"يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ" تخصيص الأكثر لما في بعض الكفرة من التفادي عن الغدر والتعفف عما يجر إلى أحدوثة السوء.
" إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ (فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)" ذكره بصيغة التوقع؛ قطعاً لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم، وتوبيخاً لهم بالقطع بأنهم مهتدون؛ فإن هؤلاء مع كمالهم إذا كان اهتداؤهم دائراً بين عسى ولعل فما ظنك بأضدادهم، ومنعاً للمؤمنين أن يغتروا بأحوالهم ويتكلوا عليها.
"وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ (بِأَفْواهِهِمْ)" إما تأكيد لنسبة هذا القول إليهم ونفي للتجوز عنها، أو إشعار بأنه قول مجرد عن برهان وتحقيق، مماثل للمهمل الذي يوجد في الأفواه ولا يوجد مفهومه في الأعيان.
"وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى (وَكَلِمَةُ) اللَّهِ (هِيَ) الْعُلْيَا" (وَكَلِمَةُ) بالرفع، فيه إِشعار بأن (كلمة الله) عالية في نفسها، وإن فاق غيرها فلا ثبات لتفوقه ولا اعتبار، ولذلك وسط الفصل.
"وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" ما أعطاهم الرسول من الغنيمة أو الصدقة، وذكر الله للتعظيم وللتنبيه على أن ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام كان بأمره.
"إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ (وَفِي) الرِّقَابِ" العدول عن (اللام) إلى (فِي)؛ للدلالة على أن الاستحقاق للجهة لا للرقاب، وقيل: للإيذان بأنهم أحق بها.
"وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً" إنما لم ينه عن التكفين في قميصه ونهى عن الصلاة عليه؛ لأن الضن بالقميص كان مخلاً بالكرم، ولأنه كان مكافأة لإلباسه العباس قميصه حين أسر ببدر.
"وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ" يعني به هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل، ووضع (الْمُؤْمِنِينَ) موضع ضميرهم؛ للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف المبشر به للتعظيم، كأنه قيل: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام وتعبير الكلام.
"وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ" بأن ماتوا على الكفر، وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم؛ فإنه طلب توفيقهم للإِيمان، وبه دفع النقض باستغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه الكافر فقال: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ" بأن مات على الكفر، أو أوحي إليه بأنه لن يؤمن "تَبَرَّأَ مِنْهُ" قطع استغفاره.