فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً" تمثيل قاتل الواحد بقاتل الجميع يتصور من ثلاث جهات إحداها: القصاص؛ فإن القصاص في قاتل الواحد والجميع سواء. الثانية: انتهاك الحرمة والإقدام على العصيان، والثالثة: الإثم والعذاب الأخروي؛ قال مجاهد: وعد الله قاتل النفس بجهنم والخلود فيها، والغضب واللعنة والعذاب العظيم، فلو قتل جميع الناس لم يزد على ذلك، وهذا الوجه هو الأظهر.
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ" إيقاد النار عبارة عن محاولة الحرب، وإطفاؤها عبارة عن خذلانهم وعدم نصرهم، ويحتمل أن يراد بذلك أسلافهم، أو يراد من كان معاصراً للنبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم منهم، ومن يأت بعدهم، فيكون على هذا إخبار بغيب، وبشارة للمسلمين.
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً" الآية: إخبار عن شدة عداوة اليهود وعبدة الأوثان للمسلمين..وهذا الأمر باق إلى آخر الدهر، فكل يهودي شديد العداوة للإسلام والكيد لأهله.
لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ (مِنَ) الصَّيْدِ" إنما قلَّلَه في قوله: (بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ) إشعاراً بأنه ليس من الفتن العظيمة، وإنما هو من الأمور التي يمكن الصبر عنها.
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً" قال جمهور الفقهاء: المتعمد والناسي سواء في وجوب الجزاء، ثم اختلفوا في قوله: "متعمدا" على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المتعمد إنما ذكر ليناط به الوعيد في قوله: "ومن عاد فينتقم الله منه"، إذ لا وعيد على الناسي، والثاني: أن الجزاء على الناسي بالقياس على المتعمد، والثالث: أن الجزاء على المتعمد ثبت بالقرآن، وأنّ الجزاء على الناسي ثبت بالسنة.
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" كيف قال: "وإن تغفر لهم" وهم كفار، والكفار لا يغفر لهم؟ والجواب: أن المعنى تسليم الأمر إلى الله، وأنه إن عذب أو غفر فلا اعتراض عليه.. وأما على قول من قال: إن هذا الخطاب لعيسى عليه السلام حين رفعه الله إلى السماء، فلا إشكال؛ لأن المعنى إن تغفر لهم بالتوبة، وكانوا حينئذ أحياء، وكل حيّ معرض للتوبة.
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" ما مناسبة قوله: "فإنك أنت العزيز الحكيم"، لقوله: "وإن تغفر لهم" والأليق مع ذكر المغفرة أن لو قيل: فإنك أنت الغفور الرحيم؟ والجواب من ثلاثة أوجه: الأول: يظهر لي أنه لما قصد التسليم لله والتعظيم له، كان قوله: فإنك أنت العزيز الحكيم أليق؛ فإن الحكمة تقتضي التسليم له، والعزة تقتضي التعظيم له، ..الجواب الثاني: إنما لم يقل: الغفور الرحيم؛ لئلا يكون في ذلك تعريض في طلب المغفرة لهم، فاقتصر على التسليم والتفويض دون الطلب؛ إذ لا تطلب المغفرة للكفار.. الثالث: ..الوقف على قوله: "إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ" ويجعل: "فإنك أنت العزيز" استئنافا، وجواب (إن) في قوله: "فإنهم عبادك" كأنه قال: إن تعذبهم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك على كل حال.