"علقت القلوب على محبة الكعبة البيت الحرام؛ حتى استطاب المحبون في الوصول إليها هجر الأوطان والأحباب، ولذَّ لهم فيها السفر الذي هو قطعة من العذاب، فركبوا الأخطار وجابوا المفاوز والقفار، واحتملوا في الوصول غاية المشاق، ولو أمكنهم لسعوا إليها ولو على الأحداق:
نعم أسعى إليك على جفوني وإن بعدت لمسراك الطريق
وسرُّ هذه المحبة هي إضافة الرب سبحانه له إلى نفسه بقوله: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ).
"
(يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) في تقديم ذكر الرجال على الركبان فائدة جليلة، وهي أن الله- تعالى- شرط في الحج الاستطاعة ولابد من السفر إليه لغالب الناس فذكر نوعي الحجاج؛ لقطع توهم من يظن أنه لا يجب إلا على راكب، فقَّدم الرجال اهتمامًا بهذا المعنى وتأكيدًا، أو أن هذا التقديم جبرا لهم؛ لأن نفوس الركبان تزدريهم.
لما ذكر الله منافع الحج بقوله: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) أطلقها ولم يقيدها؛ فشملت منافع الدين والدنيا كلها، ولو تنبه المسلمون لذلك، لبالغوا في استثمار الحج؛ لما يعود عليهم بالنفع الدنيوي والأخروي.
(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) أضاف التقوى إلى القلوب؛ لأن حقيقة التقوى في القلب؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - -كما في الصحيح- «التقوى هاهنا» ثلاثا (() مسلم ح(٢٥٦٤)،الترمذي ح (١٩٢٧)، أحمد ح (٧٧٢٧). )، وأشار إلى صدره.
(لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ) فتأمل في دلالة كلمة (منكم)! فدفع الأموال منا، والجهد البدني في الذبح منا، فبقي تحقيق الأهم، وهي التقوى، فهي التي سنثاب عليها إن حققناها، وسنخسر إن غابت عن أعمالنا.
(فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) فأخبر - عز وجل - أن الحواس تبع للعقل، وأن ذا العقل الذي يغلب هواه عليه لا ينتفع بما أدركت حواسه.
المتأمِّل في آيات الحج يلحظ سمة التيسير في تشريعاته وأحكامه كلِّها، لكنه تيسير منضبط لا عن هوى وتشهي، والتيسير لا يعني عدم المشقة والتعب، فقد ختم الله أحكام الحج في سورة الحج بقوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ)، وسمَّـاه النبي - صلى الله عليه وسلم - جهادًا، وأبان أن الأجر فيه على قدر النصب والتعب.
"(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) الأمر بإصلاح العمل مع الأكل من الطيبات فيه رد على ثلاث طوائف:
١- من يأكلون الطيبات بلا شكر، والشكر هو العمل المرضي.
٢- من يعمل بغير إخلاص، وهم المراؤون.
٣- من يعمل مخلصًا، لكن على غير السنة.
"
إن الله إذا أراد بعبد خيرا، سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه، والإخبار بها من لسانه، وشَغَلَه برؤية ذنبه، فلا يزال نصب عينيه؛ حتى يدخل الجنة (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ).
ومحبة إشاعة الفاحشة تنتظم جميع الوسائل القبيحة إلى هذه الفاحشة: سواء كانت بالقول، أم بالفعل، أم بالإقرار، أو ترويج أسبابها، وهكذا، وهذا الوعيد الشديد ينطبق على دعاة تحرير المرأة في بلاد الإسلام من الحجاب، والتخلص من الأوامر الشرعية الضابطة لها في عفَّتها وحشمتها وحيائها.