أسرار بلاغية
| ٣٤١ | {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود: 48] إن قوله سبحانه: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا ...} بعد قول نوح: {وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فيه مناسبة لطيفة فإن ربه بشره بالسلامة والأمان والبركات عليه وذلك يدل على مغفرته له ورحمته إياه. جاء في (البحر المحيط): "{اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا} والباء للحال: أي مصحوبًا بسلامة وأمن وبركات وهي الخيرات النامية في كل الجهات. ويجوز أن يكون السلام بمعنى التسليم، أي اهبط مسلمًا عليك مكرمًا ... وبشر بالسلامة إيذانًا له بمغفرة ربه له ورحمته إياه وبإقامته في الأرض أمنًا من الآفات الدنيوية" (1). وجاء في (روح المعاني): "ثم ذكر بعد توبته عليه السلام قبولها بقوله عز وجل: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ} إلخ وهو من الحسن بمكان" (2). قد تقول: قال هنا: (قيل) ببناء الفعل للمجهول، وقال فيما قبلها: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} بالبناء للمعلوم فلم ذاك؟ والجواب: أنه في الآية السابقة، أعني قوله: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} إنما هو حكم شرعي، والحكم الشرعي إنما هو لله حصرًا. ولا يجوز أن يكون ذلك لغيره، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} الشورى: 21]. وأما الآية هذه فإنها أمر بالهبوط من السفينة إلى الأرض وهو يصح من كل قائل. وقد قيل: إن القائل ههنا، أي في قوله: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ} هم الملائكة" (3). والظاهر أن القائل هو الله بدليل قوله: {بِسَلَامٍ مِنَّا}، وقوله: {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ} (4). ففرق بين القولين كما ذكرنا. هذا إضافة إلى أنه في الآية الأولى ما يدعو إلى البناء للمعلوم غير ما ذكرت منها: 1- أنه نادى ربه قائلًا: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} فكان من المناسب أن يجيبه ربه لا أن يبني للمجهول. 2- أن ربه قال: {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} فذكر نفسه سبحانه. 3- وقال: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} فذكر نفسه. فناسب كل ذلك أن يقول: (قال) لا (قيل). وقال: {بِسَلَامٍ مِنَّا} فذكر أن السلام منه، في حين قال مخاطبًا أصحاب الجنة: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ }[الحجر: 46]، وقال: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} [ق: 34] ولم يقل: (منا) وذلك لأنه القائل هناك معلوم من السياق وهو الله. ففي سياق أية الحجر كان الحوار بين الله سبحانه وإبليس فقال سبحانه: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] ثم يستمر الكلام فيقول: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 45 - 47] فلا يحتاج إلى ذكر جهة السلام. ونحو ذلك في سورة (ق) فإن المتكلم هو الله والكلام مع أهل النار، ثم يلتفت إلى أهل الجنة. فقد قال ربنا لأصحاب النار: {قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 28 - 29] ثم يستمر الكلام إلى أن القول: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 34 - 35] فالقائل معلوم من السياق، بخلاف آية هود التي بني فيها الفعل للمجهول. ثم إن السلام على أهل الجنة ليس من جهة واحدة، فإن الملائكة تحييهم إضافة إلى تحية رب العزة قائلًا: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58] والملائكة يحيونهم قائلين: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]، {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:24]. حتى إن أصحاب الأعراف يحيونهم كما قال تعالى: {وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف: 46]. فلما بين جهة السلام في أية هود بقوله: (منا) علم القائل وهو الله. ولو لم يقل: (منا) لم يعلم القائل أهو الله أم الملائكة. وقدم السلام على البركات لأن السلامة والأمان أهم من البركات، وهو مقدم عليها، فإن السلام مقارن للهبوط، والبركات وهي الخيرات متأخرة. وذكر جهة السلام فقال: {بِسَلَامٍ مِنَّا} ولم يقل: (وبركات منا عليك) لأن جهتها معلومة؛ لأن القائل واحد، فالذي قال: {بِسَلَامٍ مِنَّا} هو الذي قال: {وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ} فالسلام والبركات منه. {عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} أي على أمم تنشأ ممن معك في السفينة هي من أمن من الأمم، ولذا نكر الأمم، ولم يقل: (وعلى الأمم ممن معك) فتشمل جميع الأمم المتفرعة. ثم استأنف الكلام على أمم أخرى فقال: {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} فذكر أنه سيمتعها في الدنيا ثم يمسهم منه عذاب أليم وهو عذاب الأخرة. والمعنى: أنه ستنشأ أمم من الذين معك في السفينة، منها أمم مؤمنة وهؤلاء هم الذين قال فيهم: {وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ}، ومنها أمم كافرة وهي التي سيمتعها في الدنيا ثم يمسها العذاب الأليم في الأخرة. جاء في (البحر المحيط): "والذي ينبغي أن يفهم من الآية أن من معه ينشأ منهم مؤمنون وكافرون. ونبه على الإيمان بأن المتصفين به من الله عليهم سلام وبركة، وعلى الكفر بأن المتصفين به يمتعون في الدنيا ثم يعذبون في الأخرة" (5). وجاء في (الكشاف): "والمعنى أن السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشأون ممن معك. وممن معك أمم ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار" (6). وجاء في (روح المعاني): "{وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ} بعض الأمم المتشعبة منهم وهي الأمم الكافرة المتناسلة منهم إلى يوم القيامة" (7). قد تقول: لقد قال في أية سابقة: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} مخاطبًا بالجمع. وقال في هذه الآية: {يَا نُوحُ اهْبِطْ} بالإفراد، فلِمَ لَمْ يخاطب بالجمع في هذه الآية فيقول: (اهبطوا) كما قال: (اركبوا)؟ فنقول: إن المتكلم في الآية السابقة هو نوح مخاطبًا من أمن معه فلا بد أن يقول: (اركبوا) ولا يصح الإفراد. وأما ههنا فالمتكلم هو الله والمخاطب نوح وهو رسوله، ولا يصح أن ينادي الله المؤمنين في السفينة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يصح الخطاب بالجمع حتى لو قال: (يا نوح اهبطوا) فيخاطب نوحًا ويأمر الجميع بالهبوط كما قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [الطلاق: 1]، فنادى النبي وخاطب المؤمنين، وذلك أنه قال: {وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} فلو خاطب بالجمع لقال: (وبركات عليكم وعلى أمم من الذين معكم) وهذا يقتضي أن في السفينة أممًا مع المخاطبين من غير المؤمنين، وأن البركات إنما هي على الأمم التي هي من الذين معهم وليست منهم. وهذا لا يصح قطعًا، وهو ظاهر. وقد تقول: هل خص السلام نوحًا والبركات عليه وعلى الأمم التي ستأتي، ولم يشمل السلام البركات من معه؟ والجواب: كلا، فإن السلام والبركات شملت نوحًا ومن معه ومن سيأتي ممن معه، وذلك أن (من) يحتمل - كما قيل - أن تكون بيانية فيكون من معه هم المعنيين، وذلك كما تقول: (عنده أربعة من البنين) و(أكرمت مائة من الرجال) أي من جنس الرجال، وذلك إذا كان الرجال مائة وليسوا أكثر. وكما تقول: (وعد الله الكفار من المنافقين والمشركين نار جهنم) فبينت جنس الكفار بـ (من). كما يحتمل أن تكون (من) ابتدائية فتشملهم وتشمل من بعدهم، كما تقول: (أكرمتهم من كبيرهم إلى صغيرهم) فدخل الصغار مع الكبار. ونحو ذلك قوله : (فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة) فدخلت الجمعة الاولى في المطر. وعلى كلا التقديرين شمل السلام والبركات من معه. جاء في (الكشاف): "{وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} يحتمل أن تكون (من) للبيان فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة، لأنهم كانوا جماعات ... وأن تكون لابتداء الغاية، أي على أمم ناشئة ممن معك وهي الأمم إلى اخر الدهر" (8). وكون (من) لابتداء الغاية هو الأظهر، أي أن البركات تبدأ ممن معهم إلى من سيأتي بعدهم، وذلك أنه قال: {وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} وليس مع نوح أمم بل أفراد. قال تعالى: {وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}. جاء في البحر المحيط "والظاهر أن (من) لابتداء الغاية، أي ناشئة من الذين معك، وهم الأمم المؤمنون إلى أخر الدهر" (9). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 185 إلى ص 190. (1) البحر المحيط 5/231. (2) روح المعاني 12/72. (3) انظر البحر المحيط 5/231، روح المعاني 12/72. (4) انظر البحر المحيط 5/231. (5) البحر المحيط 5/231. (6) الكشاف 2/102. (7) روح المعاني 12/74. (8) الكشاف 2/102. (9) البحر المحيط 5/231. الوقفة كاملة |
| ٣٤٢ | {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ} [هود: 53 - 55] بعد أن محض لهم النصح ودعاهم إلى أن يحكموا عقولهم فيما هم عليه وأن فيما دعاهم إليهم مصلحتهم هم لا مصلحته هو ردوا عليه بقولهم: {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} ومعنى ذلك أنك لم تأتنا بحجة واضحة. ولعلك لو جئت بينة لآمنا لك وصدقناك. وقولهم هذا لا ينفي أن يكون هو صادقًا، فقد يكون صادقًا غير أنه لم يأت بحجة تبين ذاك. ثم ذهبوا أبعد من ذلك فقالوا: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} مؤكدين موقفهم، وأنهم لا يتركون آلهتهم لقول قاله. ثم ذهبوا أبعد من ذلك فقالوا: {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أي لسنا مصدقين لك أصلاً. فقد نفوا أن يكون صادقًا، فذهبوا من السيء إلى الأسوأ، ذلك أنهم قالوا له أولاً: {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} فلم ينفوا صدقه، ثم أمنعوا في السوء حتى قالوا له: {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} فنفوا ان يكون صادقًا. ثم ذهبوا أبعد من ذلك في السوء فقالوا: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ} أي أصابك بعض الآلهة بالجنون، فكأنه لما قال لهم: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أرادوا أن يتهموه بعقله أيضًا وأن يرموه بأبعد مما رماهم به فاتهموه بالجنون، فلم يدعوا مجالاً للإيمان وأيسوه من ذلك، فكل حالة أسوأ من التي قبلها. جاء في (روح المعاني): "لقد سلكوا طريق المخالفة والعناد على سبيل الترقي من السيء إلى الأسوأ حيث أخبروه أولاً من عدم مجيئه بالبينة مع احتمال كون ما جاء به حجة في نفسه وإن لم تكن واضحة الدلالة على المراد. وثانيًا: عن ترك الامتثال لقوله عليه السلام بقولهم: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} مع إمكان تحقيق ذلك بتصديقهم له في كلامه. ثم نفوا عنه تصديقهم له عليه السلام بقولهم: {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} مع كون كلامه عليه السلام مما يقبل التصديق. ثم نفوا عنه تلك المرتبة أيضًا حيث قالوا ما قالوا" (1). إن هذه الآية كل جزئياتها مؤكدة، إذ كل تعبير فيها مؤكد بمؤكد أو أكثر. فقوله: {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} تعبير مؤكد، فإنه قال: {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} فنفى الفعل الماضي بـ (ما)، ولم يقل: (لم تأتنا ببينة) فينفه بـ (لم). والفعل الماضي المنفي بـ (ما) أكد من الفعل المنفي بـ (لم)، ذلك أن الفعل الماضي المنفي بـ (ما) يقع جوابًا للقسم، بخلاف المنفي بـ (لم) فهو أكد (2). فهذا التعبير منفي نفيًا مؤكدًا. وقوله: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} تعبير مؤكد، فإنه قال: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} ولم يقل: (ولسنا تاركي آلهتنا عن قولك) بالجملة الفعلية. فنفى التعبير بالجملة الأسمية المصدرة بـ (ما)، والجملة الأسمية اكد من الجملة الفعلية كما هو معلوم. ثم جاء بالباء الزائدة المؤكدة في الخبر فقال: {بِتَارِكِي} و{عَنْ قَوْلِكَ} فيه معنيان: المعنى الأول: (صادرين عن قولك) والمعنى الآخر: التعليل أي (لقولك) أي لا نترك آلهتنا لقول قلته على أية حال. وقوله: {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} تعبير مؤكد، ذلك أنهم نفوا إيمانهم بالجملة الأسمية المنفية بـ (ما)، وجاء بالباء الزائدة في الخبر وهي تفيد التوكيد. وقدم الجار والمجرور على العامل (مؤمنين) وهو – أي التقديم – يفيد الاختصاص في الغالب، أي: نحن نخصّك بعدم الإيمان. ولو قال مثلاً: (ولسنا مؤمنين لك) لم يكن التعبير مؤكدًا. وقوله: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ} تعبير مؤكد، فإنه جاء بأسلوب القصر، فقد نفى بـ (إن) وأثبت بـ (ألا) ولم يقل: (نقول اعتراك بعض آلهتنا بسوء). والتعبير بأسلوب القصر تعبير مؤكد. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه نفى بـ (إن) ولم ينف بـ (ما)، و(إن) أكد من (ما) في النفي كما أسلفنا. فكل جزء من الآية تعبير مؤكد – كما ترى-. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 213 إلى ص 216. (1) روح المعاني 12/82. (2) انظر معاني النحو 4/228. الوقفة كاملة |
| ٣٤٣ | {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ} [هود: 54 – 55]. لما قالوا ما قالوا وأيسوه من إيمانهم وقالوا: إن بعض آلهتهم اعتراه بسوء، أعلن البراءة من آلهتهم وأشهد الله وطلب منهم أن يشهدوا على ذلك فقال: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}. ثم تحداهم وتحدى آلهتهم جميعًا، وليس فقط بعض القوم وليس بعض الآلهة فقط أن يكيدوه ولا يمهلوه. وهو تهاون عظيم بهم وبآلهتهم كلها، فهم وآلهتهم أضعف من أن يفعلوا له شيئًا. وقوله: {مِمَّا تُشْرِكُونَ} يحتمل معنيين: أن تكون (ما) اسمًا موصولًا بمعنى (الذي)، أي أنا برئ من الذي تشركون. أو ان تكون (ما) مصدرية فيكون المعنى: أنا برئ من إشراككم آلهة من دونه (1). وقد أراد المعنيين جميعًا: البراءة من إشراكهم ومن الذين يشركونهم الوقفة كاملة |
| ٣٤٤ | {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود: 60] اللعنة: هي الطرد من رحمة الله. أي إن اللعنة أرسلت عليهم فهي تطاردهم وتتبعهم حيثما يكونون في هذه الدنيا ويوم القيامة، فهي تلازمهم لا ترجى لهم رحمة لا في الدنيا ولا في الآخرة. وهذه مبالغة في الطرد من رحمة الله، فكما أنهم بالغوا في عنادهم ومعصيتهم وبالغوا في اتباع كل جبار عنيد بولغ لهم في هذا العقاب الأبدي الذي لا ينفك عنهم لا في الدنيا ولا في الآخرة. جاء في (روح المعاني): "{وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} أي إبعادًا عن الرحمة وعن كل خير، أي جعلت اللعنة لازمة لهم. وعبر عن ذلك بالتبعية للمبالغة، فكأنها لا تفارقهم وإن ذهبوا كل مذهب بل تدور معهم حسبما داروا، أو لوقوعه في صحبة أتباعهم ... {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي وأتبعوا يوم القيامة لعنة أيضًا وهي عذاب النار المخلد. حذف ذلك لدلالة الأول عليه وللإيذان بأن كلًّا من اللعنين نوع برأسه لم يجتمعا في قرن واحد بأن يقال (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة لعنة). ونظير هذا قوله تعالى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ}. وعبر بيوم القيامة بدل الآخرة هنا للتهويل الذي يقتضيه المقام" (1). لقد قال في هذه القصة: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} وقال في السورة نفسها في قصة فرعون: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} [99] فلم يذكر (الدنيا) بعد كلمة (هذه) وذلك لأمور منها: 1- أنه ذكر شيئًا من أمور الدنيا في قصة هود فقال: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}، ثم ذكر أن الله يستخلف قومًا غيرهم، وذلك في الدنيا. 2- أنه ذكر يوم القيامة وعقوبتهم فيه في قصة فرعون ولم يذكر شيئًا عن عقوبتهم في الدنيا فقال: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود: 98] ثم قال: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} [هود: 99]. فكان التأكيد على يوم القيامة وليس على الدنيا. بخلاف قوم هود فإنه ذكر مجيء أمر الله عليهم في الدنيا وأنه نجى هودًا والذين آمنوا معه فقال: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [هود: 58] فناسب ذكر الدنيا. ألا ترى أنه لما ذكر عقوبة فرعون وجنوده في الدنيا في موطن آخر فقال: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [القصص: 40] ذكر الدنيا بعد كلمة (هذه) فقال: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} [القصص: 42]. فناسب ذكر الدنيا في قصة هود وإضمارها في قصة فرعون في هذه السورة، أعني سورة هود. 3- هذا إضافة إلى أن قصة هود أطول من قصة فرعون في السورة، فإن قصة هود من الآية الخمسين إلى الآية الستين (من 50 – 60). وإن قصة فرعون من الآية السادسة والتسعين إلى الآية التاسعة والتسعين (من 96 – 99). فناسب كل تعبير موضعه من أكثر من جهة. فقد تقول: لقد قال ههنا: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} ببناء الفعل (أتبعوا) للمجهول. وقال في سورة القصص في قصة فرعون: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} [القصص: 42] ببناء الفعل للمعلوم وإسناده إلى ضمير الجماعة للتعظيم (أتبعناهم) فما السبب؟ فنقول: إن ذلك لأكثر من سبب منها: 1- أن كل آية مناسبة لبداية السورة التي وردت فيها. فقد قال في بداية سورة هود: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} بالبناء للمجهول. وقال في بداية سورة القصص: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ} بإسناد الفعل (تتلو) إلى ضمير المتكلم للتعظيم. فناسب كل تعبير بداية السورة التي ورد فيها. 2- إن سياق القصة في سورة القصص إنما هو في الإسناد إلى ضمير التعظيم، فقد قال: فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم (40)، وجعلناهم أئمة (41)، وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة (42)، ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس (43) فأسند الإهلاك إلى ضمير التعظيم. وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر (44) ولكنا أنشأنا قرونًا (45)، وما كنت ثاويًا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45)، وما كنت بجانب الطور إذ نادينا (46). فناسب ذلك إسناد الفعل إلى ضمير المتكلمين (أتبعناهم). وأما السياق في سورة هود فهو في الكلام على الغائب، فقد قال: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ} ولم يقل: جحدوا بآياتنا، ولا عصوا رسلنا. وقال: {أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ} ولم يقل: (كفروا بنا) ولا (كفرونا). فناسب ذلك قوله: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} بالبناء للمجهول. 3- أن ضمائر التعظيم لله البارزة والمستترة في القصة في سورة القصص واحد وثلاثون ضميرًا (31). وفي قصة هود أربعة ضمائر. فناسب ذلك إسناد الفعل في القصص إلى ضمير التعظيم من هذه الجهة. 4- قصة موسى في القصص أطول من قصة هود في سورة هود. فإن قصة موسى أربع وأربعون آية، من الآية الثالثة إلى الآية السادسة والأربعون. وأما قصة هود فهي إحدى عشرة آية، من الآية الخمسين إلى الآية الستين. وإن (أتبعناهم) أطول من (أتبعوا). فإن (أتبعناهم) ثمانية أحرف، وإن (أتبعوا) خمسة أحرف. فناسب التعبير الذي هو أطول القصة التي هي أطول، والذي هو أقل القصة التي هي أقصر. فناسب كل تعبير موضعه من كل جهة. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 226 إلى ص 230. (1) روح المعاني 12/87. {أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ} الفعل (كفر) يتعدى بحرف الجر وبنفسه. فيقال: (كفر بالله) متعديًا بحرف الجر وهو الباء. والكفر هنا نقيض الإيمان. ويقال: (كفر ربه) بتعديه إلى المفعول بنفسه وذلك يفيد معنيين: المعنى الأول: كفران النعمة، وهو نقيض الشكر. والآخر معناه الجحود وهو نقيض الإيمان. فهم جحدوا ربهم وجحدوا نعمه. جاء في (روح المعاني) في قوله: {أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ}: "أي بربهم أو كفروا نعمته ولم يشكروها بالإيمان أو جحدوه" (1). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 230 إلى ص 231. (1) روح المعاني 12/87. {أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} (قوم هود ) عطف بيان لعاد أو بدل منه، ذكر زيادة في التوضيح والتعيين، كما قال سبحانه {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا} [الفرقان: 35] فذكر هرون زيادة في التنصيص مع أنه قد يستغني عن ذكره ويكتفي بذكر الأخوة كما قال سبحانه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا} [يونس: 87] ولم يذكر هرون. وقيل إن عادًا "عادان: الأولى القديمة التي هي قوم هود، والقصة فيهم، والأخرى هي إرم" (1). وقيل أيضًا: إن عاد إرم هي عاد هذه، وهم قوم هود، وهي عاد الأولى (2). وإنما ذكر (قوم هود) زيادة في المبالغة والتأكيد. وكرر حرف التنبيه (ألا) مرتين زيادة في ذمهم والتنبيه على سوء مآلهم. جاء في (البحر المحيط): "ثم كرر التنبيه بقوله: (ألا) في الدعاء عليهم تهويلًا لأمرهم وتفظيعًا له وبعثًا على الاعتبار بهم والحذر من مثل حالهم" (3). ومن الطريف في هذه الآية أنه كرر اللعنة مرتين {فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ}، وذكر الدنيا مرتين: مرة باسم الإشارة (هذه)، ومرة بالاسم الصريح، وكرر عادًا مرتين، وكرر (ألا) مرتين، ودل على عاد مرتين: مرة باسمهم ومرة بذكر أنهم قود هود. وهو من لطيف التعبير. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 231 إلى ص 232. (1) الكشاف 2/104. (2) انظر فتح القدير 5/422. (3) البحر المحيط 5/236. قصة صالح وردت هذه القصة في الأعراف وهود والحجر والشعراء والنمل وفصلت والذاريات والقمر والفجر والشمس. وهي كما ذكرنا في قصتي نوح وهود ليست مكررة، بل يذكر في كل موضع جانب لم يذكر في المواضع الأخرى، وقد يذكر على أمور أو على أمر بحسب ما يقتضيه السياق وما يراد أن يركز عليه. 1- فقد دعا صالح قومه ثمود في الأعراف إلى توحيد الله وعبادته فقال لهم: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 73]. وهذا ما ورد في السورة على لسان أكثر الأنبياء، فقد ورد ذلك على لسان نوح وهود وصالح وشعيب. وذكر لهم آية تدل على صدقه وأنه رسول من عند الله وهي الناقة، وسماها ناقة الله لأنها لا تعود لأحد وإنما هي لله أوجدها ربنا إيجادًا، فقد أخرجها من صخرة ولم تلدها ناقة. وحذرهم من التعرض لها بسوء وإلا أخذهم عذاب أليم. وذكرهم بنعم الله عليهم فإنه بوأهم في الأرض بعد عاد يتخذون من سهولها قصورًا وينحتون الجبال بيوتًا. ولم يذكر ذلك في موضع آخر، وإنما يذكر جانبًا واحدًا من هذه النعم. فقد ذكر أنهم ينحتون من الجبال بيوتًا في سورتي الحجر والشعراء، ولم يذكر اتخاذ القصور من السهول. وكان الجدال بين الملأ الذين استكبروا من قومه وبين المستضعفين من المؤمنين، ولم يواجهوا صالحًا بكلام أو جدال، فقد {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [ الأعراف: 75 - 76]. فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ثم تحدوا صالحًا: {وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 77]. {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 78]. ٢- وأما في سورة هود فإنه دعاهم أيضًا إلى عبادة الله وتوحيده، ونحو ذلك فعل نوح وهود وشعيب، ثم قال لهم إنه أنشأهم من الأرض وجعلهم عمارًا لها. فأجابوه قائلين: {يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} فكان الجدال بينه وبين قومه. وأما في الأعراف فقد كان الجدال بين المستكبرين من قومه وأتباع صالح. ثم ذكر لهم الآية التي تدل على صدقه وهي الناقة، وحذرهم من أن يمسوها بسوء. فعقروها فأخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. 3- وأما في سورة الحجر فإنها المرة الوحيدة التي ذكر عنهم أنهم أصحاب الحجر فذكر محل سكناهم وهو الحجر. والحِجْر: هو موطن ثمود قوم صالح، وهو أرض بين الحجاز والشام (1). ولم يذكر أنه دعاهم إلى عبادة الله، وإنما ذكر تكذيبهم المرسلين، فكأنها استكمال لما ورد في الأعراف وهود، فقد دعاهم في الموضعين السابقين إلى توحيد الله وعبادته والتصديق بنبوته وأنه جاءهم بالآية الدالة على صدقه. وقال ههنا عنهم: إنهم كذبوا المرسلين وأعرضوا عن الآيات. فهي مرحلة بعد التبليغ، ولم يذكر الآيات ولا نوعها أو ما هي؟ كما لم يذكر اسم نبيهم ولا اسم القوم، فلم يذكر اسم ثمود ولا صالح، كما لم يذكر الناقة. وذكر أنهم كذبوا المرسلين فأخذتهم الصيحة مصبحين. وهذا ما جاء في شأنهم في سورة الحجر: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الحجر: 80 - 84] لقد ذكر هنا أنه أتاهم آياته بالجمع، ولم يقل: (آية) بالإفراد، وهذا هو الموطن الوحيد الذي ذكرت فيه الآيات مجموعة في هذه القصة. وأما في المواضع الأخرى فإنه يذكرها (آية) بالمفرد (انظر الأعراف ۷۳، هود 64، الشعراء ١٥٤) أو يذكر الناقة. وذلك - والله أعلم - أنه قال{وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} فذكر مرسلين ولم يذكر رسولاً واحدًا. والمرسلون لهم آيات لا آية، فناسب أن يقولها بالجمع.قد تقول: ولكنه قال في الشعراء أيضًا: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} لكنه ذكر آية وذكر الناقة. فنقول: إن السياق مختلف، فإنه في سورة الحجر لم يذكر رسولاً معينًا، وإنما ذكر الرسل على العموم، في حين أن الكلام في الشعراء على صالح، فقد قال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ}، فكان المناسب أن يذكر آية صالح لأن الكلام عليه وحده. قد تقول: لقد قال ههنا: {وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [طه: 56] فقال: (كلها). وكذا جاء في سورة القمر، فقد قال: {كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 42]. والكلام على فرعون في الموضعين؛ وذلك لأن آيات موسى كثيرة، وقد ذكر ربنا أنها تسع آيات (2). بخلاف آيات صالح فإنها آيات متعلقة بالناقة من حيث إنها خرجت من صخرة، وإنها كانت تسقي القبيلة كلها باللبن، وغير ذلك (3). فناسب ذكر (كلها) في آيات موسى. 4- وأما ما في سورة الشعراء فإنه ورد فيها ما ورد في عموم الرسل، فقد قال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. وهو ما قاله عموم الرسل لأقوامهم في هذه السورة كما ذكرنا في قصتي نوح وهود. فإنهم لم يأمروهم بتوحيد الله وعبادته، وإنما أمروهم بتقوى الله وإطاعة رسولهم. وهي مرحلة بعد التبليغ بتوحيد الله وعبادته. فبعد توحيد الله وعبادته أمروهم بتقوى الله وطاعة رسوله. وذلك ما قاله صالح لقومه أيضًا. ثم ذكر لهم من النعم ما لم يذكره في المواضع الأخرى، فقد قال: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} [الشعراء: 146 - 149] فذكر لهم الأمن والفراهة في السكن ورفاهية العيش في الزروع والثمار والماء. فقالوا له: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} أي من الذين سحروا كثيرًا حتى غلب على عقله. وطلبوا منه آية تدل على صدقه، فقال لهم: إن آية صدقه هي الناقة، وإن لها يومًا تشرب فيه الماء، ولهم يوم يشربون فيه الماء. وهذا أول موضع يذكر فيه أن الماء بين القوم والناقة لكل منهما يوم. وقد ذكر في الأعراف وهود الأكل وقال لهم: {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} [الأعراف: 73، هود: 64] وذكر هنا الشرب. وذكر الشرب أيضًا في سورة القمر وسورة الشمس ولم يذكر الأكل. والخط التعبيري في القرآن أنه يقدم الأكل على الشرب حيث اجتمعا، سواء كان ذلك في الدنيا أم في الآخرة، وذلك نحو قوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ} [البقرة: 60] وقوله في الجنة: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24] وقد قدم الأكل في هذه القصة على الشرب مع أنهما لم يجتمعا. وهذا من لطيف التعبير. ثم حذرهم من أن يمسوها بسوء وإلا أخذهم عذاب يوم عظيم. فعقروها فأصبحوا نادمين. ولم يذكر نوع العقوبة التي حلت بهم، وإنما ذكر العذاب على العموم فقال: {فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ} ولم يذكر صيحة أو رجفة أو غيرهما. 5- وأما في سورة النمل فقد ذكر أنه أرسل إلى ثمود صالحًا وأمرهم بعبادة الله فإذا هم فريقان متخاصمان. ولم يذكر من هذان الفريقان وما شأنهما؟ ولكن المقام يدل على أنهما فريق مؤمن وفريق كافر. ولم يطلبوا منه آية، وإنما ذكر تواطؤ تسعة رهط من قومه على قتله وأهله. ولم يرد هذا في موضع آخر من القرآن الكريم. وهو أنسب موطن لذكر ذلك فإنه كان نهاية الاختصام. ثم ذكر عاقبة هذا المكر أن الله دمرهم وقومهم أجمعين، ولم يذكر كيف دمرهم ولا نوع العقوبة التي حلت بهم. 6- وأما في فصلت فالقصة موجزة، فإنه لم يذكر إلا أنه هداهم فاستحبوا العمى على الهدى. ولم يذكر أنه دعاهم إلى شيء. ثم ذكر أن الصاعقة أخذتهم. وهذا أول موضع يرد فيه ذكر الصاعقة في هذه القصة وهذا ما ورد منها في هذه السورة: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [فصلت: 17 - 18] 7- وفي الذاريات ذكر أنه قيل لثمود: تمتعوا حتى حين، فعتوا عن أمر ربهم. ولم يذكر من القائل ولا إلى أي شيء دعاهم، وذكر أنهم عتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون. وهذا ما ورد منها: {وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ} [الذاريات: 43 - 45] ٨- وأما في سورة القمر فإنه قال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ} [القمر: 23]. وهذا هو افتتاح عموم القصص في هذه السورة، فإنها تفتتح بتكذيب الأقوام لرسلهم ابتداء من قوم نوح فعاد فثمود فقوم لوط وفرعون كما ذكرنا. ثم ذكر أنهم قالوا عن نبيهم الذي لم يذكر اسمه إنه كذاب أشر، ولم يرد مثل هذا الوصف له في موضع آخر من القرآن، فتوعدهم ربنا بقوله: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ} [القمر: 26]. ثم ذكر أنه أرسل الناقة فتنة لهم. وقال لهم إن الماء قسمة بينهم كل شرب يحضره أصحابه. فنادوا صاحبهم فعقر الناقة. ثم ذكر أنه أرسل عليهم صيحة واحدة فكانوا كالهشيم الذي يتبقى من صنع الحظيرة التي تصنع للدواب. ولم يرد مثل هذا في موضع آخر من القرآن. قال تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} [القمر: 23 - 31] 9- وأما في سورة الفجر فلم يذكر عن ثمود إلا أنهم جابوا الصخر بالواد، أي قطعوه ونحتوه. كما أنه أول مرة ذكر الوادي الذي ينحتون فيه، ولم يذكر عقوبة لهم جمعهم مع عدة أقوام بقوله: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} [الفجر: 13] 10- وأما في سورة الشمس فذكر أن ثمود كذبت بسبب طغيانها، وذكر أن أشقى القوم انبعث، والظاهر أنه انبعث لعقر الناقة، رسولهم حذرهم ف فقال لهم: {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} [الشمس: 13] أي اتركوها وأن ولا تتعرضوا لها. ولم يزد على ذلك فكذبوه فعقروها. وذكر العذاب بصورة لم يذكرها في بقية المواضع فقال: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} [الشمس: 14] أي أطبق عليهم العذاب مكررًا ذلك عليهم (4). فأنت ترى أن القصة ليست مكررة، وإنما يذكر في كل موضع ما يناسب السياق الذي وردت فيه. وأنه يذكر في كل موضع منها جانبًا لم يذكر في المواضع الأخرى. الدعوة: إن أول ما دعا صالح قومه إلى عبادة الله وتوحيده فقال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}، ثم ذكر لهم البينة التي جاءتهم وذكرهم بالنعم التي أنعم الله عليهم بها، وذلك في الأعراف 73. وأما في هود فلم يكتف بذاك وإنما طلب منهم بعد عبادة الله وتوحيده وتذكيرهم بنعمته عليهم بالإيجاد وإعمار الأرض أن يستغفروا ربهم ثم يتوبوا إليه الوقفة كاملة |
| ٣٤٥ | {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود: 76]. {يَا إِبْرَاهِيمُ} نداء على تقدير القول، أي قلنا أو قالت الملائكة (1). ولم يقل: قلنا أو نحو ذلك، وإنما حذف ذلك لنكون كأننا نسمع النداء يصدر إلى إبراهيم وأمره بالكف عن الجدال. وتقدير (قلنا) مناسب لقوله: (يجادلنا). وتقدير (قالت الملائكة) مناسب لقولهم: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} وحذف القول ليحتمل الأمرين المناسبين للسياق. {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} بإدخال (إن) المؤكدة على ضمير الشأن لتفخيم الأمر وتعظيمه. فلم يقل: (إن أمر ربك قد جاء) بل جاء بضمير الشأن الدال على التعظيم والتفخيم. {قَدْ جَاءَ} جاء بـ (قد) التي تدل على التحقيق والتوقع والتقريب، أي إن مجيء الأمر قد تحقق وقرب وقوع العذاب، وهو متوقع وقوعه على هؤلاء القوم المجرمين. {وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} أي غير مردود "بجدال ولا بدعاء ولا بغيرهما" (2). وجاء باسم الفاعل (آتيهم)، وباسم المفعول (غير مردود) للدلالة على ثبوت الأمر واستقراره، ولم يقل: (يأتيهم) ولا (لا يردّ) الدالين على الحدوث، بل جاء بما يدل على الثبوت والاستقرار. فانظر كيف جاءت الآية بكل ما يدل على التأكيد والتفخيم والتعظيم: 1- فقد قال: {يَا إِبْرَاهِيمُ} فحذف فعل القول للإيجاز وكأن النداء صدر من العلي الأعلى بالكف. ۲- وقال: {أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} فأمره بالكف عن الكلام في هذا الأمر، ولم يقل: (كف عن هذا) وذلك لأن الإعراض أبعد في الكف، فإن معنى (أعرض عنه) صدّ عنه وولى عنه وليس مجرد ترك الكلام. فكأنه أراد أن يصد عن الكلام والانصراف عنه، وهو أبعد من مجرد السكوت عن الكلام. 3- وجاء بـ (إن) المؤكدة فقال: (إنه). 4- وأدخلها على ضمير الشأن الدال على التفخيم والتعظيم. 5- وجاء بـ (قد) التي تدل على التحقيق والتوقع والتقريب. 6- وأدخلها على الفعل (جاء) ولم يأت بالفعل (أتى) وذلك للدلالة على شدة الأمر وصعوبته، فإن (جاء) يستعمل في القرآن لما هو أعسر وأصعب من (أتى) الذي هو المجيء بسهولة (3). 7- وجاء بـ (الأمر) الذي يدل على الشأن، ويدل على الأمر واحد الأوامر من: أمره بالشيء. 8- وأضافه إلى (الرب) لتعظيمه، والرب هو المعلم والمربي والموجه والمرشد، فهو الذي يعلم أحاسن الأمور وأحكمها وكيف يعاقب من خالف أوامره وتوجيهه وإرشاده. 9- وأضافه إلى ضمير الخطاب، فهو ربك الذي رباك وأحسن إليك وعلمك وأرشدك فلا تجادله فهو أعلم منك. والإنسان لا يحسن به أن يجادل من علمه ورباه في أمر هو من أمور التعليم والتوجيه وما هو من شؤون الرب. 10- وقال: {وَإِنَّهُمْ} فجاء بـ (إن) المؤكدة وأدخلها على ضميرهم وهم قوم لوط. 11- وقال: {آَتِيهِمْ عَذَابٌ} فجاء باسم الفاعل الدال على الثبوت. وهذا التعبير أعني {وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} يحتمل دلالتين. الأولى: أن (آتيهم) خبر مقدم، و(عذاب) فاعل اسم الفاعل، وجاء باسم الفاعل للدلالة على الثبوت، والجملة مؤكدة بـ (إن). والدلالة الثانية: أن (آتيهم) خبر (إن)، و(عذاب) مبتدأ مؤخر، وقد قدم الخبر للاهتمام والقصر، أي ليس آتيهم إلا العذاب، كما تقول: (قائم أنا) أي لست إلا قائمًا، والجملة خبر (إن). وقد تقول: ولِمَ لَمْ يقل: (وإنه آتيهم عذاب غير مردود) بإدخال (إن) على ضمير الشأن للدلالة على التفخيم والتعظيم، نظير قوله: {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} فنقول: لو قال ذلك لم يكسب المعنيين اللذين ذكرناهما، وذلك أنه لو قال: (وإنه أتيهم عذاب غير مردود) لم يكن له إلا دلالة واحدة وهي (آتيهم) خبر مقدم، و(عذاب) مبتدأ مؤخر، ولا يصح أن يكون (أتيهم) خبر (إن) لأن الشأن لا يدخل إلا على جملة فيفوت أحد المعنيين المرادين ضمير، والله أعلم. ۱۲- وقال: {غَيْرُ مَرْدُودٍ} فوصفه ونفى رده بالاسم الدال على الثبوت وهو (غير)، ولم يقل: (ليس مردودًا) فينفيه بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث، فنفاه بما هو أقوى وأثبت. 13- وقال: {غَيْرُ مَرْدُودٍ} فجاء باسم المفعول الدال على الثبوت، ولم يقل: (لا يرد) بالفعل. فكانت كل كلمة نضا في المعنى المقصود والذي يناسب المقام. نظرة بيانية في هذه القصـة من الملاحظ أن جانب التبسط والإكرام لإبراهيم والملائكة في سورة هود أكثر مما في المواضع الأخرى. 1- فقد عجل بذكر البشرى له قبل ذكر إيجاس الخوف منهم، في حين كانت البشرى بعد التصريح بالخوف منهم كما في الحجر، أو بعد الإحساس بالخوف كما في الذاريات، فقال ههنا: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} وهذا أدعى إلى الاطمئنان. ٢- التصريح بأنهم رسله سبحانه أدل على التكريم من قوله: (ضيف إبراهيم)، فقد أضاف الرسل إليه فقال: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ}. في حين قال في الحجر: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ}، وفي الذاريات {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ}. ورسل الله أكرم من ضيف مكرم. 3- قال ههنا: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} لم يبطئ في المجيء. وقال في الذاريات: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ}. وقوله: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ} أدل على السرعة من قوله: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ}. فالأولى تدل على التعقيب في عدم الإبطاء في المجيء، أي أسرع فيه. والثانية تدل على التعقيب في الروغان إلى أهله. والأولى أسرع. 4- قال في هود: {بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أي سمين مشوي حار يقطر ودكه. وقال في الذاريات: {بِعِجْلٍ سَمِينٍ} فزاد في الوصف في هود على سمين بأنه مشوي وأنه حار. ولا يدل في الذاريات على أنه حار. 5- إنكاره إياهم في هود بعد أن رأى أيديهم لا تمتد إلى الطعام {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ}. في حين كان إنكاره في الذاريات بعد رد التحية: {قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ}. فقد كان بعد رد التحية في هود المجيء بالعجل، وكان بعد رد التحية في الذاريات قوله: {قَوْمٌ مُنْكَرُونَ}. 6- بعد الإيجاس بالخوف في هود ذكروا له أمرين مطمئنين: الأول: أنهم أرسلوا إلى قوم لوط وليسوا مرسلين إليه فلا داعي للخوف. والآخر: التبشير بالولد. في حين كان بعد التصريح بالوجل في الحجر أو الشعور بالخوف في الذاريات إنما هو التبشير بالغلام، ثم سألهم عن مهمتهم في الموضعين فأجابوه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط. ولا شك أن الموقف الأول أدعى إلى الطمأنينة. 7- ذكر في هود أن امرأته ضحكت، وهي قد ضحكت سرورًا. ولم يذكر ذلك في موضع آخر. ٨- إنهم بشروها في هود بالولد وولد الولد. ولم يبشروه بغير الولد في الحجر والذاريات، والأول أدعى إلى زيادة السرور. 9- إن فحوى البشارة في هود أن ترى ولدها وولد ولدها، أي أنها ستعيش حتى ترى يعقوب، وقد حصل لها ذلك، وهو ما يدل على طول العمر والزيادة في السرور. 10- تبسط امرأة إبراهيم مع الملائكة في هود أكثر، وهو أدل على الطمأنينة والراحة. 11- الدعاء أو الإخبار لأهل البيت بقولهم: {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} أدل على الإكرام والزيادة في إدخال المسرة. ولم يرد ذلك في موضع آخر. ۱۲- ورود البشرى في هود أكثر من ورودها في المواطن الأخرى، فقد جاءته الرسل بالبشرى، ثم بشروا امرأته، ثم ذكر مجيء البشرى مرة أخرى بقوله: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى}. ثم إن البشرى في هود وردت عامة ووردت مخصصة، فقد قال: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى}، وقال: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى} والبشرى هنا عامة غير مخصصة بأمر. ووردت مخصصة بقوله: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ}. في حين كانت البشرى في الحجر والذاريات مخصصة بالغلام. فما في هود أعم وأشمل. 13- أسند البشارة إليه في هود فقال: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ}، وأسند البشارة إلى الملائكة في الحجر والذاريات: {قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الحجر: 53]، وفي الذاريات: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ}[الذاريات: ۲۸]. ولاشك أن إسناد البشارة إلى الله أكرم وأتم. ولما كانت البشارة مسندة إلى الله في هود ذكر الزيادة في البشرى وهي الولد وولد الولد. ١٤- إن البشرى في هود أتم وأعلى مما في الحجر والذاريات، فإن البشرى في هود جاءت بها الرسل كما قال: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى}. وجاءت هي كما قال: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى}. فالبشرى جيء بها مرة، وجاءت هي مرة أخرى. وأما في الحجر والذاريات فقد ذكر أنهم بشروه، وكذلك قال في هود غير أنه أسند التبشير إليه سبحانه كما ذكرنا. ولاشك أن ما ورد في هود أتم وأعلى. 15- ذكر ذهاب الروع وهو الفزع في هود فقال: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ}، ولم يقل مثل ذلك في الحجر ولا في الذاريات. وهو أدل على الطمأنينة. ١٦- ذكر في هود مجادلة إبراهيم للملائكة في قوم لوط مما يدل على زيادة اطمئنانه. ولم يذكر ذلك في الحجر ولا في الذاريات. ۱۷- ذكر من صفات المدح والثناء على إبراهيم في هود ما لم يذكره في المواضع الأخرى، وذلك قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ}. فدل ذلك على ما ذكرناه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 281 إلى ص 288. (1) روح المعاني 12/104. (2) روح المعاني 12/104. (3) انظر مفردات الراغب (جاء) و(أتى)، وانظر كتابنا (من أسرار البيان القرآني) باب المفردات. قصة لوط وردت هذه القصة في الأعراف وهود والحجر والأنبياء والشعراء والنمل والعنكبوت والصافات والذاريات والقمر. ونقول ما قلناه في سائر القصص الأخرى إنها ليست متطابقة، بل قد يذكر في موضع ما لا يذكره في موضع آخر بحسب ما يريد أن يركز عليه وبحسب السياق الذي وردت فيه. والملاحظ في هذه القصة أنه لم يذكر فيها أن لوطًا دعا قومه إلى عبادة الله وتوحيده في جميع ما ورد منها، وإنما ذكر أنه أمرهم بتقوى الله وذلك عندما راودوه عن ضيفه، وذكر ذلك أيضًا في سياق ما ورد نحوه على لسان الرسل الآخرين وذلك في سورة الشعراء، فكان الرسول يقول لقومه: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. ونحو ذلك قال لوط لقومه. إن التركيز في قصة لوط إنما هو على ذكر الفاحشة التي ما سبقهم بها من أحد من العالمين، وهي إتيان الذكور شهوة من دون النساء. وكانت هي السبب الرئيس لعقوبتهم واستئصالهم. وذلك إشارة – والله أعلم – أن ربنا قد يهلك عباده بالمعصية إن عمت وعظمت كما قال ربنا في هؤلاء القوم: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [العنكبوت: 34]. وحذر الظالمين في كل حين أن يفعل بهم ما فعل بقوم لوط فقال في الحجارة التي أمطرها عليهم: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 83]. 1- ففي سورة الأعراف ذكر أن لوطًا أنكر على قومه سوء فعلهم في أنهم كانوا يأتون الفاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين (80). فكان جواب قومه أنط طلبوا إخراجه من القرية فإنهم أناس يتطهرون. فنجاه الله وأهله إلا امرأته، وذكر أنه أمطر عليهم مطرًا، ولم يذكر ما هذا المطر، وما ماهيته. وهذا ما ورد منها في سورة الأعراف: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 80 - 84]. 2- وأما في سورة هود فذكر ورود رسل الله على لوط على هيئة ضيوف وضاق بهم نبي الله لوط، وجاءه قومه يهرعون إليه. وحاول لوط منعهم ودفعهم، وجرى بينه وبينهم كلام ومحاورة، وحاول منعهم بعرض بناته عليهم فأبوا، فأعلموه أنهم رسل به أرسلوا لعقوبة قومه، وطلبوا منه أن يسري بأهله. ثم ذكر عقوبتهم وذلك أنه جعل عاليها سافلها وأمطر عليها حجارة من سجيل. وهذا الجانب من القصة لم يرد في الأعراف؛ وذلك لأنه كان أول تبليغ لهم فلا يناسب ذكر مجيء الرسل إليهم، وإنما تأتي الرسل بعد التبليغ ومضي الزمن وإصرار القوم على ما هم عليه، ثم بعد ذلك تأتي الرسل لعقوبة القوم. فكان ذكر ذلك فيما بعد الأعراف هو المناسب. 3- وذكر في الحجر مجيء رسل ربه إليه فأنكرهم، فأخبروه بالغرض من مجيئهم وطلبوا منه أن يسري بأهله وأن يتبع أدبارهم. كما ذكر مجيء أهل القرية مستبشرين فحاول منعهم، وعرض عليهم بناته. ثم ذكر عقوبتهم وهي الصيحة وأنه جعل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل. وهذا ما ورد منها في هذه السورة. {فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} 4- وأما في الأنبياء فقد ذكر لوطًا بصورة موجزة، وذكر أنه آتاه حكمًا وعلمًا ونجّاه من القرية التي كانت تعمل الخبائث. قال تعالى: {وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 74 – 75]. 5- وأما في الشعراء فقد بدأت القصة بما تبدأ به عموم قصص رسل الله في السورة: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 160 – 164]. ثم بكتهم على معصيتهم وسوء فعلهم وهو إتيان الذكور وترك الأزواج، فهددوه إن لم ينته بإخراجه. فدعا ربه أن ينجيه وأهله، فنجاه وأهله إلا عجوزًا في الغابرين، ولم يذكر أنها امرأته، وقد ذكر ذلك في مواضع أخرى. ولم يذكر ضيفه. قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 160 – 175]. 6- وفي سورة النمل ذكر أنه بكتهم على سوء فعلهم من اتيان الفاحشة، فكان جواب قومه أن طلبوا إخراجه من القرية، فأنجاه الله وأهله إلا امرأته وأمطر عليهم مطرًا ولم يذكر ما هذا المطر، قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِين} [النمل: 54 – 58]. 7- وأما في سورة العنكبوت فقد ذكر من سوء أفعالهم ما لم يذكره في المواضع الأخرى. فقد ذكر إضافة إلى إتيان الرجال من دون النساء أنهم يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر. وتحدوه بأن يأتيهم بعذاب الله إن كان من الصادقين. ثم ذكر مجيء ضيف إبراهيم بالبشرى، فذهابهم إلى قوم لوط وبرمه بهم فأمنوه وذكروا له أنهم منجّوه وأهله إلا امرأته وأنهم منزلون على أهل القرية رجزًا من السماء، ولم يذكر نوع هذا الرجز. قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} 8- ولم يذكر في الصافات إلا أن لوطًا من المرسلين، وأن الله نجّاه وأهله أجمعين إلا عجوزًا، ولم يذكر أنها امرأته، ثم ذكر أنه دمر الآخرين، ولم يذكر كيف كان تدميرهم. ثم ذكر أنهم - أي قريشًا - يمرون عليهم في أسفارهم في الليل والنهار. قال تعالى: {وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}ـ 9- وأما في الذاريات فقد ذكر أن إبراهيم سأل ضيفه عن مهمتهم فذكروا أنهم أرسلوا إلى قوم مجرمين ليرسلوا عليهم حجارة من طين معلمة بعلامة من عند ربه. ثم ذكر أنهم أخرجوا المؤمنين فلم يجدوا فيها غير بيت واحد . وهذا لم يذكر في موضع آخر. ثم ذكر أنه ترك فيها آية بينة للذين يخافون العذاب الأليم، ولم يذكر ماذا فعل بهم غير ما ذكره الملائكة لإبراهيم. قال تعالى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [الذاريات: 31 - 37]. 10- وأما في سورة القمر فقد ذكر تكذيب قوم لوط بالنذر، وهو ابتداء عموم القصص في هذه السورة. ثم ذكر أنه أرسل عليهم حاصبا ولم يذكر ذلك في موضع آخر. وذكر أيضًا أنهم راودوه عن ضيفه وأنه طمس أعينهم، ولم يذكر في موضع آخر أنه طمس أعينهم. ثم ذكر أنهم صبحهم العذاب ولم يذكر نوع ذلك العذاب. قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} موقف قومه منه: ذكر في الأعراف أنهم طلبوا إخراجه من القرية. وأما في هود فقد ذكر موقفهم من ضيفه. وذكر أنهم جاؤوا يهرعون إليه، أي يشتدون في الإسراع إليه، فحاول دفعهم فلم يقو على ذلك. وفي الحجـر ذكـر أيضًـا مـوقفهـم مـن ضيفـه وذكـر أنهـم جـاؤوا يستبشرون، وهو وصف لم يذكره في هود. فقد قال هود إنهم جاؤوا مسرعين، وذكر في الحجر أنهم جاؤوا مستبشرين وهو وصف آخر غير الإسراع. وفي الشعراء ذكر أنهم هددوه بإخراجه من القرية إن لم يكف عنهم. وفي النمل طلبوا إخراجه. وفي العنكبوت تحدوه بأن يأتيهم بعذاب الله إن كان صادقًا. وأما في القمر فقد ذكر أن قومه كذبوا بالنذر، وأنه أنذرهم بطشة ربهم فكذبوا بها، وأنهم راودوه عن ضيفه فطمس الله أعينهم. ويتضح من هذا أنهم هددوه أو طلبوا إخراجه من القرية في الأعراف والشعراء والنمل. وذكر أنهم راودوه عن ضيفه في هود والحجر. وذكر في العنكبوت أنه جاءته رسل ربه وأنه ضاق بهم ذرعًا. ولم يذكر موقف قومه منه. ولم يذكر موقف مواجهة بينه وبين قومه في المواضع الأخرى. عاقبة القوم: 1- ذكر في الأعراف أنه نجاه وأهله إلا امرأته، وأنه أمطر عليهم مطرًا ولم يذكر ما هذا المطر. ٢- في هود ذكر أنه جعل عاليها سافلها وأمطر عليها حجارة من سجيل منضود، وهذه الحجارة معلمة بعلامة خاصة. 3- وذكر في الحجر أنهم أخذتهم الصيحة مشرقين، أي بعد شروق الشمس، ولم يذكر الصيحة ولا هذا التوقيت في موضع آخر. كما ذكر أنه جعل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل. فقد ذكر في هود أنه أمطر عليها يعني القرية. وقال في الحجر أنه أمطر عليهم يعني القوم. فدل ذلك أنه أمطر على القوم وعلى القرية. وقد ذكرنا في كتابنا (من أسرار البيان القرآني) في باب (الذكر والحذف) سبب المغايرة بين التعبيرين. 4- ذكر في الشعراء أنه دمر غير المؤمنين وأمطر عليهم مطرًا، ولم يذكر ما حقيقة هذا المطر ولا فصل فيه. 5- وقال في النمل: إنه أمطر عليهم مطرًا، وهو نحو ما ذكر في الشعراء. 6- وقال في العنكبوت: إن الرسل وعدوه بإنزال رجز من السماء، وهو تعبير لم يذكر في المواضع الأخرى. 7- وفي الصافات ذكر تدمير قومه، غير أنه لم يذكر كيف كان تدميرهم. ٨- وفي الذاريات ذكر الرسل لإبراهيم أنهم مرسلون إلى قوم لوط لإنزال حجارة من طين عليهم، مسوّمة أي معلمة بعلامة خاصة. فذكر أن الحجارة من طين. 9- وذكر في سورة القمر أنه أرسل عليهم حاصبًا، وأنه صبحهم بكرة عذاب مستقر، أي في أول النهار. ومن هذا يتضح أنه ذكر المطر على العموم في الأعراف والشعراء والنمل. وذكر الإمطار بالحجارة في هود والحجر والذاريات. وذكر إنزال الرجز في العنكبوت. وذكر إرسال الحاصب في القمر. ومن الملاحظ أنه ذكر إمطار المطر بعد تبكيت قومه على فعل الفاحشة. وذكر الإمطار بالحجارة وجعل عاليها سافلها عند مجيء أهل القرية مسرعين عندما علموا بمجيء الضيوف ومحاولة دفعهم ببناته. وهو أشد من الموقف الأول؛ لأن ذلك كان تبكيتًا على فعل قد لا يكون موجودًا في أثناء دعوته لهم. وأما الموقف الآخر فهو المجيء لتنفيذ هذا الفعل السيء والإصرار عليه ومحاولة دفعهم ببناته، فرفضوا. وهذا قلب للفطرة التي خلق الله الناس عليها، فقلب الله عليهم الأرض كما قلبوا الفطرة. فاشتد عليهم العذاب لما كان الموقف أشد. ولما لم يكن في الذاريات مراودة ولا مجيء الضيوف إلى لوط لم يذكر قلب عاليها سافلها. وذكر إنزال الرجز في العنكبوت لما ذكر من معاصيهم ما هو أكثر مما ذكر فيه إنزال المطر. والرجز أشد من المطر لأن الرجز هو العذاب. وأما المطر فقد لا يكون عذابًا في أصل التعبير في اللغة. وأما في القمر فإنه ذكر الحاصب مناسبة لما ذكر من طمس أعينهم؛ لأنه كأنه حصبهم فسقط من ذلك في أعينهم فطمسها، وإن كان المقصود بذكر الحاصب هو ما ذكر من العذاب، غير أن ذكره كان مناسبًا لطمس أعينهم. والله أعلم. نجاة المؤمنين ذكر في الأعراف والنمل والعنكبوت نجاته وأهله إلا امرأته. وأما في هود فقد طلب منه الإسراء بأهله إلا امرأته، ولم يصرح بنجاته ومن معه. وكذلك في الحجر فإنه طلب منه الإسراء بأهله وأن يتبع أدبارهم ولم يذكروا امرأته، لأنهم ذكروا في القصة نفسها لنبي الله إبراهيم أنهم منجون آل لوط إلا امرأته، فلم يعيدوا ذكرها مرة أخرى. وفي سورة الأنبياء ذكر أنه نجاه من القرية التي كانت تعمل الخبائث ولم يذكر أهله معه. وفي الشعراء والصافات ذكر أنه نجاه وأهله إلا عجوزًا في الغابرين، ولم يذكر أنها امرأته، وقد مر بيان هذه العجوز في مواضع أخرى. وذكر في الذاريات أنه لم يجدوا في القرية غير بيت واحد من المسلمين. ومعنى ذلك أنه لم يؤمن له إلا آل بيته عدا امرأته. وقد ذكر ذلك أيضًا في سورة القمر بقوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} [القمر: 34] فقد استثنى آل لوط وهم أهله. ومن الملاحظ أنه لم يذكر ناجيًا معه غير أهله في جميع المواضع، مما يدل على أنه لم يؤمن له من القرية أحد غير أهل بيته إلا امرأته. قد تقول لقد قال في أكثر من موضع: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} وذلك في هود والحجر، فذكر القطع من الليل. وقال في موضع آخر: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} فذكر الصبح وليس الليل. وقال: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ}. وقال في القمر: {نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ}. وقال: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ} أي عند الصباح. فما حقيقة الأمر أهي النجاة في الليل أم في الصبح؟ فنقول: إن النجاة كانت في الليل، فقد طلب منه الإسراء في ذلك الوقت. وأما نزول العذاب فهو عند الصبح، ذلك أن النجاة لم تكن في وقت نزول العذاب بل قبله. ومن الملاحظ أنه ذكر دعاءه بالنجاة في الشعراء وذلك قوله: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُون}، ودعاءه بالنصر في العنكبوت وذلك قوله: {قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ}. وكل مناسب لموضعه، ففي الشعراء بعد أن بكتهم على إتيان الذكران وترك الأزواج هددوه إن لم ينته بإخراجه من القرية فقال لهم: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} فلما ذكر قلاه وبغضه لعملهم دعا ربه أن ينجيه وأهله من عملهم. وأما في العنكبوت فقد ذكر إضافة لعملهم الفاحشة أنهم يقطعون السبيل، وهو عدوان على عباد الله، فدعا بالنصر عليهم وليس مجرد نجاته منهم. فإن نجاته منهم لا تمنعهم من ذلك، وإنما النصر عليهم هو الذي يمنعهم فدعا بالنصر عليهم. وكل مناسب لموضعه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 289 إلى ص 300. الوقفة كاملة |
| ٣٤٦ | {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] أي لو أن لي طاقة فأمنعكم "يقال: ما لي به قوة وما لي به طاقة. ونحوه {لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} وما لي به يدان؛ لأنه في معنى: لا أضطلع به ولا أستقل به. والمعنى: لو قويت عليكم بنفسي أو أويت إلى قوي أستند إليه وأتمنع به فيحميني منكم. فشبه القوي العزيز بالركن من الجبل في شدته ومنعته. ولذلك قالت الملائكة وقد وجدت عليه: إن ركنك لشديد. وقال النبي "رحم الله أخي لوطًا كان يأوي إلى ركن شديد" (۱). قال ذلك سيدنا لوط على سبيل التفجع والتمني. فهو تمنى أن يكون له قوة في نفسه أو يكون له من يأوي إليه فيستعين به على دفعهم. جاء في (تفسير الرازي): "واعلم أن قوله: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} لا بد من حمل كل واحد من هذين الكلاميين على فائدة مستقلة، وفيه وجوه: الأول: المراد بقوله: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} كونه بنفسه قادرًا على الدفع، وكونه متمكنًا إما بنفسه وإما بمعاونة غيره على قهرهم وتأديبهم. الثاني: والمراد بقوله: {أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} هو أن لا يكون له قدرة على الدفع لكنه يقدر على التحصن بحصن ليأمن من شرهم بواسطته. الثالث: أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمنى حصول قوة قوية على الدفع، ثم استدرك على نفسه وقال: بل الأولى أن آوي إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله تعالى" (۲). ويحتمل أن تكون (لو) شرطية وفيها معنى التمني حذف جوابها ليذهب الذهن كل مذهب فيما سيفعله لردعهم، نظير قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: 50] أي لرأيت شيئًا مهولًا لا يقدر على وصفه. جاء في (الكشاف): "جواب (لو) محذوف كقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} يعني لو أن لي بكم قوة لفعلت بكم وصنعت" (3). وجاء في (تفسير الرازي): "وحذف الجواب ههنا لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من المنع والدفع" (4). وجاء بـ (لو) ولم يأت بـ (ليت) فيقول: (ليت لي بكم قوة) ليشمل معنيي التمني والشرط إضافة إلى حذف الجواب للعموم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 306 إلى ص 308. (1) الكشاف 2/108. (2) تفسير الرازي 6/380. (3) الكشاف 2/108. (4) تفسير الرازي 6/380. الوقفة كاملة |
| ٣٤٧ | {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} [هود: 93] معني قوله: {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي داوموا على ما أنتم عليه من الكفر فسوف تعملون عاقبتكم وترون جزاء إصراركم. ومعنى قوله: {إِنِّي عَامِلٌ} أي أنا مداوم على عملي مستمر على ذلك من الدعوة إلى الله وتبليغ رسالته. {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} قال هنا: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} وقال في قصة نوح في هذه السورة: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} بإدخال الفاء على (سوف). والذي يظهر أن إدخال الفاء هنا أكد من عدم ذكرها، فقد يفيد إدخال الفاء التوكيد في مواضع" (1). والذي يؤيد ذلك ما جاء في الآيتين: 1- فقد قال في قصة نوح: { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [هود: 39]. وقال في قصة شعيب هذه: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} فزاد في قصة نوح {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} ولم يقل مثل ذلك في قصة شعيب. 2- إن ربنا قال لسيدنا نوح: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} ولم يقل مثل ذلك في قصة شعيب. 3- إن ربنا أخبر نوحًا بتعجيل عقوبة قومه وطلب منه أن يصنع الفلك. {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37]. ولم يخبر شعيبًا بنهاية قومه. 4- إن هذا القول قاله سيدنا نوح وهو يصنع الفلك، وذلك يدل على قرب نهاية القوم وعقوبتهم. كل ذلك يدل على توكيد نهاية القوم في قصة نوح ودنو ساعة النجاة. ولست أدري فلعل إدخال الفاء على (سوف) يدل على أن مجيء العذاب لقوم نوح أقرب من مجيئه لقوم شعيب وإن كانا جميعًا في المستقبل، فإن الفاء قد تفيد التعقيب. إن (سوف) في كلا الموضعين تفيد الاستقبال، غير أن دنو العذاب من قوم نوح أقرب. ولعل إدخال الفاء إشارة إلى ذلك، علاوة على ما ذكرنا من التوكيد والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 326 إلى ص 327. (1) انظر معاني النحو 4/127 وما بعدها (باب الشرط)، وانظر حاشية الدسوقي 1/177. الوقفة كاملة |
| ٣٤٨ | قصة موسى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} [هود: 96 – 99] ذكر في سورة هود من قصة موسى وفرعون العاقبة التي تلي العاقبة الأولى وهي غرق فرعون وجنوده. وهو ما ورد في سورة البقرة والأعراف ويونس. فقد ورد في البقرة والأعراف ويونس غرق فرعون وجنوده في اليم. وأما في سورة هود فقد ذكر أمر مهم في الأخرة. قال في البقرة: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: 50] وقال في الأعراف: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 136] وقال في يونس: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90]. لقد ذكر ربنا أنه أرسل موسى بآياته وسلطان مبين. والآيات هي الآيات الدالة على نبوته من قلب العصا حية ونحوها من المعجزات، ومما قيل في السلطان المبين أنه الحجج التي حاج بها فرعون وملأه (1)، وهي سلطان قاهر. وكل من الآيات والسلطان ملزم لمن أراد الحق والحقيقة. وقد وصف السلطان بأنه مبين، أي ظاهر الدلالة ليس فيه غموض ولا شك. غير أن الملأ اتبعوا أمر فرعون ولم ينصاعوا للحق مع أن أمر فرعون كله غي وضلال. وكما اتبعوا أمر فرعون في الدنيا فأغرقهم قادهم في الآخرة إلى النار فأحرقهم. 1- لقد قال: {فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ} ولم يقل: (فتبعوا أمر فرعون) وذلك للمبالغة في اتباعهم لأمر فرعون. ومن المعلوم أن (اتبع) يفيد المبالغة في الاتباع، بخلاف (تبع)، ذلك أن (افتعل) يفيد المبالغة والاجتهاد والتكثير. 2- وقال: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} فنفى بـ (ما)، وأدخلها على الجملة الإسمية، وأكد الخبر بالباء، وكل ذلك يفيد المبالغة والتأكيد في نفي الرشد عن فرعون وأمره. فهو لم يقل: (وليس أمر فرعون رشيدًا أو برشيد) فتكون الجملة فعلية دالة على الحدوث. ولم يقل: (وما أمر فرعون رشيدًا) من غير توكيد للخبر. وإنما قال: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} فنفى الرشد عن أمر فرعون على وجه الثبوت والدوام، وأكد ذلك بالباء الزائدة. 3- ومعنى قوله: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ} أي يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه" (2). فكما اتبعوا أمره في الدنيا اتبعوه في الآخرة فقادهم إلى النار، "وكما كان قدوة في الضلال متبعًا كذلك يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه" (3). 4- قال: {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} بالماضي، ولم يقل: (فيوردهم) مع أن الحدث مستقبل، وذلك للدلالة على أن الأمر كائن لا محالة، وهو بمنزلة الماضي الذي حصل. جاء في (الكشاف) : "فإن قلت: هلا قيل: يقدم قومه فيوردهم، ولم جيء بلفظ الماضي؟ قلت: لأن الماضي يدل على أمر موجود مقطوع به، فكأنه قيل: يقدمهم فيوردهم النار لا محالة" (4). 5- قال: {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} ولم يقل: (فوردوا النار) أي أن فرعون هو الذي أوردهم إياها. كما لم يقل: (فأوردهم النار) بإسناد الفعل إلى نفسه سبحانه، بل إن فرعون هو الذي تقدمهم حتي أوردهم النار. ولم يقل أيضًا: (أوصلهم إلى النار) إذ ربما دل ذلك على الوصول دون الدخول، وإنما قال: {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} أي أدخلهم إياها. 6- قال: {وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} والمورود في النار، و(الورد): المورد، أي بئس ما وردوه هو النار. واختار الورد "لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد" (5). واختار لفظ (الورد) على (المكان) أو نحوه ليدل على أنهم عطاش، وإنما يذهب إلى الورد العطشان. فأوصلهم فارطهم ومقدمهم إلى النار ليسكنوا عطشهم ويبعدوا عنهم الظمأ فيا بئس ما وردوا. 7- قال هنا: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} وقال في السورة نفسها في قصة عاد: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} [هود: 60] فذكر (الدنيا) بعد هذه. وقد ذكرنا سبب ذلك في قصة عاد. 8- قال هنا: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} ببناء الفعل (أتبعوا) للمجهول. وقال في سورة القصص: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً} [القصص: 42] بالبناء للفاعل، بإسناد الفعل إلى نفسه سبحانه، وذلك لأكثر من سبب منها: أ- أن القصة في سورة القصص أطول مما في هود، فإنها في هود أربع آيات من (96 إلى 99). وأما في القصص فإنها إحدى وأربعون آية (من 3 إلى 43). وأن ( أتبعناهم) أطول من (أتبعوا) فناسب طول البناء طول القصة. ب- ذكر من تكذيب فرعون وأتباعه ومعاندتهم في القصص ما لم يذكره في هود، وذكر استكباره واستكبار جنوده في الأرض بغير الحق، فناسب أن يتولى ربنا إهلاك هؤلاء الظلمة المستكبرين. ج- ذكر في القصص أن فرعون أدعى أنه هو الإله الوحيد وليس من يذكره موسى فقال: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص: 38]. فناسب أن يعاقب الإله الحق هذا الإله المدعي، فأظهر نفسه ليذله ويتبين من منهما الإله الحق؟ د- جرى إسناد العقوبات في سورة القصص إلى الله ليبين أنها من الإله الحق فقال: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ} [القصص: 40] {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [القصص: 41]. فناسب أن يقول: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} بالإسناد إليه سبحانه. وليس السياق كذلك في هود. فناسب كل تعبير موضعه. 9- قال: {بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} والرفد هو العطاء و العون. والمرفود: المعطى. أي بئس العطاء الذي أعطوه، وبئس العون الذي أعينوا به. وقد اختار الرفد على العطاء لأن الرفد له معنيان: العطاء والعون. وملأ فرعون إنما اتبعوه ليعطيهم ويعينهم فكان لهم الإغراق في الدنيا، والنار في الأخرة، واللعنة في الدنيا والأخرة. جاء في ( الكشاف): "{بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} رفدهم، أي بئس العون المعان، وذلك أن اللعنة في الدنيا رفد للعذاب ومدد له، وقد رفدت باللعنة في الأخرة. وقيل: بئس العطاء المعطى" (6). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 329 إلى ص 334. (1) انظر روح المعاني 12/135. (2) انظر الكشاف 2/114. (3) البحر المحيط 5/259. (4) الكشاف 2/114. (5) الكشاف 2/114. (6) الكشاف 2/114. الوقفة كاملة |
| ٣٤٩ | {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108].قال في الأشقياء: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا} فأسند الشقاء إليهم، ولم يقل: (فأما الذين أشقوا) ليدل على أن ذلك بما قدمت أيديهم، فهم الذين أشقوا أنفسهم وقال في السعداء: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا} بالبناء للمجهول، ليدل على أن الله هو الذي أسعدهم برحمته وفضله. جاء في (روح المعاني): "وما ألطف الإشارة في شقوا وسعدوا على قراءة البناء للفاعل في الأول و البناء للمفعول الثاني. فمن وجد ذلك فليحمد الله تعالى، ومن لم يجد فلا يلومن إلا نفسه" (1).{عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} "أي غير مقطوع عنهم ولا مخترم" (2). ولم يقيد العطاء بشيء وإنما أطلقه ليشمل كل ما تقتضيه السعادة، وهذا العطاء مستمر غير مقطوع.قد تقول: لقد قال في سورة الواقعة: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: 32 - 33]. وقال ههنا: {غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي غير مقطوع، ولم يقل: (ولا ممنوع) كما قال في الواقعة. فنقول: لقد قال ههنا: (عطاء) أي يعطون، فدل ذلك على أنه غير ممنوع وإلا فكيف يعطون والعطاء ممنوع؟! ولم يقل مثل ذلك في الواقعة، فناسب أن يقول: (ولا ممنوعة). وقال: {غَيْرَ مَجْذُوذٍ} ولم يقل: (غير مقطوع) كما قال في الواقعة: {لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} وذلك أنه أفاد فائدتين: الأولى: أن العطاء غير مقطوع. والأخرى: أنه سالم غير مكسور ولا محطم وليس فيه عيب، فإن من معنى الجذ: الكسر. فالمجذوذ أعم من المقطوع لأنه يشمل المقطوع وغيره. وقوله: {غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أفاد معنيين: أنه غير مقطوع وأنه سالم. والعطاء أعم من الفاكهة، فهو يشمل الفاكهة وغيرها. فناسب العموم العموم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 347 إلى ص 348. (1) روح المعاني 12/146. (2) روح المعاني 12/146. الوقفة كاملة |
| ٣٥٠ | {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} [هود: 109] نهاه في آية سابقة عن أن يكون في مرية مما أنزل إليه فإنه الحق من ربه فقال له: {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} ونهاه ههنا أن يكون في مرية مما يعبد قومه فإنهم متبعون لآبائهم. وقوله: {مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ} يحتمل معنين: الأول: أن تكون (ما) اسمًا موصولاً، أي مما يعبده هؤلاء من الآلهة، فـ (ما) ههنا تعني آلهتهم. والأخر: أن تكون (ما) مصدرية، فيكون المعنى: فلا شك من عبادة هؤلاء (1). فمعبوداتهم وعبادتهم باطلتان. فقد يكون المعبود حقًا والعبادة باطلة كما هو شأن كثير مما نرى، فإن المعبود هو الله وهو الحق وقد تكون العبادة باطلة كما هو شأن أهل الكتاب والمبتدعين ونحو ذلك. وأما هؤلاء فمعبوداتهم وعبادتهم كلتاهما باطلتان فجاء بما يجمع هذين المعنيين. وقال: {إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ} والأصل أن يقول: (كما عبد آباؤهم) إلا أنه عدل إلى صيغة المضارع للدلالة على أن ذلك كان عادة لهم وهو ما يسمى بالماضي المستمر أو المضارع المعتاد، ويكون بالفعل المضارع مسبوقًا بـ (كان)، فكان الأصل في هذا المعنى أن يقال: (إلا كما كان يعبد آباؤهم)، وقد دل قوله تعالى: (من قبل) على المضي. جاء في (روح المعاني): "ومعنى (كما يعبد) كما كان عبد، فحذف لدلالة (قبل) عليه. وكأن اختيار هذا للإشارة إلى أن ذلك كان عادة مستمرة لهم" (2). ومعنى ذلك أن هؤلاء سيصيبهم مثل ما أصاب الأولين ممن قصصنا عليك من سوء عاقبتهم. وقد تقول: ولم لم يقل: (كما كان يعبد آباؤهم) كما قال في آيات أخرى، وذلك نحو قوله تعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} [الأعراف: 70]. وقوله: {تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} [إبراهيم: 10]. فنقول: إن قوله: {مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ} يفيد الاتصال مع آبائهم في العبادة. ولو قال: (ما يعبدون إلا كما كان يعبد آباؤهم من قبل) لاحتمل الاتصال والانقطاع، وليس ذلك نصًا في اتصال الأبناء بالآباء في العبادة. فإن قولنا: (أعبد ما كان يعبد أبي) يحتمل الانقطاع والاتصال، فقد يحتمل أن أباه كان يعبد شيئًا ثم انقطع عن عبادة ذلك الشيء وأصبح يعبد شيئًا أخر، وذلك نحو كثير من الصحابة كابن عباس وابن عمر، فقد كان آباؤهم يعبدون الأصنام في الجاهلية ثم أسلموا وعبدوا الله سبحانه، فلو قال ابن عمر مثلًا (أعبد ما كان يعبد أبي) لم يصح ذلك، بخلاف ما لو قال (أعبد ما يعبد أبي). ويحتمل الاتصال أيضًا. وأما قولنا: (أعبد ما يعبد أبي) فهو يفيد الاتصال وأنه مستمر على نحو عبادة أبيه.فقوله تعالى: {مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ} يفيد الاتصال ومماثلة عبادة هؤلاء لعبادة آبائهم. وقوله: {مِنْ قَبْلُ} يفيد الزمن الماضي في عبادة آبائهم وأنه متصلة متماثلة منذ الزمن الماضي. فلو قال: (ما يعبدون إلا كما كان آباؤهم) ولم يقل (من قبل) لربما أفاد ذلك عبادة آبائهم الأقربين إليهم دون القدامى.ولو قال: (ما يعبدون إلا كما كان آباؤهم) لربما أفاد الانقطاع واحتمل الاتصال.ولكنه قال: {مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ} فأفاد الاتصال والمضي. وقد تقول: ولم قال إذا في آيات أخرى: {وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} ونحو ذلك بذكر (كان)؟ فنقول: إنه حيث قال ذلك جاء بما يفيد الاتصال بعبادة آبائهم، فقد قال مثلًا: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} [الأعراف: 70] فإنه واضح من التعبير أنهم يعبدون ما كان يعبد آباؤهم، وأنكروا على رسولهم دعوته إلى التوحيد. ونحو ذلك قوله: {تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} [إبراهيم: 10] وقوله: {مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ} [سبأ: 43]. فاتضح الفرق. {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} أي حظهم من الخير والشر، فإنا موفوهم ما كتب لهم من الخير والشر كاملًا غير منقوص. وأسند الإيفاء إليه سبحانه بضمير التعظيم، ولم يقل: (وهم سيوفون نصيبهم غير منقوص) ليدل على أنه سبحانه وحده بيده مقاليد الأمور من الخير والسوء. ولو قال: (سيوفون) لم يدل على أن الذي يفعل ذلك هو الله ولم تعلم الجهة التي ستوفيهم ذلك. وقال: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ} بالاسم ولم يقل: (وإنا سنوفيهم) بالفعل للدلالة على ثبات هذا الأمر وأنه مقطوع بحصوله، وقد أكد ذلك بإن واللام إضافة إلى اسمية الحدث. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 348 إلى ص 351. (1) انظر الكشاف 2/117، روح المعاني 12/147. (2) روح المعاني 12/147 – 148. الوقفة كاملة |
إظهار النتائج من 341 إلى 350 من إجمالي 396 نتيجة.