أسرار بلاغية
| ٣٥١ | {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } هذه الآية وقعت في سياق ما قبلها من آية التوحيد وإبطال الشرك من مثل قوله سبحانه:{أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ} وقوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}. وقوله: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} ثم قال: {هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي} فذكر في هذه الآية، أعني { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ........} ماذا أوحى إليه في ذكر من قبله. فذكر أن كل رسول أرسله ربنا سبحانه أوحى إليه {أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ }. فبين أنه أوحى إليه بالتوحيد والأمر بعبادته سبحانه. وقال: {مِنْ رَسُولٍ} فجاء بـ (من) الدالة على الاستغراق، فدل ذلك على أن كل رسول أوحي إليه هذا الأمر بلا استثناء، فلم يستثن رسولاً من ذلك. وقال: {إِلَّا نُوحِي} بالمضارع، ولم يقل: (أوحينا) لحكاية الحال وذلك يدل على الاهتمام بما أوحى إليه. جاء في (تفسير أبي السعود): "وأياً ما كان فصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية استحضارًا لصورة الوحي" (1). بل إن التعبير في الآية كله دل على الاهتمام والتوكيد. فالحصر في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ} يفيد التوكيد، وهو أكد من نحو قولنا: (وأوحينا إلى الرسل قبلك أنه لا إله إلا أنا). والنفي بـ (ما) في (ما أرسلنا) يفيد التوكيد؛ لأن (ما) تكون جوابًا للقسم، وهي أكد من (لم). وقال: (من قبلك) فجاء بـ (من)، وهو أكد مما لو قال: (وما أرسلنا قبلك)، فـ (من) تفيد الابتداء فاستغرقت كل من كان قبله. وقد مر شيء من ذلك فيما ذكرنا. وقال: (من رسول) فأدخل (من) الاستغراقية المؤكدة على المجرور فاستغرق ذلك جميع الرسل مع التوكيد كما ذكرنا قبل قليل. وقال: (نوحي) بالمضارع لحكاية الحال وذلك يدل على الاهتمام كما ذكرنا. وقال: (أرسلنا) و( نوحي) بالإسناد إلى ضمير التعظيم. ووردت قراءتان متواترتان في (نوحي) هما (نوحي) و(يوحى) بالبناء للمجهول (2) فجمعت معنيين وصيغتين. وقال: (أنه) بإدخال (أن) على ضمير الشأن الدال على التعظيم والاهتمام، ولم يقل: (أن لا إله إلا أنا) بحذف ضمير الشأن. ومن المعلوم أن الذكر أكد من الحذف. إنه لم يقل كما قال في غير هذا الموطن (أن لا إله إلا هو) وذلك نحو قوله تعالى في سورة هود: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14).} فقال: {وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ولم يقل: (وأنه) كما قال في آية الأنبياء. وكما قال في سورة الأنبياء في موضع آخر: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)}. وذلك أن آية هود في سياق الدلالة على أن القرآن ليس مفترى وإنما هو من عند الله. في حين أن السياق في آية الأنبياء إنما هو في سياق التوحيد ونفي الشرك. فلما كان السياق في التوحيد أكد وعظم بذكر ضمير الشأن. كما أن آية الأنبياء الأخرى ليست في سياق التوحيد، وإنما هي سياق التسبيح والدعاء والإقرار بما فعل من خلاف الأولى فقال: {أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ} ولم يقل (أنه). وكل تعبير مناسب في سياقه الذي ورد فيه. وقوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا} كله مؤكد. وقوله: (فاعبدون) أمر بعبادة الله وهي الغاية التي خلق لها الثقلان كما قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. {فَاعْبُدُونِ}: إن قوله: (فاعبدون) أمر للجمع مع أن الموحى إليه واحد، فلم يقل: (إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدني) ذلك أن الأمر له ولمن أرسل إليهم على الأظهر. جاء في (البحر المحيط) في قوله: (فاعبدون): "ويحتمل أن يكون الأمر له ولأمته" (3). قد تقول: لقد قال في سورة النحل: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)}. فأمر في هذه الآية بالتقوى فقال: {فَاتَّقُونِ}. وأمر في آية الأنبياء بالعبادة فقال: {فَاعْبُدُونِ}. فما سر الاختلاف في ذلك؟ فنقول: إنه قال في آية النحل (أن أنذروا)، والإنذار يقتضي اتقاء ما أنذروا به. فالنذير يخوفهم من أمر عليهم أن يتقوه، فناسب ذلك قوله: (فاتقون). وأما آية الأنبياء فإنها في توحيد الله وعبادته، وهي في سياق إفراده بالعبادة والتوحيد وذلك نحو قوله سبحانه: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ}. وقوله: {أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ}، وقوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، وقوله: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً}. وقال في موضع آخر من السورة: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92}، وتكرر ذكر العبادة في السورة. وناسبت آية النحل – إضافة إلى ما ورد فيها من ذكر الإنذار – ختام ما ورد في السورة وهو قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)}. كما تكرر ذكر الاتقاء في أكثر من موضع في السورة وذلك نحو قوله: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52)}، وقوله: {كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31)} وغيرها. فناسب كل تعبير ما ورد فيه من أكثر من جهة. وقد تقول: لقد قال في سورة الإسراء: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)}. فقال: (قبلك) ولم يقل: (من قبلك) كما قال في آية الأنبياء فما سبب ذلك؟ والجواب أنه قال قبل آية الإسراء: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76)}، ثم قال: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)}. والعقوبة التي ذكرها في قوله: {لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} إنما حصلت قبل الرسول بزمن طويل، فإنها لم تحصل لقوم عيسى، وإنما حصلت لفرعون ومن معه حين اتبع موسى بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم، وحصلت للأقوام القديمة كعاد وثمود وغيرهم من الأقوام في الأزمان السحيقة. إن هذا الأمر لم يحصل ابتداء من زمن الرسالة قبل بعثة الرسول، وإنما حصل قبل ذلك بما لا يعلمه إلا الله، فلم يقل: (من قبلك) بـ (من) التي تفيد ابتداء الغاية، وإنما قال: (قبلك) وهو ما يدل على عموم الزمن قبله فقد يكون ذلك قريبًا أو بعيدًا. فناسب كل تعبير سياقه الذي ورد فيه والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 64 إلى ص 68. (1) تفسير أبي السعود 3/696. (2) انظر البحر المحيط 2/306 وروح المعاني 17/32. (3) البحر المحيط 6/306 وانظر روح المعاني 17/32. الوقفة كاملة |
| ٣٥٢ | {أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43)} هذا التعبير يحتمل معنيين كلاهما مراد: الأول: بل ألهم آلهة تمنعهم من أن ينالهم مكروه يقع عليهم من جهتنا؟ والآخر: ألهم آلهة غيرنا تمنعهم وتحفظهم؟ ثم استأنف فذكر أن هذه الآلهة لا تستطيع أن تنصر نفسها، وأنهم لا يصحبون منا بنصر ولا تأييد فكيف ينصرونهم، فهم أعجز من ذلك؛ فليس لهم القدرة في أنفسهم ونحن لا نعينهم فهم ليست لهم قيمة ولا مكانة. جاء في (الكشاف): "ثم أضرب عن ذلك بما في (أم) من معنى (بل) وقال: {أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ } من العذاب تتجاوز منعنا وحفظنا. ثم استأنف فبين أن ما ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره؟" (1). وجاء في (البحر المحيط): "قيل: والمعنى ألهم آلهة تجعلهم في منعة وعز من أن ينالهم مكروه من جهتنا... [وقيل] أم لهم مانع من سوانا" (2). وجاء في (روح المعاني): "وقوله تعالى: {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} أي لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم ويدفعوا عنها ما ينزل بها ولا هم منا يصحبون بنصر أو بمن يدفع عنهم، من جهتنا. فهم في غاية العجز وغير معتنى بهم فكيف يتوهم فيهم ما يتوهم؟" (3). وقال: {وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ}فقدم (هم) أي ليسوا هم يصحبون منا وإنما غيرهم هم الذين نعينهم ونكون معهم وننصرهم وهم المؤمنون بي وبرسولي كما قال سبحانه: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19] {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36]. وقال سبحانه: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51]. وقدم (منا) على (يصحبون) أي لا يصحبون منا وإنما يصحبون من الذين يعبدونهم، فهم الذين ينصرونهم ويدفعون عنهم كما غيرنا وهم قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} [يس: ٧٤ - ٧٥]. وكما قال في قوم إبراهيم: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 68]. فهؤلاء عاجزون لا أحد يمنعهم من الله. فهم عاجزون والهتهم أعجز فما أضلهم وأخسرهم !! ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 107 إلى ص 108. (1) الكشاف 2/329. (2) البحر المحيط 6/314. (3) روح المعاني 17/52. الوقفة كاملة |
| ٣٥٣ | {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)} لما ذكر إقرار المنذرين بالظلم على وجه الثبوت في الآية السابقة بقولهم: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} ذكر ربنا أنه عنده لا تظلم نفس شيئًا مهمًا قل، وأن أعمال العباد إنما توزن بميزان هو العدل بعينه فقال: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} فوصف الموازين بالمصدر وهو القسط، أي هي العدل بعينه. ومن المعلوم أن الوصف بالمصدر يفيد المبالغة في الاتصاف بالشيء. وجيء بالموازين على صيغة الجمع إما لكثرة من توزن أعمالهم أو لتعدد الموزونات وتنوعها (1). وقوله: (ليوم القيامة) قيل: أي في يوم القيامة، أو عند يوم القيامة، ويحتمل أن يكون للتعليل، أي لأجل يوم القيامة (2). وكل ذلك محتمل. {فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} نكر النفس لتشمل جميع النفوس. و(شيئًا) يحتمل أن يكون معناه شيئًا من الأشياء فيكون مفعولاً به، كما يحتمل أن يكون: شيئا من الظلم فيكون مفعولاً مطلقا لدلالته على المصدر. وكلا المعنيين مراد. فهي لا تظلم شيئا من الأشياء ولا شيئا من الظلم. وهو من التوسع في المعنى. ولو قال: (شيئا من الظلم) لتخصص المعنى بشيء واحد، ولكنه أطلق. جاء في (الكشاف): "وصفت الموازين بالقسط، وهو العدل، مبالغة، كأنها في أنفسها قسط، أو على حذف المضاف، أي ذوات القسط. واللام في: (ليوم القيامة) مثلها في قولك: (جئته لخمس خلون من الشهر)... وقيل: لأهل يوم القيامة، أي لأجلهم" (3). وجاء في (تفسير أبي السعود): "(فلا تظلم نفس) من النفوس (شيئًا) حقًا من حقوقها أو شيئًا من الظلم... والفاء لترتيب انتفاء الظلم على وضع الموازين" (4). {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} أي وإن كان الشيء أو العمل مقدار حبة من خردل أتينا به. "ومثقال الشيء ميزانه في مثله. ومثقال ذرة أي وزن ذرة" (5)، ومثقال حبة أي وزن حبة. وأنث ضمير المثقال في قوله: (أتينا بها) لأنه أضيف إلى مؤنث وهو الحبة كقولهم: (ذهبت بعض أصابعه) (6)، وقوله: (كما شرقت صدر القناة من الدم)، وقوله: (تواضعت سور المدينة) في قول الشاعر: لمـا أتـى خبـر الـزبـيـر تـواضـعـت سـور المـدينـة والجبـال الخشـع والعدول من التذكير إلى التأنيث في قوله: {أَتَيْنَا بِهَا } على كثرته في اللغة في نحو هذا فيه معنى لطيف. ذلك أنه قال: {فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} والشيء - كما ذكرنا - يحتمل أن يكون معناه العمل أو الظلم أو شيئًا من الأشياء. وهذا الشيء قد يكون حبة من خردل أو مقدار الحبة فأعاد الضمير بالتأنيث ليشمل المعنيين: المصدر وحبة الخردل ومقدار ذلك. وهذا من لطيف الدلالة. {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} "فيه توعد وهو إشارة إلى ضبط أعمالهم من الحساب، وهو العد والإحصاء... والظاهر أن (حاسبين) تمييز... ويجوز أن يكون حالاً" (7). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 114 إلى ص 117. (1) انظر التفسير الكبير للرازي، المجلد 8/149، نظم الدرر 12/428. (2) انظر مغني اللبيب (اللام) 1/216، الكشاف 2/330، البحر المحيط 6/316. (3) الكشاف 2/330 وانظر البحر المحيط 6/316. (4) تفسير أبي السعود 3/707. (5) لسان العرب (ثقل)، المصباح المنير (ثقل)، تاج العروس (ثقل). (6) انظر الكشاف 2/330. (7) البحر المحيط 6/317. الوقفة كاملة |
| ٣٥٤ | {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)} كرر الفعل (جعل) مع مفعوله الأول فقال: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً} ولم يعطف (أئمة) على (كلا) فيقول: (وأئمة يهدون بأمرنا) لئلا يحتمل معنى آخر وهو: (وجعلنا أئمة يهدون بأمرنا) أي أئمة آخرين غير هؤلاء فيعني بالأئمة غيرهم فيكون المعنى: إن هؤلاء كانوا صالحين، وجعلنا أئمة يهدون بأمر الله أي آخرين. فقال: (وجعلناهم) يعني المذكورين في الآية السابقة وهم إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب. وقد يحتمل العطف على (صالحين) أي جعلناهم صالحين وأئمة فيكون التعبير احتماليًا. فأراد النص على أن المقصودين هم المذكورون فكرر الفعل مع مفعوله الأول. جاء في (التحرير والتنوير): "وإعادة فعل (جعل) في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} دون أن يقال: (وأئمة يهدون) بعطف (أئمة) على (صالحين) اهتمامًا بهذا الجعل الشريف، وهو جعلهم هادين للناس بعد أن جعلهم صالحين في أنفسهم. ولأن في إعادة الفعل إعادة ذكر المفعول الأول فكانت إعادته وسيلة إلى إعادة ذكر المفعول الأول. وفي تلك الإعادة من الاعتناء ما في الإظهار في مقام الإضمار" (1). وقوله: {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} يحتمل معنيين: الأول: أن يكونوا مأمورين بالهداية، أي أمرهم ربهم بأن يهدوا الناس. جاء في (الكشاف): {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} فيه أن من صلح ليكون قدوة في دين الله فالهداية محتومة عليه مأمور هو بها من جهة الله ليس له أن يخل بها ويتثاقل عنها" (2). والمعنى الآخر: أي يهدون بشرع الله فيكون أمره – وهو ما شرعه سبحانه للناس – وسيلة للهداية نحو قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]. وقوله: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} [المائدة: 15 – 16]. أي يهدي بالقرآن. وقوله: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ} [الزمر: 23]. فيكون وسيلة للهداية. {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} "أي خصصناهم بشرف النبوة" (3). {وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} "من عطف الخاص على العام دلالة على فضله" (4). فإن فعل الخيرات عام يشمل الفروض والمندوبات. فدخل في ذلك ما ذكر من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وخصهما بالذكر لأهميتهما وكبير منزلتهما عند الله، فإنهما من أركان الإسلام كما هو معلوم. {وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} قدم الجار والمجرور (لنا) على (عابدين) للاختصاص، أي كانوا عابدين لنا خاصة دون غيرنا (5). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 162 إلى ص 165. (1) التحرير والتنوير 17/109. (2) الكشاف 2/333. (3) البحر المحيط 6/305. (4) تفسير أبي السعود 3/716. (5) انظر تفسير أبي السعود 3/716. الوقفة كاملة |
| ٣٥٥ | {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95)} أي إن عدم الرجوع إلى الحياة الآخرة ممتنع، ومقتضى ذلك أن الرجوع واجب. إن هذه الآية مناسبة لقوله سبحانه قبل الآية: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93} ومناسبة لقوله: {فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ}، لأن ذلك إنما يكون في الآخرة. ولقوله: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} لأن الغرض من كتابة السعي إنما هو للجزاء، وذلك إنما يكون في الآخرة بعد رجوعهم إلى الحياة. ومناسبة لما بعدها وهو ما ذكره من علامات الساعة وأحداث القيامة ورجوع الناس للحساب. لقد قال: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} والضمير في (أهلكناها) يعود على القرية. ثم قال بعدها: {أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} فذكر ضمير أهلها، ولم يقل: (أنها لا ترجع) وذلك لأن أهلها هم الراجعون والمجزيون على أعمالهم. إن القرية تطلق على المساكن والأبنية وهو الأصل، وقد تطلق على أهلها الذين يسكنونها تجوزا. وقد استعملها القرآن للمعنيين. قال تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة: 259]. وقال: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} [الفرقان: 40]. وهي هنا للمساكن والأبنية. وقال: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} [الأنبياء: 11]. وقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج: 48]. والمقصود بالقرية أهلها فهم الذين ظلموا ثم عاقبهم ربهم. وقد يذكر القرى ثم يعيد الضمير على أهلها وذلك نحو قوله سبحانه: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59]. فذكر القرى وأعاد الضمير على أهلها فقال: {أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} ولم يقل: (أهلكناها لما ظلمت). وقد يذكر القرى ثم يذكر أهلها وذلك نحو قوله سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59]. وقد يذكر أهل القرية كما قال تعالى: {قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} [العنكبوت: 31]. وقال: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ} [الأعراف: 97]. قد تقول: قد يقول ربنا عن القرية أحيانًا: (أهلكناها) بضمير التأنيث، ويقول أحيانًا عنها: (أهلكناهم) بضمير جمع التذكير مع أن الموطن يبدو متشابهًا. وذلك نحو قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4]. فقال: {أَهْلَكْنَاهَا}. وقوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد: 13]. فقال: {أَهْلَكْنَاهُمْ} فما الفرق؟ فنقول: إن التأنيث قد يفيد التكثير أو يفيد المبالغة. فإذا عبر بالمفرد المؤنث أفاد كثرة القرى المهلكة، أو أفاد المبالغة والشمول، أي إن التدمير الذي أصابها عام، أصابها وأصاب ساكنيها. أو لملحظ آخر في السياق. وذلك نحو قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الإسراء: 58]. فأفاد كثرة القرى أن التدمير سيصيبها كلها على العموم والشمول، وربما أفاد إهلاكها وإهلاك من فيها. ونحو ذلك قوله تعالى: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج: 45]. ومعنى (خاوية): ساقطة سقوفها. وقوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج: 48]. فكل ذلك يفيد التكثير. والآن نعود إلى الآيتين اللتين ذكرناهما وهما: آية الأعراف وهي قوله: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} وآية محمد وهي قوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13)} فقال في آية الأعراف: {أَهْلَكْنَاهَا}. وقال في آية محمد: {أَهْلَكْنَاهُمْ}. ذلك أن القرى في آية الأعراف أكثر، فقد خصص القرى في آية محمد بالقوة فقال: {هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ}، وأطلقها في آية الأعراف فأفاد الكثرة فجاء بضمير المؤنث فيها، والتأنيث قد يفيد الكثرة كما ذكرنا، فناسب كل تعبير موضعه. هذا إضافة إلى أنه سبق آية محمد ذكر من دمر الله عليهم وهم أهل القرى وساكنوها فقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10)} فناسب ذكر إهلاك أهلها فقال: {أَهْلَكْنَاهُمْ}. ونحو ذلك قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59]. وقال في سورة الحج: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج: 45]. فقال في آية الكهف: {أَهْلَكْنَاهُمْ} وقال في آية الحج: {أَهْلَكْنَاهَا} ذلك أنه قال في آية الحج: {فَكَأَيِّنْ}، و(كأين) تفيد التكثير. ولم يقل مثل ذلك في آية الكهف. وأنه قال في آية الكهف: {لَمَّا ظَلَمُوا} بإسناد الظلم إلى جماعة الذكور فناسب ذلك قوله: {أَهْلَكْنَاهُمْ} فإنهم لما ظلموا أهلكهم، في حين أسند الظلم في آية الحج إلى القرية فقال: {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} فناسب ذلك قوله: {أَهْلَكْنَاهَا}. ومن ناحية أخرى أنه قال قبل آية الكهف: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} فوصف ربنا نفسه بأنه الغفور ذو الرحمة وأنه لا يؤاخذ الناس بما كسبوا وإلا لعجل لهم العذاب. فناسب ذلك عدم الكثرة في الإهلاك. في حين أنه سبق آية الحج ذكر من أخذهم ربنا من الأقوام المهلكة ثم قال: {فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج: 44]. فناسب التكثير فجاء بضمير المؤنث الدال على الكثرة. فناسب كل تعبير موضعه الذي ورد فيه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 224 إلى ص 228. الوقفة كاملة |
| ٣٥٦ | {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104)} يحتمل أن يكون (يوم) متعلقًا بـ (يحزنهم) فيكون التقدير: لا يحزنهم يوم نطوي السماء الفزع. أو متعلقًا بالفزع، فيكون التقدير: لا يحزنهم الفزع يوم نطوي السمـاء، على معنى: الفـزع يـوم نـطـوي السمـاء لا يحـزنـهـم،، أو بـ (تتلقاهم) أي تتلقاهم الملائكة يوم نطوي السماء. وكل ذلك حاصل في ذلك اليوم. جاء في (الكشاف): "العامل في (يوم نطوي) لا يحزنهم، أو الفزع، أو تتلقاهم" (1). {السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ } يحتمل أن يكون معنى (السجل): الصحيفة، وأن يكون الكاتب، فالسجل يطلق على الكتاب والكاتب (2). فعلى معنى الصحيفة يكون المعنى: نطوي السماء كما تطوى الصحيفة التي يكتب بها. وعلى معنى الكاتب يكون المعنى: كما يطوي الكاتب الصحيفة. والصحيفة إنما يطويها الكاتب. لعله ذكر السجل ليشمل المعنيين: الكتاب والكاتب، والله أعلم. جاء في (تفسير أبي السعود): "{كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} اللام في قوله تعالى: (للكتب) متعلقة بمحذوف هو حال من السجل أو صفة... أي كطي السجل كائنًا للكتب أو الكائن للكتب، فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب فيها" (3). {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} أي نعيده كما بدأنا أول خلقه. جاء في (البحر المحيط): "و(أول خلق) مفعول (بدأنا) والمعنى: نعيد أول خلق إعادة مثل بدأتنا له، أي كما أبرزناه من العدم إلى الوجود نعيده من العدم إلى الوجود" (4). ويحتمل أن يكون المعنى: نعيده كما بدأناه أول خلقه. فعلى التقدير الأول يكون (أول) مفعولاً به كما مر. وعلى التقدير الثاني يكون (أول) ظرفًا، و(ما) اسمًا موصولاً، والعائد محذوف. جاء في (الكشاف): "ووجه آخر وهو أن الكاف بفعل مضمر يفسره (نعيده)، و(ما) موصولة، أي نعيد مثل الذي بدأناه نعيده، و(أول خلق) ظرف لبدأنا، أي أول ما خلق، أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ، الثابت في المعنى" (5). {وَعْدًا عَلَيْنَا} أي حقا علينا (6). قد تقول: لقد قال هنا: {وَعْدًا عَلَيْنَا}. وقد يقول أحيانًا {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا}، فيذكر كلمة (حق) إضافة إلى قوله: {وَعْدًا عَلَيْهِ}، فما السبب؟ فنقول: إنه يذكر الحق عندما يتعلق الأمر بالناس وحقوقهم وأمورهم، وإذا كان المقام يقتضي التوكيد. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]. لقد ذكر في الآية حقوق البائعين أنفسهم وأموالهم، كما أن فيها من التوكيد ما لا يخفى كقوله: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ } فناسب ذكر الحق. وقال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} [النحل: 38 - 39]. فقال: (حقًا) لأن ذلك إنما يتعلق بأمور الناس أجمعين فيعطي كل ذي حق حقه. ثم ذكر أن هذا ما أقسموا عليه بالله جهد أيمانهم فأكدوا ذلك بالقسم وبقوله: {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}. فرد عليهم بما هو مؤكد فقال: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} ثم ذكر أنه ليبين الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، وهذا إنما يكون في الآخرة في يوم الفصل في الحقوق، فناسب ذكر الحق. {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} لقد جاء بالفعل الماضي (كنا)، وباسم الفاعل (فاعلين) ولم يقل: (سنفعل ذاك). وذلك لتنزيل المستقبل منزلة الماضي، كقوله سبحانه: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ}، وقوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا}. وجاء باسم الفاعل للثبوت لأنه كأن الأمر قد حصل. فأكد بإن، وجاء بالفعل الماضي واسم الفاعل كل ذلك لتأكيد حصوله. جاء في (روح المعاني): "الأفعال المستقبلة التي علم الله تعالى وقوعها كالماضية في التحقق، ولذا عبر عن المستقبل بالماضي في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز. أو قادرين على أن نفعل ذلك" (7). قد تقول: لقد قال في هذه الآية: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ} فذكر السماء بالإفراد. وذكر في موضع آخر طي السماوات بالجمع فقال: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67]. فما الفرق؟ فنقول: إن آية الزمر في الرد على المشركين الذين لم يقدروا الله حق قدره، فرد عليهم ربنا بأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، وأكد ذلك بالحال المؤكدة فقال: (جميعًا). وذكر السماوات وقال إنها مطويات بيميه بيانًا لقدرته التي لم يقدروها حق قدرها ولم يقدروه حق قدره. ثم نزه نفسه بقوله: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } وليس الأمر كذلك في الأنبياء. فناسب كل تعبير موضعه الذي ورد فيه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 243 إلى ص 247. (1) الكشاف 2/338. (2) انظر لسان العرب (سجل)، القاموس المحيط (سجل)، وانظر نظم الدرر 12/487. (3) تفسير أبي السعود 3/730. (4) البحر المحيط 6/343. (5) الكشاف 2/339. (6) التفسير الكبير للرازي 8/192. (7) روح المعاني 17/103. الوقفة كاملة |
| ٣٥٧ | {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106)} أي إن في هذا الذي ذكرناه كفاية لقوم اتصفوا بالعبادة على جهة الثبوت، فإن هذا كاف لهم. وقيل: إن المقصود هو ما ورد في القرآن على العموم وليس ما في هذه السورة فقط. والبلاغ قد يأتي بمعنى الكفاية، وقد يأتي بمعنى التبليغ (1)، وذلك كقوله تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: ٥٤]، وقوله: {وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [يس: 17]. وربما احتمل البلاغ في الآية المعنيين: الكفاية والتبليغ. وقد أكد ذلك بـ (إن) وجاء بـ (في) الظرفية للدلالة على أن العابدين يكفيهم في الاعتبار ما لا يكفي غيرهم. جاء في (البحر المحيط): "(إن في هذا) أي المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة لبلاغًا كفاية يبلغ بها إلى الخير، وقيل: الإشارة إلى القرآن جملة" (2). وجاء في (تفسير أبي السعود): "(لقوم عابدين): أي لقوم همهم العبادة دون العادة" (3). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 249 إلى ص 250. (1) انظر (لسان العرب): بلغ. (2) البحر المحيط 6/344. (3) تفسير أبي السعود 3/731. الوقفة كاملة |
| ٣٥٨ | {وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)} أقسم ربنا سبحانه بالقرآن الكريم، والقرآن علم على الكتاب الذي أنزله على سيدنا محمد ، وهو مأخوذ من لفظ القراءة، فإن القرآن في الأصل مصدر للفعل (قرأ) والمصدر الآخر (قراءة). قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ} {القيامة: 18}؛ أي اتبع قراءته (1). ويسمى أيضًا (الكتاب) وأقسم به ربنا أيضًا فقال: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} والكتاب من (الكتابة). والتسمية بالقرآن والكتاب إشارة إلى أنه يقرأ ويكتب، فهو كتاب لكونه مكتوبًا وقرآن لكونه مقروءًا. فأقسم به ربنا مكتوبًا ومقروءًا. {الْحَكِيمِ} يحتمل عدة معان كلها يمكن أن تكون مرادة. فهو يمكن أن يكون (فعيل) بمعني اسم المفعول أي (مُحكَم)، والمحكم هو الذي لا يتناقض ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (2)، قال تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} {هود: 1}، وقال: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} {آل عمران: 7}، تقول: أحكمت الشيء فهو محكم وحكيم. والحكيم أيضًا صاحب الحكمة، فيكون القرآن حكيمًا بمعني أنه ذو حكمة، أي متضمن إياها ومتصف بها، فيكون الإسناد مجازيًا، وحقيقة الإسناد إلى الله تعالى، كما قال تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} {هود: 97} فنسب عدم الرشد إلى أمره والحقيقة نسبة ذلك إلى فرعون، وهو كما تقول: رأي حكيم وقول حكيم. أو إنه حكيم لأنه ينطق بالحكمة، فجعله كالحي المتكلم، وهو من باب الاستعارة (3). والحكيم أيضًا صيغة مبالغة من الحكم (4) فهو بمعنى الحاكم، والمعنى أنه قرآن حاكم، وهو كذلك، فهو الحكم العدل والقول الفصل، وحكمه يعلو على جميع الأحكام، فهو يحكم ويهيمن على غيره من الأحكام والكتب كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} {المائدة: 48} وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فهو كتاب محكم وحكيم متصف بالحكمة ناطق بها، وحاكم مهيمن على الكتب والشرائع والأحكام. فجمع بقوله: (الحكيم) عدة معان كلها مرادة مطلوبة، وجمع بين الحقيقة والمجاز وجمع بين المجاز العقلي والاستعارة ولا تؤدي كلمة أخرى هذا المؤدي. (1) لسان العرب (قرأ) 1/123. (2) انظر تفسير ابن كثير 3/563، فتح القدير 4/349، البحر المحيط 7/323. (3) انظر الكشاف 2/581، التفسير الكبير 26/40 روح المعاني 22/211. (4) انظر البحر المحيط 7/323. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 6 إلى ص 8. الوقفة كاملة |
| ٣٥٩ | {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)} يحتمل أن يكون هذا الجار والمجرور خبرًا بعد خبر، أي: إنك على صراط مستقيم، كما تقول: (إنه من أهل بغداد من أصحاب الثراء) فأخبرت أنه من أهل بغداد، وإنه من أصحاب الثراء. كما يحتمل أن يكون متعلقًا بالمرسلين، أي: إنك من الذين أرسلوا على صراط مستقيم. وقد تقول: وما الفرق بين التقديرين؟ والجواب: إنك إذا جعلته خبرًا بعد خبر فإنه يصح أن تستغني بأحد الخبرين ويتم الكلام، فإنه يصح أن تقول: (إنك لمن المرسلين) وتكتفي، كما قال تعالى في موطن آخر {تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} {البقرة: 252}. وتقول: (إنك على صراط مستقيم) وتكتفي كما قال تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {الزخرف: 43}. أما إذا جعلته متعلقًا بالمرسلين فإنك تجعل الكلام لا يتم إلا بمتعلقة، فقوله: {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يكون مرتبطًا بما قبله متعلقًا به كما تقول: (أنت من المرسلين بهذا الأمر) أو (أنت من المرسلين إلى هؤلاء القوم) و(أنت من المرسلين على نفقة الدولة). وقد تقول: ولم لم يكتف بأحد الخبرين كما فعل في موطن آخر؟ والجواب: أنه لو قال: (إنك لمن المرسلين) لدل على أنه على صراط مستقيم تضمنًا لا تصريحًا، فإن كونه من المرسلين يدل على أمور كثيرة، منها: أنه صادق. ومنها: أنه على حق. ومنها: أنه على صراط مستقيم. ومنها أنه يأمر بالخير. ومنها: مجرد الإخبار أنه من المرسلين لا إلى إرادة معنى متضمن، فقوله: {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} حدد أمرًا معينًا مما تضمنه كونه من المرسلين ولم يدع ذلك للذهن الذي قد ينصرف إلى أمور غير معينة. وقد يقتضي المقام أن يصرح بأمور مما تقتضيه الرسالة. أما إذا قال: (إنك على صراط مستقيم) فقط فإنه لا يدل على أنه من المرسلين، فكون الشخص على الصراط المستقيم لا يعني أنه رسول من عند الله. فجمع بين الأمرين لإفادة المعنيين تصريحًا. وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فلم اكتفى إذن بأحد الخبرين في موطن أخر من القرآن، فقال في موطن: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} وقال في موطن آخر: {إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}؟ والجواب: أن كل موطن يقتضي ما ذكر فيه، وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى: {تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} {البقرة: 252}. وقال تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {الزخرف: 43}. وإذا نظرنا في سياق أية البقرة لم نر فيه ذكرًا للدعوة إلى دين الله وهو الصراط المستقيم، وإنما وردت في سياق القصص القرآني، فقد وردت في سياق قصة طالوت وجالوت ثم ذكر بعدها بعضًا من الرسل. لقد وردت في سياق إثبات نبوة الرسول بإخباره عما لم يعلم من أخبار الماضين، فإنه لما ذكر قصة طالوت قال بعدها: {تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} أي أن إجراء هذه الأخبار على لسانك وأنت لا تعلمها دليل على أنه من المرسلين. وأما آية الزخرف فإنها وردت في سياق الدعوة إلى الله وهداية الخلق إلى صراط المستقيم، قال تعالى: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ} {الزخرف: 40 – 45}. فقوله: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} يعني هداية الخلق إلى صراط المستقيم ودينه القويم. وقوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} يعني ما أوحاه فاقتضى ذلك ذكر الصراط المستقيم. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن قوله: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} يعني أنه نبي مرسل، وكذلك قوله: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا}، فجمع بين كونه مرسلًا وأنه على صراط مستقيم كما فعل في آية (يس) فاقتضى كل موطن ما ذكر فيه. ووصف الصراط بأنه مستقيم يدل على أنه أقرب الطرق الموصلة إلى المطلوب وأنه طريق قويم وشرع مستقيم. جاء في (الكشاف): { عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} خبر بعد خبر، أو صلة للمرسلين. فإن قلت: أي حاجة إليه خبرًا كان أو صلة وقد علم أن المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟. قلت: ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم من غيره ممن ليس على صفته، وإنما الغرض وصفه ووصف ما جاء به من الشريعة، فجمع بين الوصفين في نظام واحد، كأنه قال: إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت. وأيضًا فإن التنكير فيه دال على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة على صراط لا يكتنه وصفه (1). وجاء في (التفسير الكبير): {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} خبر بعد خبر، أي إنك على صراط مستقيم. والمستقيم أقرب الطرق الموصلة إلى المقصد، والدين كذلك فإنه توجه إلى الله تعالى (2) وتولي عن غيره، والمقصد هو الله، والمتوجه إلى القصد أقرب إليه من المولي عنه والمنحرف منه. ولا يذهب فهم أحد إلى أن قوله: إنك منهم على صراط مستقيم مميز له عن غيره كما يقال: إن محمدًا من الناس مجتبى، لأن جميع المرسلين على صراط مستقيم. وإنما المقصود بيان كون النبي على الصراط المستقيم الذي يكون عليه المرسلون" (3). وقد تقول: ولم قدم {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} على قوله: {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ولم يقل: (إنك لعلى صراط مستقيم من المرسلين)؟ والجواب أنه فعل ذلك لعدة أمور: منها: أن قوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} أفضل من كونه على صراط مستقيم، لأن كونه مرسلًا يعني أنه صراط مستقيم وأنه نبي. ومنها: أن قوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} يتضمن أنه على صراط مستقيم. ومنها: أن هذا من باب تقديم السبب على المسبب، فإن كونه على صراط مستقيم إنما هو بسبب أنه مرسل أوحي إليه بهذا الصراط فهو أسبق في الرتبة. ومنها: أن تقديم المرسلين يمكن أن يعلق به {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فيكون من تمام معناه كما بينا، أي إنك أرسلت على طريق مستقيم. ولو أنا قلنا: (إنك على صراط مستقيم من المرسلين) لم يصح تعليق (من المرسلين) بما قبله فينقطع الكلام ولا يتصل. فإن هذا التقديم أولى من كل ناحية. (1) الكشاف 2/581. (2) كذا ورد، والصواب: وتول. (3) التفسير الكبير 26/41. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 10 إلى ص 15. الوقفة كاملة |
| ٣٦٠ | {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)} يحتمل أن يكون (لتنذر) متعلقًا بقوله: (تنزيل) أو بالفعل المضمر (نزل) فيكون التقدير: تنزيل العزيز الرحيم لتنذر، أو: نزله العزيز الرحيم لتنذر. كما يحتمل أن يكون متعلقًا بـ (المرسلين) أي: إنك لمن المرسلين لتنذر قومًا بمعني: أنك أرسلت لتنذر قومًا (1). والظاهر أن (ما) نافية، والمعنى: لتنذر قومًا لم ينذر آباؤهم ولذلك هم غافلون، فإن عدم الإنذار هو سبب غفلتهم المستحكمة. فإن هؤلاء القوم لم يأتهم من نذير، كما قال تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ} {القصص: 46}، {السجدة: 3}. كما أن آباءهم لم ينذروا فاستحكمت الغفلة فيهم إلى درجة أن الإنذار وعدمه سواء عليهم وأنهم كما وصفهم ربنا بقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا..... إلخ}. وقد جوز بعض المفسرين أن تكون (ما) موصولة أو مصدرية فيكون المعنى (لتنذر قومًا الشيء الذي أنذره آبائهم) أو (لتنذر قومًا مثل إنذار ابائهم). وبهذا يكون إثبات الإنذار لآبائهم، والمقصود بالآباء آباؤهم الأقدمون. وقد تقول: إن قوله تعالى: {فَهُمْ غَافِلُونَ} يرد هذا المعنى. والجواب: كلا، إنه لا يرد هذا المعنى، ذلك أن المعنى أن آباءهم الأقدمين أنذروا ولكنهم غفلوا عن ذلك الإنذار لتقادم العهد كما قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} {المائدة: 19}، وهذا نحو قولنا: (انصح فلانًا كما نصحت أباه فإنه غافل عن ذلك) أو (قل لفلان أن يعمل بنصيحتنا لأبيه فإنه غافل عنها) فإنك أثبت النصيحة وأثبت الغفلة عنها. جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ} "قومًا غير منذر آباؤهم، على الوصف، ونحوه قوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ} {القصص: 46}، {وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ} {سبأ: 44}. وقد فسر {مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُم} على إثبات الإنذار، ووجه ذلك أن تجعل (ما) مصدرية، لتنذر قومًا إنذار آبائهم، أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني: لتنذر قومًا ما أنذره آباؤهم من العذاب كقوله تعالى: {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا} {النبأ: 40}. فإن قلت: أي فرق بين تعلقي قوله: {فَهُمْ غَافِلُونَ} على التفسيرين؟. قلت: هو على الأول متعلق بالنفي، أي لم ينذر آباؤهم فهم غافلون، على أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم. وعلى الثاني بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} لتنذر، كما تقول: أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل، أو فهو غافل. فإن قلت: كيف يكونون منذرين غير منذرين لمناقضة هذا ما في الرأي الآخر؟ قلت: لا مناقضة، لأن الآية في نفي إنذارهم لا في نفي إنذار آبائهم. وآباؤهم القدماء من ولد إسماعيل وكانت النذارة فيهم. فإن قلت: ففي أحد التفسيرين أن آباءهم لم ينذروا وهو الظاهر، فما تصنع به؟ قلت: أريد آباؤهم الأدنون دون الأباعد" (2). وجاء في (التفسير الكبير): "فعلى قولنا: (ما) نافية تفسيره ظاهر، فإن من لم ينذر آباؤه وبعد الإنذار عنه فهو يكون غافلًا. وعلى قولنا: هي للإثبات كذلك، لأن معناه: لتنذرهم إنذار آبائهم فإنهم غافلون. وفيه مسائل: (المسألة الأولى): كيف يفهم التفسيران وأحدهما يقتضي أن لا يكون آباؤهم منذرين، والآخر يقتضي أن يكونوا منذرين وبينهما تضاد؟. نقول على قولنا: (ما) نافية معناه، ما أنذر آباؤهم، وإنذار آبائهم الأولين لا ينافي أن يكون المتقدمون من آبائهم منذرين، والمتأخرون منهم غير منذرين" (3). وجاء في (روح المعاني): "{فَهُمْ غَافِلُونَ} هو على الوجه الاول متفرع على نفي الإنذار ومتسبب عنه والضمير للفريقين، أي لم ينذر آباؤهم فهم جميعًا لأجل ذلك غافلون. وعلى الأوجه الباقية: متعلق بقوله تعالي: (لتنذر) أو بما يفيده {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} وارد لتعليل إنذاره علية الصلاة والسلام أو إرساله بغفلتهم المحوجة إليه، نحو: اسقه فإنه عطشان، على أن الضمير للقوم خاصة، فالمعنى فهم غافلون عنه، أي: عما أنذر آباؤهم. وقال الخفاجي: يجوز تعلقه بهذا على الأول أيضًا، وتعلقه بقوله تعالى: (لتنذر) على الوجوه، وجعل الفاء تعليلية والضمير لهم أو لآبائهم. ا ه، ولا يخفى عليك أن المنساق إلى الذهن ما قرر أولًا" (4). والذي يترجح عندي المعنى الأول وهو الذي يسبق إلى الذهن. أما إذا أريد بالآباء الآباء الأقدمون فإن إسماعيل عليه السلام أبوهم وكان رسولًا نبيًا ولا شك أنه أنذر قومه، بل إن إبراهيم عليه السلام أبوهم كما قال: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} فلا يتناقص الأمران على ذلك. ولا أرى أنه يعني بذلك إبراهيم أو إسماعيل عليهما السلام أو من هو ممن دونهما ممن كان بعيدًا جدًا عن قوم الرسول . لأن أقرب رسول إلى نبينا محمد عيسى عليه السلام وبينهما أكثر من خمسمائة عام فما بالك بمن قبله، ولا شك على هذا أن آباءهم لم ينذروا، والله أعلم. (1) انظر روح المعاني 22/213. (2) الكشاف 2/581 – 582 وانظر البحر المحيط 26/42. (3) التفسير الكبير 26/24. (4) روح المعاني 22/213 ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 21 إلى ص 24. الوقفة كاملة |
إظهار النتائج من 351 إلى 360 من إجمالي 396 نتيجة.