{وشاورهم في الأمر} أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره: منها: أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله.
ومنها: أن فيها تسميحا لخواطرهم، وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإن من له الأمر على الناس -إذا جمع أهل الرأي: والفضل وشاورهم في حادثة من الحوادث- اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس يستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته، لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة، ولا يطيعونه وإن أطاعوه فطاعة غير تامة.
ومنها: أن في الاستشارة تنور الأفكار، بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول.
ومنها: ما تنتجه الاستشارة من الرأي المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب، فليس بملوم، فإذا كان الله يقول لرسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو أكمل الناس عقلا وأغزرهم علما، وأفضلهم رأيا-: {وشاورهم في الأمر} فكيف بغيره؟!
{الرحمن الرحيم} قال ابن عباس رضي الله عنهما: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر. واختلفوا فيهما منهم من قال: هما بمعنى واحد مثل ندمان ونديم ومعناهما ذو الرحمة، وذكر أحدهما بعد الآخر تطميعا لقلوب الراغبين. وقال المبرد: هو إنعام بعد إنعام، وتفضل بعد تفضل، ومنهم من فرق بينهما فقال: الرحمن بمعنى العموم، والرحيم بمعنى الخصوص.
{اهدنا الصراط المستقيم} هذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية، بمعنى التثبيت وبمعنى طلب مزيد الهداية؛ لأن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى على مذهب أهل السنة.
{وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة} قيل: السورة اسم للمنزلة الرفيعة، ومنه سور البلد لارتفاعه، سميت سورة؛ لأن القارئ ينال بقراءتها منزلة رفيعة حتى يستكمل المنازل باستكماله سور القرآن
{واركعوا مع الراكعين} ذكر بلفظ الركوع؛ لأنه ركن من أركان الصلاة؛ ولأن صلاة اليهود لم يكن فيها ركوع، فكأنه قال: صلوا صلاة ذات ركوع، قيل: إعادته بعد قوله: {وأقيموا الصلاة} لهذا، أي: صلوا مع الذين في صلاتهم ركوع، فالأول مطلق في حق الكل، وهذا في حق أقوام مخصوصين. وقيل: هذا حث على إقامة الصلاة جماعة، كأنه قال لهم: صلوا مع المصلين الذين سبقوكم بالإيمان
{بغير الحق} أي بلا جرم، فإن قيل: فلم قال: بغير الحق، وقتل النبيين لا يكون إلا بغير الحق؟ قيل: ذكره وصفا للقتل، والقتل تارة يوصف بغير الحق، وهو مثل قوله تعالى: "قال رب احكم بالحق" ذكر الحق وصفا للحكم، لا أن حكمه ينقسم إلى الجور والحق.
{ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} وإنما لم يشبهها بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة؛ لأن الحديد قابل للين، فإنه يلين بالنار، وقد لان لداود عليه السلام، والحجارة لا تلين قط