام، فهناك أقوام مثلهم في التعنت والكفر، وأنه سواء عليهم الإنذار وعدمه، وأنه حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون، وأنت لست وحدك تلاقي من العنت والإيذاء والتكذيب ما تلاقي، فهؤلاء أصحاب القرية مثل قومك في موقفهم وعنادهم وإيذائهم رسلهم، فقد أرسل إليهم ثلاثة رسل فكذبوهم وآذوهم فتصبر وتأس بهم. وفي ذلك تصبير له وتأسية فيكون ضرب المثل له . والمعنيان مرادان مرتبطان بما قبلهما أجل ارتباط وأحسنه. جاء في (التفسير الكبير) في قوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا}: "وفيه وجهان. والترتيب ظاهر على الوجهين. الوجه الأول: هو أن يكون المعنى: واضرب لأجلهم مثلًا. والثاني: أن يكون المعنى: واضرب لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلًا. أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية. وعلى الأول نقول: لما قال الله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}، وقال: (لتنذر)، قال: قل لهم (ما كنت بدعًا من الرسل) بل قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة. وعلى الثاني نقول: لما قال الله تعالى إن الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبي عليه الصلاة والسلام: فلا تأس واضرب لنفسك ولقومك مثلًا، أي مثل لهم عند نفسك مثلًا حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا، وصبر الرسل على القتل والإيذاء، وأنت جئتهم واحدًا وقومك أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم جاءوا قرية وأنت بعثت إلى العالم" (1). وجاء في (روح المعاني): "فالمعنى على الأول: اجعل أصحاب القرية مثلًا لهؤلاء في الغلو في الكفر والإصرار على التكذيب، أي طبق حالهم بحالهم على أن (مثلًا) مفعول ثان لـ (اضرب)، و(أصحاب القرية) مفعوله الأول أخر عنه ليتصل به ما هو شرحه وبيانه. وعلى الثاني: أذكر وبين لهم قصة هي في الغرابة كالمثل. وقوله سبحانه: {أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} بتقدير مضاف، أي مثل أصحاب القرية" (2). وقال: {إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ} ولم يقل: (إذ جاءهم) لأنه أراد أنهم أتوهم في مكانهم لينذروهم. ولو قال: (إذ جاءهم) لم يفد أنهم أتوهم إلى مكانهم، بل يحتمل أنهم كانوا في مكان ما فأتاهم الرسل إليه. فقد يجتمع أهل قرية في مدينة ما ويأتيهم شخص إلى مكان اجتماعهم فيقال: (جاء أهل القرية فلان وكلمهم) ولم يفد ذلك أنه ذهب إلى قريتهم. بخلاف قوله: (جاءها) فإنه يفيد أنهم ذهبوا إليهم في دارهم ليبلغوهم دعوة ربهم وينذروهم، وفي هذا من الاهتمام بأمر التبليغ ما فيه. جاء في (روح المعاني): "وقيل: {إِذْ جَاءَهَا} دون ( إذ جاءهم) إشارة إلى أن المرسلين أتوهم في مقرهم" (3). وقال: (جاءها) دون (أتاها) ذلك أن المجيء يكون لما فيه مشقة ولما هو أصعب من الإتيان (4). ويبدو أنه كان في المجيء إلى أهل القرية وتبليغهم مشقة وإيذاء وتهديد فاختار المجيء على الإتيان. ولذا قال تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} {الفرقان: 40}، لأنه كان إتيانًا سهلًا وذلك أنهم مروا بها وهم في طريقهم. وقال: {حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} {الكهف: 77}، لأن إتيانها ودخولها كان ميسرًا ولم يجدوا من أهلها مساءة أو مشقة فاستعمل (أتيًا) دون (جاءًا). (1) التفسير الكبير 26/50. (2) روح المعاني 22/220. (3) روح المعاني 22/220. (4) انظر المفردات في غريب القرآن 6 و102 وانظر كتاب "لمسات بيانية" (قصة موسى في سورتي النمل والقصص). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 67 إلى ص 70 الوقفة كاملة |
| ٣٦٤ | {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)} تطيرنا بكم: أي تشاء منا بكم (1)، فلم نر على وجوهكم خيرًا في عيشنا (2). وقد تقول: لقد قال في سورة النمل في قوم صالح: {اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} {النمل: 47} فأبدل وأدغم، فلم لم يقل ههنا كما قال ثم؟ والجواب أنا ذكرنا في كتابنا (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) أن (اطير) ونحوه كادبر واطهر أبلغ من (تطير) ونحوه، وذلك لمكان التضعيف في الفاء زيادة على تضعيف العين، فدل على أن التطير في سورة النمل أشد منه مما في هذه الآية، يدل على ذلك أنهم في هذه الآية هددوهم بالرجم والتعذيب إن لم ينتهوا. وأما في سورة النمل فقد تعاهدوا وتقاسموا بالله على قتله مع أهله: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} {النمل: 49} (3) فدل على أن تطيرهم في سورة النمل أقوى وأشد. وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فلم إذن أكد التطير بـ (إن) في سورة (يس) فقال: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} ولم يؤكده في سورة النمل، فإنه قال: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا} والجواب: أنه لا يلزم في الكلام توكيد كل فعل فيه مبالغة وشدة دومًا، فإنه إذا ذكر المتكلم فعلًا أقوى وأبلغ من فعل، أو وصفًا أقوى من وصف لا يلزمه أن يؤكد الفعل أو الوصف الأقوى منهما، وإنما يكون ذلك بحسب الغرض. فله أن يؤكد أي واحد منهما بحسب ما يقتضيه الكلام. فله أن يقول مثلًا: (اصطبرت عليك وإني صبرت على فلان) فيذكر الاصطبار من دون توكيد ويؤكد الصبر مع أن الاصطبار أبلغ وأقوى من الصبر، لأن الغرض من العبارة أن يخبر باصطباره عليه ويؤكد صبره على الآخر. ولك أن تقول: (إنه كاذب) فتؤكد اسم الفاعل، وتقول: (هو كذاب) فلا تؤكد صيغة المبالغة مع أن المبالغة أقوى من اسم الفاعل. ولا يلزم من مبالغة الوصف التوكيد وإنما يكون ذلك بحسب الغرض. قال تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} {الأنعام: 28} في أكثر من موطن، فأكد كذبهم بإن واللام. وقال: {هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} {ص: 4}، و{بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} {القمر: 25}، ولم يؤكد مع أن (كذاب) صيغة مبالغة، فأكد اسم الفاعل ولم يؤكد المبالغة. والذي أريد أن أخلص إليه أن المبالغة في الفعل والوصف لا تقتضي التوكيد دائمًا، وإنما ذلك بحسب الغرض والمقام. فلك أن تؤكد أي فعل أو وصف أو لا تؤكده، ولك أن تؤكد ما هو أقل مبالغة ولا تؤكد الأقوى وبالعكس، فكل ذلك إنما يكون بحسب ما يقتضيه الكلام. وإيضاح ذلك أنك قد تذكر شخصًا هو موضع ثقة كبيرة عند من تخاطبه فتقول له (هو كاذب) فينكر ذلك عليك، فتؤكد ذلك بقولك: (إنه كاذب) ثم ينكر عليك قولك إنكارًا أشد من الأول فتقول له: إنه لكاذب. وتقول عن شخص آخر معروف بكثرة الكذب: (هو كذاب) فلا تحتاج إلى توكيد لأن مخاطبك لا ينكر ذلك عليك. فأنت احتجت إلى أن تؤكد اسم الفاعل دون المبالغة. ونعود إلى الآيتين، فنقول: إن قوم صالح أخبروه بتطيرهم الشديد، وأما أصحاب القرية فإنهم أكدوا تطيرهم، وهو نظير قولنا: (اصطبرت عليك وإني صبرت على فلان) أو (هو مكتسب وإن زيدًا كاسب) فيؤكد الأقل دون الأقوى. إنه في آية (يس) وهي قوله: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أكد التطير بإن، وفي آية النمل وهي قوله: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} {النمل: 47} لم يؤكده، ذلك أن كل موطن يقتضي ما ذكر فيه. فإن أصحاب القربة أطالوا في كلامهم ولم يكتفوا بذكر التطير، وإنما هددوهم بالرجم والتعذيب فقالوا: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}. في حين كان الكلام موجزًا في سورة النمل، فقد ذكروا التطير ولم يهددوهم بشيء، فناسب الإيجاز الإيجاز، وناسب التفصيل التفصيل. ولا شك أن القول: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أطول من {اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ}. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن أصحاب القرية هددوهم بالرجم والتعذيب مؤكدين ذلك بالقسم ونون التوكيد {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ}، فناسب ذلك توكيد التطير، في حين أن قوم صالح لم يهددوهم بشيء. فناسب التوكيد في آية (يس) دون آية النمل. وهناك أمر آخر، وهو أن رهطًا من قوم صالح كانوا يدبرون له ولأهله أمرًا خفيًا لا يريدون إشاعته ولا أن يعلم به غيرهم، وهو أن يبيتوه وأهله بليل، أي أن يغيروا عليهم ليلًا ويقتلوهم من دون أن يعلم أحد، ثم إنهم إن سئلوا عن ذلك أجابوا أنهم لا يعلمون ذاك وقد تعاهدوا على ذلك وأقسموا عليه: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} {النمل: 49}، وهذا يقتضي عدم التهديد والتوعد المعلن؛ لأنه سيفتضح أمرهم، بل يقتضي عدم التوكيد في الكلام، ولذا ذكروا أنهم متطيرون بهم ليس غير. فاقتضى كل موطن التعبير الذي ورد فيه. هذا علاوة على تردد التوكيد بإن في قصة أصحاب القرية أكثر من مرة {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} {إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} {إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ}. في حين لم يرد مثل ذلك في قصة صالح إلا قوله: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فناسب كل تعبير موطنه. وأما قوله: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} {النمل: 51}، وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً} {النمل: 52}، فهذا من التعقيب على القصة وليس فيما دار فيها من كلام. جاء في (التفسير الكبير): "لما ظهر من الرسل المبالغة في البلاغ ظهر منهم الغلو في التكذيب. فلما قال المرسلون: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} قالوا: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} ولما أكد الرسل قولهم باليمين حيث قالوا: {رَبُّنَا يَعْلَمُ} أكدوا قولهم بالتطير بهم" (4). {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ} بعد أن ذكروا تطيرهم بهم هددوهم بالرجم إن لم يكفوا عن دعوتهم وقد أكدوا ذلك بالقسم وبنون التوكيد. ويدل على القسم اللام الداخلة على (إن) وهي اللام الموطئة للقسم أي الدالة عليه، وأكدوا تهديدهم بنون التوكيد الثقيلة الداخلة على الفعل (لنرجمنكم). فكما أكدوا تطيرهم بـ (إن) أكدوا تهديدهم بالقسم ونون التوكيد. وقد تقول: لقد قال في مكان آخر: {لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} {الشعراء: 116}، وقال في سورة مريم: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ} {مريم: 46}، فلم لم يجعل التعبيرات على نمط واحد؟ والجواب: أنه لا يصح جعلها على نمط واحد؛ لأن المعنى مختلف والمقام مختلف. ذلك أن قولك: (لأرجمنك) يعني لأوقعن عليك الرجم ولا يعني أن هناك آخرين مرجومين معه أو نالهم الرجم. وقولك: (هو من المرجومين) يعني أنه واحد ممن نالهم الرجم. فلا يصح في سورة (يس) أن يقال: (لئن لم تنتهوا لتكون من المرجومين) لأنه ليس هناك أشخاص آخرون غير هؤلاء نالهم الرجم فيكونون منهم. وكذلك في آية مريم فإنه قال: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ}، ولم يقل: (لتكونن من المرجومين) لأنه ليس هناك آخرون معه نالهم الرجم أو سينالهم، فإن هذا الكلام موجه من أبي إبراهيم لولده إبراهيم عليه السلام وحده. أما ما في سورة الشعراء فإنه تهديد لنوح ولمن معه: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ}، أي لئن لم تنته لتكونن من الذين ينالهم الرجم. ولو قال: (لنرجمنك) لكان الرجم مختصًا بنوح دون من آمن معه. فإن قيل: ولم لم يقل: (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) كما قال في سورة (يس)؟ والجواب: أن الرسل في سورة يس ثلاثة كلهم بمنزلة واحدة داعون إلى الله مبلغون لرسالته، ولذلك جاء الكلام على أنفسهم بصيغة الجمع { إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) .... قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17)}، وكان التطير بهم جميعًا {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} فكان الخطاب لهم جميعًا. وأما نوح فهو رسول واحد يبلغ عن ربه، أما البقية فهم أتباع، وهو صاحب الدعوة والمبلغ، فخوطب وطلب منه الكف فقالوا: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ}، أي: لنرجمنك ومن معك. فهذا تهديد له ولأتباعه. وهذا القول نظير ما قاله قوم لوط للوط: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} {الشعراء: 167}، أي لنخرجنك ومن معك، بدليل قوله تعالى على لسان قومه: {أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} {الأعراف: 82}، وقوله: {أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} {النمل: 56}، فلما واجهوا لوطًا قالوا له: لتكونن من المخرجين، أي لتكونن واحدًا منهم. وهو تهديد له ولأتباعه أيضًا. فكان كل تعبير هو المناسب في مكانه. {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} هددوهم بالعذاب الأليم إضافة إلى الرجم، فإنهم لم يقولوا: (أو ليمسنكم منا عذاب أليم) فيهددوهم بأحد الشيئين، بل جاؤوا بالواو التي تفيد الجمع، ثم أعادوا اللام الواقعة في جواب القسم (ليمسنكم) للدلالة على أن التهديد بالعذاب مؤكد كالمعطوف عليه، لأنه أحيانًا يكتفي باللام الداخلة على الفعل الأول، أما الفعل الثاني فيكتفي فيه بنون التوكيد فيكون الثاني أقل توكيدًا، وذلك كقوله تعالى: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} {الحشر: 11}، فإنه أدخل اللام الموطئة في قوله: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ} ولم يدخلها على المعطوف، وإنما اكتفى بتوكيد الفعل فقال: {وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} فكان الثاني أقل توكيدًا من الأول، ذلك أنهم أكدوا الفعل الأول لأنه أيسر عليهم، ولم يؤكدوا الثاني لأنه أصعب عليهم وأشق. وكان هناك خيار آخر وهو أن يخفف النون في الفعل المعطوف نظير قوله تعالى: {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ} {يوسف: 32} فيكون ما دخلت عليه النون الثقيلة أكد مما دخلت عليه النون الخفيفة، ولكنه لم يفعل هذا ولا ذاك، بل أعاد اللام وأتي بالنون الثقيلة للدلالة على أنهما بمنزلة واحدة في التوكيد وأنهم سيفعلونهما جميعًا. ثم قالوا: (منا) للدلالة على الجهة التي ستقوم بالعذاب. فالجهة التي ستقوم بالرجم والعذاب واحدة {لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا} فإنه لم يقل: (وليمسنكم عذاب أليم) فيبهم الجهة، إذ لعله لو قالوا ذاك لفهم منه أنهم يقصدون أن آلهتهم هي التي ستمسهم بالعذاب. وقدم الجار والمجرور (منا) على العذاب لأكثر من سبب، ذلك أن الكلام عليهم وهم مدار الإسناد (قالوا إنا تطيرنا، لنرجمنكم، وليمسنكم منا) فناسب تقديم ضميرهم، فإنهم هم المتطيرون وهم الراجمون وهم المعذبون. ثم إن تقديم الجار والمجرور يفيد تعلقه بالفعل (ليمسنكم) أي (ليمسنکم منا) أي نحن الذين نعذبكم ونتولى أمر ذلك بأنفسنا ولا ندع ذلك لغيرنا ممن قد يرق لحالكم أو يخفف عنكم. ولو قال: (ليمسنكم عذاب أليم منا) لاحتمل أن يكون (منا) صفة لـ (عذاب) وعلى هذا الاحتمال يكون العذاب صادرًا منهم أمره، أما الذي يقوم بالتعذيب فهو غيرهم. وهذا يكون نظير قولنا: (استعرت لمحمد كتابًا) و(استعرت كتابًا لمحمد) فإن الجملة الأولى يكون تعلق الجار والمجرور فيها بـ (استعرت) فتكون الاستعارة لمحمد، أي (استعرت لمحمد) (كتابًا). أما الجملة الثانية فتحتمل هذا المعنى وتحتمل معني آخر وهو: استعرت كتابًا عائدًا لمحمد، أي أن الكتاب هو كتاب محمد وأنت استعرته، فيكون المعنى على النحو الآتي (استعرت) (كتابًا لمحمد). فكان تقديم الجار والمجرور هو الأنسب. (1) الكشاف 2/584. (2) تفسير ابن كثير 3/567. (3) انظر: (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) الإبدال 56.(4) التفسير الكبير 26/53. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 82 إلى ص 89. الوقفة كاملة |
| ٣٦٥ | {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)} في هذا الوقت المتأزم والظرف العصيب الذي كثر فيه التهديد والتوعد واشتد فيه الإرهاب جاء من أقصى المدينة رجل يسعى ليعلن اتباعه للرسل وإيمانه بهم ويبين ضلال قومه غير مبال بما سيحدث له. وفي التعبير دلالات مهمة في هذا الخصوص. 1- فقد ذكر أنه جاء من أقصى المدينة، أي من أبعد مكان فيها لا يثنيه شيء، حاملا هم الدعوة. 2- قال: {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} ولم يقل (من أقصى القرية) وقد سماها قرية بادئ ذي بدء فقال: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} ذلك للدلالة على أنها واسعة، فالقرية إذا كانت متسعة تسمى مدينة أيضًا. فأفاد أن هذه القرية كبيرة متسعة ولذا أطلق عليها مدينة، وذلك يفيد أنه جاء من مكان بعيد وذلك يدل على اهتمامه الكبير بمعتقده الجديد.. ٣- قال: (يسعى) أي يعدو ويسرع في مشيه وليس متباطئًا يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، وهو توجيه للدعاة بعدم التواني في أمر الله. 4-لم يسكت عن الحق ولم يجامل أو يهادن بل دعا قومه إلى الإيمان بما جاءت به الرسل وأتباعهم وأعلن عن إيمانه هو. 5- إن مجيئه من أقصى المدينة يدل على وصول البلاغ إلى أبعد مكان فيها، مما يدل على جديتهم في التبليغ وتوسعهم فيه، وهو تصديق لقولهم: {وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}. وقال هنا: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} فقدم {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} على (رجل)، وقال في سورة القصص {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} {القصص: 20}، بتقديم (رجل) على {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ}. ذلك أن القصد في آية (يس) أن يبين أن مجيء الرجل كان من أبعد مواضعها. وأما في القصص فإنه يفيد أن الرجل من أقصى المدينة، أي هو من أهل المواضع البعيدة غير أنه لا يلزم أن يكون مجيئه من أقصى المدينة. وهو كما تقول: (جاءني من القرية رجال) أي جاؤوك من القرية، وتقول: (جاءني رجال من القرية) فالرجال هم من أهل القرية لكن لا يقتضي أن مجيئهم إليك كان من القرية بل قد يكونون في المدينة ثم جاؤوك. وقد يكون المجيء من القرية. فقولك: (جاءني رجال من القرية) يحتمل معنيين، بخلاف قولك: (جاءني من القرية رجال). وعلى أية حال فإن قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} يفيد أنه جاء من أبعد مكان من المدينة. وقوله: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} يحتمل ذلك ويحتمل أنه من أهل الأماكن البعيدة وإن لم يكن مجيئه من هناك. وفي تقديم (من أقصى المدينة) في سورة (يس) فائدة أخرى حتى لو كان مجيئهما كليهما من أقصى المدينة. فإن قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} يدل على أن الاهتمام أكبر لأكثر من سبب: 1- ذلك أن مجيء الرجل من أقصى المدينة إنما كان لغرض تبليغ الدعوة. في حين أن مجيء الرجل إلى موسى كان لغرض تحذيره. والأمر الأول أهم. 2- ثم إن مجيء الرجل من أقصى القرية إنما كان لإشهار إيمانه أمام الملا ونصح قومه. في حين أنه كان مجيء الرجل إلى موسى ليسر إليه كلمة في أذنه، فمجيء رجل (يس) إنما كان للإعلان والإشهار، ومجيء رجل موسى إنما كان للإسرار. وفرق بين الأمرين. 3- إن مجيء رجل (يس) فيه مجازفة ومخاطرة بحياته، وليس في مجيء رجل موسى شيء من ذلك، وإنما هو إسرار لشخص بأمر ما ليحذر. 4- إن المجتمع في القرية كله ضد على الرسل وعقيدتهم مكذب لهم متطير بهم، فإعلان الرجل أنه مؤمن بما جاء به الرسل مصدق لهم فيه ما فيه من التحدي لهم. بخلاف مجتمع سيدنا موسى عليه السلام فإنه ليس فيه فكر معارض أو مؤيد وليست هناك دعوة أصلًا. 5- إن نصر رسل الله وأوليائه ودعاته أولى من كل شيء، فإن تعزيزهم تعزيز لدعوة الله. وأما موسى عليه السلام فإنه كان رجلًا من المجتمع ليس صاحب دعوة آنذاك ولم يكلفه الله بعد حمل الرسالة. فتقديم (من أقصى المدينة) دل على أن الموقف أهم وأخطر. ومع ذلك أفادنا أن تحذير شخص من ظالم أمر مهم ينبغي أن يسعى إليه ولو من مكان بعيد. فإن كلا من الموقفين مهم، غير أن أحدهما أهم من الآخر، فقدم ما قدم ليدل على الاهتمام. جاء في (التفسير الكبير): في قوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} "وفي فائدته وتعلقه بما قبله وجهان: أحدهما: أن بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث آمن بهم الرجل الساعي. وعلى هذا فقوله: {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} فيه بلاغة باهرة؛ وذلك لأنه لما جاء من (أقصى المدينة رجل) وهو قد آمن دل على أن إنذارهم وإظهارهم بلغ إلى أقصى المدينة... وفي التفسير مسائل: (المسألة الأولى): قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ} في تنكير الرجل مع أنه كان معروفًا معلومًا عند الله فائدتان: (الأولى): أن يكون تعظيمًا لشأنه، أي رجل كامل في الرجولية. (الثانية): أن يكون مفيدًا لظهور الحق من جانب المرسلين، حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا. (المسألة الثانية): قوله: (يسعى) تبصرة للمؤمنين وهداية لهم ليكونوا في النصح باذلين جهدهم. وقد ذكرنا فائدة قوله: (من أقصى المدينة) وهي تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من في أقصى المدينة" (1). وجاء في (روح المعاني): "{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} أي من أبعد مواضعها (رجل) أي رجل عند الله تعالى فتنوينه للتعظيم. وجوز أن يكون للتنكير لإفادة أن المرسلين لا يعرفونه ليتواطؤوا معه... (يسعى) أي يعدو ويسرع في مشيه حرصًا على نصح قومه. وقيل: إنه سمع أن قومه عزموا على قتل الرسل فقصد وجه الله تعالى بالذب عنهم... وجاء {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} هنا مقدمًا على (رجل) عكس ما جاء في القصص. وجعله أبو حيان من التفنن في البلاغة. وقال الخفاجي: قدم الجار والمجرور على الفاعل الذي حقه التقديم بيانًا لفضله، إذ هداه الله تعالى مع بعده عنهم، وأن بعده لم يمنعه عن ذلك. ولذا عبر بالمدينة هنا بعد التعبير بالقرية إشارة إلى السعة وأن الله تعالى يهدي من يشاء سواء قرب أو بعد. وقيل: قدم للاهتمام حيث تضمن الإشارة إلى أن إنذارهم قد بلغ أقصى المدينة فيشعر بأنهم أتوا بالبلاغ المبين. وقيل: إنه لو تأخر توهم تعلقه يسعى فلم يفد أنه من أهل المدينة، مسكنه في طرفها وهو المقصود" (2). (1) التفسير الكبير 26/54. (2) روح المعاني 22/225 – 226. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 90 إلى ص 94. * * * {قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)} قال لهم: (يا قوم) ليعطف قلوبهم. وذكر لهم ثلاثة أمور تدعوهم إلى اتباع هؤلاء الدعاة: 1- كونهم مرسلين من الله، وهذا أهم ما يستوجب اتباعهم، فكونهم مرسلين من ربهم يدعو إلى اتباعهم لأنهم لا يدعون إلى أنفسهم ولا إلى معتقدات شخصية ولا إلى آراء خاصة ولا إلى أفكار بشرية وإنما يدعونهم إلى ما أراده ربهم وخالقهم. 2- وأنهم لا يسألون أجرًا على هذا التبليغ ولا يبتغون مصلحة خاصة كما هو شأن كثير من أصحاب الدعوات الأرضية، مما يدل على أنهم مخلصون في دعوتهم لهم. 3- أنهم مهتدون، وهذا يقتضي الاتباع، وهو بغية كل متبع مخلص. جاء في (الكشاف): "{مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} كلمة جامعة في الترغيب فيهم، أي لا تخسرون معهم شيئًا من دنياكم وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة" (1). وقد كرر الاتباع بقوله: {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} لأكثر من غرض. فالتكرار يفيد التوكيد ويفيد أمرًا آخر وهو: أن المرسلين ينبغي أن يتبعوا أصلًا، فإذا ثبت أن شخصًا ما مرسل من ربه كان ذلك داعيًا إلى أن يتبع قطعًا، وهذه دلالة قوله: {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}. أما اتباع غير المرسلين فيكون لمن فيه صفتان: 1- أن يكون مهتديًا. 2- أن لا يسأل أجرًا ولا يطلب منفعة ذاتية. وهذ توجيه لعموم المكلفين، ولو قال: (اتبعوا المرسلين. من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون) لكان ذلك خاضًا باتباع الرسل ولا يشير إلى اتباع غيرهم من المصلحين والداعين إلى دعوتهم. فتكرار (اتبعوا) أفاد الاتباع للرسل في حالة وجودهم. والاتباع الثاني لمن يحمل هاتين الصفتين. جاء في (روح المعاني): "تكرير للتأكيد وللتوسل به إلى وصفهم بما يتضمن نفي المانع عن اتباعهم بعد الإشارة إلى تحقق المقتضي" (2). واختار (من) على (الذين) لكونها أعم، فإنها تشمل كل داع إلى الله، واحدًا كان أو أكثر. (1) الكشاف 2/582. (2) روح المعاني 22/226. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 94 إلى ص 96 الوقفة كاملة |
| ٣٦٦ | {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} (ما) تحتمل أنها مصدرية، أي يا ليت قومي يعلمون بمغرة ربي لي وجعلي من المكرمين. ويحتمل أن تكون اسمًا موصولًا، أي: يا ليت قومي يعلمون بالذي غفر لي به ربي وجعلني من المكرمين، أي ليتهم يعلمون بالسبب الذي غفر لي به ربي وهو اتباع الرسل. وقال: (بما) ولم يقل (بالذي) ليشمل المصدرية والموصولة، أي بالمغفرة والإكرام وبسبب ذلك فيجمع المعنيين، ولو قال: (بالذي) لم يدل إلا على معنى واحد. ولم يأت بالمصدر الصريح فيقل: (يا ليت قومي يعلمون بمغفرة ربي لي وجعلي من المكرمين) لأنه لو قال ذلك لدل على معنى واحد وهو المصدرية دون المعنى الآخر. جاء في (الكشاف): "(ما) في قوله: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} أي الماءات هي؟ قلت: المصدرية أو الموصولة، أي بالذي غفره لي من الذنوب" (1). وجاء في (البحر المحيط): "والظاهر أن (ما) في قوله: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} مصدرية، جوزوا أن يكون بمعنى (الذي) والعائد محذوف تقديره: (بالذي غفره لي ربي من الذنوب) وليس هذا بجيد، إذ يؤول إلى تمنى علمهم بالذنوب المغفورة، والذي يحسن تمنى علمهم بمغفرة ذنوبه وجعله من المكرمين" (2). وجاء في (روح المعاني):" والظاهر أن (ما) مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة والعائد مقدر، أي يا ليت قومي يعلمون بالذي غفر لي به، أي بسببه، ربي، أو بالذي غفره، أي بالغفران الذي غفره لي ربي، والمراد تعظيم مغفرته تعالى له فتؤول إلى المصدرية. وقال الزمخشري: أي بالذي غفره لي ربي من الذنوب. وتعقب بأنه ليس بجيد، إذ يؤول إلى تمنى علمهم بذنوبه المغفرة ولا يحسن ذلك. وكذا عطف {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} عليه لا ينتظم" (3). وما ذهب إليه صاحب الكشاف من أن (ما) تحتمل أن تكون اسمًا موصولًا على معنى: بالذي غفره لي من الذنوب يضعفه ثلاثة أمور، منها: 1- أن ذلك يؤول إلى تمنى علمهم بالذنوب المغفرة ولا يحسن علمهم بما عمل من معاص تستوجب المغفرة، كما أشار إلى ذلك صاحب البحر. 2- أن المغفرة معناها الستر، وغفران الذنوب سترها، وتنميه علمهم بها يعني تمنيه نشرها وفضحها، وهو مغاير لمعنى الستر وما أكرمه الله من سترها، فإن الذنوب من جلائل النعم. 3- أنها لا تنتظم مع قوله: {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} فإن ذلك يؤول إلى المعنى الآتي: يا ليت قومي يعلمون بالذي غفره لي من الذنوب وجعلني من المكرمين. وهو لا يصح لأن (جعلني) ستكون معطوفة على (غفره لي) أي صلة للذي، فيكون المعنى: يا ليت قومي يعلمون بالذنب المغفور وجعلني من المكرمين. فإن قوله: (ما غفره لي) يعني: الذي غفره لي ربي من الذنوب. أو بعبارة أخرى: الذنب المغفور. فلا يصح جعل {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} صلة له. فاتضح أن (ما) إما أن تكون مصدرية أو اسمًا موصولًا، والباء تفيد السبب فيكون المعنى: يا ليت قومي يعلمون بالسبب الذي غفر لي به ربي وجعلني من المكرمين. فيستقيم المعنى على الوجهين. والله أعلم. ولم يذكر العائد فيقل: (بما غفر لي به ربي) ولو قال ذلك لاقتصر على معنى الموصولية الاسمية دون المصدرية، فحذف العائد جمع المعنيين. وقدم الجار والمجرور على الفاعل فقال: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} لأنه هو المهم وهو مدار الكلام، لأنه معلوم أن الله يغفر الذنوب، فالفاعل معلوم ولكن المهم أن نعلم المغفور له. واختيار لفظ الرب ههنا {غَفَرَ لِي رَبِّي} مناسب لقوله: {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} وإضافته إلى نفسه فيها من الرعاية واللطف ما لا يخفى. وقدم المغفرة على جعله من المكرمين؛ لأن المغفرة هي سبب الإكرام ولأنها تسبقه، فالمغفرة أولًا ثم يليها الإكرام. وقوله: {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} دون القول: (وجعلني مكرمًا) إشارة إلى أن هذا الطريق سار عليه قبله المؤمن والشهداء والصالحون، فهو واحد منهم وليس فذًا لم يسبقه إليه أحد. وكون أن معه جماعة مثله أكرمهم ربه فيه زيادة إيناس ونعيم. فإن الوحدة عذاب وإن كانت في جنان الخلد فأكرمه بالجنة والرفقة الطيبة. إن أصحاب القرية ومعتقدهم وموقفهم من رسلهم شبيه بحال قوم الرسول وموقفهم منه من عدة نواح. ولذلك صح أن يضربوا مثلًا: 1- فقوله: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا} شبيه بموقف كفار قريش الذين قال الله فيهم: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ} {ق: 5}، وقوله: {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} {القمر: 3}. 2- وقول أصحاب القرية لرسلهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} شبيه بقول كفار قريش: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} {الأنبياء: 3}، وقولهم: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} {ق: 2} 3- وقولهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} {يس: 15} شبيه بقول كفار قريش: {هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} {ص: 4}، وقوله تعالى فيهم: {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} {القمر: 3}. 4- وقولهم: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} {يس: 18} شبيه بموقف كفار قريش من رسول الله والمؤمنين معه، فقد آذوهم وعذبوهم حتى أن بعضهم مات من التعذيب. وقد رجم رسول الله بالحجارة في الطائف. وأخبر عنهم ربنا قائلًا: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} {الأنفال: 30}. 5- وقولهم: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} {يس: 15} شبيه بقولهم: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} {الأنعام: 91}. 6- وقول المؤمن لهم: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا} {يس: 21} شبيه بقوله {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} {الفرقان: 57}. 7- وقوله: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} {يس:23} يعني أنهم اتخذوا آلهة من دون الله يعبدونهم. وهذا شبيه بمعتقدات العرب في الجاهلية الذين اتخذوا من دون الله آلهة والذين قال فيهم : {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} {يس: 74 - 75}. 8- لقد بين أن أصحاب القرية لم يؤمنوا إلا واحدًا منهم، وأنهم استوى عليهم الإنذار وعدمه مثل كفار قريش الذين قال الله فيهم: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} {يس: 7}، وقال: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} {يس: 10}. وإن الرسل الذين أرسلوا إلى أهل القرية يصح أن يكونوا مثلًا لرسول الله . 1- فإنهم كذبوا كما أن الرسول كذبه قومه. 2- وأنهم بلغوا الرسالة مع تكذيب أصحاب القرية لهم. 3- وأنهم بلغوا الرسالة مع أنهم غرباء عن أهل القرية، فقد جاؤها داعين إلى ربهم. 4- أنهم واجهوهم بالتطير منهم وبالتهديد. 5- وأنهم بلغوا رسالة ربهم بلاغًا مبينًا علم به واحد من أهل القرية. 6- وأنه ثبت من آمن بهم حتى استشهد. فكان أصحاب القرية مثلًا في حالهم وفي حال رسلهم الذين بلغوا دعوة ربهم. وحال أهل القرية وموقفهم من رسلهم وسوء عاقبتهم التي لا قوها نتيجة التكذيب تكون مثلًا لقوم الرسول ليرتدعوا وليراجعوا أنفسهم. إن قصة أصحاب القرية مرتبطة بالآيات الأول التي ذكرناها من هذه السورة والتي ذكرنا أنها بنيت عليها السورة ومقاصدها. 1- فقد ارتبط قوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ} بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} فذكر أنه واحد من المرسلين. وضرب مثلًا بمرسلين قبله. 2- وارتبط بقوله: {فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} بقوله: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} . 3- وارتبط قوله {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} . 4- وارتبط قوله: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} بقوله: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} . 5- وارتبط قوله: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} بقوله: {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} . فقوله: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} بشارة له، فهو مقابل (فبشره). وقوله: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} يقابل: {بِمَغْفِرَةٍ} . وقوله: {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} يقابل {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}، والله أعلم. (1) الكشاف 2/585. (2) البحر المحيط 7/330. (3) روح المعاني 22/229، وانظر: أنوار التنزيل 584. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 123 إلى ص 129. الوقفة كاملة |
| ٣٦٧ | {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28)} أي لم يحتج إنزال جند من السماء ليهلكهم (1)، فهم أتفه من ذلك. وقوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} يعني أنه ما كان يصح في حكمتنا وتقديرنا أن ننزل عليهم جندًا من السماء ولا ينبغي ذلك (2)؛ لأنهم أقل شأنًا من هذا. وقيل أيضًا إن المعنى أننا: "ما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم بل نبعث عليهم عذابًا يدمرهم" (3). وعلى هذا يكون معنى قوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} أنه لا ينبغي أن ننزل على هؤلاء جندًا من السماء لإهلاكهم، وإننا لم نكن نفعل ذلك فيما مضى. فيكون المعنى نفي الإنزال على وجه العموم بدءًا من الماضي إلى هؤلاء القوم. وأما إنزال الجنود لنصرة رسولنا محمد في بدر والأحزاب فذلك إنما كان تعظيمًا لشأن سيدنا محمد ، وهو لا يشمله قوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} فإن ذلك متعلق بالأمم الماضية. جاء في (التفسير الكبير): "{وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} أية فائدٍة فيه مع أن قوله: (وما أنزلنا) يستلزم أنه لا يكون من المنزلين؟. نقول: قوله: (وما كنا) أي ما كان ينبغي لما أن ننزل؛ لأن الأمر كان يتم بدون ذلك فما أنزلنا وما كنا محتاجين إلى إنزال. أو نقول: (وما أنزلنا، وما كنا منزلين) في مثل تلك الواقعة جندًا في غير تلك الواقعة. فإن قيل: فكيف أنزل الله جنودًا في يوم بدر وفي غير ذلك حيث قال: {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} {التوبة: 26}؟ نقول: ذلك تعظيمًا لمحمد ". (4) وذهب قوم إلى أن (ما) في قوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} ليست نافية وإنما هي اسم موصول معطوف على (جند) أي ما أنزلنا على قومه من جند من السماء والذي كنا ننزله على الأمم من أنواع العذاب. ورده أبو حيان بأن ذلك يعني عطف المعرفة على النكرة المجرورة بمن الزائدة وهو لا يصح. جاء في (البحر المحيط): "وقالت فرقة: (ما) اسم معطوف على جند. قال ابن عطية: أي من جند ومن الذي كنا منزلين على الأمم مثلهم انتهى. وهو تقدير لا يصح لأن (من) في (من جند) زائدة، ومذهب البصرين غير الأخفش أن لزيادتها شرطين: أحدهما: أن يكون قبلها نفي أو نهي أو استفهام. والثاني: أن يكون بعدها نكرة. وإن كان كذلك فلا يجوز أن يكونن المعطوف على النكرة معرفة، لا يجوز (ما ضربت من رجل ولا زيد) وإنه لا يجوز (ولا من زيد)، وهو قدر المعطوف بـ (الذي)، وهو معرفة، فلا يعطف على النكرة المجرورة بمن الزائدة" (5). ورد أبي حيان في نظر، فإن العطف في نحو هذا جائز. غير أنه لا يعطف على اللفظ وإنما يعطف على الموضع. فإنه لا يصح أن نقول (ما جاءني من امرأةٍ ولا محمود) بجر محمود، وإنما نقول ذلك برفع محمود. ولا يصح أن نقول: (ما رأيت من امرأةٍ ولا خالدٍ) بجر خالد، وإنما نقول: (ما رأيت من امرأة ولا خالدًا) بالنصب؛ لأنه لا يمكن توجه العامل إلى المعرفة. جاء في (المغني) في باب (العطف على اللفظ): "وشرطه إمكان توجه العامل إلى المعطوف، فلا يجوز في نحو (ما جاء من امرأة ولا زيد) إلا الرفع عطفًا على الموضع لأن (من) الزائدة لا تعمل في المعارف" (6). ونحو هذا يكون في العطف على اسم (لا) النافية للجنس، فإن اسم (لا) هذه لا بد أن يكون نكرة، فإن عطفت عليه معرفة تعين رفعه لأن (لا) لا تعمل في المعارف نحو (لا امرأة فيها ولا زيد) بالرفع فإنه لا يصح في (زيد) النصب أو بناؤه على الفتح. (7) وعلى هذا فما المانع في الآية من أن تكون (ما) معطوفة على الموضع فتكون (جند) مجرورة و(ما) منصوبة مثل (ما رأيت من امرأة ولا زيدًا)؟ والمعنيان صحيحان يحتملها التعبير ويتسع لهما معًا، فيكون ذلك من التوسع في المعنى. وقد أسند الإنزال إلى نفسه فقال: {وَمَا أَنْزَلْنَا} ليدل على أنه هو الذي أنزل العقوبة ، فهو الذي أرسل الرسل وهو الذي عززهم بثالث، وقد أسند ذلك إلى نفسه فقال: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} فناسب أن يسند الإنزال إلى نفسه أيضًا ليدل على أن الجهة المرسلة والمعاقبة واحدة، إذ لا يليق أن يكون هو المرسل والمعاقب غيره. جاء في (التفسير الكبير) في قوله: {وَمَا أَنْزَلْنَا}: "قال ههنا: {وَمَا أَنْزَلْنَا} بإسناد الفعل إلى نفسه. وقال في بيان حال المؤمن: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} بإسناد القول إلى غير مذكور، وذلك لأن العذاب من باب الهيبة فقال بلفظ التعظيم. وأما في {ادْخُلِ الْجَنَّةَ} فقال: (قيل) ليكون هو كالمهنأ بقول الملائكة حيث يقول له كل ملك وكل صالح يراه: ادخل الجنة خالدًا فيها" (8). وقال: (على قومه) بإضافة القوم إلى ضمير الرجل القتيل، ذلك أن هذا الرجل أضافهم إلى نفسه فقال لهم: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}، فهم قومه وقد دعاهم بــ (يا قوم) ليتعطفهم ويدعوهم إلى ما يحييهم فقتلوه فقتلهم ربه سبحانه. وقال: (من بعده) ولم يقل (بعده) للدلالة على أنه أنزل العذاب عليهم بعده مباشرة ولم يمهلهم. فإن (من) تفيد ابتداء الغاية. ولو قال: (وما أنزلنا على قومه بعده) لاحتمل الزمن القصير والطويل، فجاء بـ (من) ليدل على أنه عاجلهم بالعقوبة من دون إمهال. جاء في (البحر المحيط): "وقوله: (من بعده) يدل على ابتداء الغاية، أي لم يرسل إليهم رسولًا إليهم ولا عاتبهم بعد قتله بل عاجلهم بالهلاك" (9). وقال: (من جند) فجاء بـ (من) الدالة على الاستغراق ليدل على أنه لم ينزل جندًا قلوا أو كثروا. فقد استغرق نفي الإنزال كل الجند، ولو لم يذكر (من) لاحتمل نفي إنزال الجنس وفي الوحدة، فقد يحتمل أنه أنزل جنديًا أو جنودًا كما يحتمل أنه لم ينزل أصلًا. واختار كلمة (جند) على (ملك) لأنه في مقام العقوبة والمحاربة فكان اختيار لفظ الجند أنسب؛ فإن قومه حاربوا الله ورسله فحاربهم الله سبحانه من غير جند. واختار الجند على الجنود فقال: (من جند) ولم يقل: (من جنود) ذلك أن الجنود جمع جند، فإن (الجند) يجمع على أجناد وجنود (10)، ونفي الجند يعني نفي الجنود، أما نفي الجنود فلا يعني نفي الجند؛ ذلك أن نفي الواحد مع (من) الاستغراقية يعني نفي الجنس كله، بخلاف نفي الجمع، فإنه إذا قال: (ما أنزلنا من جند) فإن هذا ينفي إنزال الجند والجنود. ونحوه إذا قلت: (ما حضر من رجال) فإنك نفيت الجمع ولكن لم تنف الواحد أو الاثنين، فقد يكون حضر رجل أو رجلان. أما إذا قلت: (ما حضر من رجل) فقد نفيت الجنس على سبيل الاستغراق سواء كان واحدًا أم مثنى أم جمعًا فلم يحضر أحد. فقوله: (من جند) نفى إنزال الجند والجنود، ولو قال: (من جنود) لم ينف إنزال الجند، فكان ما ذكره أعم وأشمل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن (الجند) اسم جنس جمعي مفردة جندي، فالياء للواحد وحذفها يفيد الجنس مثل رومي وروم (11)، وزنجي وزنج. أما الجنود فهو جمع تكسير. ومن المعلوم أن اسم الجنس يقع على القليل والكثير، فهو يقع على الواحد والاثنين والجمع. فإنك إذا عاملت روميًا واحدًا أو روميين جاز لك أن تقول: (عاملت الروم) أما الجمع فلا يصح فيه ذلك، وإنما يقع على الجمع فقط (12). فقوله: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ} نفي الواحد والاثنين والجمع لأنه نفى اسم الجنس الجمعي، ولو جاء بالجنود لم ينف الواحد والاثنين، فكان ما ذكره أولى من كل وجه. واختار (ما) في النفي على (لم) فلم يقل: (ولم ننزل) وذلك لأن (ما) أقوى في النفي من (لم) (13). وقد أكد النفي أيضًا بذكر (من) الاستغراقية المؤكدة، فأكد النفي باستعمال الحرف (ما) واستعمال (من) الاستغراقية. وهناك أمر آخر حسن ذكر (ما) دون (لم) وهو ذكر (من) الاستغراقية، فإن القرآن لم يأت البتة بــ (من) الاستغراقية مع (لم) بخلاف (ما). وقال: (من السماء) ولم يقل: (من السماوات)؛ لأن السماء أعم وأشمل من السماوات، فهي تشمل السماوات وتشمل أيضًا الجو والسحاب وما علاك على وجه العموم، فهي تشمل السماوات وزيادة (14)، فكان ذلك أشمل وأعم، كما ناسب ذكر (من) الاستغراقية ذكر السماء فإن كليهما للاستغراق والعموم. وقد تقول: وما الحاجة إلى ذكر (السماء) وهو لم ينزل عليهم جندًا أصلًا لا من الارض ولا من السماء؟ فنقول: إنه ذكر أنه لم ينزل عليهم جندًا من السماء وإنما أهلكهم بصيحة منها. فالسماء هي مبدأ إنزال العذاب لكن ليس بالجند وإنما بالصيحة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لم يذكر السماء لكانت الآية على النحو الآتي: (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند وما كنا منزلين). وهذا المعنى لا يصح؛ لأن قوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} ينفي إنزال الجنود على أية حال سواء كام من السماء أم من غيرها. في حين أن الله سبحانه أنزل جنودًا وأقوامًا على آخرين فحاربوهم ودفع بعضهم ببعض وعاقب بعضهم ببعض. وكل إتيان من مكان عال فهو نزول أو إنزال. وكل حرب حصلت بين قومين أو أقوام وانحدر أحدهما من مكان عال فهو نزول. وقد يعذب الله بعض الناس ببعض، ويدفع بعضهم ببعض، ويبعث بعضهم على بعض، كما قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} {الحج: 40}، وقال: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} {الأسراء: 5}. ولا يخلو ذلك من إنزال جند. وكان يأجوج و مأجوج ينزلون من الجبل فيفسدون في الأرض. فلو حذف( من السماء) لم يستقم المعنى ولم يصح. هذا وإنه لو حذف أي قيد لم يصح المعنى، فإن الآية هي {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} : 1- فإنه لو حذف (على قومه) لم يصح المعنى؛ لأن الله سبحانه أنزل جنودًا من السماء بعده وذلك لنصرة سيدنا محمد . 2- لو حذف (من بعده) لم يصح المعنى؛ لأن القصد هو معاقبة قومه بعد قتله، فإذا حذف الظرف لم يفهم أن العقوبة بسبب قتله. والمراد بيان ذلك. 3- ولو حذف (من جند) لم يصح المعنى؛ لأنه لا يعلم المنفي على وجه التحديد، ولكان النفي عامًا، وهو لا يصح، إذ سيكون التعبير: (وما أنزلنا على قومه من بعده من السماء وما كنا منزلين) وهو النفي لإنزال الجنود ولكل أنواع العذاب من السماء، بل هو نفي لكل إنزال من السماء سواء كان خيرًا أم شرًا، وهو لا يصح، لأن الله سبحانه أنزل عليهم وعلى من قبلهم عذابًا من السماء ولكن ليس جندًا كما أخبرنا ربنا سبحانه، فقد قال في قوم موسى: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} {البقرة: 59}، وقال في قوم لوط: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} {العنكبوت: 34}. وأرسل على قومه وعلى من قبلهم الصيحة من السماء. والسماء كلمة عامة تشمل كل ما علا سواء كان سحابًا أم غيره، وقد فسر ربنا الرجز النازل على قوم لوط من السماء بأنه الصيحة وإرسال الحجارة، قال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} {الحجر: 73 - 74}، فلا يصح الحذف. 4- ولو حذف (من السماء) لم يصح لما ذكرناه. فكان أعدل الكلام وكلام ربنا سبحانه. جاء في (التفسير الكبير): "قال: (من السماء) وهو تعالى لم ينزل عليهم ولا أرسل إليهم جندًا من الأرض فما فائدة التقييد؟ نقول: الجواب عنه من وجهين: (أحدهما): أن يكون المراد: وما أنزلنا عليهم جندًا بأمر من السماء فيكون للعموم. (وثانيهما): أن العذاب نزل عليهم من السماء، فبين أن النازل لم يكن جندًا لهم عظمة، وإنما كان ذلك بصيحة أخمدت نارهم وخربت ديارهم" (15). (1) انظر التفسير الكبير 26/61، فتح القدير 4/356. (2) انظر الكشاف 2/586، التفسير الكبير 26/62، روح المعاني 23/12، فتح القدير 4/356. (3) تفسير ابن كثير 3/569. (4) التفسير الكبير 26/62. (5) البحر المحيط 7/331 – 332 وانظر روح المعاني 23/2. (6) مغني اللبيب 2/473. (7) انظر شرح الأشموني 2/12. (8) التفسير الكبير 26/61. (9) البحر المحيط 7/331. (10) المصباح المنير (جند) 1/111. (11) انظر المصباح المنير (جند) 1/111. (12) انظر شرح الرضي على الشافية 2/178. (13) انظر معاني النحو 4/227. (14) انظر التعبير القرآني 52. (15) التفسير الكبير 26/61. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 129 إلى ص 137. الوقفة كاملة |
| ٣٦٨ | {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)} أي ما كانت العقوبة أو الأخذة إلا صيحة واحدة (1)، واسم كان ضمير مستتر. ونفي بإن ولم ينف بما، ذلك لأن (إن) أقوى من (ما) (2) ولذلك كثيرًا ما تقترن بإلا لإفادة القصر. ويتبين ذلك من مواطن اجتماعهما. قال تعالى: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} {يوسف: 31}، فإثبات الملكية ليوسف يحتاج إلى قوة ولذلك نفى بما أولًا ثم نفى وأثبت بإن وإلا لما هو أقوى. ونحو ذلك ما ذكرناه في قوله: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} فنفى أولًا بما، ثم نفى وأثبت بإن وإلا. ونحوه ما مر قريبًا وهو قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} {يس: 28 - 29}، فنفى بما أولًا، ثم نفى وأثبت بإن وإلا. وقوله: (واحدة) نعت مؤكد، وقد أفاد أمرين: بيان بالغ قدرة الله، وبيان هوانهم وضعفهم، فإنهم لم يحتاجوا إلى أكثر من صيحة واحدة. وأضمر اسم (كان) لظهوره ووضوحه، فإنه دل عليه المقام وإن لم يجر له ذكر. وجاء بالفاء وإذا الفجائية للدلالة على سرعة هلاكهم، فإن الفاء تفيد الترتيب والتعقيب، وإذا تفيد المفاجأة، وجاء بهما معًا للدلالة على سرعة المفاجأة بحيث لم تكن بين الصيحة وخمودهم مهلة. ولا يؤدي أي حرف هذا المؤدي، فلو جاء بثم فقال: (ثم إذا هم خامدون) لدل على أن خمودهم إنما حصل بعد مدة من الصيحة، نظير قوله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} {الروم: 20}. ولو جاء بالواو لم يدل ذلك على التعقيب أيضًا ولم يدل أن ذلك إنما كان بسبب الصيحة، فإن الواو لا تفيد السبب بل تفيد الإتباع، فجاء بالفاء للدلالة على معنيي السبب والسرعة، ولا يؤدي أي حرف مؤداها. جاء في (التفسير الكبير): "وقوله: (واحدة) تأكيد لكون الأمر هينًا عند الله. وقوله: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} فيه إشارة إلى سرعة الهلاك، فإن خمودهم كان مع الصيحة وفي وقتها لم يتأخر" (3). وجاء في (البحر المحيط) في قوله: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} :"أي فاجأهم الخمود إثر الصيحة لم يتأخر" (4). وجاء في(روح المعاني): "و(إن) نافية، و(كان) ناقصة، واسمها مضمر، و(صيحة) خبرها، أي ما كانت هي، أي الأخذة أو العقوبة، إلا صيحة واحدة... و(إذا) فجائية وفيها إشارة إلى سرعة هلاكهم بحيث كان مع الصيحة. وقد شبهوا بالنار على سبيل الاستعارة المكنية" (5). وقال (خامدون) إشارة إلى سرعة هلاكهم وانطفاء حياتهم كانطفاء السراج. واختيار هذا الوصف أحسن اختيار، فإنه مأخوذ من خمود النار وهو سكون لهبها وذهاب حسيسها، يقال: "خمدت النار تخمد خمودًا: سكن لهبها ولم يطفأ جمرها، وهمدت همودًا: إذا أطفئ جمرها البتة، وأخمد فلان ناره، وقوم خامدون: لا تسمع لهم حسًا. جاء في التنزيل العزيز {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} قال الزجاج: فإذا هم ساكتون قد ماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد الهامد" (6). وفي (القاموس المحيط): "خمدت النار: كنصر وسمع خمدًا وخمودًا سكن لهبها، ولم يطفأ جمرها" (7). وفي (المصباح المنير): "خمدت النار خمودًا من باب قعد: ماتت فلم يبق منها شيء، قيل: سكن لهبها وبقي جمرها" (8). وفي (أساس البلاغة): "نار خامدة وقد خمدت خمودًا: سكن لهبها وذهب حسيسها" (9). يتضح مما مر أن الفعل (خمد) يحمل المعاني الآتية: 1- يقال: خمدت النار، أي سكن لهبها ولم يطفأ جمرها. 2- وقيل أيضًا: خمدت النار، إذا ماتت ولم يبق منها شيء. 3- ويقال: خمد القوم، إذا سكتوا فلا تسمع لهم حسًا. 4- وخمد القوم: سكتوا وماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد الهامد. أما همود النار فهو انطفاؤها وعدم بقاء أثر منها. جاء في (لسان العرب): "وهمدت النار تهمد همودًا: طفئت طفوءًا وذهبت البتة فلم يبين لها أثر... الأصمعي: خمدت النار: إذا سكن لهبها، وهمدت همودًا إذا طفئت البتة" (10). وجاء في (القاموس المحيط): "الهمود: الموت وطفوء النار أو ذهاب حرارتها" (11). وجاء في (المصباح المنير): "همدت النار همودًا من باب قعد: ذهب حرها ولم يبقى منها شيء" (12). واختيار الخمود على الهمود أنسب من عدة نواح منها: 1- أن في ذلك إشارة إلى سرعة سكونهم وانقطاع حركتهم، فإن الخمود أسرع من الهمود؛ ذلك أن إطفاء السراج والشعلة إنما يكون في أسرع وقت. جاء في (التفسير الكبير): "والخمود في أسرع زمان فقال: (خامدين) بسبها، فخمود النار في السرعة كإطفاء سراج أو شعلة" (13). 2- بيان أن حركتهم وأصواتهم قد خمدت فلا تسمع لهم حسًا وذلك بعد التوعد والتهديد والضجيج والصخب الذي ملأ القرية، وبعد البطش والتنكيل بالرجل الناصح. وبعد كل ذلك إذا هم ساكتون خامدون لا تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا. 3- ثم إن اختيار الخمود مناسب لقوله: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} وذلك أنه إذا كان في موضع ما ضجيج وصياح وصخب فإنه لا يسكته إلا صوت أو صيحة أعلى منه. فصاح بهم صيحة أسكتتهم وأخمدتهم. 4- إن في اختيار الخمود على الهمود إشارة إلى البعث بعد الموت، فإن الخمود لا يعني الفناء وإنما يعني ذهاب اللهب والحرارة وبقاء الجمر، فكأن ذلك إشارة إلى مفارقة الأرواح للأبدان وليس فناءها. حاء في (روح المعاني): "ولعل في العدول عن (هامدون) إلى (خامدون) رمزًا حفيًا إلى البعث بعد الموت" (14). 5- اختيار الخمود على الهمود في صورة فنية أخرى، وهي صورة الجمر الذي يغطيه الرماد، وهي شبيهة بحالة الجثة التي يعلوها تراب القبر، وفيها إشارة إلى أنهم يحترقون بالنار في داخلها وإن كان لا يظهر ذلك للناظرين. 6- ومن معاني الخمود: الموت أيضًا كالهمود، فأعطى الخمود معنى الهمود مع معان أخرى لا يؤديها الهمود كسرعة الهلاك والسكوت بعد الصيحة، والرمز الخفي إلى البعث بعد الموت وأن ظاهرهم ساكن بارد وحقيقتهم نار تحرق. فكان اختيار الخمود أولى والله أعلم. (1) الكشاف 2/586. (2) انظر معاني النحو 4/235. (3) التفسير الكبير 26/62. (4) البحر المحيط 7/332. (5) روح المعاني 23/2. (6) لسان العرب (خمد) 4/144. (7) القاموس المحيط (خمد) 1/292. (8) المصباح المنير (خمد) 1/181. (9) أساس البلاغة (خمد) 250. (10) لسان العرب 4/448 (همد). (11) القاموس المحيط (همد) 1/348. (12) المصباح المنير (همد) 2/64. (13) التفسير الكبير 26/62. (14) روح المعاني 23/2 – 3. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 137 إلى ص 142. الوقفة كاملة |
| ٣٦٩ | {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31)} أي ألم يعملوا كثرة إهلاكنا للأمم الماضية فيتعظوا، و(كم) خبرية تفيد التكثير، والقرون جمع قرن وهو الأمة. وفي الآية مسائل: 1- أنه قال: {أَلَمْ يَرَوْا} وفي مكان آخر قال: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا} {السجدة: 26}. 2- وقال ههنا: (قبلهم) وقال في مكان آخر: (من قبلهم). 3- وقال ههنا: (من القرون) وقال في مكان آخر: (من قرن) فأفرد. 4- وقال ههنا: (قبلهم من القرون) فقدم الظرف على القرون. وفي مكان آخر قدم القرون على الظرف فقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} {الإسراء: 17}، وقال: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ} {يونس: 13}. فما سر هذا الاختلاف؟ فنقول:1- إن معنى (ألم يهد لهم): (ألم يتبين لهم)، ومعنى (ألم تر) و(ألم يهد لك) متقاربان إلى حد كبير، ولكن القرآن خص كل تعبير بموطن، فقد استعمل الرؤية في نحو هذا من موطنين وهما آية (يس) هذه، والموطن الآخر قوله تعالى في سورة الأنعام: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ} {الأنعام: 6}. واستعمل (ألم يهد) في موطنين أيضًا وهما قوله تعالى في سورة السجدة: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} {السجدة: 26}، وقوله في سورة طه: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} {طه: 128}. والملاحظ أنه يستعمل فعل الرؤية في سياق ذكر العقوبات الدنيوية فيقول: (ألم يروا) ولعل ذلك لأن عقوبات الدنيا يمكن أن ترى آثارها. أما في سياق الآخرة وأحوالها وعقابها فيستعمل: (ألم يهد لهم) ولعل ذلك – والله أعلم – أنه من باب الهداية العقلية والتبصر الذهني وهو ألصق بالهداية والتبين من الرؤية. وإليك إيضاح ذلك. فإنه بعد أن ذكر عقوبة أهل القرية في سورة (يس) بقوله: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}، قال: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ} {يس: 31}. وقال في سورة الأنعام: {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} {الأنعام: 5} فحذرهم، ثم ذكر الآية: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا} {الأنعام: 6}، بعدها. وفيها قوله: {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ} {الأنعام: 6}، ثم يلفت نظرهم إلى ما أوقعه من عقوبات على الأمم المكذوبة قبلهم وذلك نحو قوله: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} {الأنعام: 10 - 11}. فأنت ترى أن الآية ذكرت في سياق العقوبات الدنيوية فذكر (ألم يروا). وأما قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ} {السجدة: 26}، فقد جاء في سياق أحوال الآخرة. قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} {السجدة: 18 - 20}. وقال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} {السجدة: 25 - 26}. فقال: {أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} في سياق ذكر أحوال الآخرة. وكذلك الحال في آية طه، فقد قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ.....} {طه: 124 - 128}. فقال: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} في سياق أحوال الآخرة أيضًا ولم يذكر شيئًا من العقوبات الدنيوية. 2- وأما قوله: (قبلهم) و(من قبلهم) فإن (من) تفيد ابتداء الغاية، فتفيد الزمن الذي قبل المعنيين بالضمير مباشرة فما قبله. وأما (قبلهم) فيفيد الزمن القريب والبعيد كما هو معلوم. فقوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ} فيه تهديد وتوعد أكبر من قوله: (قبلهم) من دون (من)؛ وذلك لأن إهلاك القريب أدعى إلى الموعظة والعبرة من إهلاك البعيد، وهو أشد تأثيرًا في النفوس، فكلما كان الهالك أقرب زمنًا إلى الشخص كان أدعى إلى الموعظة من ذوي الأزمان السحيقة، ولذلك هو يستعمل (من قبلهم) في مواطن التهديد والتوعد الشديد. وإليك بيان ذلك: قال تعالى: في سورة (يس): {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ} . وقال في السجدة: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} {السجدة: 26 - 27}. ولو نظرنا في سياق الآيتين لاتضح لنا أن التهديد في السجدة أكبر وأشد مما في (يس) وذلك من جملة نواح، منها: 1- أنه قال في السجدة: {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} أي يمرون عليها ويمشون فيها ويبصرونها، وذلك أدل على التوعد وأدعى للموعظة والعبرة، فإن دخول مساكن المهلكين والمشي فيها يبعث آثارًا عميقة في النفس، والتهديد بأن مصيرهم كمصير أولئك أوضح. 2- قال في السجدة: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ}، ولم يقل مثل ذلك في (يس). 3- أنه عقب بعد ذلك بقوله: {أَفَلَا يَسْمَعُونَ} تقريعًا لهم، أي ألا يسمعون حديثهم وأخبارهم؟ 4- ثم قال بعدها: {أَفَلَا يُبْصِرُونَ} زيادة في التقريع. 5- وقد تهددهم وتوعدهم قبل هذه الآية بأن يذيقهم العذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة بقوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} {السجدة: 21}، ولم يقل مثل ذلك في (يس). 6- ذكر من آثار رحمة الله ونعمه عليهم في سورة (يس) من إخراج الحبوب وإنشاء الجنات وتفجير العيون ما لم يذكره في سورة السجدة، فإنه لم يذكر في السجدة إلا إخراج الزرع الذي يأكل منه الأنعام والناس. فكان المقام والسياق في السجدة يدل على التهديد والتوعد أشد مما هو في سورة (يس)، فجاء بـ (قبلهم) في (يس)، و(من قبلهم) في السجدة. ونحو ذلك قوله تعالى في سورة (ص): {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} {ص: 3}. وقوله في سورة (ق): {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ} {ق: 36}. فقال في (ص): {مِنْ قَبْلِهِمْ}، وقال في (ق): {قَبْلَهُمْ} . ومن النظر في السياق الذي وردت فيه كل من الآيتين يتضح أن التوعد والتهديد في (ص) أشد مما في (ق)، فإنه في (ق) لم يزد على أن قال بعد هذه الآية: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} {ق: 37}، ثم انتقل إلى أمر آخر، ثم إلى الحشر في الآخرة. وأما في (ص) فإن السياق يختلف، فقد ذكر من موجبات توعدهم ما لم يذكره في (ق)، فقد قال بعد هذه الآية: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} {ص: 4 - 8}. 1- فقد ذكر أنهم قالوا: هذا ساحر كذاب. 2- وتعاهد الملأ على نصرة الآلهة وتواصوا بذلك. 3- وقالوا إن ما أتى به الرسول إنما هو اختلاق وكذب. 4- وعجبوا كيف ينزل عليه الذكر من بينهم. في حين لم يزد في (ق) على أن قال: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} {ق: 2}، واستبعدوا البعث بقولهم: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} {ق: 3}، وليس فيها مثل تلك الخصومة والمواجهة. وعلاوة على ذلك فقد توعدهم بالعذاب بقوله: {بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} {ص: 8}، أي لم يذوقوه بعد وسيذوقونه. ثم تهددهم مرة أخرى بقوله: {وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} {ص: 15}. فالفرق بين المقامين واضح، فإن موقف الكفار من الرسول في (ص) أشد وكان تهديده وتوعده لهم أشد، فقال في (ص): (من قبلهم)، وقال في (ق): (قبلهم). فاتضح الفرق بين قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ} و{مِنْ قَبْلِهِمْ} . وهناك أمر آخر حسن قوله: (قبلهم) في سورة (يس) إضافة إلى ما ذكرناه، وهو أنه قال في ختام الآية: {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ} وذلك ليدل على أن الأمم لا ترجع إلى الدنيا وإن تطاول عهدها بالفناء وابتعد زمانها، وأن الأمم الهالكة جميعها لا تعود إلى الدنيا، وليس ذلك مختصًا بما زمنه قريب منهم، فإنه لم ترجع أمة أبيدت وأهلكت منذ أول الدنيا إلى الآن، ولن ترجع إليها في المستقبل، وإنما سيجمعها ربها ويرجعها إليه. وهذا أدعى إلى حذف (من) ليشمل جميع الأمم ابتداء من أول الدنيا. 3- وأما تقديم الظرف (قبلهم) على (القرون) أو تأخيره عنها فذلك بحسب القصد، فإنه إذا أراد تهديد المشركين قدم (قبلهم) يقول مثلًا: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ} أو {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ}. وإن لم يرد ذلك قدم القرون على الظرف فيقول مثلًا {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} {الإسراء: 17}، أو {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} {يونس: 13}. فتقديم ما يتعلق بهم وهو الزمن المضاف إليهم يعني تهديدهم، بخلاف تأخيره فإنه لا يفيد ذاك. وكل ما ورد بقصد التهديد تقدم فيه الظرف على القرون نحو قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ} {السجدة: 26}، وقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} {مريم: 74}، وذلك في ثمانية مواطن من القرآن الكريم. وقدم القرون على الظرف (قبلهم) في موطنين وهما: قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} {الإسراء: 17}. وقوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} {يونس: 13}. أما قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} فليس الموطن موطن تهديد لقوم الرسول، وإنما الكلام على من بعد نوح من القرون، قال تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} {الإسراء: 15 - 20}. فليس المقام مقام تهديد لقوم الرسول خاصة. وأما قوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} فهو ليس تهديدًا لهم أيضًا، كما أنه ليس السياق والمقام في ذلك. قال تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} {يونس: 13 - 14}. ويدل على أن المقام ليس مقام تهديد بالإهلاك قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} فالمقام في جعلهم خلائف من بعدهم لا في إهلاكهم. فاتضح الفرق. 4- وأما إفراد القرون وجمعها بعد (كم) فإن ذلك إنما يكون لغرض فإنه يفرد إذا كان يريد ذكر صفة القرن المهلك أو حالة من حالاته أو لأي سبب آخر يقتضيه السياق. ويجمع إذا لم يرد ذلك وإنما يريد ذكر المجموع على العموم، أو يريد أن يبين أن هذه القرون المهلكة سيحييها ربها ويجمعها أو لأي سبب آخر يقتضيه السياق. وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ} {الأنعام: 6}. فهو ذكر صفة القرن الذي أهلكه بقوله: 1- مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم. 2- أرسلنا السماء عليهم مدرارًا. 3- وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم. ثم ذكر بعد ذلك أنه أنشأ بعده قرنًا آخرين، فاهلك قرنًا وأنشأ بعده قرنًا آخر. فناسب ذلك الإفراد. وقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} {مريم: 74}. فوصف القرن المهلك بأنه أحسن أثاثًا وأحسن منظرًا. وقال في (ق): {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ} {ق: 36}. فذكر صفة القرن بأنهم أشد بطشًا كم الكفرة في زمن الرسول وأنهم نقبوا في البلاد. وقال في (ص): {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} {ص: 3}، أي فجأروا وصاحوا وصرخوا واستغاثوا. فذكر حالتهم هذه عند الإهلاك. وقد تقول: ربما كان هذا شأن المهلكين جميعًا. فنقول ليسوا كلهم كذلك بدليل قوله تعالى في سورة (يس) في أصحاب القرية: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}. وقال في آخر سورة مريم: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} {مريم: 98}. والسياق يقتضي الإفراد، ذلك أنه قال قبل هذه الآية: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} {مريم: 93 - 95}. فأنت ترى أن السياق في الإفراد، فقد ذكر أنه سبحانه أحصى كل من في السماوات والأرض واحدًا واحدًا وعدهم عدًا، وإن كل واحد منهم سيأتيه يوم القيامة فردًا. فناسب ذلك الإفراد، فأفرد القرن لذلك، والله أعلم. في حين قال: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ} {يس: 31}. وقال: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} {السجدة: 26}. وقال: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} {طه: 128}. وقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} {الإسراء: 17}. فذكر القرون على العموم من دون تخصيص قرن منها أو مجموعة منها بأمر معين. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه قد يذكر القرون مجموعة في مقام ذكر الآخرة؛ لأنه سيحييها كلها ويجمعها فقال في سورة (يس): {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} . فذكر أنه سيجمعها كلها ويحضرها لديه سبحانه. وقال في سورة السجدة: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} . فذكر سبحانه أنه يفصل بينهم يوم القيامة. وقال في سورة طه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى}. فأنت ترى أنه ذكر القرون مجموعة في هذه الآيات في سياق ذكر الآخرة. أو يكون السياق يقتضي الجمع لأمر آخر وذلك نحو قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} . فأنت ترى أنه ذكر القرون من دون وصف لها، وقد أراد بيان كثرة القرون المهلكة المتطاولة من بعد نوح. ثم إن السياق لم يخل من إشارة إلى الآخرة، فقد جاء بعد هذه الآية: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} {الإسراء: 18 - 21}. وقد تقول: إن صيغتي الجمع والإفراد كافيتان في التفريق بينهما ولا حاجة إلى هذه الإطالة. فنقول: لولا ورودهما بعد (كم) الخبرية لم نكلف أنفسنا بتسويد سطر واحد، ولكن المفرد بعد (كم) الخبرية لا يدل على الواحد، وإنما يدل على الكثرة، فقولك: (كم رجل أكرمت) لا يدل على أنك أكرمت رجلًا واحدًا وإنما يدل على إكرام الكثير، فكان المفرد ههنا دالًا على الجمع فاقتضى التفريق بينهما، والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 146 إلى ص 157. * * * {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ} والمعنى: ألم يروا لا يرجعون إليهم؟ وقدم الجار والمجرور (إليهم) لإرادة الاختصاص، أي لا يرجعون إليهم بل إلينا، وفيه إلماح إلى الحشر والحياة بعد الموت. وأكد ذلك بالآية بعدها: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} فقد أثبت الحشر ضمنًا بتقديم الجار والمجرور، وصرح بذلك في الآية بعدها. ونفى بـ (لا) دون (لم) للدلالة على أن الرجوع إلى الدنيا مرة ثانية لا يكون أصلًا في زمن المخاطبين ولا في المستقبل، ولو نفاه بـ (لم) لكان نفى الرجوع في الماضي دون المستقبل. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 157 إلى ص 158. الوقفة كاملة |
| ٣٧٠ | {وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41)} إن مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، فإنه لما ذكر سباحة الأجرام في الفلك فقال: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ذكر سباحة الفلك في الماء وجريها فيه (1). إن كلمة (الفلك) تكون مفردًا وجمعًا، فالمفرد (فلك) والجمع (فلك) أيضًا بلفظ واحد. وقد اختلف في (الفلك) الوارد في الآية فقيل: هي السفن التي تجري في البحار إلى قيام الساعة، والذرية هم الأولاد، فامتن عليهم بحمل أولادهم في البحار، ذلك أن الامتنان بالنعمة على الأبناء امتنان بالنعمة على الآباء. ولذلك كثيرًا ما يدعو الناس أن يرزقهم الله ذرية طيبة، فقد قال زكريا عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} {آل عمران: 38}، ويدعون لذرياتهم بالخير، فقد وصف تعالى عباد الرحمن بقوله: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} {الفرقان: 74}. وقال إبراهيم عليه السلام: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} {البقرة: 128}. فهو إشارة إلى إن عقبهم باق وأن نسلهم لا ينقطع وأنهم – أي ذريتهم – سيركبون في الفلك المشحون بالبضائع، الممتلئ بالأموال. وقيل: المقصود بالفلك هو سفينة نوح عليه السلام، والمقصود بالذرية: الأبناء. قيل: والمعنى أنه لما حمل آباءهم الأقدمين يكون قد حمل ذريتهم في أصلابهم، ولولا ذلك الحمل لم يبق للآدمي نسل (2). وحمل الآباء يتضمن حمل الذرية. جاء في (الكشاف): "(ذريتهم) أولادهم ومن يهمهم حمله... وقيل: (الفلك المشحون) سفينة نوح. ومعنى حمل الله ذرياتهم فيها: أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين، وفي أصلابهم هم وذرياتهم، وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجيب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح" (3). وجاء في (روح المعاني): "واستشكل حمل ذريتهم في سفينة نوح عليه السلام، وأجيب بأن ذلك بحمل آبائهم الأقدمين وفي أصلابهم هؤلاء وذريتهم، وتخصيص الذرية مع أنهم محمولون بالتبع لأنه أبلغ في الامتنان، حيث تضمن بقاء عقبهم، وأدخل في التعجب ظاهرًا حيث تضمن حمل ما لا يكاد يحصى كثرة في سفينة واحدة مع الإيجاز، لأنه كان الظاهر أن يقال: حملناهم ومن معهم ليبقى نسلهم. فذكر الذرية يدل على بقاء النسل، وهو يستلزم سلامة أصولهم، فدل بلفظ قليل على معنى كثير" (4). وليس في كون (الفلك) سفينة نوح استشكال، فإنه سبحانه قال: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} {الحاقة: 11}، فذكر أنه حملهم في سفينة نوح وهو لم يحملهم وإنما حمل آباءهم فصح أن يقول: {حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} فإن المخاطبين وذريتهم هم جميعًا ذرية المحمولين في السفينة. وهذا الخطاب أعني قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}، يصح أن يكون خطابًا للبشر على مدى الزمان، وأن يكون ذلك آية من آيات نعمة تعالى على خلقه. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لما قال فيما بعد: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} {يس: 49}، والمقصود بهذه الصيحة صيحة القيامة، وهي لا تأخذهم وإنما تأخذ ذريتهم صح أن يقول في سفينة نوح أنه حمل ذريتهم. فجعلهم هم المعنيين بالصيحة، مع أن المعني هم الذرية، فجعل الآباء والذرية شيئًا واحدًا. ثم لننظر من ناحية أخرى أنه من عليهم وعلى ذرياتهم بالحمل في الفلك، غير أنه ذكر في حالة طغيان الماء حملهم هم فقال: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}، ولما لم يذكر طغيان الماء ذكر حمل ذريتهم، ذلك أنه في حالة طغيان الماء يخشى الغرق فذكر أنه حملهم هم ليدل على إنعامه عليهم بالنجاة، وفي نجاتهم نجاة لذريتهم، وليس في نجاة الذرية نجاة للآباء. ولما لم يذكر طغيان الماء ذكر أنه حمل ذريتهم فكانت النعمة عليهم بالنجاة وعلى ذريتهم بالانتفاع، أو بتعبير آخر: كانت النعمة عليهم بدرء المفسدة وعلى ذريتهم بجلب المنفعة؛ ذلك لأنه وصف الفلك بأنه مشحون، أي مملوء بالبضائع وعروض التجارة. ودرء المفاسد – كما يقال – مقدم على جلب المنافع، فذكر مع المخاطبين درء المفسدة ودفع الضرر عنهم، ومع الأبناء جلب المنفعة لهم، فكانت النعمة عليهم وعلى ذريتهم. ولما ذكر طغيان الماء وصف الفلك بأنها جارية، أي تجري بهم لينجوا إلى مكان آمن. ولما لم يذكر طغيان الماء وصف الفلك بأنه مشحون، أي ممتلئ، ولا يحسن ذكر المشحون مع طغيان الماء، لأن امتلاءه يبطئه في الجري فلا ينجون به بسرعة. فذكر مع النجاة الجري ومع المنفعة الشحن، فكان كل تعبير أنسب في مكانه. جاء في (التفسير الكبير): "قال ههنا: {حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} من عليهم بحمل ذريتهم. وقال تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} من هناك عليهم بحمل أنفسهم. نقول: لأن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير، ومن يدفع الضرر عن المتعلق بالغير لا يكون قد دفع الضرر عن ذلك الغير، بل يكون قد نفعه. مثاله: من أحسن إلى ولد إنسان وفرحه فرح بفرحه أبوه، وإذا دفع واحد الألم عن ولد إنسان يكون قد فرح أباه، ولا يكون في الحقيقة قد أزال الألم عن أبيه. فعند طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال: دفعت عنكم الضرر، ولو قال: دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بيان دفع الضرر عنه. وههنا أراد بيان المنافع فقال: {حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} لأن النفع حاصل ينفع الذرية، ويدلك على هذا أن ههنا قال: {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} فإن امتلاء الفلك من الأموال يحصل بذكره بيان المنفعة، وأما دفع المضرة فلا؛ لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص به أبطأ وهنالك السلامة، فاختار هنالك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري، وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشحن" (5). وقد تقول: ولم ذكر حمل الذرية ههنا، أي في آية (يس) هذه، ولك يذكر حملهم هم؟ فنقول: إن ذلك لأمور منها: 1- أنه لما قال قبل هذه الآية: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ} ناسب ذكر الذرية؛ لأن الذرية إنما تكون من الأزواج. 2- ولما ذكر صيحة القيامة، وهي لا تأخذهم وإنما تأخذ ذريتهم ناسب ذلك ذكر الذرية أيضًا. 3- ثم إن ذلك من قبيل المن عليهم، فهو أخبرهم ضمنًا أنه لا يستأصلهم وإنما يبقيهم ويبقى ذريتهم. ثم لننظر من ناحية أخرى أنه قال: "{وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ}، وقال: { وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ} ولم يقل: (وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم) وذلك لأن حملهم في الفلك هو العجب، أما نفس الفلك فليس بعجب لأنه كبيت مبني من خشب. وأما نفس الأرض فعجب ونفس الليل عجب لا قدرة عليهما لأحد إلا الله" (6). ثم إن الامتنان عليهم إنما هو بالحمل في الفلك وليس في الفلك نفسه، ذلك أن الحمل فيه هو النعمة، فالفلك ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود هو الحمل فيه، فذكر ما به مناط النعمة والمنة. وبعد أن من عليهم بحمل ذريتهم في الفلك المشحون ذكر منته عليهم بالحمل فقال: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} . وقوله: (من مثله) يعني من مثل الفلك. و(ما يركبون) فيه وجهان: الأول: أنه الفلك وما يركبونه من السفن والزوارق (7). والآخر: أنه عموم ما يركب في البر من الإبل وغيرها. والظاهر أنه يشمل عموم ما يركب في البر والبحر، فمن عليهم بما يركبونه عمومًا مما سخره لهم ربنا سبحانه. فذكرهم بنعمة السكن وهي الأرض، ونعمة الطعام، ونعم النهار والليل، وحملهم وحمل بضائعهم في البر والبحر. وقوله: (لهم) يدل على تمام نعمته عليهم، ذلك أنه خلق ذلك من أجلهم. ولو قال: (وخلقنا من مثله ما يركبون) لم يدل على أن الخلق كان من أجلهم. كما أن إضافة الذرية إليهم فيه تفضل آخر عليهم، بخلاف ما لو قال: إنا حملنا ذرية المخلوقات، أو ذرية الناس مع نوح، فإن ذلك يعم وهذا يخصهم هم. (1) انظر التفسير الكبير 26/78. (2) انظر التفسير الكبير 26/78. (3) الكشاف 2/589، وانظر البحر المحيط 7/338. (4) روح المعاني 23/27. (5) التفسير الكبير 26/80. (6) التفسير الكبير 26/81. (7) انظر الكشاف 2/589، التفسير الكبير 26/81. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 189 إلى ص 195. الوقفة كاملة |
إظهار النتائج من 361 إلى 370 من إجمالي 396 نتيجة.