(وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا) ولم يقل: (وفجرنا عيون الأرض)، فكأن الأرض كلها كانت عيونًا متفجرة، حتى التنور الذي هو أبعد ما يكون عن الماء لحرارته ويبوسته صار يفور، كما قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ) (هود: ٤٠).
البديل الشرعي:(لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا)جرت العادة أن الله في كتابه إذا نهى عن شيء، بيّن وجهًا آخرَ غير منهيٍ عنه؛ فلا ينبغي للإنسان إذا تصدَّى لتعليم أحكام الشريعة أن ينهاهم عن شيء، حتى يبين لهم بابَ الحلال.
إنما ذكر الله تعالى مادة صنع السفينة، وأنها من الأخشاب والمسامير، أو الروابط التي تربط بين تلك الأخشاب؛ ليكون ذلك تعليمًا للبشر أن يصنعوا السفن على هذا النحو.
ولم يقل: (ما يودُّ أهل الكتاب)، ففيه تنبيه إلى أنهم قد كفروا بكتُبهم؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بها لصدَّقوا محمَّدًا الذي أمرتهم كتبُهم بتصديقه واتِّباعه.
أنزل الله القرآن يحتوي على عجائب الحكم، فمن فتشه بيد الفهم، وحادثه في خلوة الفكر، استجلب رضا المتكلم به، وحظي بالزلفى لديه: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ).
ليس الخزي أن تدعو وتأمر بمعروف وتنهى عن منكر، فلا يستجاب لك، أو ترد دعوتك، أو تهان أمام عشرة أو مائة، بل الخزي هو الغضب من أعظم عظيم، والعذاب الأليم، أمام جميع العالمين من الأولين والآخرين.
إذا منع الله عباده المؤمنين شيئًا تتعلق به إرادتهم، فتح لهم بابًا أنفع لهم منه وأسهل وأولى، كقوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)، وقوله: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته) (النساء: ١٣٠)، وفي هذا المعنى آيات كثيرة".
ما فائدة تكرار قوله تعالى عن قوم عاد: (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)، في ابتداء القصة وفي آخرها؟ الجواب: أن الأولى تخبر عن عذابهم في الدنيا والثانية عن عذابهم في الآخرة؛ وذلك أن الله اختص عادًا بذكر عذابين لها في قوله تعالى: (لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ) (فصلت: ١٦)، ويصح أن تكون الأولى قبل وقوع العذاب والثانية بعد وقوعه؛ توبيخًا لهم.
(إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ) في هذا إشارة إلى أن الله تعالى قد يظهر للإنسان من الآيات ما يؤمن على مثله البشر؛ حتى إذا استكبر كان استكباره عن علم، فكان عقابه أشد وأوجع؛ ولهذا جعل الله الناقة فتنة؛ لأنها أظهرت الحق لهم، ولكن لم يقبلوه.
تدبر قوله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ)تجده دليلًا واضحًا على أن حرمان التوفيق أقعدهم عن الإيمان؛ فإنهم لم يحسدوا غيرهم عليه، إلا بعد أن تبينت لهم حقيقته إذ محال أن يحسدوا غيرهم على ما هو باطل عندهم، وفي أيديهم ما يزعمون أنه خير منه.