"تبارك الذي نزل الفرقان على عبده"، نزَّل: فعَّل، من التكرر، والتكثر، كما قال: "والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل"؛ لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة، والقرآن نزل منجما مفرقا مفصلا آيات بعد آيات، وأحكاما بعد أحكام، وسورا بعد سور، وهذا أشد وأبلغ، وأشد اعتناء بمن أنزل عليه
"تبارك الذي نزل الفرقان على عبده" هذه صفة مدح وثناء؛ لأنه أضافه إلى عبوديته، كما وصفه بها في أشرف أحواله، وهي ليلة الإسراء، فقال: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا"، وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه: "وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا"
"وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا"، كانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره، حتى لا يسمعوه. فهذا من هجرانه، وترك علمه وحفظه أيضا من هجرانه، وترك الإيمان به وتصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره -من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره -من هجرانه.
"ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * (إلا من تاب)" في ذلك دلالة على صحة توبة القاتل.
"والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما" أحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم، وأن يكون هداهم متعديا إلى غيرهم بالنفع، وذلك أكثر ثوابا، وأحسن مآبا.
"كذب أصحاب الأيكة المرسلين* إذ قال لهم شعيب ألا تتقون" نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة..؛ فلهذا لما قال: "كذب أصحاب الأيكة المرسلين"، لم يقل: "إذ قال لهم أخوهم شعيب"، وإنما قال: "إذ قال لهم شعيب"، فقطع نسبة الأخوة بينهم؛ للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبا.
"فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو" عرض عليها عرشها، وقد غير ونكر، وزيد فيه ونقص منه، فكان فيها ثبات وعقل، ولها لب ودهاء وحزم..قالت: {كأنه هو} أي: يشبهه ويقاربه، وهذا غاية في الذكاء والحزم.