قوله تعالى: (فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا. .)
قال هنا بزيادة " وزينتها " وفي الشورى بحذفه، لأنَّ
ما هنا لسبقه، قُصد فيه ذكرُ جميع ما بُسِط من رزق
أعراضِ الدنيا، فذكر " وزينتها " مع المتاع، ليستوعبَ جميعَ ذلك، إذِ المتاعُ ما لا بُدَّ منه في الحياة، من مأكولٍ، ومشروبِ، وملبوسٍ، ومسكنٍ، ومنكوحٍ، والزينةُ ما يتجملَ به الإنسان، وحذفه في الشورى اختصاراً.
قوله تعالى: (فَدَعَوْهُم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا العَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانوا يَهْتَدُون) ، جوابُه محذوفٌ تقديره: لما رأوا العذاب، ولا يصح أن يكون جوابُها ما قبلها، لأنَّ من يرى العذابَ يكون ضالًّا لا مهتدياً.
قوله تعالى: (وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُط الرِّزْقَ ... وَيْكَأَنَّه لاَ يفْلِحُ الكَافِرونَ " " ويكأنَّ " أعاده بعد لاتصال كلٍّ منهما، بما لم يتَّصل به الآخر، و " وَيْ " قال سيبويه كغيره: إنها صلَةٌ، وهي كلمة تدلُّ على النَّدم، وقال الأخفش: أصلها " ويكَ " و " أَنَّ " بعده منصوبٌ بإِضمار اِعْلَمْ أي اِعلَمْ أنَّ اللهَ، فعلى الأول يُوقف على " وَيْ " وبه قرأ الكسائي، وعلى الثاني يوقف على " وْيكَ " وبه قرأ أبو عمروٍ، والجمهور يقفون على " ويكأنَّ " تبعاً للرَّسم، ويجوِّزون الوقف عليه بهاء السكت.
قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الِإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً. .) . أي بِرّاً ذا حُسْنٍ.
ذَكرَه هنا، وفي الأحقاف " إحساناً " وحَذَفَه في لقمان، مع أنَّ الثلاثة نزلت في " سعد بن مالك " وهو " سعدُ بن أبي وقَّاص " على خلافٍ فيه، لأن الوصية هنا وفي الأحقاف جاءت في سياق الِإجمال، وفي لقمان جاءت مفصَّلة لما تقدَّمها من تفصيل كلام لقمان لابنه، ولأن قوله بعدها " أَنِ اشكُرْ لي ولوالِدَيْكَ " قائم مقامه، فحسُن حذفُه.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً. .) .
إن قلتَ: ما فائدةُ العدولِ إلى ما قاله، عن تسعمائة وخمسين، مع أنه عادةُ الحساب؟
قلتُ: فائدتُه تسليةُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذِ القصة مسوقةٌ لتسليته بما ابتلي به نوح عليه الصلاة والسلام، من مكابدة أمته في أطول المُدَد، فكان ذلك أقصى العقود، التي لا عقد أكثر منه في مراتب العدد، أفخر وأفضى إلى المقصود، وهو استطالة التَّسامعِ مدّةَ صبره، وفيه فائدةٌ أخرى، وهي نفيُ توهُّم إرادة المجاز، بإِطلاقِ لفظ تسع المائة والخمسين على أكثرها، فإِن هذا التوهم مع ذكر الألف والاستثناء منتفٍ أو أبعد.
وجاء المميَّز الأول بلفظ " السنةِ " والثاني بلفظ " العَام " لكراهة التكرار.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا
يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ الله الرِّزْقَ. .) الآية. نكَّر الرزق أولًا، ثمَّ عرَّفه ثانياً، لأنه أراد بذلك أن الذين تعبدون من دون الله، لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئاً من الرزق، فابتغوا عند الله الرزقَ كله، فإِنه هو الرزَّاقُ لا غيرُه.
قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِى الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِىءُ النَّشْاةَ الآخِرَةَ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف أضمر لفظ " الله " أولًا، ثم أظهره ثانياً مع أن القياس العكسُ؟
قلتُ: تنبيهاً على عِظم إنشائهم أي إعادتهم، لأنها التى ينكرها الكافر، فناسب ذكر الظاهر للإِيضاح.
قوله تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الَأرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. .) الآية.
قال ذلك هنا، واقتصر في الشورى على " في
الأرضِ " لأنَّ ما هنا خطابٌ لقومٍ فيهم " النمرود " الذي حاول الصعود إلى السماء، فأخبرهم بعجزهم وأنهم لا يفوتون الله، لا في الأرضِ، ولا في السماء، وما في الشورى خطابٌ لمن لم يحاول الصعود إلى السماء، وقيل: خطابٌ للمؤمنين بقرينة قوله " وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبتْ أيديكُمْ ويعفو عن كثيرٍ "، وقد حُذفا معاً للاختصار، في قوله في الزمر " وما هم بمعجزين ".