جمع الله تعالى الحمد لنفسه في الزمان والمكان كله، فقال: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) وقال: (وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ )؛ فتبين بهذا أن الألف واللام في (الْحَمْدُ) مستغرقة لجميع أنواع المحامد، وهو ثناء أثنى به تعالى على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه به.
يواجه الإنسان في حياته -وخاصة في هذا الزمن- كثيرًا من المتغيرات، التي يتأثر بها كثير من الناس، ولو تدبر المؤمن هذه الآية، لما زهد في طريق الحق ولو انحرف عنه أكثر الناس؛ ولذلك ختم الله الآية بقوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
لم ترد آية في الربا إلا جاء قبلها أو بعدها ذكر الصدقة أو الزكاة، وفي هذا إشارة لطيفة بأن الربح الحقيقي في الصدقة والزكاة لا بالربا، كما يتوهم المرابون، وآية الروم كشفت المكنون .
يشتكي العالم اليوم من أزمات كثيرة، يقول الشيخ ابن عثيمين: أفعال الله كلُّها خير وحكمة، وتقدير الله لهذه الشرور له حكمة عظيمة، وتأمل هذه الآية، تجد أنَّ هذا الفساد الذي ظهر في البر والبحر كان لما يُرجى به من العاقبة الحميدة وهي: الرجوع إلى الله.
(فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) فإذا كانت حياة الأرض بعد موتها من أعظم الأدلة على سعة رحمته؛ فالدليل في القلب الخلي من العلم والخير حين ينزل الله عليه غيث الوحي فيهتز وينبت العلوم المختلفة النافعة، والأعمال الظاهرة والباطنة أعظم من الأرض بكثير! ودلالته على سعة رحمة الله وواسع جوده وتنوع هباته أكثر وأعظم.
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) جاء الحديث عن صدق وعد الله بعد الصبر؛ لأنه «مما يعين على الصبر؛ فإن العبد إذا علم أن عمله غير ضائع بل سيجده كاملًا، هان عليه ما يلقاه من المكاره، ويسر عليه كل عسير، واستقل من عمله كل كثير».
(حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) ألم يبلغك ما تقاسي أمك وما تتعذب بسببك؟ لو سبب لك إنسان عُشر هذا العذاب، لأعرضت عنه وهجرته، -هذا إن لم تنتقم منه-! ولكن الأم تنسى ألمها بعد لحظات من خروج الولد، ثم تضمه إلى صدرها؛ فتحس كأن روحها التي كادت تفارقها قد رجعت إليها.
الداعية إلى الله، والآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر: لا بُدَّ أن يصيبه أذى، فهو محتاج إلى الصبرعلى ما يصيبه من أذيَّة الناس له بالقول أو بالفعل، وقد جمع الله بين الأمر والنهي وبين الصبر في وصية لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ).