التدبر

١٨١ ( الذين هم يرآءون - ويمنعون الماعون ) خلل العقيدة يتبعه خلل في الأخلاق . الوقفة كاملة
١٨٢ ( فاصبر على ما يقولون وسبِّح بحمد ربك .. ) تجاوز كلام الآخرين فيك ، لا يمنعك عن مواصلة العمل . الوقفة كاملة
١٨٣ ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ليست الحرية أن تفعل كل ماتريد ؛ فإن لله حدودا حرم عليك تعديها ، وإنما الحرية الحقة في أن لا يمنعك أحد ما أحل الله لك (تلك حدود الله فلا تعتدوها) الوقفة كاملة
١٨٤ (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ) مدح الله الصحابة في ثلاثة كتب سماوية ولم يمنع ذلك أهل البدع من سبهم الوقفة كاملة
١٨٥ مايمنع الوالد أو الولي من أن يعرض فتاته على من يرىٓ أنه كفؤٌ لها ؟؟!! { قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} الوقفة كاملة
١٨٦ (لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) الله قدير على أن يجمع موسى بالخضر بلا نصب ولا سفر لكن طريق العلم طريق التعب والتضحيات صباحكم طريق إلى الجنة الوقفة كاملة
١٨٧ ﴿ ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ﴾ عند التوكُّل تأمل آثار الإسمين لتغمر قلبك بالرضا والتسليم: (عزيز)مهما عزَّ مطلوبك فهو عليه هين؛ لكنه (حكيم) قد يمنعك ما ترجوه لا عجزاً ولابخلا، إنما لكمال تدبير وحكمة خفيت عليك والله يعلمها. الوقفة كاملة
١٨٨ كلُّ نظام أو قانون يؤدي إلى أن يكونَ المالُ متداولاً بين الأغنياء وحدهم هو مخالفٌ للإسلام، ومخلٌّ بالتكافل الاجتماعي. الوقفة كاملة
١٨٩ يقينُ المؤمن أن الله هو البارئ المصوِّر، يمنعه من الاعتراض على خلقه، أو السُّخريَّة بمَن ابتلاهم بدمامةٍ أو عيب خِلقيّ. الوقفة كاملة
١٩٠ يالها من لفتة بليغة أن يصف الله عباده المذنبين بالإيمان ؛ لأن الإيمان الحق يمنع الإنسان من مخالفة فعله لقوله. الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

١٨١ {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [هود: 8] أسند تأخير العذاب إلى نفسه سبحانه فقال: (أخرنا)، ثم قال: {أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} ولم يقل: (ليس منصرفًا عنهم) ليدل على أن العذاب لا ينصرف من نفسه وإنما يصرفه صارف. كم لم يقل: (ألا يوم يأتيهم لا نصرفه عنهم) فيسند عدم صرف العذاب إلى نفسه وإنما جعله اسم مفعول. فأسند تأخير العذاب إلى نفسه، ولم ينسب عدم صرفه إلى نفسه سبحانه إشارة إلى رحمته بخلقه. والأمة: هي المدن من الزمان. ومعنى الآية: أن الذين كفروا إذا تأخر عنهم ما يوعدون من العذاب استهزءوا وقالوا: ما يحسبه؟ أي: أيّ شيء يمنعه من الوقوع؟ يقولون ذلك استهزاء. فقال ربنا: {أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} فقال: {أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ} ولم يقل: (ألا يوم نأتي به) فأسند الإتيان إلى العذاب ولم يسنده إتيانه إلى نفسه. فأنت ترى أنه أسند التأخير إليه سبحانه. وأسند الإتيان إلى العذاب لا إليه سبحانه. ونفى الصرف بصيغه اسم المفعول ولم يقل: (لا نصرفه عنهم). كل ذلك تلطفًا بعباده لعلهم يرجعون إليه. وقال: {وَحَاقَ بِهِمْ} "على لفظ الماضي مع أنه لم يقع مبالغة في التأكد والتقرير" (1). والفعل (حاق) يقال لما يصيب الإنسان من مكروه وسوء. لقد قال: {وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} فجعل استهزاءهم هو الذي حاق بهم وهو الذي أوجب عليهم العذاب. فهذا الذي وقع بهم إنما هو من ظلمهم لأنفسهم. وقدم {يَوْمَ يَأْتِيهِمْ} على قوله: {لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ}، قيل: وهو متعلق بقوله: {مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} وأصل التعبير (ليس مصروفًا عنهم يوم يأتيهم). ومنع قسم من النحاة مثل هذا التقديم، قالوا: لأن خبر (ليس) لا يتقدم عليها لأنها فعل جامد فلا يتقدم معمول الخبر عليها. وخرجوا التعبير على تقدير آخر. وقد تقول: ولماذا هذا التقديم، ولماذا لم يأت به على الأصل فيقول: (ألا ليس مصروفًا عنهم يوم يأتيهم)؟ فنقول: إن التعبير القرآني أولى، ذلك لأنه لو قال: (ألا ليس مصروفًا عنهم يوم يأتيهم ) لنفى صرف العذاب يوم يأتيهم، ولكنه قد يصرف في يوم آخر. كما تقول: (لست مسافرًا يوم الجمعة) فإنك قد تسافر في يوم آخر. وأما التعبير القرآني فقد ذكرت فيه توجيهات غير التقديم: منها: تقدير فعل يتعلق به الظرف وهو (ألا يلازمهم يوم يأتيهم) أو نحوه. ومنها: أن يعرب (يوم) مبتدأ مبنيًا على الفتح (2) لأنه أضيف إلى جملة وإن كان فعلها معربًا، وهذا ما جوزه الكوفيون وآخرون ومنعه الجمهور. فيكون (يون يأتيهم) مبتدأ ليس متعلقًا بشيء وجملة {لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} خبرًا عنه. وعلى ذلك يكون عدم الانصراف مطلقًا غير مقيد بزمن. ويؤيد هذين التقديرين قوله: {وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} فأطلقه ولم يقيده. فيكون التعبير القرآني أولى، ويكون تقدير الأخرين مرجوحًا، حتى أننا لو قلنا بجواز التقديم في مثل هذا التعبير فإن المعنى يضعف على جعل (يوم) متعلقًا بمصروف كما رأيت. وهو نظير ما يجوز فيه أوجه إعرابية متعددة بعضها أرجح من بعض وقد تقول: ولماذا لم يقل: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفًا عنهم) برفع اليوم على الابتداء ويزول الإشكال ويخرج من الندرة أو الضعف ومن الاختلاف في بناء نحو هذا، كما قال تعالى: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119] برفع (يوم)؟ فنقول: لو قال ذلك لكان المعنى ضعيفًا أيضًا، ذلك أنه لو قال: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفًا عنهم) برفع اليوم كانت جملة (ليس مصروفًا عنهم) خبرًا عن اليوم وسيكون المعنى أن اليوم لا ينصرف، في حين أن المقصود أن العذاب لا ينصرف وليس اليوم، وإنما اليوم مصروف لا محالة. وهذا الضعف حاصل على تقدير إعرابه مبتدأ مع بنائه على الفتح أيضًا. والذي نراه راجحًا في هذا هو تقدير عامل للظرف (يوم) وهو (يلازمهم) أو نحوه لسلامته مما ذكرناه، ويؤيد قوله: {وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} فجعله مطلقًا ولم يقيده بزمن والله أعلم فيكون التعبير القرآني أولى من كل ما يذكر. ثم إنك تري أنه لم يذكر نوع العذاب وإنما قال: {وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} فجعل استهزاءهم وفعلهم هو الذي يحدد العذاب الذي سيلحقهم وهو الذي يحيق بهم، فلا يقول قائل إنه أقل مما يستحقون أو أكثر مما يستحقون. وهو منتهي العدل، والحمد لله رب العالمين. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 33 إلى ص 36. (1) تفسير الرازي 18/321. (2) انظر روح المعاني 12/15. الوقفة كاملة
١٨٢ {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [ هود: ۱۷] إن صحة الحكم في القضاء تستند إلى أحد أمرين: البيئة أو الشهود العدول، فإن ثبت أحدهما صح الحكم على الدعوى بالصحة. فإن تعاضد على ذلك البينة والشهود والعدول فذلك ما لا مطمع وراءه في الصحة. وقد ذكر ههنا الأمرين الذي يحكم بأحدهما على صحة الدعوى: البينة والشاهد. فقد ذكر البينة فقال: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ}. وذكر الشاهد أيضًا فقال: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ}، وهذا الشاهد عدل لأنه (منه) أي من ربه. ولما كانت الدعوى أنه مرسل من ربه، أي أرسله ربه، لزم أن تكون البينة من ربه فقال: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} أي إن الله آتاه بينة وبرهانًا على أنه رسوله. ولما كان الشاهد يشهد على هذه القضية لزم أن يكون الشاهد من ربه فقال: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ}، وترتب على ذلك أن يكون عدلاً، لأن الشاهد من الرب لا يكون إلا عدلاً. ولم يكتف بذلك بل ذكر شاهدًا آخر لا تدفع شهادته، وهو أن هناك كتابًا سابقًا من ربه، أي من الجهة نفسها، وذلك قبل أن يأتي هذا الشخص إلى الدنيا بقرون يشهد على ما جاء به هذا الرسول. وهذا الكتاب السابق ذكر ذلك صراحة بما لا يحتمل التأويل في أن هذا أ الشخص هو المقصود بعينه. فقد ذكر اسم الرسول ومكان نشأته وعلامته البدنية ومن أي شعب هو وإلى أين يهاجر وإلام يؤول أمره. كل ذلك مذكور في التوراة (1) يعرفه من اطلع على ذلك كما يعرف الأب ابنه، وإن أهل الكتاب كما يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. قال تعالى: {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: ١٤٦]. فقال في ذلك: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} أي يشهد على ذلك. وقيل: إن الإنجيل (2) شاهد أيضًا فقد ذكره صراحة. وبهذا يكون قد ذكر جملة أدلة كل منها كافٍ في إثبات صحة الدعوى: 1- البينة. ٢- الشاهد. 3- الكتب السابقة. وكل ذلك من الجهة التي جاء رسولاً عنها، فهل يبقى في نفس أجد شك أو ريبة في صحة رسالته؟ ولذا قال بعد ذلك: {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ} بحذف نون (تكن)، أي لا يك في نفسك أي شيء من شك أو ريبة، واحذف ذلك من نفسك كحذف نون ( تكن ) من أصل الكلمة . فتعاضد على إزالة المرية من النفس النهي وحذف النون وتقرير الحق، فقد قال بعد ذلك: {إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ}. ثم احتاط بعد ذلك بما يمنع كل خاطر شك، فقد يرى أن كثيرًا من الناس لم يؤمنوا بذلك فقال له إن هذا من طبيعة الناس، فإن أكثرهم لا يؤمنون وإن جاءتهم كل آية، وإن أتيتهم بكل دليل، كما قال في موطن آخر: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]، وقال: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116]. فذكر كل أمر يدفع الريبة ويمنعها فلا يبقى في النفس منها شيء. فنهاه عن ذلك بقوله: {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} أبلغ ما يكون النهي. 1- فقد جاء بـ (الفاء) الدالة على السبب في قوله (فلا تك) ، أي إن ما ذكرناه سبب كاف للانتهاء عن الريبة. 2- النهي بقوله: (لا تك). 3- حذف النون من (تكن) وقد ذكرنا دلالة ذلك على قوة النهي. 4- قال: (في مرية) فجاء بـ (في) الظرفية، أي لا تكن فيها كما يكون الشخص في اللجة وكن بعيدًا عنها. 5- نكر المرية ليشمل كل شك فيه. 6- ثم قال: (منه) أي من القرآن، ولم يقل: (ولا تك في مرية) فتكون عامة مطلقة، إذ المرء لا ينفك عن شك أو ريبة في أمر من الأمور، وإنما طلب الانتهاء عن الريبة في هذا الأمر. 7- ثم أثبت صحة ما هو عليه بقوله: (إنه الحق) فأكده بـ (إن). 8- عرّف (الحق) ولم يقل: (إنه حق) ليدل على أنه وحده الحق ولا حق سواه، فلو اتبعت أي كتاب آخر كان اتباعك باطلًا. فكل كتاب قبله منسوخ وقد دخله التحريف والتبديل، فلا حق فيما سواه لا في نصه ولا في قبوله عند الله. 9- ذكر الجهة التي قررت أحقيته وقضت بذلك فقال: {إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} فلا أحد أعلم بالحق منه، ولا شيء أحق بالاتباع من هذا الحق. 10- ثم قال بعد ذلك: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} ليطمئن قلبه إلى ما هو عليه ولا توحشه كثرة من لا يؤمن من الناس. 11- ثم حذر من لا يؤمن بأن موعده النار فقال: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} فذكر في الآية أن البينة من ربه، وأن الشاهد من ربه، وأن الكتب السابقة التي شهدت له من ربه، وأنه الحق من ربه، فهل بعد ذلك شيء من الريبة؟! ثم نعود إلى الآية: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} فقد قيل: إن البيئة هي القرآن، وقيل: هي الأدلة العقلية والمعجزات التي تقطع بصحة نبوته . والشاهد قيل هو القرآن، ومن ذلك نظمه المعجز الذي تحدى به البشر. وقيل: الإنجيل وقد شهد له بذلك وذكر اسمه صراحة. وكتاب موسى هو التوراة. لقد قال: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} ولم يذكر المعادل للدلالة عليه بمن تقدم ذكره وهو من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها، وبمفهوم المخالفة ممن لم يكن على بينة ولا دليل. وقال: {عَلَى بَيِّنَةٍ} فجعله مستعليًا عليها متمكنًا منها، وهذا نظير قوله تعالى في أكثر من موضع: (على هدى) فجعله مستعليًا عليه متمكنًا منه. والبيئة نظير الهدى . وقال: {مِنْ رَبِّهِ} فذكر الرب لأن الرب هو المربي والمرشد والموجه والمعلم وهو الأنسب مع ذكر البينة. ولم ترد (البينة) في القرآن مقرونة إلا مع الرب، ولم ترد مع غيره من أسماء الله الحسنى، وذلك نحو قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} [الأنعام: 57]، وقوله: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 73، 85]، وقوله: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} [محمد: 14] وغيرها. وذكر شاهدين: شاهدًا يتلوه وشاهدًا من قبله. ويبدو – والله أعلم – أن الشاهد الذي يتلوه مستمر إلى يوم القيامة، ففي كل زمان يظهر شاهد على صدقه  كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53]. وكما قال  عن القرآن إنه (لا تنقضي عجائبه). ولذا جاء بالفعل مضارعًا فقال: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} فاستغرقت الشهادة له الماضي والحال والاستقبال. فشهادة الماضي شهادة الكتب السابقة، وشهادة الحال والاستقبال ما يتلوه من الشاهد. وقال: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ} فجاء بفعل الشرط مضارعًا ليشمل كل من يكفر به في الحال والمستقل، ولم يقل: (ومن كفر) فيحتمل اختصاص ذلك بمن كفر في زمانه. وقال: (به) ولم يقل: (ومن يكفر) فقط فيجعل ذلك عامَّا، فجعل الكفر به على الخصوص مدعاة إلى دخول النار وإن لم يكفر بغيره، فلو آمن بكل شيء وكفر به فهو من أهل النار. جاء في (تفسير الرازي): "فالحاصل أنه يقول اجتمع في تقرير صحة هذا الدين أمور ثلاثة: أولها: دلالة البينات العقلية على صحته. وثانيها: شهادة القرآن بصحته. وثالثها: شهادة التوراة بصحته ... فقوله: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} المراد بالبينة الدلائل العقلية اليقينية. وقوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} إشارة إلى الوحي الذي حصل لمحمد عليه السلام. وقوله: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} إشارة إلى الوحي الذي حصل لموسى عليه السلام. وعند اجتماع هذه الثلاثة قد بلغ هذا اليقين في القوة والظهور والجلاء إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه" (3). وجاء في (الكشاف): "{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} معناه: أفمن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة؟ أي لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم، يريد أن بين الفريقين تفاوتًا بعيدًا وتباينًا بينًا. وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره كان على بينة (من ربه) أي على برهان من الله وبيان أن دين الإسلام حق. (ويتلوه) ويتبع ذلك البرهان (شاهد منه) يشهد بصحته وهو القرآن (منه) من الله، أو شاهد من القرآن، فقد تقدم ذكره آنفًا. (ومن قبله) ومن قبل القرآن (كتاب موسى) وهو التوراة، أي ويتلو ذلك البرهان أيضًا من قبل القرآن كتاب موسى. ( إمامًا) كتابًا مؤتمًا به في الدين قدوة فيه. (ورحمة) ونعمة عظيمة على المنزل إليهم. (أولئك) يعني من كان على بينة (يؤمنون به) يؤمنون بالقرآن" (4). وجاء في (البحر المحيط): "لما ذكر حال من يريد الحياة الدنيا ذكر حال من يريد وجه الله تعالى بأعماله الصالحة. وحذف المعادل الذي دخلت عليه الهمزة، والتقدير: كمن يريد الحياة الدنيا. وكثيرًا ما حذف في القرآن كقوله: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا} وقوله: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ} وهذا استفهام معناه التقرير ... والبينة: القرآن أو الرسول، والهاء للمبالغة ... والشاهد: القرآن و(منه) عائد على ربه، ويدل على أن الشاهد القرآن ذكر قوله (ومن قبله) أي ومن قبل القرآن كتاب موسى، فمعناه أنه تظافر على هدايته شيئيان: كونه على أمر واضح من برهان العقل. وكونه يوافق ذلك البرهان هذين الكتابين الإلهيين: القرآن والتوراة فاجتمع له العقل والنقل" (5). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 61 إلى ص 68. (1) انظر كتابنا (نبوة محمد من الشك إلى اليقين). (2) انظر فتح القدير 2/465. (3) التفسير الكبير 18/329 – 330. (4) الكشاف 2/93. (5) البحر المحيط 5/210. الوقفة كاملة
١٨٣ {أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [هود ۲۰ - ۲۱] أولئك لم يكونوا يعجزون الله لو أراد أن يعاقبهم في الدنيا. وقال: {لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ} ولم يذكر مفعولاً لـ (معجزين) وإنما أطلق ذلك فنفى عنهم صفة الإعجاز أصلاً، فهم أذل وأضعف من يعجزوا أحدًا. وقال: {فِي الْأَرْضِ} أي في مكانهم وموضع استقرارهم. والإنسان أعز ما يكون إذا كان في داره، فإذا انتفى إعجازهم في مكانهم فانتفاؤه في غير الأرض أظهر. وقد بين ذلتهم وصغارهم من أكثر من ناحية: 1- فقد نفى أن يعجزون أحدًا فأطلق النفي ولم يذكر مفعولاً فدل ذلك على أنهم لا يعجزون أحدًا. ٢- وقد بين نفي قدرتهم واستطاعتهم في مكانهم ومستقرهم. وهذا أذل ما يكون وأهون ما يكون. ٣- وجـعـل عـدم الإعجـاز وصفهـم الثـابـت فـقـال: {لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ} فجاء بالاسم الدال على الثبات، ولم يقل: (لم يكونوا يعجزون) بل دل على ضعفهم وعدم قدرتهم على جهة الثبوت والدوام. 4- ثم ذكر أنه ما كان لهم من أولياء من دون الله. فنفى عنهم القدرة في ذواتهم وأنفسهم، ونفى عنهم الولي فلا ولي لهم يتولى أمرهم. وهذا أدل على ضعفهم وصغارهم. فهؤلاء الذين كانوا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ولا يؤمنون بالآخرة هم أذل ما يكون على الحقيقة. جاء في (الكشاف): {أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ} أي ما كانوا يعجزون الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم، وما كان لهم من يتولاهم فينصرهم منه ويمنعهم من عقابه، ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم" (1). وقد تقول: لقد قال ههنا: {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} فجاء بالأولياء مجموعة، وفي مواضع أخرى يفرد الولي فيقول مثلاً: {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 107]. أو يقول: {وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [الشورى: 8]. فما السبب مع أن الإفراد في نحو هذا أدل على الشمول، فقولك: (ما في الدار من رجال) نفيت فيه جنس الرجال في حال الجمع ولم تنف وجود رجلين أو رجل واحد. أما قولك: (ما في الدار من رجل) فقد نفيت فيه وجود الجنس على سبيل الاستغراق واحدًا أو أكثر. وقولك: (ما لهم من ولي) نفيت فيه أن يكون لهم ولي على سبيل الاستغراق واحدًا أو أكثر. أما إذا قلت: (ما لهم من أولياء) فإنه ينفي الجنس في حالة الجمع، ولا ينفي أن يكون لهم ولي واحد أو اثنان؟ والجواب: أن الجمع في هذا الموضع هو الأصوب ولا مندوحة عنه، ذلك أن هذا الكلام في الآخرة، والمذكورون هم جماعات مختلفة ومن أمم متعددة وأزمان مختلفة متباعدة، وقد يكون بين جماعة وأخرى قرون كثيرة فلا يمكن أن يكون لهؤلاء الجماعات ولي واحد، وإنما يكون لكل جماعة أو أمة ولي أو أولياء يتولونهم، فلا يصح أ أن يقال: (ما كان لهم من دون الله من ولي). هذا علاوة على أنه قد يتخذ أهل البلد الواحد أو المجتمع الواحد أولياء متعددين، فنفي الأولياء هو الأصوب بل هو المتعين وليس نفي الولي؛ وخاصة أن هؤلاء الأولياء إنما هم غير الله فلا بد أن يتعددوا. هذا علاوة على أنه حيث نفى الأولياء في نحو ذلك، أي في نحو قوله: {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ}، وقوله: {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [الشورى: ٤٦] فإنما ذلك في الآخرة. وحيث أفرد الولي في نحو ذلك إنما هو الكلام في الدنيا، ويكون الكلام إما عن فرد واحد أو مجموعة معينة فينفي الولي له أو لها. جاء في (روح المعاني): {مِنْ أَوْلِيَاءَ}: (من) زائدة لاستغراق النفي، وجمع (أولياء) إما باعتبار أفراد الكفرة، كأنه قيل: وما كان لأحد منهم من ولي، أو باعتبار تعدد ما كانوا يدعون من دون الله تعالى فيكون ذلك بيانًا لحال آلهتهم من سقوطها عن رتبة الولاية" (2). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 73 إلى ص 75. (1) الكشاف 2/94. (2) روح المعاني 12/32. {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ} "يشدد ويكثر، وهذا استئناف إخبار عن حالهم في الآخرة؛ لأنهم جمعوا إلى الكفر بالبعث الكذب على الله وصد عباده عن سبيل الله وبغي العوج لها وهي الطريقة المستقيمة" (1). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 75 إلى ص 76. (1) البحر المحيط 5/212. {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} أي يكرهون سماعه فلا يطيقون أن يسمعوه لشدة بغضهم له. كما يكرهون أن ينظروا إليه فلا يطيقون ذلك لشدة بغضهم لرؤيته. جاء في (الكشاف): "أراد أنهم لفرط تصماهم عن استماع الحق وكراهتهم له كأنهم لا يستطيعون السمع ... كأنه لم يسمع الناس يقولون في كل لسان: هذا كلام لا أستطيع أن أسمعه وهذا مما يمحه سمعي" (1). وجاء في (البحر المحيط): {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} إخبار عن حالهم في الدنيا على سبيل المبالغة، يعني السمع للقرآن ولما جاء به الرسول . {وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} أي ينظرون إليه لبغضهم فيه، ألا ترى على حشو الطفيل بن عمرو أذنيه من الكرسف وإباية قريش ما نقل إليهم من كلام الرسول" (2). وجاء في (روح المعاني): {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} أي إنهم كانوا يستثقلون سماع الحق الذي جاء به الرسول  ويستكرهونه إلى أقصى الغايات حتى كأنهم لا يستطيعونه ... {وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} أي إنهم كانوا يتعامون عن آيات الله تعالى المبسوطة في الأنفس والآفاق" (3). لقد قدم السمع على الإبصار ههنا فقال: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ}. وقدم آلة الإبصار على السمع في الكهف فقال:{ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا } [الكهف: 101]: وذلك أنه ذكر في سياق آية هود ما يسمع وهو الكذب فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}، وقال:{ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ}، وقال: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 24]. في حين ذكر في الكهف ما يرى وهو عرض جهنم فقال: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي}، فقدم في كل موضع ما يناسبه. وهناك أمر آخر في هاتين الآيتين، فقد عرّف السمع في آية هود فقال: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ}، ونكره في آية الكهف فقال: {وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} ذلك أن آلة السمع في آية هود غير معطلة وإنما كانوا يستثقلون سماع نوع معين من الكلام وهو الكلام في دين الله. أما غيره من الكلام فإنهم يسمعونه ويستحبونه. فعرّف السمع الذي يستثقلونه ويكرهونه. وأما في الكهف فإن آلة الإبصار معطلة وآلة السمع معطلة، فقد قال في آلة الإبصار: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي} فهي لا تبصر لأنها مغطاة. وقال في السمع: {وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} وهذا إثبات لعدم استطاعة السمع، أي إنهم لا يسمعون لأن آلة السمع معطلة فلا يسمعون أي نوع من الكلام (4). ومن كانت آلة السمع معطلة عنده لا يسمع شيئا فنكره لذلك. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 76 إلى ص 78. (1) الكشاف 2/94. (2) البحر المحيط 5/212. (3) روح المعاني 12/32. (4) انظر كتابنا (معاني النحو) 1/277، روح المعاني 16/45، 12/22، الكشاف 2/94. {أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } لقد ذكر أن هؤلاء خسروا أنفسهم وهذا أكبر الخسران، فإن أكبر الخسران أن يخسر الإنسان نفسه. { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } أي زال عنهم افتراؤهم ولم ينفعهم شيئًا. وزالت عنهم أصنامهم وآلهتهم التي كانوا يفترون فيها ويقولون فيها ما يقولون وضلت عنهم. فلا تهتدي إليهم ولا يهتدون إليها. جاء في (روح المعاني): "والمراد بها الأصنام التي كانوا يعبدونها ويقولون فيها: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} أو نحو ذلك ... أي زالت وذهبت عنهم أوثانهم التي كانوا يفترون فيها ما يفترون فلم تغن عنهم من الله شيئًا. وقيل: إن (ما) مصدرية، أي ضل افتراؤهم، كقوله سبحانه: {ضَلَّ سَعْيُهُمْ} أي لم ينفعهم ذلك" (1). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 78 إلى ص 78. (1) روح المعاني 7/124، وانظر تفسير الرازي 4/504. الوقفة كاملة
١٨٤ {وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [هود: 30] ذكر أمر يمنعان من طرد من أمن معه: الأمر الأول: أنهم ملاقو ربهم وهو أعلم بحالهم. والأمر الأخر: أنه ليس ذلك إلى ولا أستطيعه، فإن فعلت فإن الله سيعاقبني ولا ينجيني أحد منه. ومن ذا الذي ينصرني من الله إن طردتهم؟ وقال: {إِنْ طَرَدْتُهُمْ} ولم يقل: (إن) أطردهم أي لا أحد ينجيه من الله إن طردهم ولو مرة واحدة. فكيف إذا كرر طردهم؟! وهذا يدل على أنه إن طردهم ولو مرة يوجب عليه العقاب. وقال: {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} ولم يقل: (أفلا تتذكرون) أي إن هذا الأمر لوضوحه وظهوره لا يحتاج إلى طول تذكر وإنما هو أمر ظاهر. فإنهم عباده وهم ملاقوه وهو أعلم بحالهم. ثم إني إن فعلت ذلك عاقبني ربي ولا ينجيني أحد منه، فإنه هو الذي أرسلني وكلفني تبليغ دعوته لعباده. والكل عباده غنيهم وفقيرهم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 127 إلى ص 127. الوقفة كاملة
١٨٥ {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37]. بدأ بما فيه النجاة وهو صنع الفلك وقدمه على مصير الظالمين وهو الإغراق. وهذا هو الكثير في القرآن في قصة نوح وغيرها، يقدم نجاة المؤمنين على إهلاك الكافرين وذلك نحو قوله: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا} [الأعراف: 64] فقدم نجاة المؤمنين على إغراق الذين كذبوا. ونحوه قوله تعالى: {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا} [يونس: 73]. وقوله: { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا … وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } [هود: 66 - 67]. وقوله: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 94] وغيرها. ومعنى (بأعيننا): برعايتنا وحفظنا، وجاءت بالجمع للدلالة على تكثير الحفظ وديمومته كما قيل. جاء في (البحر المحيط): (بأعيننا) "بمرأى منا وكلاءة وحفظ ... وجمعت هنا لتكثير الكلاءة والحفظ وديمومتها" (1). وجاء في (روح المعاني): "الأعين حقيقة في الجارحة وهي جارية مجرى التمثيل، كأن لله سبحانه أعينًا تكلؤه من تعدي الكفرة ومن الزيغ في الصنعة، والجمع للمبالغة ... وقيل: المراد من أعيننا ملائكتنا الذين جعلناهم عيونًا على مواضع حفظك ومعونتك" (2). (ووحينا) أي تعليمنا لك تصنعها" (3). ولما قدم ما فيه نجاتهم وهو الفلك قدم ما يدل على عناية وحفظه لهم، وما يدفع الشر عن الفلك، وحفظها مما يمنعه من العمل في إتمامها وذلك قوله: {بِأَعْيُنِنَا} فقدم كل ما يتعلق بالنجاة والحفظ، من صنع الفلك وحفظ الله ورعايته. ثم قال: (ووحينا) أي تعليمنا لك كيف تصنعها. وهذا يقتضي مراقبة ما يعمل ثم توجيهه إلى أن يستكمل صنعها، وذلك يقتضي أيضًا تقديم قوله: {بِأَعْيُنِنَا} على قوله: {وَوَحْيِنَا}. ثم إن تعليمه ووحيه إنما هو لغرض النجاة فقدم ما يتعلق بالحفظ والنجاة. جاء في (تفسير الرازي): "إن إقدامه على عمل السفينة مشروط بأمرين: أحدهما: أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل. والثاني: أن يكون عالمًا بأنه كيف ينبغي تأليف السفينة وتركيبها ودفع الشر عنه. وقوله: {وَوَحْيِنَا} إشارة إلى أنه تعالى يوحي إليه كيف ينغي عمل السفينة" (4). والأول متعلق بقوله: {بِأَعْيُنِنَا}. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 146 إلى ص 148. (1) البحر المحيط 5/220. (2) روح المعاني 12/49. (3) انظر تفسير الرازي 6/345، روح المعاني 12/49. (4) تفسير الرازي 6/344 – 345. {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} أي لا تراجعني فيهم فتطلب إمهالهم وتأخير العذاب عنهم (1). وقال: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} فذكر صفتهم، ولم يقل: (ولا تخاطبني فيهم) ذلك أنه ذكر الصفة التي تستدعي إهلاكهم وهي الظلم. وهذه الصفة توجب عقوبتهم لا أن تستشفع فيهم. فناسب ذكر صفتهم التي تستدعي عقوبتهم وعدم مراجعة ربه في إمهالهم. جاء في (روح المعاني): "{وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي لا تراجعني فيهم ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم. وفيه من المبالغة ما ليس فيما لو قيل: ولا تدعني فيهم" (2). {إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} قال: {مُغْرَقُونَ} بالاسم، ولم يقل: (سأغرقهم) للدلالة على الثبوت، فكأنهم أغرقوا وانتهى الأمر. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 148 إلى ص 149. (1) انظر فتح القدير 2/474، روح المعاني 12/50. (2) روح المعاني 12/50. الوقفة كاملة
١٨٦ {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} [هود: 63] بعد أن قالوا لنبيهم إنهم في شك مما يدعوهم إليه ناقشهم نبيهم بأمرين: أمر عقلي منطقي، وأمر قائم على الحجة الملزمة. فأما الأمر العقلي المنطقي فإنه قال لهم: أخبروني لو أن الله كان أرسلني حقًا ولست مدعيًا فمن يعصمني من الله وينجيني منه إن عصيته؟ جاء في (الكشاف): "قدروا أني على بينة من ربي وأني الحقيقة وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي فمن يمنعني من عذاب الله" (۱). وذكرنا في موضع سابق من هذه السورة سبب تقديم الجار والمجرور (منه) على (رحمة)، في حين أخره عن الرحمة في قوله: {وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} [هود: 28]. وقد ذكرنا في ذلك الموضع أنه لما كان الكلام على الرحمة قدمها وذلك قوله: {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}. ولما كان الكلام على الله في هذه الآية وذلك قوله: {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} قدم الضمير العائد على الله في الجار والمجرور وهو (منه) على الرحمة. {فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} التخسير مصدر (خسر) بالتضعيف، وهو يفيد المبالغة والتكثير في الخسار، أي لا تزيدونني إلا مبالغة في الخسران. لقد دل هذا التعبير على الزيادة في الخسران من أكثر من وجه: منها قوله: {تَزِيدُونَنِي} أي تضيفون خسارة إلى خسراني. ومنها: أنه جاء بالمصدر الدال على الكثرة وهو (تخسير). ومنها: أنه جاء بالنفي مع (غير) ليدل على أنه لا يزيدونه شيئًا غير الزيادة في الخسران. ولو قال بدل هذه العبارة: (كنت خاسرًا) مثلاً لم يفد ذلك إلا أنه سيكون خاسرًا. ومن الملاحظ أنه إذا استعمل القرآن الزيادة في الخسارة استعمل لفظ (الخسار) فقال: {وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82]، وقال: {وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا} [فاطر: 39]، وقال: {وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا} [نوح: 21]. إلا في هذه الآية فإنه قال: {فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} فجاء باللفظ الدال على المبالغة والكثرة، وذلك أنه إذا كان نبيًا حقًا وآتاه الله منه رحمة ثم عصاه كانت خسارته أعظم من سائر الكفار الذين لم تأتهم البينة ولم ينزل عليهم وحي، فناسب ذكر التخسير هنا مجرد الخسار، بخلاف سائر المواضع الأخرى، وليس عقاب من علم وعصى كمن جهل. وقد قيل فيما قيل: وعــالـمٌ بعلمِـهِ لـمْ يعملَـنْ مُعـذّبٌ مـن قبـل عُبَّـادِ الـوثـنْ ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 256 إلى ص 258. (1) الكشاف 2/105. الوقفة كاملة
١٨٧ {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 70] أي فلما رآهم لا يمدون أيديهم إلى الطعام، أي لا يأكلون نكرهم. وقال: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ} فعدى الرؤية إلى الأيدي، ولم يقل (فلما رآهم لا يمدون أيديهم) وذلك إشارة إلى أدب الضيافة، فإنه لا يحسن بالمضيف أن يحدد النظر إلى الضيوف، فإن ذلك يمنعهم من مواصلة الأكل بحسب حاجتهم ورغبتهم، وإنما يسارقهم النظر فينظر أيأكلون أم لا. وإبراهيم عليه السلام نظر إلى أيديهم ليرى أنهم يأكلون أم لا. جاء في (روح المعاني): {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ} كناية عن أنهم لا يمدون إليه أيديهم، ويلزمه أنهم لا يأكلون ... ففيه دليل على أن من أدب الضيافة النظر إلى الضيف هل يأكل أو لا، لكن ذكروا أنه ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر، لأن ذلك مما يجعل الضيف مقصرًا في الأكل، أي لما شاهد منهم ذلك نكرهم" (1). فلما رآهم لا يأكلون نكرهم، أي استوحش منهم وداخلته الريبة في أمرهم. {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} أي استشعر الخوف منهم وأحس به، ذلك أنه إذا "كان عادتهم أن إذا مس من يطرقهم طعامه أمنوه وإلا خافوه" (2). و(الخيفة) الخوف، وهي من أسماء الهيئة، والمعنى أنه شعر بحالة من الخوف. جاء في (مفردات الراغب): "الخيفة الحالة التي عليها الإنسان من الخوف. قال تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى}" (3). وجاء في (روح المعاني): "(خيفة) أي خوفًا، وأصلها الحالة التي عليها الإنسان من الخوف. ولعل اختيارها بالذكر للمبالغة حيث تفرس لذلك مع جهالته لهم من قبل وعدم معرفته من أي الناس يكونون، كما ينبئ عنه في الذاريات من قوله سبحانه حكاية عنه: {قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} أنهم ملائكة" (4). ويبدو أن هذه الحالة من الخوف ظهرت عليه فأمنوه بقولهم (لا تخف). وأخبروه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط. جاء في (الكشاف): "(فأوجس) فأضمر. وإنما قالوا: لا تخف؛ لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه، أو عرفوه بتعريف الله" (5). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 274 إلى ص 275. (1) روح المعاني 12/94 – 95. (2) الكشاف 2/106، وانظر البحر المحيط 5/242. (3) المفردات (خوف). (4) روح المعاني 12/95. (5) الكشاف 2/106. الوقفة كاملة
١٨٨ {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود: 76]. {يَا إِبْرَاهِيمُ} نداء على تقدير القول، أي قلنا أو قالت الملائكة (1). ولم يقل: قلنا أو نحو ذلك، وإنما حذف ذلك لنكون كأننا نسمع النداء يصدر إلى إبراهيم وأمره بالكف عن الجدال. وتقدير (قلنا) مناسب لقوله: (يجادلنا). وتقدير (قالت الملائكة) مناسب لقولهم: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} وحذف القول ليحتمل الأمرين المناسبين للسياق. {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} بإدخال (إن) المؤكدة على ضمير الشأن لتفخيم الأمر وتعظيمه. فلم يقل: (إن أمر ربك قد جاء) بل جاء بضمير الشأن الدال على التعظيم والتفخيم. {قَدْ جَاءَ} جاء بـ (قد) التي تدل على التحقيق والتوقع والتقريب، أي إن مجيء الأمر قد تحقق وقرب وقوع العذاب، وهو متوقع وقوعه على هؤلاء القوم المجرمين. {وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} أي غير مردود "بجدال ولا بدعاء ولا بغيرهما" (2). وجاء باسم الفاعل (آتيهم)، وباسم المفعول (غير مردود) للدلالة على ثبوت الأمر واستقراره، ولم يقل: (يأتيهم) ولا (لا يردّ) الدالين على الحدوث، بل جاء بما يدل على الثبوت والاستقرار. فانظر كيف جاءت الآية بكل ما يدل على التأكيد والتفخيم والتعظيم: 1- فقد قال: {يَا إِبْرَاهِيمُ} فحذف فعل القول للإيجاز وكأن النداء صدر من العلي الأعلى بالكف. ۲- وقال: {أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} فأمره بالكف عن الكلام في هذا الأمر، ولم يقل: (كف عن هذا) وذلك لأن الإعراض أبعد في الكف، فإن معنى (أعرض عنه) صدّ عنه وولى عنه وليس مجرد ترك الكلام. فكأنه أراد أن يصد عن الكلام والانصراف عنه، وهو أبعد من مجرد السكوت عن الكلام. 3- وجاء بـ (إن) المؤكدة فقال: (إنه). 4- وأدخلها على ضمير الشأن الدال على التفخيم والتعظيم. 5- وجاء بـ (قد) التي تدل على التحقيق والتوقع والتقريب. 6- وأدخلها على الفعل (جاء) ولم يأت بالفعل (أتى) وذلك للدلالة على شدة الأمر وصعوبته، فإن (جاء) يستعمل في القرآن لما هو أعسر وأصعب من (أتى) الذي هو المجيء بسهولة (3). 7- وجاء بـ (الأمر) الذي يدل على الشأن، ويدل على الأمر واحد الأوامر من: أمره بالشيء. 8- وأضافه إلى (الرب) لتعظيمه، والرب هو المعلم والمربي والموجه والمرشد، فهو الذي يعلم أحاسن الأمور وأحكمها وكيف يعاقب من خالف أوامره وتوجيهه وإرشاده. 9- وأضافه إلى ضمير الخطاب، فهو ربك الذي رباك وأحسن إليك وعلمك وأرشدك فلا تجادله فهو أعلم منك. والإنسان لا يحسن به أن يجادل من علمه ورباه في أمر هو من أمور التعليم والتوجيه وما هو من شؤون الرب. 10- وقال: {وَإِنَّهُمْ} فجاء بـ (إن) المؤكدة وأدخلها على ضميرهم وهم قوم لوط. 11- وقال: {آَتِيهِمْ عَذَابٌ} فجاء باسم الفاعل الدال على الثبوت. وهذا التعبير أعني {وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} يحتمل دلالتين. الأولى: أن (آتيهم) خبر مقدم، و(عذاب) فاعل اسم الفاعل، وجاء باسم الفاعل للدلالة على الثبوت، والجملة مؤكدة بـ (إن). والدلالة الثانية: أن (آتيهم) خبر (إن)، و(عذاب) مبتدأ مؤخر، وقد قدم الخبر للاهتمام والقصر، أي ليس آتيهم إلا العذاب، كما تقول: (قائم أنا) أي لست إلا قائمًا، والجملة خبر (إن). وقد تقول: ولِمَ لَمْ يقل: (وإنه آتيهم عذاب غير مردود) بإدخال (إن) على ضمير الشأن للدلالة على التفخيم والتعظيم، نظير قوله: {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} فنقول: لو قال ذلك لم يكسب المعنيين اللذين ذكرناهما، وذلك أنه لو قال: (وإنه أتيهم عذاب غير مردود) لم يكن له إلا دلالة واحدة وهي (آتيهم) خبر مقدم، و(عذاب) مبتدأ مؤخر، ولا يصح أن يكون (أتيهم) خبر (إن) لأن الشأن لا يدخل إلا على جملة فيفوت أحد المعنيين المرادين ضمير، والله أعلم. ۱۲- وقال: {غَيْرُ مَرْدُودٍ} فوصفه ونفى رده بالاسم الدال على الثبوت وهو (غير)، ولم يقل: (ليس مردودًا) فينفيه بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث، فنفاه بما هو أقوى وأثبت. 13- وقال: {غَيْرُ مَرْدُودٍ} فجاء باسم المفعول الدال على الثبوت، ولم يقل: (لا يرد) بالفعل. فكانت كل كلمة نضا في المعنى المقصود والذي يناسب المقام. نظرة بيانية في هذه القصـة من الملاحظ أن جانب التبسط والإكرام لإبراهيم والملائكة في سورة هود أكثر مما في المواضع الأخرى. 1- فقد عجل بذكر البشرى له قبل ذكر إيجاس الخوف منهم، في حين كانت البشرى بعد التصريح بالخوف منهم كما في الحجر، أو بعد الإحساس بالخوف كما في الذاريات، فقال ههنا: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} وهذا أدعى إلى الاطمئنان. ٢- التصريح بأنهم رسله سبحانه أدل على التكريم من قوله: (ضيف إبراهيم)، فقد أضاف الرسل إليه فقال: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ}. في حين قال في الحجر: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ}، وفي الذاريات {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ}. ورسل الله أكرم من ضيف مكرم. 3- قال ههنا: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} لم يبطئ في المجيء. وقال في الذاريات: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ}. وقوله: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ} أدل على السرعة من قوله: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ}. فالأولى تدل على التعقيب في عدم الإبطاء في المجيء، أي أسرع فيه. والثانية تدل على التعقيب في الروغان إلى أهله. والأولى أسرع. 4- قال في هود: {بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أي سمين مشوي حار يقطر ودكه. وقال في الذاريات: {بِعِجْلٍ سَمِينٍ} فزاد في الوصف في هود على سمين بأنه مشوي وأنه حار. ولا يدل في الذاريات على أنه حار. 5- إنكاره إياهم في هود بعد أن رأى أيديهم لا تمتد إلى الطعام {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ}. في حين كان إنكاره في الذاريات بعد رد التحية: {قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ}. فقد كان بعد رد التحية في هود المجيء بالعجل، وكان بعد رد التحية في الذاريات قوله: {قَوْمٌ مُنْكَرُونَ}. 6- بعد الإيجاس بالخوف في هود ذكروا له أمرين مطمئنين: الأول: أنهم أرسلوا إلى قوم لوط وليسوا مرسلين إليه فلا داعي للخوف. والآخر: التبشير بالولد. في حين كان بعد التصريح بالوجل في الحجر أو الشعور بالخوف في الذاريات إنما هو التبشير بالغلام، ثم سألهم عن مهمتهم في الموضعين فأجابوه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط. ولا شك أن الموقف الأول أدعى إلى الطمأنينة. 7- ذكر في هود أن امرأته ضحكت، وهي قد ضحكت سرورًا. ولم يذكر ذلك في موضع آخر. ٨- إنهم بشروها في هود بالولد وولد الولد. ولم يبشروه بغير الولد في الحجر والذاريات، والأول أدعى إلى زيادة السرور. 9- إن فحوى البشارة في هود أن ترى ولدها وولد ولدها، أي أنها ستعيش حتى ترى يعقوب، وقد حصل لها ذلك، وهو ما يدل على طول العمر والزيادة في السرور. 10- تبسط امرأة إبراهيم مع الملائكة في هود أكثر، وهو أدل على الطمأنينة والراحة. 11- الدعاء أو الإخبار لأهل البيت بقولهم: {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} أدل على الإكرام والزيادة في إدخال المسرة. ولم يرد ذلك في موضع آخر. ۱۲- ورود البشرى في هود أكثر من ورودها في المواطن الأخرى، فقد جاءته الرسل بالبشرى، ثم بشروا امرأته، ثم ذكر مجيء البشرى مرة أخرى بقوله: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى}. ثم إن البشرى في هود وردت عامة ووردت مخصصة، فقد قال: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى}، وقال: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى} والبشرى هنا عامة غير مخصصة بأمر. ووردت مخصصة بقوله: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ}. في حين كانت البشرى في الحجر والذاريات مخصصة بالغلام. فما في هود أعم وأشمل. 13- أسند البشارة إليه في هود فقال: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ}، وأسند البشارة إلى الملائكة في الحجر والذاريات: {قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الحجر: 53]، وفي الذاريات: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ}[الذاريات: ۲۸]. ولاشك أن إسناد البشارة إلى الله أكرم وأتم. ولما كانت البشارة مسندة إلى الله في هود ذكر الزيادة في البشرى وهي الولد وولد الولد. ١٤- إن البشرى في هود أتم وأعلى مما في الحجر والذاريات، فإن البشرى في هود جاءت بها الرسل كما قال: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى}. وجاءت هي كما قال: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى}. فالبشرى جيء بها مرة، وجاءت هي مرة أخرى. وأما في الحجر والذاريات فقد ذكر أنهم بشروه، وكذلك قال في هود غير أنه أسند التبشير إليه سبحانه كما ذكرنا. ولاشك أن ما ورد في هود أتم وأعلى. 15- ذكر ذهاب الروع وهو الفزع في هود فقال: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ}، ولم يقل مثل ذلك في الحجر ولا في الذاريات. وهو أدل على الطمأنينة. ١٦- ذكر في هود مجادلة إبراهيم للملائكة في قوم لوط مما يدل على زيادة اطمئنانه. ولم يذكر ذلك في الحجر ولا في الذاريات. ۱۷- ذكر من صفات المدح والثناء على إبراهيم في هود ما لم يذكره في المواضع الأخرى، وذلك قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ}. فدل ذلك على ما ذكرناه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 281 إلى ص 288. (1) روح المعاني 12/104. (2) روح المعاني 12/104. (3) انظر مفردات الراغب (جاء) و(أتى)، وانظر كتابنا (من أسرار البيان القرآني) باب المفردات. قصة لوط وردت هذه القصة في الأعراف وهود والحجر والأنبياء والشعراء والنمل والعنكبوت والصافات والذاريات والقمر. ونقول ما قلناه في سائر القصص الأخرى إنها ليست متطابقة، بل قد يذكر في موضع ما لا يذكره في موضع آخر بحسب ما يريد أن يركز عليه وبحسب السياق الذي وردت فيه. والملاحظ في هذه القصة أنه لم يذكر فيها أن لوطًا دعا قومه إلى عبادة الله وتوحيده في جميع ما ورد منها، وإنما ذكر أنه أمرهم بتقوى الله وذلك عندما راودوه عن ضيفه، وذكر ذلك أيضًا في سياق ما ورد نحوه على لسان الرسل الآخرين وذلك في سورة الشعراء، فكان الرسول يقول لقومه: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. ونحو ذلك قال لوط لقومه. إن التركيز في قصة لوط إنما هو على ذكر الفاحشة التي ما سبقهم بها من أحد من العالمين، وهي إتيان الذكور شهوة من دون النساء. وكانت هي السبب الرئيس لعقوبتهم واستئصالهم. وذلك إشارة – والله أعلم – أن ربنا قد يهلك عباده بالمعصية إن عمت وعظمت كما قال ربنا في هؤلاء القوم: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [العنكبوت: 34]. وحذر الظالمين في كل حين أن يفعل بهم ما فعل بقوم لوط فقال في الحجارة التي أمطرها عليهم: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 83]. 1- ففي سورة الأعراف ذكر أن لوطًا أنكر على قومه سوء فعلهم في أنهم كانوا يأتون الفاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين (80). فكان جواب قومه أنط طلبوا إخراجه من القرية فإنهم أناس يتطهرون. فنجاه الله وأهله إلا امرأته، وذكر أنه أمطر عليهم مطرًا، ولم يذكر ما هذا المطر، وما ماهيته. وهذا ما ورد منها في سورة الأعراف: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 80 - 84]. 2- وأما في سورة هود فذكر ورود رسل الله على لوط على هيئة ضيوف وضاق بهم نبي الله لوط، وجاءه قومه يهرعون إليه. وحاول لوط منعهم ودفعهم، وجرى بينه وبينهم كلام ومحاورة، وحاول منعهم بعرض بناته عليهم فأبوا، فأعلموه أنهم رسل به أرسلوا لعقوبة قومه، وطلبوا منه أن يسري بأهله. ثم ذكر عقوبتهم وذلك أنه جعل عاليها سافلها وأمطر عليها حجارة من سجيل. وهذا الجانب من القصة لم يرد في الأعراف؛ وذلك لأنه كان أول تبليغ لهم فلا يناسب ذكر مجيء الرسل إليهم، وإنما تأتي الرسل بعد التبليغ ومضي الزمن وإصرار القوم على ما هم عليه، ثم بعد ذلك تأتي الرسل لعقوبة القوم. فكان ذكر ذلك فيما بعد الأعراف هو المناسب. 3- وذكر في الحجر مجيء رسل ربه إليه فأنكرهم، فأخبروه بالغرض من مجيئهم وطلبوا منه أن يسري بأهله وأن يتبع أدبارهم. كما ذكر مجيء أهل القرية مستبشرين فحاول منعهم، وعرض عليهم بناته. ثم ذكر عقوبتهم وهي الصيحة وأنه جعل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل. وهذا ما ورد منها في هذه السورة. {فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} 4- وأما في الأنبياء فقد ذكر لوطًا بصورة موجزة، وذكر أنه آتاه حكمًا وعلمًا ونجّاه من القرية التي كانت تعمل الخبائث. قال تعالى: {وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 74 – 75]. 5- وأما في الشعراء فقد بدأت القصة بما تبدأ به عموم قصص رسل الله في السورة: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 160 – 164]. ثم بكتهم على معصيتهم وسوء فعلهم وهو إتيان الذكور وترك الأزواج، فهددوه إن لم ينته بإخراجه. فدعا ربه أن ينجيه وأهله، فنجاه وأهله إلا عجوزًا في الغابرين، ولم يذكر أنها امرأته، وقد ذكر ذلك في مواضع أخرى. ولم يذكر ضيفه. قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 160 – 175]. 6- وفي سورة النمل ذكر أنه بكتهم على سوء فعلهم من اتيان الفاحشة، فكان جواب قومه أن طلبوا إخراجه من القرية، فأنجاه الله وأهله إلا امرأته وأمطر عليهم مطرًا ولم يذكر ما هذا المطر، قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِين} [النمل: 54 – 58]. 7- وأما في سورة العنكبوت فقد ذكر من سوء أفعالهم ما لم يذكره في المواضع الأخرى. فقد ذكر إضافة إلى إتيان الرجال من دون النساء أنهم يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر. وتحدوه بأن يأتيهم بعذاب الله إن كان من الصادقين. ثم ذكر مجيء ضيف إبراهيم بالبشرى، فذهابهم إلى قوم لوط وبرمه بهم فأمنوه وذكروا له أنهم منجّوه وأهله إلا امرأته وأنهم منزلون على أهل القرية رجزًا من السماء، ولم يذكر نوع هذا الرجز. قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} 8- ولم يذكر في الصافات إلا أن لوطًا من المرسلين، وأن الله نجّاه وأهله أجمعين إلا عجوزًا، ولم يذكر أنها امرأته، ثم ذكر أنه دمر الآخرين، ولم يذكر كيف كان تدميرهم. ثم ذكر أنهم - أي قريشًا - يمرون عليهم في أسفارهم في الليل والنهار. قال تعالى: {وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}ـ 9- وأما في الذاريات فقد ذكر أن إبراهيم سأل ضيفه عن مهمتهم فذكروا أنهم أرسلوا إلى قوم مجرمين ليرسلوا عليهم حجارة من طين معلمة بعلامة من عند ربه. ثم ذكر أنهم أخرجوا المؤمنين فلم يجدوا فيها غير بيت واحد . وهذا لم يذكر في موضع آخر. ثم ذكر أنه ترك فيها آية بينة للذين يخافون العذاب الأليم، ولم يذكر ماذا فعل بهم غير ما ذكره الملائكة لإبراهيم. قال تعالى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [الذاريات: 31 - 37]. 10- وأما في سورة القمر فقد ذكر تكذيب قوم لوط بالنذر، وهو ابتداء عموم القصص في هذه السورة. ثم ذكر أنه أرسل عليهم حاصبا ولم يذكر ذلك في موضع آخر. وذكر أيضًا أنهم راودوه عن ضيفه وأنه طمس أعينهم، ولم يذكر في موضع آخر أنه طمس أعينهم. ثم ذكر أنهم صبحهم العذاب ولم يذكر نوع ذلك العذاب. قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} موقف قومه منه: ذكر في الأعراف أنهم طلبوا إخراجه من القرية. وأما في هود فقد ذكر موقفهم من ضيفه. وذكر أنهم جاؤوا يهرعون إليه، أي يشتدون في الإسراع إليه، فحاول دفعهم فلم يقو على ذلك. وفي الحجـر ذكـر أيضًـا مـوقفهـم مـن ضيفـه وذكـر أنهـم جـاؤوا يستبشرون، وهو وصف لم يذكره في هود. فقد قال هود إنهم جاؤوا مسرعين، وذكر في الحجر أنهم جاؤوا مستبشرين وهو وصف آخر غير الإسراع. وفي الشعراء ذكر أنهم هددوه بإخراجه من القرية إن لم يكف عنهم. وفي النمل طلبوا إخراجه. وفي العنكبوت تحدوه بأن يأتيهم بعذاب الله إن كان صادقًا. وأما في القمر فقد ذكر أن قومه كذبوا بالنذر، وأنه أنذرهم بطشة ربهم فكذبوا بها، وأنهم راودوه عن ضيفه فطمس الله أعينهم. ويتضح من هذا أنهم هددوه أو طلبوا إخراجه من القرية في الأعراف والشعراء والنمل. وذكر أنهم راودوه عن ضيفه في هود والحجر. وذكر في العنكبوت أنه جاءته رسل ربه وأنه ضاق بهم ذرعًا. ولم يذكر موقف قومه منه. ولم يذكر موقف مواجهة بينه وبين قومه في المواضع الأخرى. عاقبة القوم: 1- ذكر في الأعراف أنه نجاه وأهله إلا امرأته، وأنه أمطر عليهم مطرًا ولم يذكر ما هذا المطر. ٢- في هود ذكر أنه جعل عاليها سافلها وأمطر عليها حجارة من سجيل منضود، وهذه الحجارة معلمة بعلامة خاصة. 3- وذكر في الحجر أنهم أخذتهم الصيحة مشرقين، أي بعد شروق الشمس، ولم يذكر الصيحة ولا هذا التوقيت في موضع آخر. كما ذكر أنه جعل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل. فقد ذكر في هود أنه أمطر عليها يعني القرية. وقال في الحجر أنه أمطر عليهم يعني القوم. فدل ذلك أنه أمطر على القوم وعلى القرية. وقد ذكرنا في كتابنا (من أسرار البيان القرآني) في باب (الذكر والحذف) سبب المغايرة بين التعبيرين. 4- ذكر في الشعراء أنه دمر غير المؤمنين وأمطر عليهم مطرًا، ولم يذكر ما حقيقة هذا المطر ولا فصل فيه. 5- وقال في النمل: إنه أمطر عليهم مطرًا، وهو نحو ما ذكر في الشعراء. 6- وقال في العنكبوت: إن الرسل وعدوه بإنزال رجز من السماء، وهو تعبير لم يذكر في المواضع الأخرى. 7- وفي الصافات ذكر تدمير قومه، غير أنه لم يذكر كيف كان تدميرهم. ٨- وفي الذاريات ذكر الرسل لإبراهيم أنهم مرسلون إلى قوم لوط لإنزال حجارة من طين عليهم، مسوّمة أي معلمة بعلامة خاصة. فذكر أن الحجارة من طين. 9- وذكر في سورة القمر أنه أرسل عليهم حاصبًا، وأنه صبحهم بكرة عذاب مستقر، أي في أول النهار. ومن هذا يتضح أنه ذكر المطر على العموم في الأعراف والشعراء والنمل. وذكر الإمطار بالحجارة في هود والحجر والذاريات. وذكر إنزال الرجز في العنكبوت. وذكر إرسال الحاصب في القمر. ومن الملاحظ أنه ذكر إمطار المطر بعد تبكيت قومه على فعل الفاحشة. وذكر الإمطار بالحجارة وجعل عاليها سافلها عند مجيء أهل القرية مسرعين عندما علموا بمجيء الضيوف ومحاولة دفعهم ببناته. وهو أشد من الموقف الأول؛ لأن ذلك كان تبكيتًا على فعل قد لا يكون موجودًا في أثناء دعوته لهم. وأما الموقف الآخر فهو المجيء لتنفيذ هذا الفعل السيء والإصرار عليه ومحاولة دفعهم ببناته، فرفضوا. وهذا قلب للفطرة التي خلق الله الناس عليها، فقلب الله عليهم الأرض كما قلبوا الفطرة. فاشتد عليهم العذاب لما كان الموقف أشد. ولما لم يكن في الذاريات مراودة ولا مجيء الضيوف إلى لوط لم يذكر قلب عاليها سافلها. وذكر إنزال الرجز في العنكبوت لما ذكر من معاصيهم ما هو أكثر مما ذكر فيه إنزال المطر. والرجز أشد من المطر لأن الرجز هو العذاب. وأما المطر فقد لا يكون عذابًا في أصل التعبير في اللغة. وأما في القمر فإنه ذكر الحاصب مناسبة لما ذكر من طمس أعينهم؛ لأنه كأنه حصبهم فسقط من ذلك في أعينهم فطمسها، وإن كان المقصود بذكر الحاصب هو ما ذكر من العذاب، غير أن ذكره كان مناسبًا لطمس أعينهم. والله أعلم. نجاة المؤمنين ذكر في الأعراف والنمل والعنكبوت نجاته وأهله إلا امرأته. وأما في هود فقد طلب منه الإسراء بأهله إلا امرأته، ولم يصرح بنجاته ومن معه. وكذلك في الحجر فإنه طلب منه الإسراء بأهله وأن يتبع أدبارهم ولم يذكروا امرأته، لأنهم ذكروا في القصة نفسها لنبي الله إبراهيم أنهم منجون آل لوط إلا امرأته، فلم يعيدوا ذكرها مرة أخرى. وفي سورة الأنبياء ذكر أنه نجاه من القرية التي كانت تعمل الخبائث ولم يذكر أهله معه. وفي الشعراء والصافات ذكر أنه نجاه وأهله إلا عجوزًا في الغابرين، ولم يذكر أنها امرأته، وقد مر بيان هذه العجوز في مواضع أخرى. وذكر في الذاريات أنه لم يجدوا في القرية غير بيت واحد من المسلمين. ومعنى ذلك أنه لم يؤمن له إلا آل بيته عدا امرأته. وقد ذكر ذلك أيضًا في سورة القمر بقوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} [القمر: 34] فقد استثنى آل لوط وهم أهله. ومن الملاحظ أنه لم يذكر ناجيًا معه غير أهله في جميع المواضع، مما يدل على أنه لم يؤمن له من القرية أحد غير أهل بيته إلا امرأته. قد تقول لقد قال في أكثر من موضع: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} وذلك في هود والحجر، فذكر القطع من الليل. وقال في موضع آخر: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} فذكر الصبح وليس الليل. وقال: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ}. وقال في القمر: {نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ}. وقال: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ} أي عند الصباح. فما حقيقة الأمر أهي النجاة في الليل أم في الصبح؟ فنقول: إن النجاة كانت في الليل، فقد طلب منه الإسراء في ذلك الوقت. وأما نزول العذاب فهو عند الصبح، ذلك أن النجاة لم تكن في وقت نزول العذاب بل قبله. ومن الملاحظ أنه ذكر دعاءه بالنجاة في الشعراء وذلك قوله: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُون}، ودعاءه بالنصر في العنكبوت وذلك قوله: {قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ}. وكل مناسب لموضعه، ففي الشعراء بعد أن بكتهم على إتيان الذكران وترك الأزواج هددوه إن لم ينته بإخراجه من القرية فقال لهم: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} فلما ذكر قلاه وبغضه لعملهم دعا ربه أن ينجيه وأهله من عملهم. وأما في العنكبوت فقد ذكر إضافة لعملهم الفاحشة أنهم يقطعون السبيل، وهو عدوان على عباد الله، فدعا بالنصر عليهم وليس مجرد نجاته منهم. فإن نجاته منهم لا تمنعهم من ذلك، وإنما النصر عليهم هو الذي يمنعهم فدعا بالنصر عليهم. وكل مناسب لموضعه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 289 إلى ص 300. الوقفة كاملة
١٨٩ {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)} نزه سبحانه نفسه عن اتخاذ الولد، ذلك أن من الكفار من قال: (ولد الله) كما ذكر ذلك عنهم في سورة الصافات فقال: {أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152)}. ومنهم من قال: إن الملائكة بنات الله، فرد عليهم سبحانه بقوله: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)} [النجم: ۲۱ - ۲۲]. وقال: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا} [الإسراء: 40]. وقال في آية الأنبياء هذه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} وقد قيل: إن هذه الآية "نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله. نزه ذاته عن ذلك، ثم أخبر عنهم بأنهم عباد والعبودية تنافي الولادة" (1). وقيل: إن بعض العرب من غير خزاعة قالوا ذلك أيضًا (2). فذكر أن الملائكة هم عباد الله. ثم وصف هؤلاء العباد بأنهم مكرمون مصطفون؛ لأن من العباد من ليس بمكرم كما ذكر سبحانه عن قسم من عباده الضالين فقال: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان: ١٧]. ثم ذكر أن هؤلاء العباد المكرمين لا ينطقون بشيء قبله سبحانه، فهم لا يتقدمونه بقول. وإنه سبحانه إذا أمر بشيء فإنهم يعملون بأمره. وقدم الجار والمجرور فقال: {بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} للدلالة على أنهم لا يعملون بأمر غيره وإنما يعملون بأمره خاصة. جاء في (نظم الدرر): "(وهم بأمره) أي خاصة إذا أمرهم (يعملون) لا بغيره لأنهم في غاية المراقبة له، فجمعوا في الطاعة بين القول والفعل وذلك غاية الطاعة" (3). وجاء في (تفسير أبي السعود) في قوله تعالى: {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}، "بيان لتبعيتهم له تعالى في الأعمال إثر بيان تبعيتهم له في الأقوال. فإن نفي سبقهم له تعالى بالقول عبارة عن تبعيتهم له تعالى فيه. وكأنه قيل هم بأمره يقولون وبأمره يعملون لا بغير أمره أصلاً. فالقصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور معتبر بالنسبة إلى غير أمره لا إلى أمر غيره" (4). ولئلا يظن أنهم قد يتركون شيئا من أمره ذكر أنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، أي ما تقدم من أفعالهم وأقوالهم وما تأخر، وما عملوا وما لم يعملوا بعد (5). ثم ذكر أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله، فهم لا يسبقونه بقول ولا يشفعون إلا لمن علموا أن الله يرتضي ذلك. ثم ذكر أنهم في خوف منه ومراقبة له سبحانه لا يأمنون مكره. وقال: (مشفقون) ولم يقل: (يشفقون) ليدل على أن ذلك وصفهم الدائم الثابت. ومع هذا الثناء عليهم فذلك لا يمنع من أن يعذبهم إذا تجاوزوا الحد فقال: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ}. وهذا لا يخصهم وحدهم بل يشمل كل ظالم فقال: {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}. وقد مر قبل هذه الآية ذكر لعقوبات الظالمين من نحو قوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً}. وقوله: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15)}. جاء في (الكشاف): "(لا يسبقونه)... والمعنى أنهم يتبعون قوله ولا يقولون شيئا حتى يقوله، فلا يسبق قولهم قوله... أي لا يتقدمون قوله بقولهم... وكما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضًا كذلك مبني على أمره، لا يعملون عملا ما لم يؤمروا به... ومن تحفظهم أنهم لا يجسرون أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله وأهله للشفاعة في ازدياد الثواب العظيم. ثم إنهم مع هذا كله من خشية الله (مشفقون) أي متوقعون من أمارة ضعيفة، كائنون على حذر ورقبة لا يأمنون مكر الله... وبعد أن وصف كرامتهم عليه وقرب منزلتهم عنده وأثنى عليهم... فاجأ بالوعيد الشديد، وأنذر بعذاب جهنم من أشرك منهم إن كان ذلك على سبيل الفرض والتمثيل" (6). وجاء في (تفسير أبي السعود): "(مشفقون) مرتعدون. وأصل الخشية الخوف مع التعظيم ولذلك خص بها العلماء. والإشفاق الخوف مع الاعتناء. فعند تعديته بـ (من) يكون معنى الخوف فيه أظهر، وعند تعديته بـ (على) ينعكس الأمر" (7). وجاء في (روح المعاني): {مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} وفرق بين الخشية والإشفاق بأن الأول خوف مشوب بتعظيم ومهابة ولذلك خص به العلماء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (8). وفي (التحرير والتنوير): "الإشفاق توقع المكروه والحذر منه" (9). لقد جاء نحو هذا التعبير في عدة مواضع من القرآن الكريم، غير أنه لم يكن التعقيب واحدًا، بل ذكر في كل موضع نوعًا من التعقيب والتبيين يختلف عما ذكر في المواضع الأخرى. وأول موضع ورد فيه نحو هذا التعبير ما جاء في سورة البقرة وهو قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)}. فرد عليهم بأن له ما في السماوات والأرض وأنهم كلهم خاضعون له، وأنه أبدع السماوات والأرض وأوجدهما وأنه على كل شيء قدير، فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، فلا يحتاج إلى الولد، فهو الغني المستغني المقتدر فلماذا يتخذ ولدا؟ فرد عليهم بغناه وقدرته، غير أنه لم يذكر فظاعة هذه الكلمة ولا ماذا ستكون عاقبة الذين يقولون بهذا القول. ثم ورد نحو هذا التعبير في سورة يونس فقال: {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66)... قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)} فذكر قبل الآية أن له من في السماوات ومن في الأرض فلماذا يتخذ الولد؟ ثم ذكر أنه الغني، ولم يقل: (إنه غني) بل ذكر أنه الغني ولا غني غيره، فإن له ما في السماوات وما في الأرض، فكرر (ما). ففي آية البقرة لما لم يذكر أنه الغني لم يكرر (ما)، وإنما قال: {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. ولما قال في آية يونس: {هُوَ الْغَنِيُّ} كرر (ما) فقال: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} للتوكيد والتوسع في ذكر الغنى. ثم رد على القائلين بهذا القول بأنهم ليس عندهم سلطان بهذا وأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون. وألمح إلى أن هذا من الافتراء على الله، وأنه سيعاقب الكافرين، وهذه إشارة إلى أن القول بهذا إنما هو كفر. ولم يرد مثل ذلك في البقرة. وهي مرحلة بعد الذكر الأول. ثم ذكر القائلين بهذا في سورة الكهف وأنه ينذرهم فليحذروا فقال: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)}. فإنه بعد أن ذكر القائلين في موضعين ناسب أن ينذرهم بعد ذلك فقال: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} فتدرج في القول فلم يذكر في يونس أنه سيعذب القائلين بهذا بصورة مباشرة، وإنما قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ}. فذكر عموم الافتراء على الله، وليس ذلك خاصًا بهذا القول. وأما في آية الكهف فإنه أنذر الذين يقولون هذا القول بصورة مباشرة، وأنه نفى العلم عنهم وعن آبائهم، ثم عظم هذه المقالة وأنها كبيرة فقال: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}. وصرح بأن هؤلاء لم يقولوا إلا الكذب. ولم يذكر غناه فاكتفى بما مر من ذلك، وإنما ذكر أمرًا آخر وهو الإنذار المباشر وعظم هذه المقالة وكذبها. ثم قال في سورة مريم: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)}. فإنه قبل هذا الموطن ذكر كذب هذا القول وأن هذه الكلمة كبيرة، أما ههنا فقد فصل في هذا القول وذكر أنه عظيم ثقيل تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق رض وتخر الجبال هدًّا. ولم يذكر نحو هذا فيما سبق، وإنما ألمح إلى أنه كذب، ثم صرح بأنه كذب، وذكر قبل هذه السورة أن هذه الكلمة كبرت تخرج من أفواههم. أما ههنا فأنت تلاحظ أنه عظم هذه المقالة في السماوات والأرض والجبال وفظعها، وأن كل من في السماوات والأرض إن هم إلا عبيد له. ومن الملاحظ في هذه الآية أنه ذكر اسمه (الرحمن) ولم يذكر لفظ الجلالة (الله) كما في الآيات السابقة. ولعل ذلك لأنه لم يذكر تهديدًا لمن قال هذا القول. ثم إن سورة مريم تردد فيها اسم الرحمن كثيرًا، وهي أكثر سورة تردد فيها هذا الاسم الجليل. فناسب ذلك من جهة أخرى. ثم ذكر في سورة الأنبياء نحو ذلك فقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)} فذكر صفة هؤلاء الذين قالوا فيهم إنهم اتخذهم الرحمن ولدًّا فذكر أنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون كما ذكرنا. ولم يعد ما ذكره في المواطن السابقة، بل ذكر شيئا آخر وهو صفة الملائكة هؤلاء. وهو أمر لم يذكره في المواطن الأخرى. وقد ذكر ههنا اسمه (الرحمن) كما في آية مريم، ولعل سبب ذلك أنه لم يذكر تهديدًا لمن قال هذا القول، وهو المناسب لاسمه الرحمن. ومن الملاحظ في هذه الآيات أنه إذا ذكر اسمه (الله) فهو إما يذكر غناه أو يذكر إنذارًا لمن قال هذا القول أو يذكرهما معًا. ففي سياق آية البقرة قال: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)}. وقال: {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}وأنه بديع السماوات والأرض. ثم إنه لم يرد في سورة البقرة اسمه (الرحمن) إلا في موضع واحد وهو قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)}. بخلاف اسم (الله) الذي تردد فيها كثيرًا كثيرًا. وفي آية يونس ذكر عناه وأشار إلى التهديد والإنذار فقال: {هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}. ثم ذكر عاقبة هؤلاء الكفرة فقال: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}. وأنذر في آية الكهف من قال بهذا القول فقال: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا}. ولم يذكر تهديدًا أو غنى مع اسمه (الرحمن) في آيتي مريم والأنبياء. فلم يكرر ما ورد من هذا الأمر وإنما ذكر في كل موطن أمرًا يتناسب مع المقام والسياق والتدرج في شأن المقالة والقائلين. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 68 إلى ص 76. (1) الكشاف 2/326 وانظر البحر المحيط 6/307. (2) انظر روح المعاني 17/32. (3) نظم الدرر 12/408 – 409. (4) تفسير أبي السعود 3/697 (5) انظر البجر المحيط 6/307. (6) الكشاف 2/326. (7) تفسير أبي السعود 3/697. (8) روح المعاني 17/33. (9) التحرير والتنوير 17/52. الوقفة كاملة
١٩٠ {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} ذكر في آية سابقة أن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقهما. ثم بدأ بما يتعلق بالأرض وأهلها، فذكر أنه جعل من الماء كل شيء حي. ثم ذكر أنه جعل في الأرض رواسي لئلا تميد بأهلها وجعل فيها فجاجًا سبلاً لعلهم يهتدون. ثم انتقل في هذه الآية إلى ذكر السماء فقال: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} أي محفوظًا من الوقوع على الأرض، كما قال تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحج: 65]. ومحفوظًا من الشياطين كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} [الحجر: 16 – 18]. وجعل فيها ما يحفظها كما ذكر سبحانه: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} [الصافات: 6 – 7]. فهي سقف محفوظ بأمر الله سبحانه من كل ما يمنع من الحفظ. وهم عن آياتها وما أودع الله فيها من دلائل من شمس وقمر ونجوم وأحوال معرضون لا يتدبرون فيها. جاء في (الكشاف): "(محفوظًا) حفظه بالإمساك بقدرته من أن يقع على الأرض ويتزلزل، أو بالشهب عن تسمع الشياطين على سكانه من الملائكة. (عن آياتها) أي عما وضع الله فيها من الأدلة والعبر بالشمس والقمر وسائر النيرات ومسايرها وطلوعها وغروبها" (1). وجاء في (التفسير الكبير) للفخر الرازي: "قوله تعالى: {وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} عما وضع الله تعالى فيها من الأدلة والعبر في حركاتها وكيفية حركاتها وجهات حركاتها ومطالعها ومغاربها واتصالات بعضها ببعض وانفصالاتها على الحساب القويم والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة" (2). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 81 إلى ص 83. (1) الكشاف 2/327 وانظر تفسير أبي السعود 3/700. (2) التفسير الكبير 22/140. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 181 إلى 190 من إجمالي 358 نتيجة.