" أَنْ أَنْذِرِ (النَّاسَ) وَبَشِّرِ (الَّذِينَ آمَنُوا) أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِم" عمم (الإنذار)؛ إذ قلما من أحد ليس فيه ما ينبغي أن ينذر منه، وخصص (البشارة) بالمؤمنين؛ إذ ليس للكفار ما يصح أن يبشروا به حقيقة، "قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ" إضافتها إلى الصدق لتحققها، والتنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول والنية.
" وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا" فيه دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب، والاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز.
" إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" فيه دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة، وأن العقائد لا بد لها من قاطع وأن التقليد فيها غير سائغ.
"وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ (تَبَوَّءا) لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً (وَاجْعَلُوا) بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ (وَبَشِّرِ) الْمُؤْمِنِينَ" إنما ثنى الضمير أولاً؛ لأن التبوأ للقوم واتخاذ المعابد مما يتعاطاه رؤوس القوم بتشاور، ثم جمع؛ لأن جعل البيوت مساجد والصلاة فيها مما ينبغي أن يفعله كل أحد، ثم وحّد؛ لأن البشارة في الأصل وظيفة صاحب الشريعة.
"وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ" في لفظ الإذاقة والمس تنبيه على أن ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة، وأنه يقع في الكفران والبطر بأدنى شيء؛ لأن الذوق إدراك الطعم والمس مبتدأ الوصول.
"وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" الآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها وحسن نظمها والدلالة على كنه الحال مع الإِيجاز الخالي عن الإِخلال، وفي إيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في نفسه مستغن عن ذكره، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره للعلم بأن مثل هذه الأفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار.
"وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ" توجيه البشارة إليها للدلالة على أن الولد المبشر به يكون منها لا من هاجر ولأنها كانت عقيمة حريصة على الولد.
" وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بالقسط" صرح بالأمر بالإِيفاء بعد النهي عن ضده؛ مبالغة وتنبيهاً على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمدهم التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإِيفاء ولو بزيادة لا يتأتى بدونها.