أتدري من المخاطب بهذه الآية؟ (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لقد خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم وجهادهم، ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه، وأتى بأداة لعل المشعرة بالترجي؛ إيذانا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلاح إلا التائبون جعلنا الله منهم.
جاءت هذه الآية بعد عرض مشهد الأحزاب، وما أصاب المؤمنين من شدَّةٍ، وما داخَلَ بعضَ النفوس من خوف.. بينما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبشِّر بسقوط مملكتي فارس والروم!
فأمر سبحانه بالاقتداء به في حسن ظنه بربه، وإيمانه وتفاؤله
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ، توجيه رباني وجدت بركته أخت لنا فجعت بفقد والديها وأخيها وأختها جميعا في حادث؛ إذ لما اشتدت عليها المصيبة تذكرت هذه الآية ففزعت للصلاة، موقنة بكلام ربها، فتقسم أنه نزل على قلبها سكينة عظيمة خففت عليها مصيبتها. وذلك تأكيد عملي على أثر تدبر القرآن والعمل به في حياة العبد في ظروفه كلها.
ما أحوج الناس -في ظل غلاء الأسعار- أن يقفوا مع هذه الآيات: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) فتأمل ما فيها من العبر .
مَن جعل ما لم يأمر الله بمحبَّته محبوبًا لله، فقد شرع دينًا لم يأذن الله به، وهو مبدأ الشرك، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ).
الخطوات الأولى! (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ)، مبدأ كل عمل هو الخواطر والأفكار؛ فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطي العادة، فصلاح كل هذا بصلاح الخطوة الأولى وهي الخواطر الأفكار، وفساده بفسادها.