"قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا" إنما ذكر الليالي هنا والأيام في «آل عمران» للدلالة على أنه استمر عليه المنع من كلام الناس والتجرد للذكر والشكر ثلاثة أيام ولياليهن.
"وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا" التعريف للعهد، والأظهر أنه للجنس، والتعريض باللعن على أعدائه؛ فإنه لما جعل جنس السلام على نفسه، عرّض بأن ضده عليهم؛ كقوله تعالى: "وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى" فإنه تعريض بأن العذاب على من كذب وتولى.
"يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا" لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق، بل جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق، ثم ثبطه عما كان عليه بأنه مع خلوه عن النفع مستلزم للضر.
"وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا" في تصدير الكلام بـ "عَسى": التواضع وهضم النفس، والتنبيه على أن الإِجابة والإِثابة تفضل غير واجبتين، وأن ملاك الأمر خاتمته وهو غيب.
"أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ" أي: ومن ذرية إسرائيل، وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى، وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية.
" تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي (نُورِثُ) مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا" الوراثة أقوى لفظ يستعمل في التملك والاستحقاق من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع، ولا تبطل برد ولا إسقاط.
"فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً" أي: فئة وأنصاراً، قابل به أحسن ندياً، من حيث إن حسن النادي باجتماع وجوه القوم وأعيانهم وظهور شوكتهم واستظهارهم.
" يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ" لاختيار هذا الاسم في هذه السورة شأن، ولعله لأن مساق هذا الكلام فيها لتعداد نعمه الجسام، وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها.
" وَمَا يَنْبَغِي (لِلرَّحْمَنِ) أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا" لعل ترتيب الحكم بصفة الرحمانية للإِشعار بأن كل ما عداه نعمة ومنعم عليه فلا يجانس من هو مبدأ النعم كلها ومولي أصولها وفروعها، فكيف يمكن أن يتخذه ولداً.
"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ (سَيَجْعَلُ) لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا" السين إما لأن السورة مكية، وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة فوعدهم ذلك إذا دجا الإسلام، أو لأن الموعود في القيامة حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد فينزع ما في صدورهم من الغل.