أسرار بلاغية

٣٢١ {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10)} جملة مستأنفة تفيد التعليل، وهي تعلل الأمرين المذكورين في الآية قبلها، وهما قوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}، وقوله: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}. فبالنسبة إلى القول الأول فالمعنى: إنما نطعمكم لوجه الله لأننا نخاف ذلك اليوم، فإن لم نطعمكم خفنا أن يعذبنا الله وألا يقينا شر ذلك اليوم، فهي تعليل للإطعام لوجه الله. وبالنسبة إلى قوله: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} فالمعنى: أننا لا نريد منكم الجزاء ولا الشكور خوفًا من ربنا أن يعذبنا لطلب المكافأة والشكر على ما قدمنا. فهذه الآية تعليل للآية قبلها بكل جزئياتها. وكسر همزة (إن) ليكون الخوف من هذا اليوم عامًا لا مخصصًا بالأمر المذكور. ولو فتح لكان الخوف تعليلًا لما قبلها فقط، أي إنا لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا لأننا نخاف من ربنا. وفتح الهمزة أيضًا يعني تعلـق المصدر المؤول بأحد الفعلين (نطعمكم) أو (نريد)، والأقرب أن يكون متعلقًا بقوله: (نريد) لئلا يفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، فيكون الخوف من إرادة الجزاء لا من الإطعام، أي لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا لأننا نخاف، فيقتصر المعنى على أمر واحد، فالكسر أولى على كل حال. جاء في (الكشاف): {إِنَّا نَخَافُ} يحتمل أن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لا لإرادة مكافأتكم، وإنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله تعالى على طلب المكافأة بالصدقة" (1). ووصف اليوم بالعبوس على المجاز، فكأنه هو عابس حقيقة فأضفى عليه الحياة والشعور، كما يقال: نهارك صائم وليلك قائم، وقوله: (وما ليل المطيّ بنائم)، أو هو على قصد إسناد العبوس لأهل ذلك اليوم، أي عابس أهله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. أو لإرادة الشمول والعموم والمبالغة، أي عابس هو وأهله، فيكون العبوس وصفًا عامًا لليوم ومن فيه، وجاء بالصفة على زنة المبالغة للدلالة على شدة العبوس والاتصاف به اتصافًا بليغًا. والقمطرير: الشديد العبوس، جاء في (الكشاف): "ووصف اليوم بالعبوس مجاز على طريقين: أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء، كقولهم: نهارك صائم ... وأن يشبه في شدته وضرره بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل. و(القمطرير): الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه" (2). ومن الملاحظ أنه قال في هذه الآية: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا} فذكر الرب، وقال في الآية السابقة: {لِوَجْهِ اللَّهِ} فذكر (الله)، وذلك ليدل على أن الله هو الرب لا غيره، كما قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فإن قسمًا يشركون بربهم، وقسمًا يرون أن الرب غير الله، كما قال تعالى: {إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 54] فإن قسمًا من الناس يجعلون مع الله أربابًا فيشركون به كما دلت الآية السابقة، وقسمًا يتخذون من دون الله أربابًا كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31] فأراد هنا أن يعلمنا أن الله هو الرب لا رب غيره وليس معه شريك فقال: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ .... إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا} فذكر (الله) وذكر أنه ربهم فجمع بين المعنيين. لقد ذكر في هذه الآيات عبادتين ظاهرتين وهما الوفاء بالنذر والإطعام، وعبادتين قلبيتين وهما الخوف من اليوم الآخر والإخلاص لله، ونفى عنهم إرادة شيئين وهما الجزاء والشكور، وذكر صنفين ممن يطعمون: صنفًا مسالمًا وصنفًا محاربًا وهو الأسير، وصنفين من المسالم وهما المسكين واليتيم وأحدهما بالغ والآخر قاصر. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 236 إلى ص 238. (1) الكشاف 3/297. (2) الكشاف 3/297. الوقفة كاملة
٣٢٢ {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) } كرر (فيها) مرتين فقال: { مُتَّكِئِينَ فِيهَا ..... لَا يَرَوْنَ فِيهَا} وذلك لأن حذف الثانية يوقع في اللبس، فإنه لو قال: (لا يرون شمسًا ولا زمهريرًا) لأوهم أن عدم الرؤية هذه هي عند الاتكاء على الأرائك، فإذا غادروا مكان الجلوس رأوا فيها الشمس والزمهرير، فذكر (فيها) لإفادة أنه ليس في الجنة شمس ولا زمهرير، وليس نفى الرؤية عند الاتكاء فقط. وقوله: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} قيل: المراد منه أنهم لا يذوقون فيها الحر ولا البرد؛ لأنها ليس فيها أشد شمس فتلفحهم بحرها، وليس فيها برد شديد، والزمهرير: هو أشدّ البرد (1). وقيل: إن المعنى ليس فيها شمس ولا قمر؛ لأن الزمهرير هو القمر بلغة بعض العرب (2). وعلى هذا يكون المعنى أنها نور يتلألأ فلا تحتاج إلى شمس أو قمر، فهي أضو من الشمس وأنور من القمر، وأنها ليس فيها ليل وإنما هي نور مستديم. والحق أن المراد كل هذه المعاني، فالجنة جوها معتدل لا فيها حر شديد ولا برد مؤذ، وأنها لا شمس فيها ولا قمر وإنما هي مشرقة بنور ربها. وقال: (زمهريرًا) ولم يقل: (قمرًا) ليجمع المعنيين: الاعتدال في الجو والنور المتلألئ، جاء في (الكشاف): "يعنى أن هواءها معتدل، لا حر شمس يحمى ولا شدة برد تؤذي ... وقيل الزمهرير: القمر ... والمعنى: أن الجنة ضياء فلا يحتاج فيها إلى شمس وقمر" (3). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 241 إلى ص 242. (1) الكشاف 3/297. (2) البحر المحيط 8/392. (3) الكشاف 3/297. الوقفة كاملة
٣٢٣ {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)} التسبيح: هو التنزيه، فمعنى {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} أن هؤلاء نزهوه عما لا يليق من الصفات، وأنهم ذكروا ذلك بما يليق من حالهم مما نفقه من التسبيح ومما لا نفقه. لقد ورد فعل التسبيح في القرآن الكريم معدّى بنفسه ومعدّى باللام، فمما ورد معدى بنفسه قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 – 42]، وقوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 49]. ومما ورد معدّى باللام هذه الآية التي افتتح بها السورة. ونظيرها في مفتتح سورة الحديد وسورة الحشر، وقوله: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [الإسراء: 44] وغيرها. إن معنى (سبّحه): نزّهه – كما ذكرنا – ومعنى (سبّح له): أي فعل ذلك لأجله، فاللام تفيد التعليل، فالتسبيح هو الفعل، والتسبيح له هو الفعل لأجله، كما تقول: صلّى وصلّى له، ونسك له. ولا ينفع الفعل حتى يكون له سبحانه، فكل فعل أو عبادة لا تنفع حتى تكون له وحده وإلا كان ذلك ضلالاً. فكل فعل لا يكون له باطل، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]. فمن سبّح رياء فليس بمسبّح لله، ومن صلى رياء فليس بمصل له، فالتسبيح ينبغي أن يكون له تعالى خالصًا كسائر العبادات. فالتسبيح هو الفعل، والتسبيح له هو إخلاص النية والعمل لله. جاء في (البحر المحيط): "واللام في (لله) إما أن تكون بمنزلة اللام في (نصحت لزيد) يقال: (سبح الله) كما يقال: (نصحت زيدًا) فجئ باللام لتقوية وصول الفعل إلى المفعول، وإما أن تكون لام التعليل، أي أحدث التسبيح لأجل الله، أي لوجهه خالصًا" (1). ومن الملاحظ في هذين الاستعمالين في القرآن الكريم، أي في نحو (سبح لله) و(سبحه) أنه يستعمل اللام مع العاقل وغير العاقل، وأما المتعدي بنفسه فلا يستعمله إلا للعقلاء. قال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الحديد: 1]، وقال: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [الإسراء: 44] فهذا لغير العاقل والعاقل. وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ } [النور: 41] فهنا اختلط العقلاء بغيرهم. وقال: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ} [النور: 36 – 37]، وقال: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] وهذا خاص بالعقلاء. أما المتعدي بنفسه فلم يرد إلا للعاقل، قال تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 9]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 – 42]: فتسبيح غير العقلاء لم يرد إلا باللام، أما تسبيح العقلاء فقد ورد باللام وبدونها. وثمة ملاحظة أخرى في استعمال هذين التعبيرين، وهي أنه يستعمل اللام مع ما هو أعم وأشمل، سواء كان ذلك من حيث المسبحون أم من حيث أوقات التسبيح، فقد قال الله: إنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض، وإنه تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وهذا أعم تسبيح وأشمله. في حين أنه قد يستعمل المتعدي بنفسه للواحد أو للجماعة التي لا تبلغ ذلك المبلغ في الشمول والسعة، قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40]، وقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان: 26]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 – 42]. ولم يرد في المتعدي بنفسه نحو ذلك الشمول في المسبحين. ويكفي ذلك بيانًا أن الفعل مع اللام يستعمل للعقلاء وغيرهم، أما المتعدي بنفسه فلم يستعمله إلا للعقلاء. ومثل ذلك الاتساع في الأوقات، فما ورد من الأوقات مع اللام أكثر اتساعًا وأعم وأشمل. قال تعالى مع المتعدي بنفسه: {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 9]، وقال: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 42]. في حين قال مع اللام: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ} [النور: 36] فذكر ذلك بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد، فالغدو جمع غدوة، والآصال جمع أصيل. وقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40]، وقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 49]، وقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان: 26] ففي كل ذلك قال: (من الليل) بـ (من) التبعيضية، ثم ذكر وقتًا آخر ليس طويلًا وهو (أدبار السجود) أو (إدبار النجوم) حتى أنه في آية الإنسان لم يذكر غير الليل. في جين قال: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] فقال: {بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} بإطلاق الليل والنهار من دون تقييد، ولم يذكر (من) الدالة على البعضية، بل ذكر الباء التي تفيد الظرفية. ثم قال: {وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} للدلالة على مداومة التسبيح وطوله. لقد ورد التسبيح في القرآن الكريم بصور شتى، فقد ورد بالفعل الماضي نحو {سَبَّحَ لِلَّهِ}، وورد بالمضارع نحو {يُسَبِّحُ لِلَّهِ} وورد بالأمر نحو {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] وقوله: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}. كما ورد باسم المصدر وهو (سبحان) وذلك ليشمل الأزمنة كلها ويستغرقها. فالفعل الماضي يستغرق الزمن الماضي، والمضارع يستغرق الحال والاستقبال، والأمر يفيد طلب التسبيح في المستقبل، والمصدر على حدوث التسبيح سواء كان هناك من يسبحه أم لا، فاستغرق ذلك الأوقات كلها، وأفاد أنه مستحق التسبيح على الدوام سواء كان هناك من يسبح أم لم يكن. جاء في (التفسير الكبير): "ثم إنه تعالى قال في البعض في السور: {سَبَّحَ لِلَّهِ}: وفي البعض (يسبّح)، بصيغة الأمر، ليعلم أن تسبيح الله تعالى دائم غير منقطع لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال" (2). لقد افتتحت السورة بالتسبيح بالفعل الماضي {سَبَّحَ لِلَّهِ} شأن سور أخرى، وقد افتتح قسم آخر من السور بالفعل المضارع، أي {يُسَبِّحُ لِلَّهِ}. ومن الملاحظ أن كل سورة تبدأ بالفعل الماضي، أي {سَبَّحَ لِلَّهِ} يجري فيها ذكر للقتال، بخلاف ما يبدأ بالفعل المضارع، أي {يُسَبِّحُ لِلَّهِ}، فقد قال في سورة الحديد: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ} [الحديد: 10]. وذكر في سورة الحشر إخراج الكافرين من حصونهم وتكرر في السورة ذكر القتال (انظر على سبيل المثال الآيات 10، 11، 13). وقال في سورة الصف: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}، وذكر الجهاد بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}، وكل تلك السور تبدأ بالفعل الماضي (سبّح)، ولم يرد مثل ذلك فيما بدأ بالفعل المضارع. ومن الملاحظ أيضًا أنه في قسم من الآيات يكرر (ما) فيقول: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ولا يكرر في قسم آخر فيقول: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}، وقد كرر (ما) في هذه الآية فقال: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فكرر (ما) فقال: {وَمَا فِي الْأَرْضِ}. وحيث كرر (ما) في آيات التسبيح أعقب ذلك بالكلام على أهل الأرض، وإذا لم يكرر (ما) فإنه لا يذكر شيئًا يتعلق بأهل الأرض بعدها. وقد ذكر بعد هذه الآية أمرًا يتعلق بأهل الأرض فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} فكان تكرار (ما) هو المناسب (3). وقد قدم الجار والمجرور (لله) على الفاعل وهو {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} وذلك لأن المجرور أهم، فإن السياق ليس على الفاعل، وإنما هو على مستحق التسبيح وهو الله، ولذا ذكر بعد ذلك قسمًا من صفاته فقال: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، ثم قال بعدها: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}، ثم قال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} فذكر ما يحبه الله وما لا يحبه، فقدم ما هو أهم وأولى. وقدم {مَا فِي السَّمَاوَاتِ} على {وَمَا فِي الْأَرْضِ}؛ وذلك لأن أهل السماوات أسبق في التسبيح من أهل الأرض، فإنه لما أراد خلق آدم قالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30] فقدم ما هو أسبق. وهناك أمر آخر، وهو أنه قدم ما هو أدوم تسبيحًا، فما في السماوات أدوم تسبيحًا، قال تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20]. ولا تقل: إن (ما) لغير العاقل فلا تشمل الملائكة، فإن (ما) – كما هو معلوم – تكون لذوات غير العقلاء ولصفات العقلاء، كقوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7 – 8] فاتضح ما قلناه. {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} العزيز: هو الغالب الممتنع من أن يغلبه أحد، والحكيم قد يكون فعيلاً من الحكم، وقد يكون من الحكمة. والعزيز إذا حكم كان ذلك منتهى العزة، فقد يكون العزيز حاكمًا وقد يكون غير حاكم، وقد ذكر هنا أنه جمع العزة والحكم فكان ذلك غاية الكمال فيهما. وإذا كان (الحكيم) من الحكمة فذلك منتهى الكمال أيضًا، ذلك أنه يكمل عزته بالحكمة، فقد يكون العزيز متهورًا فيكون ذلك نقصًا فيه. والراجح أن كلا المعنيين مراد، فهو حكيم من الحكم، وحكيم من الحكمة، فهو العزيز الحاكم ذو الحكمة. وقال: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} بتعريف الوصفين ليدل على أنه لا عزيز في الحقيقة سواه، ولا حاكم ولا حكيم في الحقيقة سواه، فإن كل عز يناله غيره فمن عزته سبحانه، وكل حكم أو حكمة لغيره فذلك منه سبحانه، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]، وقال: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 269]. إن قوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ} يعني أن ما في السماوات وما في الأرض نزهوه عن صفات النقص وأثبتوا له صفات الكمال. وقوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} يدل على الوحدانية وإبطال الشرك، إذ لا عزيز سواه ولا حاكم غيره، فهذه الآية تدل على توحيد الله سبحانه واتصافه بصفات الكمال وتنزيهه عن النقص، وتفيد إقرار ما في السماوات وما في الأرض له بذلك وخضوعهم له دون غيره خضوع قهر وعبادة. فإن الخضوع قد يكون خضوع قهر وغلبة لا خضوع عبادة وتقديس، أما خضوع ما في السماوات وما في الأرض فهو خضوع قهر وعبادة، فخضوع القهر يدل عليه قوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ويدل عليه وصفه نفسه بـ (القهار)، وخضوع العبادة والاستحقاق يدل عليه قوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ} فدل ذلك على الكمال المطلق له سبحانه. جاء في (التفسير الكبير): "{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السماوات والأرض، و(العزيز) من عز إذا غلب، وهو الذي يغلب على غيره أي شيء كان ذلك الغير ولا يمكن أن يغلب عليه غيره. و(الحكيم) من حكم على الشيء إذا قضى عليه، وهو الذي يحكم على غيره أي شيء كان ذلك الغير ولا يمكن أن يحكم عليه غيره، فقوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} يدل على الربوبية والوحدانية إذن" (4). لقد ارتبط هذان الاسمان الكريمان بما ورد في السورة على العموم، فقد شاع فيها جو العزة والحكم والحكمة. فقد ارتبط باسمه العزيز واسمه الحكيم من معنى الحكم قوله تعالى: {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ولا يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم. وارتبط بهما أيضًا قوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} وقوله: {نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ}، وقوله: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ}، فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم. وارتبط باسمه (الحكيم) من الحكمة قوله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} فإن نور الله إنما هو للهداية، والهداية من الحكمة، والذي يهدي إنما هو الحكيم. وارتبط به أيضًا قوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} والهدى من الحكمة، والحق إنما يدل عليه الحكيم. وارتبط به أيضًا قوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} والذي يدل على ذلك حكيم، وقوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} والذي يعلم إنما هو حكيم لأن من مقتضيات الحكمة العلم، والذي لا يعلم لا يكون حكيمًا، وذلك من لطيف الارتباط. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 274 إلى ص 281. (1) البحر المحيط 10/100. (2) التفسير الكبير 29/311. (3) انظر معاني النحو 1/79! وما بعدها. (4) التفسير الكبير 29/311. الوقفة كاملة
٣٢٤ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)} ذكر أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا ولم يذكر غيرهم ممن يحبهم الله، وذلك لأكثر من سبب: منها: أن نزول الآية التي قَرَّع الله فيها الذين يقولون ما لا يفعلون كان بسبب النكول عن القتال، أو بسبب أمر يتعلق بالقتال، فإنهم قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لبادرنا إليه، فأعلمهم الله أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا. ثم إن جو السورة شاع فيه استنهاض المؤمنين للجهاد وطلب نصرة الله، فناسب ذكر هذا الصنف، والله أعلم. ومعنى الآية: أن الله تعالى يحب الذين يثبتون في الجهاد ويلزمون مكانهم كثبوت البنيان المرصوص. وقيل: المراد أن يكونوا في اجتماع كلمتهم واستواء نياتهم وموالاة بعضهم بعضًا كالبنيان المرصوص. والحق أن المعنيين مرادان، فيراد ثباتهم في الحرب ولزوم مكانهم كما يراد اجتماع كلمتهم وموالاة بعضهم بعضًا. فالمراد أن يكونوا صفًّا ثابتًا في نياتهم وأجسامهم، فإن تفرقت نياتهم وتشتت قلوبهم لم يكونوا صفًّا وإن وقفوا في صف واحد. جاء في (الكشاف): "{كَأَنَّهُمْ} في تراصهم من غير فرجة ولا خلل (بنيان) رُصَّ بعضه إلى بعض ورصف. وقيل: يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص" (1). وجاء في (التفسير الكبير): "قال أبو إسحاق: أعلم الله تعالى أنه يحب من يثبت في الجهاد ويلزم مكانه كثبوت البناء المرصوص، وقال: ويجوز على أن يستوي شأنهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة وموالاة بعضهم بعضًا كالبنيان المرصوص. وقيل: ضرب هذا المثل للثبات، يعني إذا اصطفوا ثبتوا كالبنيان المرصوص الثابت المستقر" (2). وقدم الجار والمجرور (في سبيله) على (صفًّا) وذلك لتقديم النية وأهميتها قبل أن يدخلوا في الصف. ثم إن توحيد النية سبب لتوحيد الصف، فإن لم يكن القتال في سبيل الله فلا خير فيه. وقال: {كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ}، ولم يقل: (كأنهم بناء) ذلك أن القرآن فرق في الاستعمال بين البناء والبنيان، فاستعمل البناء للسماء، والبنيان لما بناه البشر، قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة: 22]، وقال: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [غافر: 64]. في حين قال: {فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} [الكهف: 21]، وقال {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} [الصافات: 97]، وقال {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} [التوبة: 109]. ووصف البنيان بأنه مرصوص فقال: {كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} للدلالة على شدة تماسكه وقوته. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 286 إلى ص 288. (1) الكشاف 4/97 – دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. (2) التفسير الكبير 29/313. الوقفة كاملة
٣٢٥ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) } قيل: معنى {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي؟ وقيل معناه: من يكون معي في نصرة الله؟ وعلى هذا يكون معنى التفسير الأول: إن اللخ ينصرني، فمن يكون مع الله لينصرني؟ وعلى التفسير الثاني يكون المعنى: أنا أنصر الله، أي: أنصر دينه فمن يكون معي لننصر الله؟ وهذان المعنيان يتضمنها قوله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} فالمؤمن ينصر الله والله ينصره، فقوله: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} يحتمل أن المسيح طلب من ينصره إضافة إلى نصرة الله، كما يحتمل أنه طلب من ينصر الله إضافة إلى نصرته له. وقولهم: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} يصح أن يكون الجواب عن المعنيين. جاء في (الكشاف): "معنى (من أنصاري) من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله، ولا يصح أن يكون معناه: من ينصرني مع الله؛ لأنه لا يطابق الجواب" (1). وجاء في (مجمع البيان): "{مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ}: من أنصاري مع الله ينصرني مع نصرة الله إياي؟ وقيل: {إِلَى اللَّهِ} أي فيما يقرب إلى الله، كما يقال: اللهم منك وإليك" (2)، فكل من الزمخشري والطبرسي ذكر جانبًا من جوانب النصرة، والله أعلم. إن من الملاحظ في هذه الآية: 1- أنه بعد أن شوقهم لذكر التجارة عن طريق الاستفهام لم يكتف بذاك. وإنما أمرهم أن يكونوا أنصار الله فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} ليعلموا أن ذلك من باب الأمر والتكليف، وليس من باب الاختيار والمندوب. 2- إن الذي قال للحواريين: (من أنصاري) هو عيسى، أما القائل للمؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} فهو الله، وذلك يدل على عظم التبليغ للمؤمنين وأهميته. 3- لم يقل: (يا أيها الذين آمنوا قولوا نحن أنصار الله كما قال الحواريون) ولكنه قال: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} فإنه طلب الفعل ولم يطلب القول، وهذا مناسب لتأنيبه لمن قال ولم يفعل في أول السورة. 4- إن الحواريين لم يقولوا: (سنكون أنصار الله)وإنما قالوا: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} أن نحن أنصاره الآن، ولذا قال: (فأيدنا) وذلك أنهم قاموا بالنصرة فعلًا فاستحقوا التأييد، وجاء بالبقاء الدالة على التعقيب، ولم يقل: (ثم أيدنا) الدالة على التراخي. 5- قال: (فأيدنا) بإسناد الفعل إلى نفسه سبحانه ليدل على أن التأييد منه سبحانه، كما قال: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد: 7] بإسناد النصر إليه، ولم يقل: (إن نصروا الله تنتصروا) فإن النصر لا يكون إلا منه سبحانه. وهذا التأييد يحتمل أمرين: التأييد بالحجة، فأصبحوا ظاهرين في حجتهم، والتأييد بالسيف والغلبة وذلك بعد رفع عيسى عليه السلام. جاء في (تفسير أبي السعود): "{فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ} أي قويناهم بالحجة أو بالسيف، وذلك بعد أن رفع عيسى عليه السلام، {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} أي غالبين" (3). إن هذا التعبير مرتبط بقوله في أول السورة: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} كما سبق أن ذكرنا. فإن قوله: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ} إذا كان بمعنى غلبة السيف والظروف مرتبط باسمه (العزيز)، ومرتبط باسمه (الحكيم) من الحكم. وإذا كان بمعنى غلبة الحجة فهو مرتبط باسمه (الحكيم) من الحكمة، فهو مرتبط باسميه العزيز الحكيم أيا كان نوع التأييد، فارتبط آخر السورة بأولها. 6- لقد طلب من المؤمنين عامة أن يكونوا كحواري عيسى في نصرة الله، والحواريون هم الخلص من أتباع السيد المسيح. فهو طلب من المؤمنين عامة على مر الأزمان أن يكونوا كالحواريين، فقد قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} ولم يقل: (يا أصحاب محمد) ومعنى هذا أنه يطلب من عموم المؤمنين أن يكونوا على درجة عظيمة من الرفعة والإخلاص والجهاد. 7- قال عيسى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} بإضافة الأنصار إلى نفسه فارتبطت النصرة به، وقال الله: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} ولم يقل: (كونوا أنصار محمد إلى الله) وذلك ليشمل الطلب عموم المؤمنين، ولئلا ترتبط النصرة بشخص الرسول(محمد). ثم إنه لما كان قول عيسى موجهًا إلى الحواريين – وهم خاصة أتباعه – قال: {مَنْ أَنْصَارِي} بالتخصيص، ولما كان الكلام وجهًا إلى المؤمنين عامة قال: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} على العموم. 8- إن قول عيسى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} إلماح إلى أن رسالته منقطعة، فإنه أضاف الأنصار إليه، وهذا يدل على أنه بعد توفيه ستنقطع نصرته. وأما قول الله للمؤمنين: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} فيدل على أن الرسالة دائمة غير منقطعة؛ لأن الإضافة إلى الله لا إلى شخص معين. 9- قال عيسى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} فقال الحواريون: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} ولم يقولوا: (نحن أنصارك إلى الله) وذلك للأعلام بأنهم يكونون أنصار الله بعده ولا تنقطع النصرة بعد ذهابه، فعزموا على نصرة الله سواء كان موجودًا أن لم يكن. وقد تقول: ولم لم يقل: (من أنصار الله) حتى يكون الجواب ملائمًا؟ والجواب: أنه لو قال: من أنصار الله؟ لادعى كل أحٍد أنه من أنصار الله، ولقال اليهود: نحن أنصار الله، ولكنه قال: (من أنصاري) لتكون نصرة الله عن طريق نصر النبي الجديد، فكان سؤاله أنسب وجوابهم أنسب. 10- إن قوله: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا} يدل على أنه سيؤيد المؤمنين من أتباع الرسول محمد، فقد ناداهم بـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} فدخلوا في التأييد. 11- ثم إن بشارة المسلمين أعظم، فإنه قال في أتباع عيسى: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } فخص ذلك بالتأييد على العدو، وقال في المسلمين: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [الفتح: 28] وإظهار دينه إنما يكون بظهور معتنقيه، وزاد لهم النصر والفتح القريب، فزاد على النصر الفتح. 12- من الملاحظ أن عيسى لم يعد أتباعه بشيء، وقد وعد الله المؤمنين بالنصر والفتح القريب. 13- ورد في الآية نسبة عيسى إلى أمه كما ورد في مكان آخر من السورة، كما ورد فيها طلب النصرة، وكلا هذين الأمرين يدل على أن عيسى بشر وليس ابنًا لله، تعالى عن أن يكون له ولد. وفي الختام نود أن نقول: إن السورة ابتدأت بالجهاد والقتال، واختتمت بالتأييد والظفر، فقد ابتدأت بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} واختتمت بقوله: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ} مما يدل على أن عاقبة الجهاد تأييد الله ونصره، فارتبط أول السورة بآخرها أحسن ارتباط وأوثقه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 320 إلى ص 324. (1) الكشاف 4/101. (2) مجمع البيان 9/418. (3) تفسير أبي السعود 7/246. الوقفة كاملة
٣٢٦ {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)} {هُوَ الْأَوَّلُ} أي ليس لوجوده بداية وهو قبل كل شيء. (والآخر) أي ليس لوجوده نهاية وليس بعده شيء، وهذا مقتضي قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]. (والظاهر) أي الذي تجلى للعقول ونصب الدلائل الظاهرة على وجوده، وهو الغائب العالي على كل شيء وفوق كل شيء، فليس معه شيء وليس فوقه شيء، من الظهور وهو الغلبة، كما قال تعالى: {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 14]، فالظاهر معنيان كلاهما مراد: الظاهر بدلائله، الغالب على كل شيء. (والباطن) أي غير المدرك بالحواس المحتجب عن الأبصار، كما قال تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]، وهو الذي يعلم بواطن كل شيء وخفاياه. فللباطن معنيان: المحتجب عن الأبصار، والذي يعلم باطن كل شيء، وكلاهما حق، وإن كان أحد المعنيين أظهر من الآخر. وتعريف الصفات بـ (أل) يفيد القصر، فلا يشاركه شيء في هذه الصفات، فليس معه أول ولا آخر، وليس معه ظاهر ولا باطن، فهو أول كل شيء وآخر كل شيء، يزول كل شيء ولا يزول وليس معه أحد في كونه ظاهرًا أو باطنًا. ولم يفيد هذه الصفات بشيء، ولا بإضافة ولا بوصف أو أي تقييد آخر، وذلك للدلالة على أنه الأول المطلق والآخر المطلق، والظاهر المطلق والباطن المطلق، لا بحسب شيء من الأشياء. لقد دلت هذه الآيات على إبطال الشرك، فليس معه شريك، كما دلت على أنه الغني المطلق فلا يحتاج إلى شيء لأنه كان قبل كل شيء، وأنه الخالق وأنه القادر، ودل قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} على علمه المطلق فهو الإله الحق.جاء في (التفسير الكبير): "أنه الأول ليس قبله شيء، والآخر ليس بعده شيء ... وأنه ظاهر بحسب الدلائل، وأنه باطن الحواس محتجب عن الأبصار ... وذكروا في الظاهر والباطن أن الظاهر: هو الغالب العالي على كل شيء، ومنه قوله تعالى: {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} اي غالبين عالين ... وهذا معنى ما روي في الحديث( وأنت الظاهر فليس فوقك شيء). وأما الباطن فقال الزجاج: إنه العالم بما بطن، كما يقول القائل: فلان يبطن أمر فلان، أي يعلم أحواله الباطنة" (1).وجاء في (الكشاف): "{وَالظَّاهِرُ } بالأدلة الدالة عليه {وَالْبَاطِنُ} لكونه غير مدرك بالحواس ... وقيل (الظاهر) العالي على كل شيء الغالب له، من: ظهر عليه إذا علاه وغلبه، والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه، وليس بذاك" (2). وجاء في (البحر المحيط): "{هُوَ الْأَوَّلُ} الذي ليس لوجوده بداية مفتتحة ... وقيل: الأول الذي كان قبل كل شيء ... (الظاهر) العالي على كل شيء الغالب له، من: ظهر عليه، إذا علاه وغلبه، و(الباطن) الذي بطن كل شيء، أي علم باطنه" (3). وجاء في (التحرير والتنوير): في قوله: {هُوَ الْأَوَّلُ} أنه "لم يذكر لهذا الوصف هنا متعلق (بكسر اللام) ولا ما يدل على متعلق لأن المقصود أنه الأول بدون تقييد. ويرادف هذا الوصف في اصطلاح المتكلمين صفة (القدم). واعلم أن هذا الوصف يستلزم صفة الغنى المطلق، وهي عدم الاحتياج إلى المخصص، أي مخصص يخصه بالوجود بدلًا من العدم، لأن (الأول) هنا معناه: الموجود لذاته دون سبق عدم، وعدم الاحتياج إلى محل يقوم به قيام العرض بالجوهر، ويستلزم ذلك انفراده تعالى بصفة الوجود؛ لأنه لو كان غير الله واجبًا وجوده لما كان الله موصوفًا بالأولية ... فلذلك تثبت له الوحدانية ... فلما تقرر أن كونه (الأول) متعلق بوجود الموجودات اقتضى أن يكون وصفه بـ (الآخر) متعلقًا بانتقاض ذلك الوجود، أي هو الآخر بعد جميع موجودات السماء والأرض" (4). {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي المحيط علمه بكل شيء وأنه وسع كل شيء علمًا. وقال: (عليم) ولم يقل: (عالم) للدلالة على بالغ علمه وسعته. ومن دقيق الاستعمال القرآني وطريفة أنه خصص اسم الفاعل (عالم) بعلم الغيب مفردًا والشهادة مفردة فيقول: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أو {عَالِمُ الْغَيْبِ} ولم يذكر مرة لفظ (عالم) مع الجمع، فإذا جمع الغيب أتى بـ (علام) الدال على المبالغة والكثرة فيقول: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ}، فخصص اسم الفاعل (عالم) بالمفرد، وقرن صيغة المبالغة (علام) بالجمع، فهو يقول: {عَالِمُ الْغَيْبِ} وذلك في ثلاثة عشر موضعًا (5)، وقال: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} في أربعة مواضع من القرآن الكريم (6). فناسب بين الصيغة ومتعلقها. بل إنه خصص لفظ (عالم) بعلم الغيب أو علم الغيب والشهادة، وخصص (علام) بجمع الغيب فلم يستعمله مع غيره. أما (عليم) فقد أطلق استعماله فلم يقيده بمعلوم معين، بل يذكره مع جميع المعلومات، فهو يقول مثلًا: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29، 231]، {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 95، 246]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154]، أو يطلق الاسم الكريم فلا يخصصه بشيء وذلك نحو {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 127]، {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 247، 268، آل عمران: 73]. ومن الملاحظ أيضًا أنه حيث ذكر اسمه (العليم) فإما أن يطلقه كما ذكرنا فلم يقيده بشيء نحو {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أو {السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، أو أن يجعله محيطًا بكل شيء نحو {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أو {بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} . أو أن يستعمله مع الجمع أو فعل الجمع وذلك نحو قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 95، 246]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115]، {فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 63] فاستعمله مع الجمع. ونحو {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] فقد جمع الصدر. وقوله: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50] فأضاف الكيد إلى ضمير الجمع. أو أن يقول: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215]، ونحو {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 273]، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [البقرة: 283]. فقد جمع الفاعل فقال (تفعلوا) ولم يقل: (تفعل). ونحوه (تنفقوا) و(تعلمون). ولم يرد استعمال اسم الله (العليم) مع متعلق مفرد أو فعل فاعل مفرد، وهو تناسب لطيف بين المبالغة في الاسم الكريم وكثرة متعلقات الفاعلين. وبهذا يتبين أنه خصص اسمه: (العالم): بعلم الغيب المفرد، أو الغيب والشهادة المفردين. واسمه (العلام): بعلم الغيب مجموعًا فيقول: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ}.أما اسمه (العليم): فإنه أطلق فيه العلم بالمعلومات عمومًا ولم يخصصه بنوع من المعلومات ميعن. أو أن يطلق الاسم فلا يفيده بشيء، أو يستعمله مع الجمع أو فعل الجماعة. وأما إذا ذكر اسمه بصيغة الجمع (عالمين) فإنه للتعظيم كما هو معلوم، وهذا من دقيق الاستعمال القرآني وخواصه، وهو من أوضح الأمور على القصد في التعبير القرآني. إن هذه الآية – أعني قوله: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} - مرتبطة بما بعدها ارتباطًا وثيقًا. فقوله: {هُوَ الْأَوَّلُ} مرتبط بقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} فالذي خلق السماوات والأرض هو الأول. وقوله: (الآخر) مرتبط بقوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} وقوله: (الظاهر) مرتبط بقوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فالذي له الملك هو الظاهر الغالب في أحد معنييه، وفي المعنى الآخر مرتبط بقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} فهي آيات دالة على وجوده سبحانه. وقوله: (الباطن) بمعنى المحتجب الذي لا يدرك، مرتبط بقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}، وبمعنى الذي بطن كل شيء، أي علمه مرتبط بقوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقوله: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 331 إلى ص 336. (1) التفسير الكبير 29/210 – 215. (2) الكشاف 4/61 (دار الفكر). (3) البحر المحيط 10/100، (دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع). (4) التحرير والتنوير 27/360 – 361 (دار سحنون) (5) انظر على سبيل المثال: الأنعام 73، التوبة 94، 105، سبأ 3، الجن 26. (6) انظر المائدة 109، 116، التوبة 78، سبأ 48. الوقفة كاملة
٣٢٧ {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)} لقد دل قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} على أنه هو المالك لهما، إضافة إلى دلالته على أنه الأول. ودل قوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أنه الملك الحاكم المسيطر، فهو مالك الملك، أي أن الملك هو ملك له، فهو المالك والملك. جاء في (المصباح المنير): "(ملكته) ملكًا من باب ضرب، والملك بكسر الميم: اسم منه، والفاعل: مالك، والجمع: ملاك، مثل كافر وكفار ... وملك على الناس أمرهم: إذا تولى السلطنة، فهو ملك بكسر اللام، وتخفف بالسكون، والجمع ملوك، مثل: فلس وفلوس، والاسم: الملك، بضم الميم" (1). ولما كان كل من الملك والمالك ينبغي أن لا يند عنه شيء في ملكه ذكر أنه {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فكان ذلك الكمال الأعلى في الملك والتملك، فهو لا يند عنه شيء في ملكوته، وإنما يعلم كل شيء عن المسكن والساكن في السماء والأرض. وليس ذلك فقط، وإنما هو يبصر أيضًا ما فيهما، وهذه مرتبة فوق العلم، فإن الفرد قد يعلم عن طريق الإخبار، أما الله سبحانه فهو يعلمه ويشاهده، بل له مرتبة فوق ذلك وهي المعية والمصاحبة، فهو مع عباده أينما كانوا، وهذه مرتبة فوق المشاهدة، وهي مرتبة القرب. بل له مرتبة فوق ذلك أيضًا، وهي أنه بصير بما نعمل ظاهرًا وباطنًا، فهو يعلم عمل كل عامل، ويعلم لم عمله؟ وهذه مرتبة فوق المعية؛ لأنك قد تصاحب إنسانًا وتراه يعمل عملًا ما ولكنك لا تعلم لم فعل ذلك، فذكر أنه تعالى بصير بما يعمل العاملون، وأنه عليم بذات الصدور. فذكر كل مراتب العلم وهي: 1- أنه يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، فهو يعلم الداخل والخارج، والنازل والصاعد. 2- وأنه مصاحب لنا أينما كنا. 3- وأنه مبصر لأعمالنا. 4- وأنه يعلم لم فعلنا ذلك. فاستوفى كل مراتب العلم، فناسب ذلك ختام الآية السابقة وهو قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 337 إلى ص 338. (1) المصباح المنير (ملك) 221. {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} قال: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ} ولم يقل: (ما يولج)، وقال: {وَمَا يَخْرُجُ} ولم يقل: (ما يخرج)، وقال: {وَمَا يَنْزِلُ} ولم يقل: (ما ينزل)، وقال: {وَمَا يَعْرُجُ} ولم يقل: (ما يعرج)، وهذا أدل على العلم؛ لأن الفرد في العادة يعلم ما يفعله هو ولكنه يجهل ما لم يفعله هو، أما ربنا فقد أخبر عن نفسه أنه يعلم ما يلج وما يخرج وما ينزل وما يعرج، وهذا أدل على العلم. وقد ما يلج في الأرض على ما يخرج منها، وقدم ما ينزل من السماء على ما يعرج فيها، فقد ما ينزل وما يلج وأخر ما يخرج وما يعرج، ذلك أن كثيرًا مما ينزل من السماء قد يلج في الأرض ثم يخرج بعد ذلك من الأرض ما يخرج بسببه أو بغيره من الأسباب كالنباتات والينابيع وغيرها، فالو لوج قد يكون سببًا للخروج. والذي يخرج من الأرض ومحيطها قد يعرج إلى السماء، فالذي ينزل من السماء قد يلج ف الأرض، والذي يخرج من الأرض ومحيطها قد يعرج إلى السماء، وذلك أن قوله: {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} يحتمل معنيين: الأول: أنه يخرج من داخلها كالنباتات والحشرات وغير ذلك، والآخر: أنه يخرج من دائرتها ومحيطها. وبدأ بالأرض وأخر السماء؛ لأن السياق في الكلام على أهل الأرض وهو قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وهي مسكنهم. وقد تقول: لقد قال في سبأ نحو هذا، غير أنه لم يذكر {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}، كما أن خاتمة كل من الآيتين اختلفت عن الأخرى، فقد قال في سبأ: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ: 2] فما السبب؟ والجواب: أن سياق كل من الآيتين يوضح ذلك. 1- فقد قال في سورة الحديد قبل هذه الآية: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] فجاء في الآية التي قبلها بما يدل على علمه تعالى وإحاطته بكل شيء فقال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وجاء بعد ذلك قوله: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} مما يؤكد هذا المعنى. ولم يرد في سياق آية سبأ نحو ذلك، فناسب المجيء بذكر العلم في آية الحديد دون آية سبأ. 2- قال في آية الحديد: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} وهذا مما يدل على المراقبة، ولذا جاء بعدها بما يدل على معرفته بعملنا فقال: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . وقال في خاتمة الآية في سورة سبأ: {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} فختمها بالرحمة والمغفرة، فكأنه أراد أن يرحمهم ويغفر لهم فرفع ذكر المراقبة، ولا شك أن عدم ذكر المراقبة أنسب مع ذكر الرحمة والمغفرة، وأن ذكره أنه بصير بعملنا أنسب مع ذكر المراقبة. 3- أنه ذكر الآخرة قبل الآية فقال: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ} وليست الآخرة وقت عمل أو مراقبة. كما أن الآية بعدها إنما هي في الساعة وهي قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} فلم يذكر المراقبة ولا أنه بصير بما نعمل في هذا السياق. وأما آية الحديد فهي في سياق بداية الخلق، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وهو زمان بداية الأعمال واستمرارها ومراقبتها، بخلاف سياق آية سبأ فإنه في طي صفحة الأعمال والمراقبة، فناسب كل تعبير موطنه. 4- إن جو سورة الحديد تردد فيه ذكر العلم والمراقبة بصور شتى، فقد قال: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الآية: 3]، وقال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الآية: 4]، وقال: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الآية: 4]، {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الآية: 6]، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الآية: 10] {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الآية: 22]، {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} [الآية: 25]. وشاع في سورة سبأ ذكر الآخرة من مثل قوله: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ} [الآية: 1]، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ} [الآية: 3]، {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الآية: 4] {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} [الآية: 5]، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الآية: 7]، {بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ} [الآية: 8] {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} [الآية: 21]، {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [الآية: 23]، {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} [الآية: 26]، {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الآية: 29] {قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ} [الآية: 30]، {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ ....} [الآيات: 31 - 33]، {فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [الآيتان: 37 - 38]، {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ....} [الآيات: 40 - 42]، {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} [الآيات: 51 - 54]؛ فناسب كل تعبير موطنه. {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قدم {بِمَا تَعْمَلُونَ} على (بصير)؛ ذلك لأنه وردت بعد قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} فقدم ما يتعلق بهم وهو عملهم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 338 إلى ص 341. الوقفة كاملة
٣٢٨ {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5)} ذكر في الآية السابقة أنه خلق السماوات والأرض، والصانع قد لا يكون ملكًا، فذكر أنه الصانع وأنه المالك حصرًا فلا ملك سواه، وأن الأمور ترجع إليه وحده، وأن ملكه ممتد بعد انقضاء الدنيا، وأن الأمور ترجع إليه في الآخرة كما هي في الدنيا، فإن في قوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} إشارة إلى البعث. جاء في (نظم الدرر): "ولما كان صانع الشيء قد لا يكون في مملكته والقدرة عليه، وكان إنكارهم للبعث إنكارًا لأن يكون ملكًا أكد بذلك بتكرير الإخبار به فقال: (له). أي: وحده ملك السماوات" (1). وجاء في (تفسير الرازي): "{لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} أي إلى حيث لا مالك سواه. ودل بهذا القول على إثبات المعاد" (2). فقوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} يفيد معنين: المعنى الأول: أن الأمور كلها هو الذي يقطع فيها ولا يعمل شيء إلى بأمره. والمعنى الآخر: إثبات المعاد. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 341 إلى ص 342. (1) نظم الدرر 7/438. (2) تفسير الرازي 29/216. الوقفة كاملة
٣٢٩ {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)} أمرهم بشيئين: الإيمان بالله والرسول، والإنفاق. وهذان الأمران يطبعان السورة بطابعهما إلى حد كبير. فالإيمان بالله والرسول يشيع ذكره في السورة. وهو لم يذكر جميع أركان الإيمان، وإنما خصص ركنين من اركانه بالذكر وهما الإيمان بالله والرسل، وذلك في السورة كلها، فلم يذكر غير هذين الركنين من أركان الإيمان. فقد قال: {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الآية: 7]، وقال: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ} [الآية: 8]، وقال: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} [الآية: 19]، وقال: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الآية: 21]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ} [الآية: 28]. وكذلك الأمر بالإنفاق فإنه يطبع السورة أيضًا، فقد قال: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الآية: 7]، وقال: {فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الآية: 7]، وقال: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الآية: 10]، وقال: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [الآية: 11]، وقال: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [الآية: 18]، وقال: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} [الآية: 24]. فالسورة تكاد تكون مخصصة للأيمان والإنفاق، فهي لم تذكر جميع أركان الإيمان، كما لم تذكر عموم العمل الصالح، وإنما ذكرت الإنفاق وذكرت القتال ولم تأمر به كما أمرت بالإنفاق، فقد جاء فيها: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} [الآية: 10] وجاء فيها ذكر للشهداء فقال: {الشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} [الآية: 19]، وقال أيضًا: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} [الآية: 25] وهو من مظان الجهاد. فالسورة – كما ترى – يشيع فيها التخصيص بركنين من أركان الإيمان وبالإنفاق. والآية التي نحن بصدد تفسيرها ذكر فيها هذين الركنين. {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} طلب الإنفاق مما استخلفنا فيه ورغبنا فيه أكبر ترغيب فقال: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا} فجاء بـ (من) التبعيضية، ولم يقل: (وأنفقوا ما جعلكم مستخلفين فيه)، فقد طلب أن ننفق بعضًا مما استخلفنا فيه ليهون الإنفاق علينا. ثم قال: {جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} أي هو الذي جعلكم مستخلفين في المال، وهو طالب الإنفاق. ومعنى {مُسْتَخْلَفِينَ} أن الأموال التي بين أيديكم إنما هي أمواله. هو الذي خلقها وخولكم الاستمتاع بها ولستم إلا وكلاء عليها. ثم إنه نقلها إليكم وقد كانت لغيركم، ثم إنه سينقلها إلى غيركم، فلستك إلا خلقاء من قبلكم فيها. وكل معنى من هذين المعنيين مدعاة للخروج من الشح إلى الإنفاق. فالمال ماله، ثم إنه سينقله منكم إلى غيركم بعد موتكم أو في حياتكم. ومع ذلك فإنه جعل للذين آمنوا وأنفقوا أجرًا كبيرًا مضاعفًا. جاء في (الكشاف): "{مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما مولكم إياها وخولكم الاستمتاع بها وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله، وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له. أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم في أيديكم بتوريثه إياكم، فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم، وسينقل منكم إلى من بعدكم، فلا تبخلوا به وانفعلوا بالإنفاق منها أنفسكم" (1). وجاء في (روح المعاني): "وفيه أيضًا ترغيب في الإنفاق وتسهيل له؛ لأن من علم أنه لم يبق لمن قبله وانتقل إليه علم أنه لا يدوم له وينتقل لغيره فيسهل عليه إخراجه ويرغب في كسب الأجر بإنفاقه ... والمعنى الأول هو المناسب لقوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}" (2). {فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} ذكر أن لمن آمن وأنفق أجرًا كبيرًا. وقد تقول: لند أكد الأجر في موطن آخر بان، فقد قال في سورة الإسراء: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الآية: 9] ولم يؤكد في آية الحديد هذه مع أنه وصف الأجر بأنه كبير في الآيتين فهل ذلك لفواصل الآية؟ والجواب: أن فاصلة كل من الآيتين تتناسب مع فواصل الآية في سياقها، غير أن ذلك ليس هو السبب الأول، بل إن كل آية تقتضي ما ورد فيها من التعبير وإن لم تكن فواصل الآية كذلك، وإليك إيضاح ذلك: 1- قال في آية الحديد: {فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ}. وقال في آية الإسراء: {وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ}. فذكر في آية الحديد (الذين آمنوا) بصيغة الفعل، وذكر في آية الإسراء (المؤمنين) بالصيغة الاسمية، والاسم أثبت وأقوى من الفعل كما هو معلوم. 2- خصص الإيمان في آية الحديد بالإيمان بالله والرسول {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}، وأطلق الإيمان في آية الإسراء فجعله عامًا لكل أركان الإيمان. 3- ذكر في آية الحديد الإنفاق ولم يذكر معه شيئًا آخر. وذكر في آية الإسراء {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} وهو أعم، والإنفاق إنما هو من العمل الصالح، فكان التوكيد أولى في آية الإسراء. فناسب كل تعبير موطنه، هذا إضافة إلى ما اقتضته فواصل الآية. وقد تقول: لقد أضاف في آيات أخرى المغفرة إلى الأجر الكبير، وذلك نحو قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } [فاطر: 7]، وقوله {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك: 12] فما السبب في هذه الزيادة؟ فنقول: إن كل ما ذكرت فيه المغفرة مع الأجر الكبير إنما هو في سياق ذكر الذنوب والكافرين وذلك يقتضي ذكر المغفرة. أما ما لم يرد فيه المغفرة فإنه ليس في هذا السياق، فقد قال في سورة فاطر: {الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الآية: 7]، وقال في سورة الملك: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} ... إلى قوله تعالى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الآيات: 7 - 11] ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}، وهكذا كل ما وردت فيه المغفرة بخلاف ما لم يرد. فناسب كل تعبير موطنه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 343 إلى ص 347. (1) الكشاف 4/61، وانظر تفسير الرازي 29/217. (2) روح المعاني 27/169. الوقفة كاملة
٣٣٠ {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)} ذكر الفدية لأنه تكرر في السورة ذكر الإنفاق والدعوة إليه وذكر القرض الحسن والبخل والذين يأمرون به، فقال: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ} وقد كان بإمكانكم أن تفدوا أنفسكم في الدنيا بالإنفاق في سبيل الله فلم تفعلوا. والظاهر أن الفدية ههنا تعني المال وإن كانت الفدية عامة في كل ما يفتدى به، فقد قال تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]. غير أن الذي يرجح معنى المال قوله: (لا يؤخذ) ولم يقل: (لا تقبل) والذي يؤخذ هو المال المناسب لجو السورة وما شاع فيها من ذكر للإنفاق والقرض الحسن، والله أعلم. وقال: {لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} مع أن المنافقين من الذين كفروا، ذلك أن المقصود بـ (الذين كفروا) هم الكافرون من غير وهو المنافقين وهم الذين أظهروا كفرهم ولم يستروه (1). فلا تؤخذ الفدية لا من المنافقين ولا من سائر الكافرين الآخرين. {مَأْوَاكُمُ النَّارُ} أي هي دار إقامتكم والمأوى الذي تأوون إليه، والمأوى يعني الملجأ والمكان الذي يحتمى به، فالنار ملجؤهم الذي يأوون إليه. {مَأْوَاكُمُ النَّارُ} أي هي التي تتولى أمركم فذكر المأوى والمولى، ذلك أن الشر إنما يأتيهم من جهتين: المأوى والمولى. فقد يكون المأوى سيئًا غير أن المولى حسن، وقد يكون العكس، أما هؤلاء فالنار مأواهم ومولاهم. وقيل: إن معنى {هِيَ مَوْلَاكُمْ}: "هي أولى بكم ... وحقيقة مولاكم: محراكم ومقمنكم، أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم ... ويجوز أن يراد هي ناصركم، أي لا ناصر لكم غيرها، والمراد نفي الناصر على البتات. ونحوه قولهم: (أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع)، ومنه قوله تعالى: {يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} وقيل: تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار" (۲). ويجوز أن يكون اشتقاق (المولى) من الولي وهو القرب، فيكون معنى مولاكم، أي مكانكم عن قرب (3). والمعنيان مرادان، فهي تتولى أمرهم وهي مكانهم عن قرب. ولم يرد في جهنم (هي مولاكم) إلا في هذا الموطن، وذلك لسببين والله أعلم: السبب الأول: أنه ذكر في آية الحديد هذه أن المنافقين تربصوا وغرتهم الأماني حتى الموت، فبعد طول الأمل والتربص الطويل كانت النار أقرب إليهم، فهم كانوا يستبعدونها وهي أقرب إليهم وأدنى من آمالهم. والسبب الآخر: أن كل الآيات الأخرى التي ورد فيها (مأواه جهنم وبئس المصير) ونحوها إنما قيلت وهم في الدنيا، والدنيا لا تزال غير منقضية، وأما هذا القول فإنه قيل وهم في الآخرة وقد ضرب السور بينهم وبين المؤمنين وأتاهم العذاب من قبله فالنار قريبة منهم فقال: {هِيَ مَوْلَاكُمْ}. {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} وهذه أنسب خاتمة لهم، فقد كانوا في ترقبهم وأمانيهم ينتظرون المصير الحسن والمستقبل المشرق، فكانت لهم الظلمة والمصير الأسوأ. إن هذه الآيات يتجلى فيها إكرام المؤمنين وإبعاد النصب عنهم، بخلاف المنافقين فإنها يتجلى فيها إرهاقهم وإهانتهم والتهكم بهم. فقد قال في المؤمنين: 1- {يَسْعَى نُورُهُمْ}: ولم يقل: (يمشي نورهم) للدلالة على الإسراع بهم إلى الجنة وهذا إكرام، فإن الإبطاء إلى السعادة ليس كالإسراع إليها، وفي الإسراع ما فيه من الإكرام. 2- أنه أسند السعي إلى النور ولم يسنده إليهم، فلم يقل: (يسعون) لأن السعي قد يجهدهم، فأسنده إلى النور، فدل على أنه يسعى بهم. فهو لم يقل: إنهم يمشون؛ لأن المشي قد يكون فيه إبطاء، ولم يقل: (يسعون) لأن سعيهم قد يكون فيه إجهاد، ولكنه أفاد السعي من ذكر سعي النور. 3- قال: {يَسْعَى نُورُهُمْ} فذكر الفاعل ولم يقل (يسعى بهم) بالبناء للمجهول وحذف الفاعل فلا يدرى أيسعون في ظلمة أم في نور، فذكر أن لهم نورا يسعى. 4- أضاف النور إليهم، وهذا فيه أمران: الأول: الدلالة على أن هذا النور إنما هو نور المؤمن وهو يعطى على قدر عمله، فهو إهابة بالمؤمن ليعظم نوره ويكثره. ومن ناحية أخرى لم يقل: (يسعى النور) فيجعله عامًا فيستضيء به المنافقون، فجعل لكل مؤمن نوره الذي يستضيء به فلا يشاركه فيه غيره. فهذا إكرام للمؤمنين وإرهاق وحسرة على المنافقين. 5- قال : {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}، ومعنى {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أمامهم، غير أنه لم يقل: (أمامهم) لأن الأمام قد يكون بعيدًا عن الشخص، فقد تسأل عن قرية فيقال: هي أمامك. وقد يكون النور أمامك ولا تتمكن من الاستضاءة به لبعده فقال: {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}. 6- وقال: {وَبِأَيْمَانِهِمْ} ولم يقل: (عن إيمانهم) لأن معنى بأيمانهم أنه ملتصق بالأيمان وليس مبتعدًا عنها، كما قال تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17]، ولو قال: (عن أيمانهم) لدل أنه متراخ عن أيمانهم أو منحرف عنها؛ لأن (عن) تفيد المجاوزة، والباء تفيد الإلصاق. 7- قال: {بُشْرَاكُمُ} ولم يقل: (يقال لهم بشراكم) لأنه أراد أن يجعل المشهد حاضرًا ليس غائبًا يسمع فيه التبشير ولا ينقل. 8- وأضاف البشرى إلى ضمير المخاطبين لتنال البشري كل واحد، ولم يقل: (البشرى جنات) وهو إكرام آخر. 9- وقال: {الْيَوْمَ} للدلالة على قرب البشرى وأنها ليست من الوعد البعيد الوقوع. والبشرى كلما كانت أقرب كانت أحب وأدعى إلى المسرة. 10- وقال: {جَنَّاتٌ} ولم يقل: (جنة) للدلالة على أن لكل منهم جنة أو أكثر، كما قال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]. ۱۱- قال: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} ولم يقل: (فيها أنهار) وذلك للدلالة على أنها جارية وليست راكدة، والركود مظنة الأسون، هذا إضافة إلى التمتع بمشهد الجري، ولذلك عندما لم يذكر الجري في قوله: {جَنَّاتٌ} [محمد: 15] قال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} لينفي عنها صفة الأسون، ولما ذكر الجري لم يذكر ذلك لأنه لا حاجة إليه. 12- وقال: {الْأَنْهَارُ} ولم يقل: (نهر) للدلالة على كثرة الأنهار. ۱۳- قال: {خَالِدِينَ} وهي بشرى أخرى، وقال: {فِيهَا} للدلالة على أن الخلود في الجنات وليست الجنة مرحلة أو مكانًا ينتقلون منه إلى ما هو أقل سعادة. 14- وقال: {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ولم يقل: (ذلك فوز عظيم) وإنما عرف الفوز بأل للدلالة على القصر وعلى أنه لا فوز أعظم منه. ثم جاء بضمير الفصل للزيادة في التوكيد. ثم إن الأمر يعظم ويكبر بعظم قائله، فإن الفوز الذي يذكره طفل أو رجل من ضعفة الناس يختلف عن الفوز الذي يذكره قائد أو ملك. فكيف وقد ذكره ملك الملوك ووصفه بالعظمة وقصره وأكده؟! 15- ذكر أن المنافقين يقولون: {انْظُرُونَا} ولم يقولوا: (انتظرونا) فإنهم يدركون أنه لا يسعهم الانتظار، وإنما طلبوا منهم مهلة قصيرة لينظروهم، أي ينتظروهم. وفي هذا دلالة على الإسراع بهم إلى الخير والسعادة، فإن الذي يسرع به إلى الخير والسعادة أكرم من الذي يبطأ به. 16- ثم قال: {نَقْتَبِسْ} ولم يقل: (نقبس) والاقتباس أكثر من القبس، وذلك يدل على عظم النور الذي عندهم. 17- قال: {مِنْ نُورِكُمْ} ولم يقل: (من النور) وهذا تكريم آخر، فإن النور نورهم. 18- قال: {قِيلَ ارْجِعُوا} ولم يقل: (قالوا) لأنه أراد ألا ينشغلوا بما لا فائدة فيه من الكلام، فتكلم الملائكة أو غيرهم بالنيابة عنهم، ولم يشغلوهم بالكلام عما هو أهم ولا يرهقوهم بكثرة القيل. 19- قال: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ} فحجزوهم عن أولئك السائلين المنافقين. 20- ثم قال: {لَهُ بَابٌ} للدلالة على أنهم غير محتجزين فيه، وإنما ينفذون منه إلى مرادهم. 21- ثم قال: {بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ} وهو تكريم آخر، وكيف لا وهم في رحمة الله؟ أما دلالتها على إهانة المنافقين وإرهاقهم فهو أوضح ما يكون: 1- فقد ذكر أن المنافقين والمنافقات يطلبون من المؤمنين أن ينظروهم للاقتباس من نورهم، وهذا يدل على أنهم في ظلمة. وقد قيل إنهم أعطي لهم نور ثم انطفأ (4)، من باب إهانتهم وخديعتهم والاستهزاء كما كانوا يخادعون ويستهزئون في الدنيا، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]. جاء في (تفسير ابن كثير): "ويقول المنافقون للذين آمنوا {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئًا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب" (6). 2- وقال: {قِيلَ ارْجِعُوا} ولم يذكر أن المؤمنين ردوا عليهم فبنى الفعل للمجهول، وقيل: إن القائل هم الملائكة، فهم الذين تولوا الرد عليهم، أما المؤمنون فلا هذا الطلب وإنما هم مشغولون بما هو أهم. وهذا إهانة للمنافقين أن يطلبوا من المؤمنين فلا يجيبوهم وإنما يعنيهم يجيبهم آخرون. 3- قال: {ارْجِعُوا} وهو إهانة أخرى. 4- وقال: {وَرَاءَكُمْ} وهو إما أن يكون ظرفًا مؤكدًا أو يكون اسم فعل بمعنى {ارْجِعُوا}، فيكون كأنه قيل لهم: ارجعوا ارجعوا، وهو إهانة ظاهرة. 5- قال: {فَالْتَمِسُوا نُورًا} وهم يعلمون أنه ليس ثمة نور وهو من باب الاستهزاء بهم. 6- وقال: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ} فحجـزوهـم عـن اللحاق بالمؤمنين، وهو إهانة ظاهرة. 7- وقال: {وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} وهي جهتهم. 8- قال: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} فذكر أنه يرفعون أصواتهم من وراء السور ينادون المؤمنين ليلتحقوا بهم ولكن حيل بينهم وبين ما يريدون. 9- وفي رد المؤمنين عليهم إهانات متعددة، فقولهم لهم: إنكم فتنتم أنفسكم، وتربصتم، وارتبتم، وغرتكم الأماني، وغركم بالله الغرور، كل خصلة منهن إهانة وتبكيت. 10- وقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} {مَأْوَاكُمُ النَّارُ} {هِيَ مَوْلَاكُمْ} {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} كله إهانات وإخبار لهم بما سيلاقونه من سوء العاقبة والمنقلب، نعوذ بالله. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 365 إلى ص 372. (1) انظر نظم الدرر 7/446. (2) الكشاف 4/64. (3) انظر فتح القدير 5/242. (4) انظر تفسير ابن كثير 4/364 – 365. (5) تفسير ابن كثير 4/365. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 321 إلى 330 من إجمالي 396 نتيجة.