" قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ" لعله لم يذكر الملائكة؛ لأن إتيانهم بمثله لا يخرجه عن كونه معجزاً، ولأنهم كانوا وسائط في إتيانه.
"وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً" رتب الحمد عليه –أنه لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك..- للدلالة على أنه الذي يستحق جنس الحمد؛ لأنه الكامل الذات المنفرد بالإِيجاد، المنعم على الإطلاق وما عداه ناقص مملوك نعمة، أو منعم عليه؛ ولذلك عطف عليه قوله: (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) وفيه تنبيه على أن العبد وإن بالغ في التنزيه والتمجيد واجتهد في العبادة والتحميد ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقه في ذلك.
"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ" يعني القرآن، رتب استحقاق الحمد على إنزاله، تنبيهاً على أنه أعظم نعمائه؛ وذلك لأنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد، والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد.
"وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ" إيماء الله تعالى إليه بأن أتبعه قوله: "قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ" وأتبع الأولين قوله: "رجماً بالغيب" وبأن أثبت العلم بهم لطائفة بعد ما حصر أقوال الطوائف في الثلاثة المذكورة، فإن عدم إيراد رابع في نحو هذا المحل دليل العدم مع أن الأصل ينفيه، ثم رد الأولين بأن أتبعهما قوله:"رَجْماً بِالْغَيْبِ" ليتعين الثالث، وبأن أدخل فيه الواو على الجملة الواقعة صفة للنكرة تشبيهاً لها بالواقعة حالاً من المعرفة، لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت.
"وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ" إفراد الجنة لأن المراد ما هو جنته وما متع به من الدنيا تنبيهاً على أن لا جنة له غيرها ولا حظ له في الجنة التى وُعِدَ المتقون، أو لاتصال كل واحدة من جنتيه بالأخرى، أو لأن الدخول يكون في واحدة واحدة.
" قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً" راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعاً له، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه.
"أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً" كان حق النظم أن يتأخر قوله: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها) عن قوله: (وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ)؛ لأن إرادة التعيب مسببة عن خوف الغصب، وإنما قدم للعناية، أو لأن السبب لما كان مجموع الأمرين، خوف الغصب، ومسكنة الملاك، رتبه على أقوى الجزأين وأدعاهما، وعقبه بالآخر على سبيل التقييد والتتميم.
ومن فوائد قصة (موسى والخضر): أن لا يعجب المرء بعلمه، ولا يبادر إلى إنكار ما لم يستحسنه، فلعل فيه سراً لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم ويتذلل للمعلم، ويراعي الأدب في المقابل..
" فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً" الآية جامعة لخلاصتي العلم والعمل وهما التوحيد والإِخلاص في الطاعة.