قوله تعالى: (إِنَّ الة عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّل الغَيْثَ ويَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ. .) الآية.
أضاف فيها العلم إلى نفسه في الثلاثة من الخمسة المذكورة، ونفى العلم عن العباد في الأخيرين منها، مع أن الخمسة سواء في اختصاصِ الله تعالى بعلمها، وانتفاء علم العباد بها، لأن الثلاثة الأول أمرها أعظمُ وأفخم، فخُصَّت بالِإضافة إليه تعالى، والأخيرينِ من صفات العباد، فخُضَا بالِإضافة إليهم، مع أنه إذا انتفى عنهم علمهما، كان انتفاءُ علم ما عداها من الخمسة أولى. فإِن قلتَ: لمَ قال تعالى " بأيّ أرضٍ تموتُ " ولم يقل: بأيِّ وقتٍ تموت، مع أن كلَاَ منهما غير معلوم
لغيره، بل نفيُ العلم بالزمان أولى، لأن من الناس مَنْ يدَّعىِ علمه، بخلاف المكان.
قلت: إنما خص المكان بنفي علمه، لأن الكون في مكان دون مكانٍ في وسع الِإنسان واختياره، فاعتقادهُ علم مكان موته أقربُ، بخلاف الزمان، ولأن للمكان دون الزمان تأثيراً في جلب الصحة والسُّقم، أو تأثيرُه فيهما أكثرُ.
قوله تعالى: (يُدَبِّرُ الَأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ. .) الآية.
إن قلتَ: لمَ قال هنا " في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُه أَلْفَ سَنَةٍ "
وفي المعارج " في يَوْمٍ كَانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألفَ سَنَةٍ "؟!
قلتُ: المرادُ باليوم هنا، مدَّةُ عروج الله تعالى - أي عروج تدبيره وأمره - من الأرض إلى السماء الدنيا، وبه تَمَّ عروجُ الملائكةِ من الأرض إلى العرش.
أو المرادُ به في الموضعين: " يومُ القيامةِ " ومقدارُه ألف سنةٍ من حساب أهل الدنيا، إذا تولَّى الحسابَ فيه الله تعالى، وخمسينَ أَلف سنةٍ لو تولَّى فيه الحسابَ غيرُ الله تعالى.
أو المرادُ: أنه كألفِ سنةٍ في حقِّ خواصِّ المؤمنين، وخمسين ألفَ سنة في حق عوامِّهم.
أو المرادُ: أنه كألفِ سنةٍ في حقِّ المؤمنِ، وخمسين ألف سنةٍ. في حقِّ الكافر. (1)
قوله تعالى: (الَّذي أحْسَنَ كُلَّ شيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الِإنْسَانِ مِنْ طِينٍ) بسكون اللام وفتحها.
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن في مخلوقاته تعالى قبيحاً، كالشرور والمعاصي؟
قلتُ: " أَحْسَنَ " بمعنى أتقنَ وأحكَمَ، أو " أحْسَنَ " بمعنى: عَلِمَ، كما يُقال: فلانٌ لا يحسنُ شيئاً أي لا يعلمه، فمعناه بسكون اللام: عَلِم خَلْقَ. كل شيءٍ، وبفتحها: عَلِمَ كُلَّ شيءٍ خَلَقه. (2)
قوله تعالى: (قُلْ يَتَوَفاكُمْ مَلَك المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ. .) الآية، هو " عزرائيل " عليه السلام، قال ذلك هنا، وقال في الأنعام " حَتَّى إِذَا جَاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا " وفي الزمر " الله يتوفَّى الأنفسَ حينَ مَوْتِها " ولا منافاةَ، لأن الله هو المتوفِّي حقيقةً، بخلقه الموت، وبأمر الوسائط بنزع الروح - وهم غيرُ ملك الموت أعوانٌ له - ينزعونها من الأظافير إلى الحلقوم، ومَلَكُ الموتِ ينزعها من الحلقوم، فصحَّت الِإضافاتُ كلُّها.
قوله تعالى: (إِنَّمَا يُؤْمنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً. .) الآية.
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن المؤمنين ليسوا منحصرين فيمن اتَّصف بهذه الصِّفةِ، ولا هذه الصِّفةُ شرط في تحقق الِإيمان؟!
قلتُْ المرادُ بـ " ذُكِّرُوا ": وُعِظُوا، وبالسجود: الخشوعُ، والخضوعُ، والتواضعُ في قبولِ الموعظة، وذلك شرطٌ في تحقق الِإيمان.
أو المرادُ بالمؤمن: الكاملُ إيماناً.
قوله تعالى: (وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كنْتُمْ بِهِ تُكَذَبُونَ..) .
قال ذلكَ هنا، وقال في سبأ: " عَذَابَ النَّارِ الّتي كنتُمْ بها تُكذّبُون ".
ذكَّر الوصف والضميرَ هنا، نظراً للمضاف وهو العذابُ، وأنّثهما ثمَّ نظراً للمضافِ إليه وهو النَّارُ، وخُصَّ ما هنا بالتذكير، لأن النَّار وقعتْ موقع ضميرها لتقدّم ذكره، والضميرُ لا يُوصف فناسبَ التذكيرُ، وفي سبأ لم يتقدَّمْ ذكرُ النَّارِ ولا ضميرُها، فناسب التأنيثُ.
قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الفَتْحُ إِنْ كنْتُمْ صَادِقِينَ) .
إدن قلتَ: هذا سؤالٌ عن وقت الفتح - وهو يومُ القيامةِ - فكيف طابقه الجوابُ بقوله " قلْ يومَ الفَتْح لا يَنْفَعُ الَّذينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ "؟!
قلتُ: لمَّا كان سؤالُهم سؤالَ تكذيبِ واستهزاءٍ بيومِ القيامة، لا سؤالَ استفهام، أُجيبوا باَلتهديدِ المطابقِ للتكذيب والاستهزاءِ، لا ببيانِ حقيقة الموقَّتِ، وإِنْ فُسِّر الفتحُ بـ " فتحِ مكة " أو بيوم بدر، كان المرادُ أن المتولّين لم ينفعهم إيمانهم حال القتل كإِيمان فرعون، بخلاف الطلقاء الذين آمنوا بعد الأسر، فالجوابُ بذلك مطابقٌ للسؤال من غير تأويل.