قال تعالى : {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }[هود: 114].
"إن ارتكبتَ معصيةً
فلا تنصرف عن الطاعة ...
أتُهزم مرتين ؟!
(إن الحَسناتِ يُذهبن السيئات)..."
وفي قصص العُبّاد :
خرج رجلٌ حاجًا مع رفقته في قافلة..
فهجم عليهم قطاع طرق، ونهبوا القافلة وسرقوها ..
وأخذوا يأكلون من طعام الحجيج المسروق..
وكبيرهم معتزل في مكان ليس بالبعيد عنهم .
قال الحاج : فأتيتُه
وقلتُ : ما شأنك لا تأكل مع أصحابك؟
قال: إني صائم!
قلتُ: تصوم وتقطع الطريق؟
قال: "أَدعُ بابًا مفتوحًا بيني وبين ربي!"
قال الحاج : فرأيت ذاك الرجل بعد مدة من الزمان يطوف بالبيت؛ وقد أقلع عما كان عليه،
فسألته فقال:
"من ذلك الباب اهتديت إلى الطريق".*
فإياك أن تُهزم مرتين !!
قال الحسن البصري رحمه الله:
"استعينوا على السيئات القديمات بالحسنات الحديثات،
وإنكم لن تجدوا شيئا أذهب بسيئة قديمة من حسنة حديثة،
وأنا أجد تصديق ذلك في كتاب الله:
{إن الحسنات يذهبن السيئات}"
قال تعالى:
﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِیُبَیِّنَ
لَهُمۡۖ فَیُضِلُّ ٱللَّهُ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِی مَن یَشَاۤءُۚ
وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ﴾ [إبراهيم ٤]
قال العلامة عبدالرحمن السعدي:
" ويستدل بهذه الآية الكريمة على أن علوم العربية الموصلة إلى تبيين كلامه وكلام رسوله أمور مطلوبة محبوبة لله لأنه لا يتم معرفة ما أنزل على رسوله إلا بها إلا إذا كان الناس بحالة لا يحتاجون إليها، وذلك إذا تمرنوا على العربية، ونشأ عليها صغيرهم وصارت طبيعة لهم فحينئذ قد اكتفوا المؤنة، وصلحوا لأن يتلقوا عن الله وعن رسوله ابتداء كما تلقى عنهم الصحابة رضي الله عنهم ".
قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ }
وهذا يعني أن كل نبي يخاطب المبعوث إليهم بلغتهم لأن المراد هو الإفهام والإيضاح ولا تقوم الحجة إلا بذلك ..
ومما يندرج في مراعاة المُخاطبين وما يناسبهم ما التفت إليه ابن كثير في هذا النص النفيس الرائق الذي يشير فيه إلى تناسب معجزة كل نبي بما كان سائداً في عصره، يقول رحمه الله :
(كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان،
فذكروا أن موسى عليه السلام كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه، وكانوا سحرةً أذكياء، فَبُعِثَ بآيات بهرت الأبصار، وخضعت لها الرقاب، ولما كان السحرة خبيرين بفنون السحر وما ينتهي إليه، وعاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل، الذي لا يمكن صدوره إلا عمن أيَّده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقًا له، أسلموا سراعًا، ولم يتلعثموا.
وهكذا عيسى بن مريم بُعث في زمن الطبائعية الحكماء، فأُرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها، وأنَّى لحكيمٍ إبراء الأكْمَه الذي هو أسوأ حالًا من الأعمى والأبرص والمجذوم ومن به مرضٌ مزمن؟! وكيف يَتوصل أحدٌ من الخلق إلى أن يقيم الميت من قبره؟! هذا مما يعلم كلُّ أحد أنه معجزة دالة على صدق من قامت به، وعلى قدرة من أرسله.
وهكذا محمد ﷺ وعليهم أجمعين، بُعِثَ في زمن الفصحاء البلغاء، فأنزل الله عليه القرآن العظيم الذي ﴿لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا
مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٌ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾،
فلفظه معجز تحدَّى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة، وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال، فإنَّ لم يفعلوا ولن يفعلوا، وما ذاك إلا لأنه كلام الخالق عز وجل، والله تعالى لا يشبهه شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله).
البداية والنهاية (٢٧٤،٢٧٣/٢).
وكل هذا يدل على أهمية مراعاة أحوال المُخاطبين بما يناسب لغتهم وعلوم عصرهم بما يقيم الحجة البالغة عليهم .. والله أعلم .
قال سبحانه:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ
وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ﴾
قال ابن تيمية :
" فأخبر أن كل واحدة من الأمتين تجحد كلَّ ما عليه الأخرى,
وأنت تجد كثيرا من المتفقهة إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئا ولا يعُدهم إلا جهالا ضلالا, ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئا,
وترى كثيرا من المتصوفة والمتفقرة لا يرى الشريعة والعلم شيئا, بل يرى أن المتمسك بهما منقطع عن الله وأنه ليس عند أهلها شيء مما ينفع عند الله,
والصواب أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حقٌّ، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا باطلٌ " اهـ
يشير ابن تيمية إلى أن التعصب للمذهب أوالتحزب للطائفة مع إنكار ما لدى المخالف من صواب وفضائل = خصلة مذمومة وقع فيها اليهود والنصارى .. والصواب هو الإنصاف والعدل حتى مع الخصوم
قال تعالى مرشداً أهل الإسلام :
{ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا
هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ } .
فالعدل واجب حتى مع الأعداء والخصوم والمخالفين .
فيما حكاه الخالق عزوجل عن الشيطان من قوله :
{ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}
فسرها بعض السلف بقوله :
1⃣(ثم لآتينهم من بين أيديهم)، يقول:أشككهم في آخرتهم
2⃣(ومن خلفهم)، أرغبهم في دنياهم
3⃣(وعن أيمانهم)، أشبِّه عليهم أمر دينهم
4⃣(وعن شمائلهم)، أشَهِّي لهم المعاصي.
فعمل الشيطان :
يثير التشكيكات في البعث والنشور
ويوسوس بالشبهات في أمور الدين
ويزين متاع الدنيا وزخارفها
ويحرك شهوات المعاصي
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: 115]
( يعني: ماذا كنتم تظنون في خَلْقنا لكم؟
كما قال في موضع آخر: {أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2]
وكلمة {عَبَثاً. .} العَبَث هو الفعل الذي لا غايةَ له ولا فائدةَ منه، كما تقول: فيم تعبث؟ لمن يفعل فِعْلاً لا جدوى منه، وغير العبث نقول: الجد.
فنفي أن يكون الخَلْق أوجدوا عبثاً بلا غاية؛ لأن الله تعالى خلق الخَلْق لغاية مرسومة، ووضع لها منهجاً يحدد هذه الغاية، ولا يضع المنهج للخَلْق إلا الخالق.
إن الصانع الذي صنع هذا الميكروفون لم يصنعه ثم طلب منا أن نبحث له عن مهمة، إنما قبْل أنْ يصنعه حدد له مهمته والغاية منه، وهي أن ينقل الصوت لمسافات بعيدة، إذن: فالغاية مرسومة بدايةً وقبل العمل. فالذي يحدد الغاية هو الصانع المبدع للشيء، وهو أيضاً الذي يحدد صلاح الصنعة لغايتها، ويحدد قانون صيانتها لتؤدي مهمتها على أكمل وجه،
وأنت أيها الإنسان صنعة الله فَدَعْهُ يحدد لك غايتك، ويضع لك منهج حياتك وقانون صيانتك، بافعل كذا ولا تفعل كذا.
وكيف تظن أن الله تعالى خلقك عَبثاً، وهو الذي استدعاك للوجود وأعدَّ لك مُقوِّمات حياتك وضرورياتها، وحثَّك بإعمال عقلك في هذه المقومات لتستطيع أن تُرفِّه بالطاقة والقدرة المخلوقة لله تعالى لتُسعِدَ نفسك وتُرفِّه حياتك.
عليك أن تتأمل في نِعم خالقك عَزَّ وَجَلَّ، وما وهبك من مقومات الحياة، لتعلم أن هذا الخَلْق لا يمكن أن يكون عبثاً، ولا بد أن له غاية رسمها الخالق سبحانه، وأنت في ذاتك تحاول أن تضع لك غاية في جزئية ما من الغاية الكبرى التي خلقك الله لها. أَلاَ ترى الولد الصغير كيف تعتني به وتُعلِّمه وتنفق عليه مرحلة بعد الأخرى، حتى يصل إلى الجامعة، وتتعلق أنت بأمل كبير في أنيكون لولدك هذا مكانة في المجتمع ومنزلة بين الناس؟ هذه العملية في حد ذاتها غاية، لكن بعد أن يحصل على الوظيفة المرموقة والمكانة والمنزلة ينتهي الأمر بالموت. إذن: لا بُدَّ من وجود غاية أخرى أعظم من هذه، غاية لا يدركها الفناء، وليس لها بعد، هذه الغاية الكبرى هي لقاء الله وملاقاة الجزاء، إما إلى الجنة وإما إلى النار. وعلينا أن نأخذ كل مسائل الحياة وجزئياتها في ضوء هذه الحقيقة، أننا لم نُخلَق عَبثاً، بل لغاية مراده لله، ولها أسباب توصل إليها).
تفسير الشعراوي باختصار
لماذا شُبهت الدُّنيا بالماء في القرآن ؟!
قال الإمام القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى:
(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ
مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ
هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ
مُّقْتَدِرًا) الكهف:آية رقم (45).
" وقالت الحكماء: إنما شبَّه تعالى الدُّنيا بالماء:
1⃣ﻷنّ الماء ﻻ يستقرّ في موضع،
كذلك الدُّنيا ﻻ تبقى على حالٍ واحدة .
2⃣وﻷنّ الماء يذهب وﻻ يبقى،
فكذلك الدنيا تفنى ولاتبقى.
3⃣وﻷنّ الماء ﻻ يَقدر أحدٌ أن يدخلَه وﻻ يبتلّ ،
وكذلك الدُّنيا ﻻ يسلم أحدٌ من فتنتها وآفتها .
4⃣وﻷنّ الماء إذا كان بقدرٍ كان نافعًا مُنبتًا، وإذا جاوز المقدار كان ضاراًّ مُهلكًا، وكذلك الدُّنيا الكفافُ منها ينفع، وفضولُها يضرّ “.
﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
معنى الآية: ولا تفسدوا شيئاً في الأرض، فيدخل فيه..
1⃣ المنع من إفساد النفوس بالقتل وبقطع الأعضاء،
2⃣وإفساد الأموال بالغصب والسرقة ووجوه الحيل،
3⃣وإفساد الأديان بالكفر والبدعة،
4⃣وإفساد الأنساب بسبب الإقدام على الزنا واللواطة و القذف،
5⃣وإفساد العقول بسبب شرب المسكرات،
وذلك لأن المصالح المعتبرة في الدنيا هي هذه الخمسة: النفوس والأموال والأنساب والأديان والعقول.
وتدل هذه الآية على أن الأصل في المضار الحرمة والمنع على الإطلاق.