ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم؛ لأن الله يقول: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}.()
وكان بأيدي أهل الكتاب: الشام ومصر وغير ذلك، ومع هذا فكانت الفرس قد غلبتهم على ذلك،، ثم إن الله أظهر النصارى عليهم، فكان ظهورهم توطئة وتمهيدا لإظهار دين الإسلام، فإن الفرس المجوس لما غلبوا الروم ساء ذلك النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، وفرح بذلك مشركو العرب وكانوا أكثر من المؤمنين؛ لأن أهل الكتاب أقرب إلى المؤمنين من المجوس، والمجوس أقرب إلى المشركين منهم إلى أهل الكتاب، ووعد الله المؤمنين أن تغلب الروم بعد ذلك، وأنه {يومئذ يفرح المؤمنون* بنصر الله}، فأضاف النصرة إلى اسم الله، ولم يقل: بنصر الله إياهم، وذلك أنه حين ظهرت الروم على فارس كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد ظهروا على المشركين واليهود.()
فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يجب أن يكون هكذا في حق نفسه، ولا يكون عمله صالحا إن لم يكن بعلم وفقه.. ولا بد من العلم بحال المأمور والمنهي.. ولا بد في ذلك من الرفق.. ولا بد أيضا أن يكون حليما صبورا على الأذى: فإنه لا بد أن يحصل له أذى؛ فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح: كما قال لقمان لابنه: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}.()
وأما قوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} فالاستفهام عن عين الخالق للتمييز بينه وبين الآلهة التي تعبد، فإن المستفهمين بها كانوا مقرين بصفة الخالق، وإنما طلب بالاستفهام تعيينه وتمييزه، ولتقام عليهم الحجة باستحقاقه وحده العبادة، وأما فرعون فكان منكرا للموصوف المسمى فاستفهم بصيغة "ما"؛ لأنه لم يكن مقرا به طالبا لتعيينه، ولهذا كان الجواب في هذا الاستفهام بقول موسى: {رب السماوات والأرض}، وبقوله: {ربكم ورب آبائكم الأولين}، فأجاب أيضا بالصفة، وهناك قال: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} فكان الجواب بالاسم المميز للمسمى عن غيره، وكذلك قوله: {قل لمن الأرض ومن فيها} إلى تمام الآيات.()
قال الله تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}، فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين، فلما قام بذلك() قرنت باسمه من الإمامة في السنة ما شهر به وصار متبوعا لمن بعده كما كان تابعا لمن قبله.()
والبلد الجرز يسوق إليه الماء من حيث أمطر، كما قال: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون}، فالأرض الجرز لا تمطر ما يكفيها، كأرض مصر: لو أمطرت المطر المعتاد لم يكفها ; فإنها أرض إبليز()، وإن أمطرت كثيرا مثل مطر شهر خربت المساكن، فكان من حكمة الباري ورحمته أن أمطر مطرا أرضا بعيدة، ثم ساق ذلك الماء إلى أرض مصر، فهذه الآيات يستدل بها على علم الخالق وقدرته ومشيئته وحكمته.()
في الحديث: "أن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير"()؛ وذلك أن هذا بتعليمه الخير يخرج الناس من الظلمات إلى النور، والجزاء من جنس العمل، ولهذا كان الرسول أحق الناس بكمال هذه الصلاة، كما قال تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي}.()
قوله سبحانه: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة} وهذه الآية توجب قتل من آذى الله ورسوله -كما سيأتي إن شاء الله تعالى تقريره- والعهد لا يعصم من ذلك؛ لأنا لم نعاهدهم على أن يؤذوا الله ورسوله، ويوضح ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله"()، فندب المسلمين إلى يهودي كان معاهدا لأجل أنه آذى الله ورسوله.()
وقوله تعالى: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} نظير قوله: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي}، ففي هاتين الآيتين بين سبحانه أن الإيمان والهدى حصل بالوحي النازل، لا بمجرد العقل الذي كان حاصلاً قبل الوحي.()
قال تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا}، ولهذا أمر قارئ القرآن أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فإن قراءة القرآن على الوجه المأمور به تورث القلب الإيمان العظيم وتزيده يقينا وطمأنينة وشفاء.()