"وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى (وَكَلِمَةُ) اللَّهِ (هِيَ) الْعُلْيَا" (وَكَلِمَةُ) بالرفع، فيه إِشعار بأن (كلمة الله) عالية في نفسها، وإن فاق غيرها فلا ثبات لتفوقه ولا اعتبار، ولذلك وسط الفصل.
"وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" ما أعطاهم الرسول من الغنيمة أو الصدقة، وذكر الله للتعظيم وللتنبيه على أن ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام كان بأمره.
"إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ (وَفِي) الرِّقَابِ" العدول عن (اللام) إلى (فِي)؛ للدلالة على أن الاستحقاق للجهة لا للرقاب، وقيل: للإيذان بأنهم أحق بها.
"وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً" إنما لم ينه عن التكفين في قميصه ونهى عن الصلاة عليه؛ لأن الضن بالقميص كان مخلاً بالكرم، ولأنه كان مكافأة لإلباسه العباس قميصه حين أسر ببدر.
"وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ" يعني به هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل، ووضع (الْمُؤْمِنِينَ) موضع ضميرهم؛ للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف المبشر به للتعظيم، كأنه قيل: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام وتعبير الكلام.
"وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ" بأن ماتوا على الكفر، وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم؛ فإنه طلب توفيقهم للإِيمان، وبه دفع النقض باستغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه الكافر فقال: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ" بأن مات على الكفر، أو أوحي إليه بأنه لن يؤمن "تَبَرَّأَ مِنْهُ" قطع استغفاره.
" لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ" ما من أحد إلا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه، والترقي إليه توبة من تلك النقيصة، وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين من عباده.
"وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" تعليل لــ(كُتِبَ)، وتنبيه على أن الجهاد إحسان، أما في حق الكفار: فلأنه سعى في تكميلهم بأقصى ما يمكن كضرب المداوي للمجنون، وأما في حق المؤمنين: فلأنه صيانة لهم عن سطوة الكفار واستيلائهم.
"وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ" وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة إرشاد القوم وإنذارهم، وتخصيصه بالذكر؛ لأنه أهم، وفيه دليل على أن التفقه والتذكير من فروض الكفاية، وأنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم فيه أن يستقيم ويقيم لا الترفع على الناس والتبسط في البلاد.