" يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ (مِنْ) ذُنُوبِكُمْ" بعض ذنوبكم وهو ما بينكم وبينه تعالى، فإن الإسلام يجبه دون المظالم، وقيل: جيء بــ(من) في خطاب الكفرة دون المؤمنين في جميع القرآن؛ تفرقة بين الخطابين، ولعل المعنى فيه: أن المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفار مرتبة على الإِيمان، وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطاعة والتجنب عن المعاصي ونحو ذلك، فتتناول الخروج عن المظالم.
" فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً (مِنَ) النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ" (مِنْ) للتبعيض؛ ولذلك قيل: لو قال: أفئدة الناس، لازدحمت عليهم فارس والروم، ولحجت اليهود والنصارى.
"وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ" توصيفه بالوصفين؛ للدلالة على أن الأمر في غاية الصعوبة كقوله: "لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ"؛ فإن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يغالب، فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار.
"هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ" اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتب، تكميل الرسل للناس، واستكمال القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد، واستصلاح القوة العملية الذي هو التدرع بلباس التقوى.
"نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" في ذكر المغفرة دليل على أنه لم يرد بالمتقين من يتقي الذنوب بأسرها كبيرها وصغيرها، وفي توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب ترجيح الوعد وتأكيده.
"قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ" لعله علم أن كمال المقصود ليس البشارة؛ لأنهم كانوا عدداً، والبشارة لا تحتاج إلى العدد، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم عليهما السلام، أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل ولو كانت تمام المقصود لابتدؤوا بها.
"وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ" تقديم الإراحة؛ لأن الجَمَال فيها أظهر؛ فإنها تقبل ملأى البطون حافلة الضروع، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها.
"وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً " تغيير النظم؛ لأن الزينة بفعل الخالق والركوب ليس بفعله، ولأن المقصود مِنْ خَلْقِهَا الركوب وأما التزين بها فحاصل بالعرض.