قوله تعالى: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَ) .
قدَّم " سليمانُ " اسمه على اسم الله تعالى، مع أنَّ المناسبَ عكسُه، لأنه عرف أن " بلقيس " تعرف اسمه، دون اسم الله تعالى، فخاف أن تستخفَّ باسم الله تعالى، أوَّلَ ما يقعُ نظرها عليه، أوكان اسمُه على عنوانِ الكتاب، واسمُ اللهِ في باطنه.
قوله تعالى: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَاب أَنَا اتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَد إِلَيْكَ طَرْفُك. .) .
القائلُ كاتبُ سليمانَ، واسمُه " آصف ".
فإِن قلتَ: كيف قَدَر مع أنه غيرُ نبيٍّ، على ما لم يقدر عليه سليمان مع أنه نبيٌّ، من إحضار عرش بلقيس في طرفة عين؟!
قلتُ: يجوز أن يُخصَّ غيرُ النبيّ بكرامةٍ، لا يشاركه
فيها النبيُّ، كما خُصَّت " مريمُ " بأنها كانت تُرزق من فاكهة الجنة، و " زكريا " لم يُرزق منها، ولم يلزم من ذلكَ فضلُها على " زكريا "، وقد نُقل أن " سليمان " عليه السلام، كان إذا أراد الخروج إلى الغَزَاةِ، قال لفقراء المهاجرين والأنصار، اُدعوا لنا بالنُّصْرة، فإِن الله ينصرنا بدعائكم، ولم يكونوا أفضل منه، مع أن كرامة التَّبع من جملة كرامة المتبوع.
ويُحكى أن العلمَ الذي كان عند " آصف " هو اسمُ الله الأعظم، فدعا به فأُجيب به في الحال.
وهو عند أكثر العلماء كما قال البندنيجي: اسمُ الله، وقيل: يا حيُّ، يا قيُّوم.
وقيل: يا ذا الجلالِ والِإكرام، وقيل: يا أللهُ، يا رحمنُ، وقيل: يا إلهنا وإِلهَ كل شيء، إلهاً واحداً، لا إلهَ إلّاَ أنتَ.
4! - قوله تعالى: (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لله رَبِّ العَالمِين) . حقيقةُ المعيَّة: الاتفاقُ في الزمانِ، وسليمانُ كان مُسلماً قبلها وإِن يُقل بدل " مع سليمان " على يد سليمان؟ لأنها كانت ملكة،
فلم تذكر عبارةً تدلُّ على أنها صارت مولاةً له بإِسلامها، وإِن كان الواقعُ ذلك.
قوله تعالى: (وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) .
قاله هنا بلفظ " أنجينا " وفي حمَ السجدة بلفظ " ونجينا " موافقةً لما بعده هنا، ولما قبله وبعده ثَمَّ، فيما وزنُه " أفعل " و " فعل " ثَمَّ، حيث قال هنا بعده " فأنجيناه وأهلَه. . وأمطرنا " وقال ثَمَّ قبله " وزيَّنَّا " وبعده " وقَيَّضْنَا ".
قوله تعالى: (أَإِلهٌ مَعَ الله) ؟
ذُكر هنا في خمسة مواضع متوالية:
وختم الأولى بقوله: (بَلْ همْ قومٌ يَعْدِلُونَ)
والثانية بقوله: (بلْ أكثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)
والثالثة بقوله: (قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) .
والرابعة بقوله: (تَعَالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) .
والخامسة بقوله: (قل هاتُوا برهانَكُمْ إن كنْتُمْ صادقينَ) .
أي عدلوا، وأوَّلُ الذنوبِ العدولُ عن الحقِّ، ثُمَّ لم يعلموا ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكَّروا فيعلموا بالنظر والاستدلال، فأشركوا من غير حجةٍ وبرهانٍ، قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ. .) الآية.
قاله هنا بلفظ " فزع " وفي الزمر بلفظ " صَعِقَ " موافقةً هنا لما بعده، وهو " وهم من فَزَعٍ يومئذٍ آمنون " وفي الزمر لما قبله، وهو " إِنَّكَ ميِّتٌ " إذْ معنى الصعق: الموت، وعبَّر فيهما بالماضي دون المضارع مع أنه أنسبُ، للإِشعارِ
بتحقق الفزع والصعق ووقوعهما، إذِ الماضي أدلُّ على ذلِكَ من المضارع.
ْ2 - قوله تعالى: (وَكلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) .
إن قلتَ: كيف قال " داخرين " أي صاغرين أذلّاَء بعد البعث، مع أنَّ " النبيِّين، والصدِّيقين، والشهداء، والصالحين " يأتون عزيزين مكرَّمين؟!
قلتُ: المرادُ صغارُ العبودية والرِّق وذلُّهما، لا ذلُّ المعاصي والذنوب، وذلك يعمُّ الخلق كلَّهم، كما في قوله تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ إِلّاَ آتِي الوَّحْمَنِ عَبْداً) .