" لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ" ما من أحد إلا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه، والترقي إليه توبة من تلك النقيصة، وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين من عباده.
"وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" تعليل لــ(كُتِبَ)، وتنبيه على أن الجهاد إحسان، أما في حق الكفار: فلأنه سعى في تكميلهم بأقصى ما يمكن كضرب المداوي للمجنون، وأما في حق المؤمنين: فلأنه صيانة لهم عن سطوة الكفار واستيلائهم.
"وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ" وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة إرشاد القوم وإنذارهم، وتخصيصه بالذكر؛ لأنه أهم، وفيه دليل على أن التفقه والتذكير من فروض الكفاية، وأنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم فيه أن يستقيم ويقيم لا الترفع على الناس والتبسط في البلاد.
" أَنْ أَنْذِرِ (النَّاسَ) وَبَشِّرِ (الَّذِينَ آمَنُوا) أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِم" عمم (الإنذار)؛ إذ قلما من أحد ليس فيه ما ينبغي أن ينذر منه، وخصص (البشارة) بالمؤمنين؛ إذ ليس للكفار ما يصح أن يبشروا به حقيقة، "قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ" إضافتها إلى الصدق لتحققها، والتنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول والنية.
" وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا" فيه دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب، والاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز.
" إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" فيه دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة، وأن العقائد لا بد لها من قاطع وأن التقليد فيها غير سائغ.
"وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ (تَبَوَّءا) لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً (وَاجْعَلُوا) بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ (وَبَشِّرِ) الْمُؤْمِنِينَ" إنما ثنى الضمير أولاً؛ لأن التبوأ للقوم واتخاذ المعابد مما يتعاطاه رؤوس القوم بتشاور، ثم جمع؛ لأن جعل البيوت مساجد والصلاة فيها مما ينبغي أن يفعله كل أحد، ثم وحّد؛ لأن البشارة في الأصل وظيفة صاحب الشريعة.
"وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ" في لفظ الإذاقة والمس تنبيه على أن ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة، وأنه يقع في الكفران والبطر بأدنى شيء؛ لأن الذوق إدراك الطعم والمس مبتدأ الوصول.
"وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" الآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها وحسن نظمها والدلالة على كنه الحال مع الإِيجاز الخالي عن الإِخلال، وفي إيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في نفسه مستغن عن ذكره، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره للعلم بأن مثل هذه الأفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار.